قصة لغز الغرفه112 شبح الفنانه ذكري الجزء الرابع والاخير


👈 ما أن اندفعت داخل الحمام..
حتى انطلقت شهقة رعب بالغة من فمي..
فما وقعت عيني عليه كان شيء رهيب..
كانت هناك أثار كفوف ملطخة بالدماء مطبوعة على كل جدران الحمام..
كفوف عديدة متناثرة هنا وهناك..


كفوف ذات لون أحمر دامي جفت منذ زمن..وقد سالت منها خيوط رفيعة بشكل بشع..
الجدران والبانيو الكبير والمرآة العريضة كلها مرصعة بالكفوف المفزعة..
ورائحة الدم تفوح في المكان كله، وتكاد تطبق على أنفاسي فتزهق روحي..
يا ألهي..ما كل تلك الرهبة التي تجتاح جسدي، وتقبض قلبي فتعصره عصرا، لقد شهدت طوال حياتي العملية العديد من الجثث التي قتلت بأبشع الأساليب، وعاينت عشرات الأماكن التي تمت فيها أفظع الجرائم..
لكني ولأول مرة في عمري، أواجه تلك الألغاز الرهيبة، وأشعر بكل ذلك الذعر والخوف يسيطران على جسدي..
((شايف يا سعادة الباشا))..
نطق منصور بالعبارة بصوته الغليظ، فانتفضت بقوة، وخفق قلبي بعنف شديد، والتفت له وأنا انوي أن أسبه وألعن جدوده، إلا انه استوقفني وهو يشير بسبابته إلى شيء ما وهو يردف:
- شايف العلامات دي.
نظرت إلى حيثما يشير، لأبصر بضعة علامات دموية مرسومه بباطن البانيو، من الداخل، اقتربت منها بخطوات حذرة، وأنا أتساءل في حيرة:


- أيه العلامات دي؟!.
دققت فيها بعيني، لأجدها علامات مجهولة المعنى أشبه بطلاسم سحرية مكتوبة بالدم، مددت أصابعي كي ألمسها، فهتف منصور:
بلاش يا باشا.
قلت له :
- ليه يا منصور.
هز رأسه وكأنه لا يجد ما يجيبني به ثم قال:
- بلاش..أحسن..أحنا منعرفش أيه العلامات دي.
سألته مرة أخرى:
- تفتكر تكون أيه.
تردد قليلا ثم غمغم:
- شكلها يا سعادة الباشا زى ما يكون تعويذة سحريه.
هتفت مستنكرا:
- تعويذة سحريه؟!!..طيب أزاي..مفيش حد دخل الشقة دي عشان يكتبها.
ونهضت وأنا ألوح بذراعي مستطردا:


- ثم أيه كل الدماء دي..جريمة القتل كانت في الصالة والدم استحالة انه يوصل للحمام بأي شكل.
صمت لبرهة، وأخذت أدير عيني في حمام الدم، بينما كان عقلي يشتعل من كثرة التفكير، وأحترم منصور صمتي فسكت هو الأخر ولم ينبس ببنت شفة..
كان هذا قبل أن أطلق تنهيدة ملتهبة وأقول:
- الأمر كله محير جدا.
تمتم منصور:
- طيب بقولك يا باشا..ما نجيب واحد من الناس اللي بتفهم في أمور الجن والسحر..ممكن يوصل لحاجه.
نظرت له قائلا:
- أنت بتقول إيه يا منصور أنت عارف إننا أساسا ضد الدجل والشعوذة..نقوم نستعين بيهم بدل ما نقبض عليهم.
قال في إلحاح ليقنعني بالفكرة:
- ايوة لكن حضرتك عارف إننا دلوقت بنواجه شيء غريب فعلا..يبقى لازم نواجهه بحد بيفهم في الكلام دا.
خرجت من الحمام ومنصور خلفي، وكنت أدير الأمر برأسي ، ثم قلت له بعد أن اتخذت قراري:
- بقولك يا منصور..روح بسرعة هات واحد من الناس بتوع الجن دول ضروري وتعالى.
أنصرف منصور لأداء مهمته، بينما أغلقت أنا باب الحمام، حتى لا يرى أحد من بقية الرجال ما بداخله، ثم ذهبت ناحية رجل البحث الجنائي الذي كان قد انتهى من فحص كل أقفال أبواب ونوافذ الشقة، أشعلت سيجارة ثم سألته:
- إيه نتيجة الفحص؟
أجاب قائلا:


