رواية 🌹روح متنقلة🌹
الجزء الحادي عشر ..
بقلم ليلى مظلوم
فصعق والدها من هذا الخبر المفاجئ ..وقال بسخرية بعد أن استعاد أنفاسه :ومن هو سيئ الحظ هذا ؟؟
-إنه رجل غريب لا نعرفه ..وأعتقد أنها ستسافر معه ..
-إذاً ارتدي كفنا في عرسها فهو مأتم لك !!
-وعرسك هل كان مأتما يا أبي ..لا أريد منك شيئا ..فخطيب أمي سيجلب لي ما تشتهي نفسي لأنه غني ..
-تبا لك من ابنة قليلة الأدب ..
-من لا تجد من يربيها ويدعمها بالأخلاقيات والعواطف ستكون قليلة التهذيب ..هذا أمر طبيعي ..
وشعر الأب بوخز في قلبه بعد هذا الكلام ..وآثر العودة إلى منزله ..ليعيش مع ذكرياته القديمة التي جمعته مع هيندا… فبعد مرور كل تلك السنوات ..لازال يحتفظ لها بذكرى طيية ..وشعر أنه كان قاسٍ معها ..لذلك قرر الإتصال بها والإعتذار لها ..وبالفعل ..قام بالضغط على أرقام هاتفها بيدين مرتجفتين ..وعندما رأت هيندا اسمه ..ظنت أنه يريد أن يحدثها عن تالين ..فأجابت بخوف ..
-أهلا سيد فؤاد ..
-أهلا هيندا ..معك حق أن تناديني بسيد ..لقد أصبحت غريبا عنك ..
-نعم ..هذا صحيح ..
-لقد اتصلت بك لأعتذر إليك عن كل ما بدر مني سابقا ..وأتمنى لك حياة. سعيدة مع زوجك الجديد ..
-شكرا لك ..لا داعي للإعتذار ..فلا شيئ يجمعني بك سوى تالين ..وأرجو أن تهتم بها نوعا ما فهي ليست على ما يرام ..
-لقد لاحظت ذلك ..ولا تظني أني فرح لأنك ستتزوجين ..ولكن الواجب فقط يحتم علي أن ابارك لك وليس من كل قلبي ..
-اذهب أنت لتهتم بشؤونك مع سارة ..
ثم أقفلت الهاتف ..وقالت لنفسها: أرجو أن يعوضني راشد عنك وعن كل السنين القاحلة التي عشتها في السابق ويمطرني بحنانه واهتمامه واحترامه وتقديره ..
وبعد أسبوع تزوجت هيندا ..وقد حضرت ابنتها حفل زفافها وكانت ترقص من الألم ..وهمست لأمها: سأودعك الآن ولكني سأهتم بدروسي أكثر بعد رحيلك وقد أنساك بين الكتب ..
-لم تقولين لي هذا وتنغصين علي فرحتي ؟؟
-بل أطمنئك أنني بخير ..ولن أتخلف عن المجيئ لزيارة جدتي فهي أكثر شخص يرعاني في هذا الوجود ..
وودعت العروس أهلها لتذهب إلى المطار وتغادر لبنان مع عريسها..
كانت حياتها جميلة ..ووجدت الفرق فعلا في طريقة التعامل بين الأزواج ..وكانت كلما تعرضت لموقف ما تذكرت فؤاد الذي كان يهملها لدرجة كبيرة ..
