رواية 🌹روح متنقلة 🌹
الجزء التاسع ..
بقلم ليلى مظلوم
أجابت سارة: تالين لا يمكنها الذهاب طبعا ..كيف ترضى أن تعيش في بيت غريب عنها ..
-إذاً لن يذهب أي واحد منا إلى هناك ..سنبقى جميعنا هنا ..
-يا زوجي العزيز خذها لتعيش في منزل زوجة والدك ..ريثما تموت أمي !!!أنت تعلم أنها مريضة بالسرطان… ولن يطول عمرها كثيرا ..وبعد وفاتها سيصبح المنزل لنا أنا وأنت ..
-كيف يمكنك التفكير بهذه الطريقة ..إنها والدتك !!
-ولكني إنسانة واقعية ..ولا أعيش المثاليات المزيفة ..بكل الأحوال سأكون إلى جانب أمي في ظروفها الصعبة ..وسأهتم بها وأرعاها حتى لو لم أذهب لأسكن هناك ..ولكني بكل صراحة ..سأذهب سواء أذهبت أنت أم لا ..وستتحمل أعباء هذا المنزل وحدك ..وعندما تشتاق إليّ ولولديك ..أنت تعرف عنوان المنزل بالطبع ..ولكني لن. أبقى هنا ..أنا آسفة..
وأعتقد أنه من المحال أن تذهب تالين معنا…
رفض فؤاد هذه الفكرة بداية ..ولكن بسبب سوء أوضاعه المادية اضطر أن يرضى ..وذهب إلى زوجة والده شارحا لها ظروفه طالبا منها أن تسمح لتالين بالعيش معها ..فوافقت الأخيرة وكيف لا تفعل وهي معتادة ألا تهتم بأي أحد فمن يسكن معها عليه أن يهتم
بنفسه…فوجودها وعدمه أمر سيان وخاصة أن ولديها يعيشان معها في نفس المنزل ..الأول متزوج من امراة تعمل كموظفة في إحدى الشركات ..والثاني لا زال أعزبا… وفكر فؤاد أن تالين قد تحب الأجواء العائلية ..فجدتها (زوجة جدها)ليست الوحيدة
في المنزل ..وهذا سيخفف الأعباء المادية عن كاهله ..ومن ناحية أخرى فإن الفتاة تستطيع العودة إلى العاصمة لرؤية أمها نهاري السبت والأحد من كل أسبوع ..
مضت عدة سنوات لم تعش خلالها تالين الإستقرار النفسي ..فكم من الأيام التي أمضتها دون أن تتناول طعامها حتى هزل جسدها وذلك لأن جدتها ليست
هي من يطهو الطعام ليهتم بها ..بل زوجة عمها ..والأخيرة ليست لديها الوقت ..فهي مشغولة بعملها ..وفي أكثر الأحيان تأكل خارج المنزل هي وزوجها ..وعندما تأتي بالطعام لأم
زوجها تكون تالين قد استسلمت لنومها العميق وخاصة بعد أن تنهي دروسها ..والمدهش أنها كانت دوما من المتفوقات في صفها ..واكتسبت شخصية
غريبة.. فكل ألمها وحاجتها للعواطف العائلية قد أفرغته في دراستها ..وعندما لاحظت أمها أنها أصبحت هزيلة ..وأن طريقة أكلها تنم عن جوع عتيق ..سألتها:
-ألا تأكلين في منزل جدتك ؟؟
-بلى ...بالطبع ..كلا.. لست أدري ..
-ماذا تعنين ؟؟
-بصراحة أغلب الأيام أنام وأنا جائعة!!
-لماذا؟؟ألا يطهون الطعام ؟؟
-ليس دائما فزوجة عمي مشغولة بعملها ..وأبي نادرا ما يأتي لزيارتي ..فليس لدي مصروف خاص ..
وقبل أن تكمل كلامها ..كانت دموع 😿 هيندا قد وصلت إلى أسفل خديها ..رباه !!كم أنت مسكينة ياابنتي !!
