رواية منطقة الحب محظورة
الفصل الأول والثاني
بقلم سارة عاصم
ليست كالريف أو الحضر ، فقط منازل متراصة تتفاوت في
العلو والانخفاض والمنظر الخارجي ينم عن تلك المنطقة الشعبية المتأججة بالسكان
الأحاديث حتى وإن كانت هامسة تستطيع سماعها فهنا الكل
يعرف بعضه يكفي أن تقول فقط أنك ابن تلك المنطقة !
*******
وقفت في شرفتها مائلة بجزعها العلوي علي الرف تراقب المارة ، وتستمع لأحاديث النساء العالية أسفل طابقها واللاتي يقفن في الشرفات هن الأخريات يشتكين بصوتٍ مسموع
"والله يختي الواد مغلبني لا بيروح دروس ولا نيلة .. مقضي كل يومه في لعبه اسمها بوبجي ، إيه بوبجي دي يختي "
أردفت أم محمود بصوتٍ عالٍ وهي تشتكي من ابنها لجارتها سامية التي كانت تستمع إليها باهتمام وهي تقوم بنشر غسليها على الأحبال النحاسية
" معرفش والله ..ومين سمعك يختي الصبيان دول عايزين قطع رقابيهم الواد ابني من ساعة ما دخل الكلية هو كمان ولا بيذاكر ولا ملتفت لأي حاجة مقضيها مع البنات شمال ويمين "
أطلقت أم محمود سبة علنية تضع بها كل مُقتها لأولادها .. بينما ابتسمت زهراء التي تستمع كل يوم لنفس الموقف ..ونفس السبة .. ونفس الشكوى من أم محمود لسمية التي لم تدخر ما بوسعها من أجل الصراخ عالياً لابنتها الصغرى حتي تأتي لها بباقي الغسيل !
تململت زهراء لتغير وقفتها ليرن خلخالها الفضي الذي التفَ حول قدمها البيضاء بحلقاته الخمس التي تصدر رنات مُتتابعة كلما تحركت ..
"معلش يا أم محمود سايبة الأكل علي النار هخش أشوفه وزي منتي عارفة المزغودة بنتي مبتعملش حاجة "
لوت أم محمود شفتيها بتهكم وهي تُشيح بيدها للداخل وتتحدث بغيظ دفين
"الحال من بعضه .. مش فاضيين غير للمرايات والذواق كل شوية .. روحي شوفي يا حبيبتي وراكِ إيه ونبقي نكمل كلامنا بعدين "
مطت زهراء شفتيها المطلية بلون أحمر زاهٍ بعدم رضا وهي تشهد نهاية الحديث اليومي بين أم محمود وسامية ، والذي يشتعل من الظهر إلي قرب العصر بين الشرفتين المتجاورتين ..
"هسلي نفسي بإية دلوقتي ؟ "
نطقت بخيبة أمل وهي تحني رأسها لأسفل تنظر إلي الشارع ، ما بين بائعي الخضار والفاكهه الذين يفترشون الأرض وكل منهم ينادي علي بضاعته ليجذب الناس .. والمارة منهم العائد من مدرسته أو عمله ، أو السيدات اللاتي عُدن من السوق تواً ويحملن الأكياس بصعوبة ...
كادت تستسلم وتدخل إلى غرفتها لولا أنها لمحت ما بدد ضيقها ليحل محله ابتسامة هادئة ثم سرعان ما تحولت لعابثة وهي مُثبتة نظرها لأسفل
دخلت إلي غرفتها تلك المرة بسعادة ثم وقفت أمام المرآة تمشط شعرها الأسود الغجري الكثيف والذي انتشر علي ظهرها بتمرد حتى وصل إلى خصرها ، عدلت من وضع أحمر شفاهها لتزيده قوة وأكثر حُمرة ...
بدلت عباءتها الفضفاضة لفستانٍ أحمر ضيق ينتهي عند ركبتيها ويديه تحتضن معصمها بشريطة من الدانتيل الأسود
فأصبحت ذات مظهر متمرد خاصة بنظرة التحدي التي ظهرت بعيونها السوداء ذات الأهداب الكثيفة والطويلة ..
اليوم أول لقاء بينها وبين خاطف أنفاسها وسبب اضطراب قلبها عند رؤياه ...يافوز
عشق من طرفها وحدها فالأخر لا يعرف سوى أنها رفيقة شقيقته .. وأنها ابنه المعلم باسم .. غير ذلك هو لا يعرف سوى عمله فقط !
