رواية روح متنقلة الفصل التاسع عشر19والاخير بقلم ليلي مظلوم


رواية 🌹روح متنقلة🌹

الجزء التاسع عشر والأخير ..

بقلم ليلى مظلوم

-هل لي بمعرفة السبب ..


-فارق السن بينكما ..


فنهض جاد بلباقة ..ثم غادر المكان دون أن يصافح الرجل ..ولحقت به تالين لاسترضائه ..فقال لها بابتسامة واثقة :إن أردت أن نكون سوية سنكون ..


وبعد رحيله وقفت تالين في وجه أبيها قائلة: مهما فعلت ومهما عارضت فلا معنى لرفضك عندي ..أنا اخترت الحياة التي أريدها كما اخترتها أنت ..لن   أبقى في هذا المنزل ..وإن أردت أن تكون شاهدا على زفافي فأهلا وسهلا بك ..وإن لم يعجبك الأمر فأنا آسفة ..هذه حياتي وأنا اخترتها على النحو الذي يعجبني ..


-أهكذا تحدثين والدك ؟؟


-نعم هكذا يريدني والدي أن أحدثه ..


وبالطبع لم يكن رفض فؤاد للعريس بسبب فارق السن كما ادعى بل كان بسبب فكرة   زواج ابنته وسفرها ..ثم تركته تالين وغادرت إلى منزل أمها ..وتمت الخطوبة بينها وبين الرجل ..وحاول فؤاد مرارا وتكرارا    ان يمنع هذا الزواج لكنه لم يفلح ولم يستسلم ..ثم سافر جاد ليسوي أوراق سفره لاستقبال عروسه ..وودعته بدموع عينيها لقد تعلقت به كثيرا ..ولكن أن تصبر على فراقه لمدة أشهر يعني ان تبقى إلى جانبه إلى الأبد ..


وذات يوم اتصل أحدهم بتالين ليخبرها أن والدها أصيب بوعكة صحية وتم نقله إلى المشفى ويطلب رؤيتها ..فرمت كل المشاكل وراء ظهرها وتوجهت   إلى هناك… وبمجرد أن رآها ابتسم ابتسامته الأخيرة وهو يقول: سامحيني يا ابنتي ثم فارق الحياة… ولا يمكنني ان اشرح لكم أحاسيس تالين ..فهي مختلطة بالعتب والحزن     ولوعة الفراق ..ولم تكن مشاعر حب ابنة لأبيها أبدا ..لم تكن تلك اللهفة متربعة على عرش قلبها ..بل أشفقت عليه كرجل عادي… وتمنت لو انها تستطيع أن تصرخ وتتذكر أياما جميلة في طفولتها ..ولكن مع كل هذا فقد سامحته من كل قلبها ..وكذلك هيندا سامحته ..


كانت تالين تذهب أحيانا إلى غرفتها ..وتبكي ..تبكي بحرقة على فراق والدها ..ثم تعود إلى حالتها الطبيعية إلى أن اعتادت الأمر ..وأصبح لا يعني لها شيئا ..وبعد فترة تبين ان الرجل قد وهب كل ثروته لابنته ..وكانت   تتمنى هذا  قبل وفاة فؤاد لتنتقم من سارة وأخويها ..ولكن بعد مسامحة والدها ..تنازلت عن الثروة لصالح أخويها فقط…ومن كل قلبها ..علما أنها لم تشعر تجاههما مشاعر الأخوة ..ولكنها قررت أن تفتح صفحة جديدة مع زوجها المستقبلي ..ولا تريد لشيئ أن يذكرها بالماضي ..وكأنها ولدت من جديد ..بملاقاة جاد ..


ها هو جاد يعود إلى لبنان مع أهله هذه المرة حتى  يتزوج ويرجع إلى بلاد الإغتراب ..وبمجرد ان رأت والدة جاد تالين حتى احتضنتها ..وبدأت تبكي بحرقة ..واستغربت تالين الأمر ..ماذا يجري ..ولماذا تنهمر    دموعها كشلال في فصل الشتاء.. فقالت أم جاد: لا تؤاخذيني يا ابنتي ..فأنت تشبهين ابنتي التي توفيت وهي في مثل سنك ..عندما أخبرني جاد بالأمر لم أتوقع أن يكون الشبه حتى في النظرات ..