-أمي ..أمي ..أنت تعلمين أني أكره الدموع وقد حرمتها على نفسي ..فأرجوك لا تحرقي قلبي ..علينا أن نكون أقوياء حتى لا يشفق الناس علينا ..
-ما هذا الكلام يا تالين ؟؟
-لي صديقة دائمة البكاء في المدرسة ..والكل يسخر منها ..لا أريد أن أكون مثلها ضعيفة الشخصية ..أريد أن أكون قوية ..ولن أسمح لأحد بأن يؤذيني ..صدقيني ..من يجرؤ على التعرض لي ولو بنظرة واحدة فإني سأقتلع عينيه !!
-هل أنت واثقة أنك تسكنين في منزل جدتك أم في الشارع ..فطريقة كلامك تنم عن فتاة قليلة الأدب ..من أين أتيت بكل هذه القسوة .؟
-أنا لست قاسية ..ولكن دموعي التي يجب أن أذرفها طوال حياتي قد انتهت ..أتدركين معنى هذا ؟..الدموع ليست للأقوياء ..وأنا أريد أن أكون قوية دائما ..
وهنا استحضر قول المفكر علي الوردي :
مجتمعاتنا ﺗﺤﺐ ﻫﺘﻠﺮ ﻭﺗﻘﺮﺃ ﺑﺸﻐﻒ ﺳﻴﺮﺗﻪ ﻭﺗﺘﺎﺑﻊ ﻛﻞ ﻗﺼﺼﻪ، ﻭﺷﺒﺎﺑﻨﺎ ﺟﻌﻠﻮﻩ ﻗﺪﻭﺓ ﻟﻬﻢ
ﺭﻏﻢ ﺟﺮﺍﺋﻤﻪ، ﻷﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻷﻣﺔ ﺗﺤﺐ ﺍﻟﻘﻮﻱ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻇﺎﻟﻤﺎً؛ ﻭﺗﻜﺮﻩ ﺍﻟﻀﻌﻴﻒ ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻋﺎﺩﻻً !
وأكملت هيندا :
-تالين كفي عن التكلم بهذه الطريقة ..وانتبهي لدروسك جيدا ..فأنت في صف الشهادة المتوسطة ولا بد لك أن تنجحي ..ركزي في دروسك فقط ..
-لا تقلقي بشأني ..فأنا قد رسمت لنفسي مستقبلا باهرا ..وقررت أن أكون من المتفوقين
..حتى أعمل ..وأصبح قاضية وأدخل السجن كل الذين يستحقون العقاب وخاصة الآباء والأمهات الذين تركوا أولادهم ..وسأصدر قرارا بمنع الطلاق ..
وشعرت هيندا أن ابنتها تحقد عليها وعلى والدها ولكن ما باليد حيلة ..الفتاة مشتتة ولا
تشعر بالاستقرار ..فهي غائبة عن أحضان أهلها ..ويبدو أن فؤاد مشغول بولديه الأخريين ..ونسي أن له ابنة تحتاج لرعايته ..
أما هيندا فبعد حديثها الأخير مع ابنتها قلقت عليها أكثر وأكثر ..وما كان منها إلا أن اتفقت
مع إحدى المطاعم في ضيعة تالين أن يحضروا لها الطعام كل يوم إلى مدرستها مع انتهاء الدوام ..فيستحيل أن يقوم فؤاد بإعطائها الفتاة مهما حصل ..والقانون في صفه ..
وكانت هيندا تشكو همها إلى أحد أصدقائها على الفيسبوك حتى توطدت العلاقة بينهما ..وأدمنت الحديث معه ..ونشأت مشاعر طيبة بينهما دون أن تلاحظ ذلك ..وعرفت أن ليس كل الرجال سيؤون ..وكان
يحدثها دائما عن شوقه لرؤيتها وجها لوجه ولكنه لا يستطيع ذلك لأنه مغترب ..واعتبر أن هيندا وطنه الحقيقي… وذات يوم قال لها:
-إن عدت إلى لبنان هل تقبلين بي زوجا لك ..