خرجت من غرفتها تبحث عن والدتها بعينيها إلى أن وجدتها تجلس تتابع التلفاز ، فحاولت ألا تلفت إنتباهها حتى لا تُعلق على ما ترتديه ككل مرة فآثرت أن تتحدث وهى على أعتاب باب المنزل
" ماما أنا نازلة أشتري شوية حاجات من تحت وهعدي علي سمر أقعد معاها حبة "
لم يحدث ما تمنت وانتبهت إليها إبتهال حتى أنها قامت من مكانها ونظرت إليها بتفحص من أعلى لأخمص قدميها ثم لوت شدقتيها بعنف وهي تهتف بسخرية
" متضيقي الفستان شوية كمان يا ست زهراء لحسن كده مينفعش ؟ "
زفرت زهراء في ضيق ثم رسمت بسمة مُصطنعة علي وجهها واقتربت من والدتها التي كانت تدفعها برفق
"إيه يا ماما من إمتى وانتِ بتدققي علي لبسي وخروجي ؟ ده حتي ابويا معملهاش "
دفعتها إبتهال وذهبت لتجلس مرة أخرى مكانها وأردفت و هي تنتقي حبات اللب الأصفر من الطبق أمامها وتأكله بغيظ
"مين يشهد للعروسة .. منتِ بنت أبوكِ "
اقتربت منها زهراء مرة أخري وقبّلتها من وجنتها حتي طبع أحمر الشفاه علي خد سميرة ، ثم ابتسمت بحُب وهي تحتضنها من ذراعها
" عيب عليكِ ده انتِ الكل في الكل يا مامتي ... وبعدين أنا مش هتأخر خالص هي ساعة واحدة بس هقعدها هناك "
ربتت سميرة علي يد ابنتها بحنو أموي وأعطتها موافقتها بشرط أن تُبدل ثيابها
قبلتها زهراء مرة أخري من وجنتها الثانية وتهتف بمرح وهي تدلك وجنتي والدتها برفق
"خلاص بقى يا مامتي سبيني على راحتي أخر مـرة هلبس الفستان ده "
انسحبت للخارج فور أن أتمت جملتها لئلا تسمع زجر أخر من والدتها ، وبقرارة نفسها أنها ستغير ثيابها ما إن يتم المراد وتحصل على ما أردات !
" بردو مبدلتش الفستان اللي لابساه ... ماشي يا زهراء لما تيجي "
سارت زهراء في الحارة بخيلاء متعمدة أن تطرق بكعب حذاءها العالي ، تتمايل بقدها النحيف ورنة خلخالها تصدح كمعزوفة وتخبر أبناء الحي عن صاحبة الرنة المشهورة ...
زهراء ابنة الحاج باسم أبو سماعيل جزار المنطقة وأحد كبراءها والذي يلجأ إليه الكثير لحل مشاكلهم وأخذ مشورته ..
تزوجَ في سنٍ صغير وأنجبَ ولداً سافر إلي الخارج يعمل كمحاسب وابنه أنهت للتو دراستها من كلية الأداب قسم علم نفس ... زهراء !
رغم أنها خريجة جامعة إلا أنها مُتأثرة بحارتها في الكثير من حديثها ... ملبسها ... طريقة الحدي وانبثاق تلك النظرة ذات الحاجب المرفوع تنم عن خبرة واسعة بين جلسات سيدات الحارة العظيمات ...
زينتها التي تعشقها من الخلاخيل الفضية العديدة التي تمتلكها ، وأساور اليد الذهبية التي تزين معصمها في حركة جريئة تنم عن عراقة سيدة الحارة !
جريئة ، واثقة ، قويـة ، قطة شرسة تعرف كيف تجذب العيون إليها .. وبإشارة منها ستجد من يُلبي طلبها ويُزيد ... إلا واحداً !!
من بين عشرات من يطلبون رضاءها كان هناك واحداً بين الجموع إن اختلست نظرات إليه لبضع ثوانٍ .. تنام نومة هنيئة
من حرك كبرياءها وجنونها ، من يسكت عقلها بحضرته ويهيم قلبها في كلماته البسيطة القليلة !