علينا أن نعيش لحظتنا الحاضرة ..فلا نحضر الماضي التعيس أو المستقبل المخيف لعالمنا ..فهو ينغص علينا عيش اللحظة ..ولكن لابأس أحيانا بزيارة الماضي بعقلنا اللاواعي حتى نخبره أين أصبحنا في لحظتنا الآنية ..وكأننا نحتفل بانتصارنا المذهل عليه ..فهل هذا صحيح من الناحية النفسية ؟؟
أما تالين فكانت تنتظر نتيجتها بفارغ الصبر ..على الرغم من ثقتها بما قدمته في الإمتحانات ..وقد حصلت على درجة امتياز وشعرت بالرضا عن تلك النتيجة ..ولكن سرعان ما تحولت فرحتها إلى مأتم
في ذلك اليوم ..فقد اتصل أحدهم بالعائلة ليبلغهم أن عمها الأعزب الذي يبلغ عشرين
عاما ..قد تعرض لحادث سير مروع وأسلم روحه إلى الباري ..وتحول المنزل إلى ظلام دامس في تلك الليلة ..عويل وصراخ ..وذكريات أليمة ..وقد أثر هذا على نفسية تالين ..وتمنت لو أن أمها إلى جانبها ..فاتصلت بها وأخبرتها بالفاجعة وكانت في حالة صعبة جدا…ولم تكف عن البكاء في غرفتها الخاصة ..وكلما سمعت صوت عويل
وصراخ ..وضعت يديها على أذنيها ...فتلك الأصوات تزعجها حقا ..صحيح أنها لم تكن
على علاقة وطيدة مع عمها ولكن فكرة الموت المفاجئ وحدها كانت كفيلة بزعزعة الأمان المفقود داخلها ..أما أمها فعندما سمعت صوتها أشفقت عليها وتمنت لو تطوى المسافات حتى تكون إلى جانبها ..وقررت العودة إلى لبنان
في اليوم التالي ..فقال لها راشد: إن عدت إلى لبنان فمن الصعب أن تعودي إلي
مجددا ..لأنك لم تبلغي مدة الإقامة ..وقانون هذا البلد يحتم بعدم العودة متى تشائين ..وأنا لا أستطيع السفر إلى لبنان مجددا في السنوات القادمة ..
-يجب أن أذهب لن أترك ابنتي تعاني ما تعانيه وحدها ..
-هيندا هذا قرار خطير وقد تندمين عليه صدقيني ..فليس من السهل تسوية الأوراق… وعودتك إلى هنا ..أنا حذرتك ..
-سأجد حلا ما… ابنتي في خطر… لن أكون هنا مرتاحة البال ..
-هيندا!!!!!!
-لا مجال للتفاوض أنا آسفة… وإن كتب لنا القدر أن نكون سوية سنكون ..ولن أتخلى عنك مهما حصل فأنت رجل لا تعوض يا راشد ..
فعانقها بشدة… وكأنه عناق الوداع ..وهو يوقن جيدا أنه لا مجال للتراجع عن قرارها ..ويوقن أكثر أن تسوية الأوراق شبه مستحيلة ..وقالت له مازحة: نحن في عصر التطور وسنتحدث وجها لوجه كما كنا سابقا لحين عودتي إلى هنا ..
ونعود الآن لمنزل تالين ..ها هي جالسة في غرفتها ..تتذكر وجه عمها في كل زاوية من زواياه ..وتستمع إلى حديث عمها ووالدها والعائلة كلها عن ذلك الشاب الطموح الذي خطفه الموت ..ولم يسمع صوت
والدته أبدا ..وكأنها تخزن كل ما تسمعه في قلبها حتى سقطت فجأة على الأرض ..وتم نقلها
إلى أقرب مشفى في المنطقة ..ولم يبقَ في المنزل إلا تالين ..ووالدها الذي طلب منه أخوه أن يبقى من أجل استقبال الضيوف ..وخرجت تالين من الغرفة بحذر وكانت خائفة جدا ..ولم ينتبه والدها أن يعطيها
حضنا دافئا ..فوجهة نظره أنه هو الحزين وهو من يحتاج للأحضان ..وجلس على الأريكة وتالين إلى جانبه ..وهو يدخن سيجاره بعمق حزينا وصامتا ..وكسر حاجز الصمت صوت تالين وهي تقول فرحة :أمي أمي!!
لتركض أمام والدها وتحتضن أمها بحرارة ..