- مفيش أي أثر لأي محاولة دخول غير شرعي للشقة يافندم الكوالين وأقفال الشبابيك كلها سليمة ومفيهاش خدش واحد.
أشرت ناحية النافذة وتساءلت:
- يبقى الشباك دا أتفتح أزاي؟!!.
مط شفتيه ورفع حاجبيه وهو يقول:
- الأمر غريب بالفعل يا سيادة المقدم..لكن فعلا مفيش هنا أي أثار غريبة تدل إن حصل اقتحام غير مرغوب فيه للشقة وكمان مفيش أي بصمات غريبة في المكان.
اتجهت نحو النافذة التي أغلقها فني البحث الجنائي بعد ما انتهى من فحصها، وأمسكت مقبضها وضغطت زر الفتح وأنا أقول:
- ممكن جدا كان مش مقفول كويس والهوا فتحه.
جذبت المقبض محاولا فتح النافذة، إلا أنني وجدت صعوبة بالغة، فهتف فني البحث الجنائي:
- مش هيتفتح بسهولة يا سيادة المقدم..أنا أساسا قفلته بصعوبة.
غمغمت في دهشة مكرر كلماته:
- مش هيتفتح بسهولة!!.


قال الرجل مفسرا:
- الشباك من طول قفله..معدنه حصل فيه حالة تيبس من تراكم مية المطر والتراب خلت فتحه وقفله صعب ولازم يكون في قوة تفتحه..ودا ينفي نقطة الهوا تماما.
أحسست بلهيب السيجارة يلسع أصابعي، معلنا نهايتها، فألقيتها أرضا ودهستها بحذائي، قبل أن أشرع في إشعال سيجارة أخرى وأنا أغوص في تفكيري..
من الذي فتح تلك النافذة الملعونة؟..
رجل البحث الجنائي يقول إنها تحتاج لقوة كي تفتح..
أذن الذي فتح النافذة كان شيئا ما يمتلك قوة..
تذكرت القصة التي سردها البواب النوبي حول النافذة..
بأنه تفاجأ برؤية النافذة مفتوحة ذات ليلة، وشاهد خيالات غريبة لأناس تعدو بداخل الشقة في قلب الظلام، وكان هناك أيضا من يقف خلف النافذة ويلقي بتلك الاحجار غريبة الشكل إلى الشارع..
تذكرت تلك الأصوات الغريبة التي اتفق الجيران كلهم على أنهم قد سمعوها مرارا..اصوات شجار عنيف يدور داخل تلك الشقة..
واندفعت لمخيلتي صور أثار أقدام الطفل الموجودة التي رأيتها داخل غرفة نوم الفنانة الراحلة..
يا ترى من صاحب تلك الآثار؟..هل هو طفل فعلا؟...أم كائن أخر.. لا نعلم عنه شيئا..
وتلك الكفوف الدموية التي لطخ صاحبها كل جدران الحمام بها..
من صاحبها؟..ولماذا فعل ذلك؟..


وما سر تلك العلامات المرسومة بباطن البانيو..
هل هي بالفعل طلاسم سحرية؟..
أم أثار لشيء ما..شيء غريب عن عالمنا الذي نعيش فيه..
كالجن مثلا..
عند تلك النقطة دخل منصور وهو يقول بصوته الخشن:
- تمام يافندم..الشيخ سعيد حضر..أدخله.
أومأت له براسي كي يسمح له بالدخول، فدلف ألينا رجل في الخمسون من عمره، طويل القامة، ممتلئ الجسد، وسيم الملامح، وقد أعطته لحيته البيضاء القصيرة مزيدا من الوقار والهيبة، وكان يرتدي بدله سوداء اللون، ويمسك بمسبحة طويلة في يده اليمنى، لا تتوقف أنامله عن تمرير حباتها القرمزية..
تقدمت ناحيته ملقيا عليه التحية:
- أهلا بيك يا شيخ سعيد.
باغتني بعدم رده للتحية، وإنما أخذ يدير عيناه في المكان طويلا، قبل أن يغمضهما، وهو يتمتم ببعض الأذكار والادعيه، بكلمات سريعة غير مفهومه، وقد تسارعت أصابعه في تمرير حبات المسبحة، وتندى جبينه بالعرق، قبل أن يفتح عيناه قائلا بصوت لاهث متهدج وكأنه يبذل مجهودا خارقا:
- لا..لا..مستحيل..مستحيل..