ابتسمت حالما اقتربت من وجهتها وبدأت تتهادي في مشيتها و تتباطأ حتى دخلت الصيدليـة المنشودة بها شاب ما إن وقعت عينا زهراء عليه حتي ابتسمت بمكر وتقدمت منه وأردفت بصوتٍ أنثوي مغناج
"لو سمحت عايزة أي حاجة للصداع "
رفعَ يافوز نظره إليها ثم أخفضه بعد وهله ثم قامَ من مكانه وأحضرَ علبة الدواء بصمتٍ تام بينما هي تشتعل غيظاً لعدم انتباهه ، فهو لم يرفع بصره إليها إلا حينما دلفت
أرادت إطالة مُدة وقوفها بالصيدلية فنظرت إليه لتجده مشغول بمعرفة سعره فسارعت بمسك رأسها ومثلت أنها تترنحَ وتكاد تقع حتى يهرول إليها
وبالفعل أسندتها ذراعه القويتين لتجلس على الكرسي ومازالت تحاول جذب أي كلمة من فمه
"هو الضغط وطي عندي تاني ولا إيه ؟"
ظهرَ بصوتها الإعياء بينما ابتسمَ هو ساخراً لمعرفته أن تلك الفتاة تتلاعب به حتماً !
نظرَ إليها بتفحص محاولاً سبر أغوارها ليتنهد قبل أن يُجلي صوته هاتفاً بمكـر
"هي حبوب الصداع دي لميـن "
"ليـا .. أصل أنا بصدع من الضغط ده "
ابتسمَ قبل أن يهتف مُتهكماً
"الصداع بيجي نتيجة الضغط العالي مش الواطي .. وإنتِ لسه قايلة حالاً إن ضغطك بيوطى !! "
سارَ مبتعداً عنها بعدما ألقى بكلماته التي ضربتها كدلو من الماء لتظل مُحدقة به برهه قبل أن تختطف العلبة وتهتف بنزق
"طيب عايز كام في علبة الدوا؟"
تأججَ الغيظ داخلها منه بعدما فشلَ مخططها فحدثته بغلاظة وتأفف بعد أن كانت تبتهل منه كلمه !
ما يقهر المرأة هو السؤال عن سنها ، وزنها ، حالتها الاجتماعية .. ستقف متشفياً وأنت تراها تشتعل إن أخطأت وسألت أو تهكمت على تلك الثلاثة !
قلبَ عسليتاه داعياً الصبر ثم أردفَ مُدعياً اللامُبالاه
"هو إيه اللي عايز كام متحاسبي على كلامك يا مدام "
جن جنونها ما إن سمعته يهتف بتلك الكلمة .... " مدام"
استشاطت غضباً فور أن سمعت ذلك اللقب .. هي لم تُخطب من قبل وقليل الذوق هذا يناديها بلقب متزوجة ؟ ألا يخجل من نفسه .. أأصابه العمي ليري يدها الخالية من أي خاتم زواج !!
ألا يعرف أنه الوحيد بقلبها ومن ستحارب للزواج منه يوماً وبدلاً أن يُقال ذلك اللقب غضباً ... يُقال دلالاً متبوعاً باسمه ...
كادت أن تبكي من فرط مشاعرها الحزينة تلك اللحظة إلا أنها استعادت تمردها وأردفت بصوتٍ عالٍ وهي تضع يدها في منتصف خصرها
"مدام !! ... هي مين دي اللي مدام يا دكتور ما تحاسب علي كلامك أمال "
التفتَ يافوز إليها راسماً بسمة مُصطنعة علي وجهه ثم مد يده وأعطاها علبة الدواء هاتفاً بسخرية
" مخدتش بالي ...أصل شكلك كبير قلت يمكن متجوزة بس واضح إنك لسه مجاش نصيبك أو ..."
قاطعته بخوف التمع في عينيها الشاخصة إليه
" أو إية؟؟؟"
أجاب هو بتشفيّ من هيئتها جالساً مكانه مرة أخري .. واضعاً قدم فوق قدم بتكبر
" أو مطلقة .."
شهقت داخلها حتي هو لم يسمع صوتها ولا فوران حمم غضبها التي كانت تشتعل بإلتهاب داخلها ، فاهها المفتوح بصدمة وعينيها التي لا تتحرك من علي وجهه الأسمر .. ورغم سمرته إلا أنه بدي لها بارداً ... جامداً !
وبينما هو لم يولي لها أي اهتمام استعدت هي للخروج وبدت متحفزة للصراخ في أي شخص ! ... لكنها توقفت وهي تسمع صوته مرة أخري هاتفاً
" وفلوس الدوا ؟؟ "
لأول مرة تكبح غضبها ولا تخرجه علي شخصٍ ضايقها ، اليوم يعتبر تاريخاً أنها لم تلقنه درساً ...أيمكن أن يجرحها عمداً ، أو تلك هي شخصيته قليلة الذوق مع الجميع ؟!