فقالت تالين :الآن عرفت سر انجذابه إلي ..أنا أشبه أخته إذاً..وهو يشبه والدي في العمر ..


ومع هذا كان هناك انسجام روحي غريب بين هذين الشخصين ..وهكذا فإن جاد لم يحب تالين من النظرة الأولى بل كانت صورة حبيبته مخزنة في   لاوعيه بسبب تعلقه الشديد بأخته ..غريب أمر هذه الحياة كيف تجمع بين البشر ..وهناك روابط روحية خفية قد لا ندرك كنهها ..ولكن إن عدنا بذاكرتنا إلى الوراء ..إلى ماضينا سنعرف الكثير من الأسرار ..


ها هو موعد الزفاف قد اقترب ..وشعرت هيندا بالفرح لفرح ابنتها وبالحزن لفراقها   ..لم تلحق ان تحتضنها في منزلها كما يجب وتعوضها عن الايام الماضية ..هذا أمر طبيعي ..فكل شيئ في وقته جميل ..ما معنى

 أن نزور الميت في قبره ..أيعقل أنه يرانا ويشعر بنا ..بصراحة أنا أستبعد هذا الأمر والأولى  بالزيارات والمشاعر الجياشة أن تكون مع الأحياء فلا مكان للحقد والكراهية ..لو أدرك البشر كنه هذا الأمر لما أذوا أي شخص

 في حياتهم ...بل لامتلأ الكون حبا ومسامحة ..


وقالت هيندا :أرجوك يا فؤاد حافط على قطعة قلبي التي وهبتك إياها ..


-لا تقلقي ..هي في عيوني ...


لم تكن هيندا خائفة على ابنتها أبدا ..فيبدو أن فؤاد وعائلته قد أحبوا ابنتها وتعلقوا بها ..لشخصها أولا ..ولانها تشبه تلك الفتاة الميتة الحية في قلوب محبيها ..ووعد فؤاد هيندا بأنه سيطلبها إلى السفر إن أرادت ذلك ..

وآثرت هيندا أن تقوم بتعلم زراعة الورود ووهبها لمن يستحق ..وبيعها لمن يريد أيضا ..وتعلمت الكثير من تلك الكائنات الحية التي عوضت لها نوعا ما غياب

 ابنتها ..وأنستها آلام الخيانة إن عدت خيانة ..ووجدت أن المرأة ليست دائما بحاجة. إلى أخذ الحب من الرجل ..وقد تكون سعيدة أيضا إن أعطت  هي الحب حتى للجمادات ..الحب هو الشيئ الوحيد المطلق في هذه الحياة وترافقه الموسيقى ..موسيقى الكون والإبداع… 


أما تالين فقد رفضت رفضا قاطعا إنجاب الأولاد ..قبل أن تحضر جلسات تربوية لتعلم كيفية التعامل مع الأولاد منذ ولادتهم لسن الثامنة عشر   وأكثر ..وليس وحدها ..بل اشترطت على جاد ذلك أيضا ..فوافق على طلبها ..وهذا ما قد حصل ..


وكانت وجهة نظر تالين ألا ينجب الأهل أولادا ويجنوا عليهم في هذه الحياة ما لم يتعلموا كيف يحافظون عليهم وكيف يربونهم تربية سليمة ..وإلا فالعقم أولى.. وبالطبع فقد استفادا كثيرا من تلك الدورة ..وسهلت

 لهما كيفية التعامل مع الأطفال ..ونوعا ما مع الكبار ..وكل الحقد والقسوة التي كانت    في قلب تالين بدأت تتلاشى بدواء الحب والعطاء والعقلانية أيضا ..كانت حياتها هادئة وجميلة

 وملؤها الحب والسلام ..ولم تكمل تعليمها لتصبح قاضية ..وشعرت أن تلك المهنة ثقيلة.     ولا تليق بها وبعالمها ..أصبحت نظرتها إلى الحياة مختلفة ..وتغيرت مهنتها من القاضي إلى طبيبة نفسية للأطفال ..فقد تيقنت أن تلك المهنة هي الأهم وأن الأهل عليهم أن يتعالجوا نفسيا قبل أولادهم ..أما القاضي فقد يظلم في حكمه من حيث لا يدري ..


يحيا الحب ..يحيا التسامح ..تحيا الإنسانية ..🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹

                       النهاية

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>