سألته بدهشة بالغة:
مالك يا شيخ سعيد..هو أيه اللي مستحيل؟!!.
أرتجف جسده بقوة، وأصفر وجهه بشدة، وتسارعت أنفاسه بشدة، وأصبح من الواضح لنا بأنه يعاني أعراض نوبة مرضية مفاجئة، فأمسكته قبل أن يسقط مغشيا عليه، وهرع منصور وفني البحث الجنائي لمساعدتي في حمل جسد الرجل، الذي تخشب للحظات فقد فيها الوعي تماما، قبل أن يستعيده بغتة، ويفتح عيناه مرة أخرى، ويلقى علينا نظرة توحي بكم الهلع والذعر الذي يشعر به، فربت بيدي على كتفه قائلا لأطمئن عليه:
- أنت بخير يا شيخ سعيد.
تغيرت ملامحه فجأة، وقد كساها الجمود والقسوة، بينما جحظت عيناه بشدة، وأخذ يلقي علينا نظرات زاجرة بالغة الغضب، وما لبث أن خرج صوت متحشرج شديد الغلظة من فاه، صوت مغاير تماما لصوته الأصلي الذي كان يتكلم به منذ قليل..
هتف الصوت في خشونة وكأنه يخرج من أعماق كهف سحيق:
- لازم تخرجوا كلكوا من هنااااااا....انتم سببتوا إزعاج ليناااااا.
هتفت مرتبكا :


- انتوا مين؟.
تحولت حدقتي الشيخ سعيد نحوي وقال بغضب بالغ:
- خد رجالتك واخرج من هنااااااا...وإلا هيكون عقابكوا شديد...أخرجوااااا..اخرجوااااا..
ثم أغمض الشيخ سعيد عيناه مرة ثانيه، قبل أن يستيقظ، ويجول بعينيه فيما حوله، ثم نهض فجأة وشرع في الانصراف سريعا، فقلت له:
- أنت رايح فين يا شيخ سعيد..وايه اللى حصلك؟!!.
نظر لي في صمت لثوان قبل أن يتمتم في خوف:
- أجمع رجالتك يا سيادة المقدم واخرجوا من هنا بسرعة أرجوكوا..أقفلوا الشقة دي وياريت مفيش حد يقرب منها تاني الشقة دي مسكونة بقوة أكبر مننا كلنا..اللهم بلغت اللهم فاشهد.
قالها وانصرف سريعا، فأطبق علينا الهدوء والسكون، فيما أخذنا نحن الثلاثة نتبادل النظرات الصامتة بيننا...
نظرات الخوف والرعب..
إلى أن خرج بقية الرجال من الغرف إلى البهو الفسيح، وقال أحدهم:
- تممنا على كل شيء يا سيادة المقدم...مفيش حاجة ناقصة راجعنا كل الممتلكات المذكورة في كشف النيابة لاقيناها موجودة.
أومأت برأسي وقلت في شرود:
- طيب يلا يا رجالة عشان هنخرج من الشقة.
والتفت إلى منصور مردفا:
- منصور بعد ما نخرج أتأكد من قفل الباب وشمعه بالشمع الأحمر.


وبعد عشرة دقائق كنت أقف بجوار سيارة الشرطة في الشارع، أستعد للركوب بجوار السائق، لكني توقفت دون سبب..وشعرت بأن هناك من ينظر لنا من نافذة الشقة الملعونة
رفعت عيني سريعا إلى أعلى..لأبصر أحدى مصراعي النافذة قد تحرك وتزحزح بضعة سنتيمترات كانت كافية لأن ألمح شيئا ما..
كان هناك وكأن وجه حزين يتوارى بجوار الستائر وينظر نحوي..
كان وجه الفنانة الراحلة..
فتمتمت ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم ركبت السيارة..
التي انطلقت في هدوء..مبتعدة عن البناية التي يوجد بها تلك الأسطورة الرهيبة..
أسطورة الشقة 112.
******
كيف قتلت ذكرى؟..
أن الذي أتضح ألينا من خلال المقالات السابقة أن كل شواهد الجريمة وكل الأدلة تذهب بنا إلى اتجاه واحد وصريح..
وهو أن من قام بالجريمة هو فريق من القتلة المدربين لا يقل بأي حال من الأحوال عن ثلاثة أفراد..
فريق متمرس في عمليات القتل..
كل الشواهد تنفي بأن يكون رجل الأعمال (أيمن السويدي) هو القاتل..وأنه قد انتحر بعد ما قام بجريمته..
هناك سيناريو يقول بأن أيمن كان يعاني من كثرة ديونه للبنوك حيث كتب في وصيته لأخيه قبل ارتكابه للجريمة ((أحذرك من التعامل مع مدير أعمالي عمرو الخولي اللي كان السبب في خراب بيتي بعد ما شجعني أقترض من البنوك)).
ولكنه سيناريو فاشل لأنه ببساطة متناهية يمكن هدمه وتقويضه بسؤالين فقط هما لماذا يحذر أيمن أخيه من التعامل مع مدير أعماله أذا كان ينوي قتله من الأساس؟..