نارها التي اشتعلت أصبحت خامدة بخيبة الأمل .. وغضبها الذي تلاشي وحل مكانه الحزن والتراجع ... وحُبها ماذا ستفعل به بعد أن نبتَ بقلبها ؟
" إمسك "
أردفت بهدوءٍ ظاهري دون أن تلتفت وبثوانٍ معدودة كانت تخرج من المحل وتختفي من أمامه ... بينما الأخر ملامحه مازالت باردة .. جامدة !
*******
جالسة علي الفراش تبتسم باصطناع لسمر التي كانت تتغني بزوجها الذي تحبه ، وكيف أنه يُلقي كلمات الغزل بحرفة بعد أن تم عقد القران وطلبها للخروج سوياً أول مرة بدون وجود أهلها أو أخيها ... أخيها !!
علي ذكره تعالت دقات قلبها ، وابتلعت غُصة حارقة انسلت إلي قلبها دون معدتها ! ، خفتت ابتسامتها شيئاً فشيئاً وقد غشت الدموع الحجر الأسود بعينيها ليلمع كضوء قمرٍ في سماءٍ مُعتمة علي صفحة مياه بيضاء
لم تستمع إلي أي مما تفوهت به سمر السعيدة بعد أن اجتمعت أخيراً مع حبيبها
" ... إنتِ خلاص بقيتي علي اسمي وإن شاء الله مفيش حاجة تفرقنا أبداً"
زمت زهراء شفتيها بابتسامة جاهدت لرسمها ثم أردفت بخفوت
" مبروك يا سمورة أنا مبسوطالك جداً يا حبيبتي "
" شكلك مش باين عليه إنك مبسوطة .. هو في حاجة حصلت ، الولية أم أيمن دي لسنت عليكِ تاني ؟؟ .. والله أقوم أوريها مقامها الولية أم لسانين دي "
كادت سمر أن تتحرك وهي تتحدث بانفعال إلي أن يد زهراء أمسكتها تمنعها من الذهاب ، هامسة بضعف
" لأ أم أيمن معملتش حاجة .. أنا بس اللي متضايقة شوية "
أصدرت سمر صوتاً بشفتيها ينم عن عدم إقتناع ، ثم ضيقت بندقيتيها وهي تقترب من عيني زهراء التي كانت قاب قوسين أو أدني من البكاء
وأردفت بشك
" والله فيكِ يا بنت إبتهال !! .. إنتِ فاكرة إني مش هعرف مالك ؟! ، أنا هسألك أهو بهدوء لأخر مرة مالك ومين اللي مخليكِ تعيطي بالشكل ده "
نظرت إليها زهراء باستنجاد ، فقد عرفت سمر من الوهلة الأولي أن صديقتها علي وشك البكاء ، وأنها لن تبكي إلا لأمرٍ جلل ! وكانت تلك الشرارة التي أطلقتها سمر في وجهه زهراء التي ارتمت بحضنها تبكي بشدة وهي تحاول كتم شهقاتها داخلها .. شهقاتٍ لو انسلت ستحرقها بالتأكيد !
كل ما يدور داخلها الأن أنها تبكي بانهيار تام بسبب سخريته الفجة وطريقته اللاذعة في الحوار معها ، لقاءها الأول كان عصيباً وسبب لها المزيد من خيبة الأمل ..
بعد نوبة عصيبة من البكاء استطاعت زهراء أن تمسح دموعها الغزيرة -التي شقت طريقاً لوجنتها الحمراء – بأناملها الرفيعة المطلية بلونٍ أحمرٍ قانٍ ... لتزفر بعدها بارتياح بعد أن أخرجت ل ما بجعبتها بالبكاء!
" ها هديتي يا ستي ؟ ، احكيلي بقي حصل إيه ؟! "
فاقت علي صوت سمر التي تسأل بإلحاح عما حدث ، وهي تتهيأ كيف ستخبرها بحبها لأخيها !!
ظلت تفرك يدها بتوترٍ جليّ وذهنها يعصف بالأفكار .. هي الآن تجلس أمام أخت حبيبها أو الشخص الذي تحبه تحاول أن تتمالك ذاتها وتخبرها بمعضلتها التي تنغص الحياة إذ لم تتشاركها مع أحد !
" بصي بقي يا سمر من غير لف ولا دوران ... أنا بحب يافوز "
أطلقت سمر ضحكة رنانة عالية وهي تضع يدها علي فمها تكتم ما تبقي منه مُتذكرة حديث زوجها نادر عن خفض صوت ضحكتها ذات النغمة الأنثوية العالية ،راقبت زهراء سمر التي
كانت تضحك بمليء شفتيها وقد رفعت حاجبها الأيمن ومالت برأسها وهي تقلدها بدهاء
" طب منا عارفة إنك بتحبي يافوز ومن زمان كمان "
ثم تابعت بابتسامة لعوب وهي تتحرك بغرفتها ذات المزيج الرائع من تدرجات اللون البُني
"هو إنتِ فاكراني نايمة علي وداني ولا إيه؟ ، أينعم بتيجي
وهو مش موجود وبتمشي لما بتعرفي إنه جه ، بس مش معني
كده إني مختومة علي قفايا ومبشوفش نظراتك ولا لهفتك و إنتِ عايزة تعرفي أي خبر عنه !! "
أطرقت زهراء بوجهها أرضاً لوهله فقد كُشف أمرها ، ويبدو أنها
لم تكن تحتفظ بمشاعرها لم تحتمل أن تبقي بداخلها ففاضت علي ملامحها التي عكست أفعالها ...
عادت لترفع رأسها مرة أخري لكن بقوة وهي تنظر لملامح سمر
التي لم يظهر عليها سوي المكر الشديد وهي تري نفسها في
موضع إتهام أمام صديقتها !
زفرت بضيق قبل ان تهتف بحنق وهي تضع يدها علي وجنتها
"ولما إنتِ عارفة مقولتيش ليه ؟ هو أنا للدرجادي باين عليّا ؟! "
تأملت سمر ملامح زهراء المتسائلة ثم أمسكت يدها وربتت
عليها بحنو لتختفي نظرتها الماكرة ويحل محلها سعادة التمعت
بحبة البندق بعينيها الواسعتين هامسة بابتسامة مُطمئنة
" كنت منتظراكِ تحكيلي ، وساعتها أنا كنت هساعدك زي ما
هعمل دلوقتي ! ،وأه يا ستِ باين عليكِ جداً أو يمكن أنا عشان
عارفاكِ وحافظة نظراتك كلها .. ! "
كادت زهراء أن تتحدث لكن سمر أشارت لها بأن تتوقف
"متقلقيش أنا مش محتاجة مبرر منك وأكيد هعمل اللي أقدر
عليه ، لكن لو هو ف قلبة واحدة تانية أو محبكيش هتعملي إيه ؟"
صدحت دقات قلبها عالية ، وهام عقلها للحظات حتى ظنت أنه
توقف ! ، كيف لم تفترض أمراً كهذا ؟ .. الحب من طرفها هي
فقط وهو لا يعلم به ، بل أن أول مرة تقابله فيها وتتحدث إليه لم تكن بصالحها ..
وضعت يدها علي قلبها وهي تشعر بخفقانه تحت أصابعها وهمست بخفوت ودون إدراك
" واحدة تانية ؟؟ "
أغلقت عينيها تمنع عبراتها من الانسياب ثم هتفت بقوة واهيـة بعد أن رفضت البكاء
" هتمنى ليه السعادة.. مش كل حاجة عايزينها هناخدها أكيد "
ابتسمت بعد أن أنهت كذبها وهي تعرف حق المعرفة أنها
ستُقتل بسكين بارد النصل الذي سيجعل قلبها ينزف رويداً
رويداً حتي يصبح خاوياً .. ليُترك إلي الزمن والهواء الذي
سيتحامل عليه بالنكبات حتى يتصلد ويصبح حجراً صلباً لا يُرجي منه نبضة حُب
"طب ولو طلع بيحبك فعلاً ، أو ممكن يكون مش شايفك مثلاً "
قلبت سمر موازينها مرة أخري وهي تُعيد إليها أملاً فقدته منذ
لحظاتٍ قصيرة ، لذا أجابت وعينيها تلتمعان كسيوف مُصقله ، قاصلة ، جاهزة لحربٍ شعواء
"ساعتها كل اللي هو عايزه هيحصل .. أنا مش عايزة غيره يا سمر "
عاودت نوبة الضحك لسمر مرة أخري بعد أن شعرت بشجاعة
زهراء وهتفت مُقلدة إياها بخبث
"أنا مش عايزة غيره يا سمر ، شوف البت اللي مكنش عاجبها
حد وتقعد تتشرط علي العرسان ، جه أخويا وبهدلك وخلاكِ
مش شايفة غيره لأ وكمان هو اللي هيتشرط .... يا عيني ع
الحلو لما يبهدله يافوز "
اغتاظت زهراء من حديث سمر وما جعلها تشتاط هو أنه
صحيح ولا تنكر أنها وقعت أسيرته بعد أن كانت فتاة أحلام العديد من الشباب ...