والسؤال الثاني هو أذا كان أيمن قد قام بقتل مدير أعماله بسبب تشجيعه له على التعامل بالقروض فلماذا قتل خديجة وذكرى؟!!!...
لا..إن الأمر بعيد تماما عن أيمن السويدي..
وكما قلنا من قبل إن كل الشواهد تذهب بنا إلى أن من قام بالجريمة فريق من القتلة تم استئجاره لتلك المهمة..
يقال بأن ذكرى قد قامت بتسجيل أغنيه اتهمت فيها بعض الرؤساء والحكام بالخيانة والعمالة مما وجب عليهم وقتها بأن يتخلصوا منها..
وكذلك أيضا فأن المطربة الراحلة كانت تحيي أحدى حفلاتها بمهرجان الدوحة للأغنية، وقد استوقفت الجمهور العريض وقالت لهم: بأن ما تواجهه من عقبات يشبه العقبات التي واجهت الأنبياء أثناء نشر دعواتهم..
تلك العبارة كانت أشبه بالقنبلة التي انفجرت فكان لها ردود فعل غاضبة..
فقيل بأن أحد الشيوخ طالب بهدر دمها لتجاوزها الحدود وهو الشيخ الخضيري..واتهمت ذكرى ساعتها بالفسوق والكفر ولم تنقذها تبريراتها التي أطلقتها لتهدئة الموقف..إلى أن برأها مفتي الديار المصرية من تلك التهم بعد ما أكدت له بأنها لم تقصد المعنى الذي فهمه الناس..
لكن هناك عددا من الإعلاميين الذين أصروا على أن سبب وفاتها هو سياسي بحت، وليس له أي علاقة بالزلة الدينية الغير مقصودة، بسبب الاغنيه التي وقعت في يد خصومها فقاموا بقتلها ثم قاموا بإخفاء تقارير الطب الشرعي والتي تفيد بأن أيمن السويدي قتل بثلاثة رصاصات وليست رصاصة واحدة وطبعا فأن تلك النقطة تنفي مسألة انتحاره..


أذن سواء تصفية ذكرى كانت لغرض مجموعة دينية متطرفة أو لغرض سياسي فهذا أيضا يعود بنا إلى نقطة أن من قام بالجريمة فريق لا يقل عن ثلاثة أفراد وليس أن القاتل هو أيمن السويدي كما قالت النيابة..
ولنحاول أن نتخيل ونرسم لحظات وقوع الجريمة..
الخادمتان متورطتان في الجريمة وذلك بتسهيل دخول فريق القتلة إلى الشقة، بترك الباب مواربا في موعد محدد..
ذكرى وعمرو الخولي وزوجته يجلسان في جلسة تسامر كأي جلسة بين أصدقاء..بينما الزوج أيمن السويدي موجود بحجرة المكتب..
فجأة يقتحم الفريق المدرب الشقة ويفتحوا النار على ذكرى وأصدقائها الذين تفاجئوا بالأمر ولم يستطيعوا أن يتحركوا حركة واحدة، إذ انطلقت الرصاصات سريعة لتمزق أجسادهم وتحصد أرواحهم..


وحينما خرج الزوج لاستجلاء الأمر وفي يده مسدس يزود به عن نفسه، استقبلته الرصاصات لترديه قتيلا على الأرض، وبعد الانتهاء قام القتلة بترك الأسلحة بجوار جثة الزوج بعدما الصقوا عليها بصماته، ثم رحلوا في هدوء..
وحينما طلبت النيابة شهادات الخادمتان قامتا بسرد الحكاية التي تدربتا عليها للإدلاء بها أثناء التحقيقات..
وفي نهاية مقالنا..
نقول كلمة ..رحلت ذكرى عن عالمنا في حادثة يكتنفها الغموض..رحلت بعدما أطربت قلوبنا وأسماعنا بصوتها الدافئ الجميل..ولا بد بأنه سيأتي اليوم الذي تنجلي فيه الحقائق وتنكشف الأسرار..فإذا تمكن القاتل من أخفاء سره علينا نحن البشر..
فهناك الله عز وجل يعلم السر وما أخفى..ولا تأخذه سنة ولا نوم.
(تمت)
stories
stories
تعليقات



<>