التقطت زهراء وسادة موضوعة علي سرير سمر ثم ألقتها بقوة
عليها ، لترد الأخرى عليها بضربة تحرك بها وجه زهراء للجانب
وحينها هتفت سمر بانتصار
"خالصين كده !! ... إهدي بقي واسمعي قبل ما يافوز يجي ..
أنا عايزاكِ بقي تحكيلي إيه اللي خلاكِ معيطة كده أكيد في
حاجة حصلت وأخويا السبب فيها ! "
أماءت زهراء بنزق ثم شرعت في سرد ما حدث في الصيدلية ،
وختمت حديثها قائلة بغيظ احمرت له وجنتيها الممتلئتين
" بقي أنا يقولي مُطلقة ومدام إبن أمينة !! .. هوريه حاضر "
نطقت جملتها الأخيرة بخجل ورجاء والتي أضحكت سمر التي
تتأملها وتراقب انفعالاتها ، وحركاتها العفوية وهي تتحدث ،
وهي تتحرك إلي المرآة وتعيد شعرها للوراء بحركة مغرورة
شهيرة وتعيد من ترتيب فستانها هاتفة بزهو
" بقى القمر الصغنن ده مدام ولا مُطلق .. طلقة ف دماغة ،
يالهوي لأ بعد الشر عليه إن شالله البت سمر أم عنين يندب فيها رصاصة "
سمعتها سمر التي فغرت فاهها بصدمة ، ووضعت يدها على ذقنها لتردف بعدها بتفكير مُصطنع
"شوف البت !! ، وأنا اللي كنت هساعدك بس إنتو كده يابنات بتوع حوارات وبتعضوا الإيد اللي بتتمد ليكم "
أشارت لها زهراء بأن تتوقف عن الكلام رادفة باصطناع
الجدية من مكانها وهي تقف أمام المرآة تُتابع الحديث مع نفسها ...
" لو سمحت يا مدام سمر خليكِ في نفسك وسبيني عشان بتكلم مع خطيبي "
نظرت إليها سمر عاقدة حاجبيها بضيق واهٍ ، وشفتيها
مقوستين بتقزز ولم تجد سوي أن تضرب كفيها ببعض مُتمتمه بقلة حيلة
"خطيبك "
ثم تابعت
" لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله البت اتهبلت خلاص ، يابت اتقلي ده
أول درس هعلمهولك .. تتقلي عليه عشان .."
قطع حديث سمر صوتاً صادحاً يهتف باسمها بغضب
"سمررر ... سمرررر "
نبره صوتٍ معروفة سمر تعرفها كل المعرفة بحكم الأخوة ،
وزهراء تعرفها بحكم قلبها !!
رواية منطقة الحب محظورة
الفصل الثاني
بقلم ساره عاصم
"خطة مُحكمة "
اثبت أيها العنيد مالك ومال قلبي الذي بالنيران مُتقد !
مغرور يسير بين أرجاء عقلي يأمر المشاعر بأن تتئد !
تركتني مُحطمة عند أخر شعاعٍ للشمس الغاربة ..
فلا تلومنني حين ثأرت عليك بخطةٍ مُحكمة
قل إنك لي وسأركع عندك وبكلمة أحبك مُتمتمه
سارق عشقي ، ونبضات قلبي .. أنت لي فأنا بك مُتيمة !!
.......
بارعٌ هو في إثارة هواجسها واضطراب أوصالها بنظرة تختلسها منه ، تهابه رغم أنفها فقلبها متعلق به منذ أن وجدته يتشاجر لأجل جارتهم ملك بعد أن استمعت المنطقة بأكملها كلمات الغزل من شاب يركب دراجة نارية ، وبعدها علا صوت الصراخ بعد أن أسقطه يافوز من الدراجة وأخذ يكيل له اللكمات .. ولم يبعده سوى الرجال بعد أن أخذ الشاب كفايته من الضرب
تلك المرة قلبها نبض بطريقة مُختلفة له .. ومنذ ذلك اليوم دقات قلبها أصبحت ملكه !
ما إن سمعت زهراء صوت يافوز حتي ارتجف قلبها قبل جسدها ، وعقلها يصور لها أسوء المشاهد ... !
تلك المرة مُختلفة فهى ما إن تعلم بوجوده في المنزل حتي تغادر بصمت وهو لا يراها .. أما الآن فهو يهدر عالياً بسمر التي يتضح أنها ستنال من غضبه وهو يهتف باسمها بشراسة !!
"ااا أنا همشي بقي يا سمر ، وهبقي اتصل بيكِ بعدين "
حركت سمر شفتيها لليمين واليسار بخوف ، ثم نظرت لزهراء التي كانت تزدرد ريقها هي الأخرى بذعر ...
فتحت سمر الباب بهدوء قبل أن تخرج أمام زهراء التي جرت نحو الباب سريعاً وحمدت ربها أن والدة سمر لم تكن موجودة في البيت وإلا كانت أوقفتها وهي لا تريد الالتقاء بذلك ال ... غاضب !
وضعت رأسها أرضاً لكنها ودون أن تدرك لمحته يحدجها باستنكارٍ مُبهم مقوساً شفتيه بسخرية
يا إلهي كم كانت تتمني قربه وهي الآن تخافه ! ، فبالطبع ذلك العتي الذي يقف مُستنداً علي الحائط بجوار باب الشقة وتعابير وجهه المتهكمة لم تنجلي بعد ، وساقيه ملتفتين علي بعضهما من الأسفل .. كل هذا لمحته في ثانية حينما رفعت حجرها الأسود إليه !!
كادت أن تمر بجانبه لتخرج من المنزل بسلام إلا أن ساقها لم تردْ لها ذلك فاختل توازنها وقبل أن تقع أسندها مبتسماً بجانب فمه وقد تذكر ما حدث في الصيدلية تواً !
عاودت إليها تلك الغصة المريرة وهي تلمح ابتسامته الساخرة حينما انزلقت قدمها وهو تلقاها كالغريقة التي أنقذها مُنقذ الشاطئ ورحل ، يعتقد أنها من فعلت ذلك لتغريه !! .. حينها كانت تود الصراخ بوجهه مُبررة أنها لم تقصد وأنها انزلقت بدون قصد بسبب ارتجافها من لقاءه المفاجئ ، و هديره الغاضب ..
******
وقفَ يافوز قباله أخته التي نال من التوتر حتي أنها كادت أن تعتصر قبضتيها المتكورتين بخوف من نبره أخيها الصادحة !
وأخيراً بعد أن استشعرت الهدوء – الذي يحاول الحفاظ عليه في صوته – همست بخفوت رافعة عينيها إليه ، تروض تعلثمها الجليّ
"زهراء صحبتي من ساعة ما جينا هنا المنطقة و هي دايماً بتيجي هنا وبتمشي قرب ما إنت بتيجي "
همهم بامتعاض مُبهم ، وعاود سؤالها وهي تتمني أن تنتهي أسئلته حتي تختفي من أمامه
"عارف ، وتعرفي إيه بقي عن البت دي ؟"
تلاشي خوف سمر التي أجابت بقوة
"بقولك صحبتي يعني أعرف عنها كل حاجة ... ثم إنت بتسأل ليه ؟"
تسألت بمكر رافعة حاجبها الأيسر إليه بتمهل ، ليجيبها بضحكاتٍ صادحة أجفلتها وهي تري نظرة الشر بعينيه مغمغماً بنفاذ صبر :
"لا مش اللي ف بالك يختي ، أنا بقولك البت دي تبعدي عنها ومتجيش هنا تاني .. فاهمة ولا لأ ؟"
طبقت سمر ذراعيها لصدرها ثم مالت في وقفتها واردفت باستنكار جعلها تقوس شفتيها بحنق :
" وده ليه بقي إن شاء الله ! ،انا مشوفتش منها حاجة وحشة ومش هبعد عنها يا يافوز! ، ياريت تفهم كده "
"إنتِ مشوفتيش ، لكن أنا شوفت .. وشوفت كتير الصراحة "
نطق بخفوت إلا أن تحولَ لهمساتٍ سمعها هو فقط مُتذكراً إياها وهي تسير أمامه تتهادى في مشيتها وتتمايل بمنحنيات جسدها الفج وهي تعطيه ظهرها ....
استعاد سيطرته علي نفسه ثم أردفَ بتوعد لا يحتمل النقاش
"أنا قولت كلمة .. إياكِ تدخل البيت هنا تاني !! فهمتِ ، أنا مبرتحش ليها لله في لله كده ! "
كادت سمر أن تصرخ إليه بأن تلك التي تلاحقه بنظراتها .. تنظر إليه فقط ! ، وأي رجل بعده مُدحض ، غير موجود بالنسبة إليها .. تلك المغرورة تحبه وهو الوحيد الذي لا ينال من غرورها ، فقط ينال منها ما لا تستطيع أن تعطيه لأحدٍ سواه ... حُبها والأشد قلبها !
استطاعت في النهاية أن تهتف بهدوء ظاهري
"يافوز إنت مش فاهم حاجة "
رمقها أخيها بنظره عاتبه لم تفهم معناها إلا بعد أن تحدث هو الأخر قبل أن يدخل إلي غرفته
"لأ عارف وفاهم .. فاهم كويس أوي يا سمر ! ، زي ما قولتلك عايزة تقابليها تقابليها برا أو في بيتهم ، لكن هي تيجي هنا لأ "
جاءت والدته على صوتهما العالي تسأل بقلق
"مال صوتكم عالي ليه ؟"
كادت سمر أن تتحدث لكن أسكتتها نظرة يافوز الجامدة فابتعلت حديثها بنزق ليتولى هو مهمة الكلام وبعد أن كانت نبرته صادحة العلو أصبحت منخفضة
"مفيش يا أمينة بندردش مع بعض شوية "
راقبتهم بعينٍ يملؤها الشك واستطردت بحدة وحاجبها الأيمن مرفوع
"لا والله وعلى كده إنت بتدردش مع أختك على زهراء بنت المعلم باسم ؟"
استفاض كيلها وأرادت أن تنتهي تلك المناقشة فاستعدت للحديث وازدردت ريقها باضطراب وبللت شفتيها الجافتين وتحدثت بشجاعة واهيه
"يافوز مش عايز زهراء تيجي البيت يا ماما "
"ليه يا ابني كده دي صاحبة أختك وبنت مؤدبة وو..؟"
قاطعها يافوز مُتحدثاً بانفعال ناقماً على تلك المتمردة التي أشعلت خلفها النيران ورحلت ، وما زاد اشتعاله أن الجميع يشيد بأخلاقها فأمه وأخته تدافعان عنها بينما يظهر هو كالشخص السيء
"مش بستريح ليها يا ماما ، وبعدين أنا مقولتلهاش تقطع علاقتها بيها بقول متجيش البيت خصوصاً إني شاب وببقى موجود ساعات ..فين العيب اللي قولته
لم تجد بداً إلا أن تهز رأسها بأسف على قرار أخيها لتدخل إلي غرفتها واضعة يدها علي جبينها بتفكير تحاول أن تهتدي لشيء يجمع تلك العاشقة بذلك البارد !
بينما رمقت أمينه يافوز بتشكك ليهرب هو من نظراتها التي تكشفه إلى غرفته واهباً نفسه بعض الدعة حتى ينظم أفكاره
بينما تقف هي خارج تلك الغرف الموصدة وعقلها لا يتوانى عن التفكير ... أي رياح ألمّت بأبنائها !!
*********
في بيتٍ أخر ، قديم ، أثاثه مُهترئ لكنه يجمع شتات نفسه بالوقوف صامداً رغم الحركة المُستمرة به !
خرجت شيماء من غرفتها حانقة مليئة بالأتربة بعد أن قامت بتنظيفها جيداً وإزالة ما عمر بها من خراب ذلك المدعو ... والدها !
ألقت زجاجات الخمر بعنف في القمامة وهي ترفع رأسها للسماء هامسة بغيظ
"والله لو مكنش حرام أدعي عليك لكنت دعيت عليك صبح ومسا "
ثم ألقت نظرة خاطفة علي السيدة المتكورة علي الأريكة البالية في الصالة الضيقة بجسدها النحيل ونفسها البطيء !
أغمضت شيماء عينيها مُتألمة لحال والدتها الذي آلَ بعد أن رفضَ والدها أن يدفع لها تكاليف المشفى التي كانت يجب أن تُحتجز به لأنها مريضة كبد ، فأصبحت بعض الممرضات المُشفقات علي حالها يأتين كل أسبوع ويعطونها الدواء ويطمئنون علي حالها خلسة دون علم زوجها ... شارب الخمر الذي لا يصحو من سكرته أبداً
"ربنا يعينك يا ماما ويشفيكِ يا حبيبتي ، يارتني أقدر أشيل عنك أكتر من كده بس أعمل إيه ؟ إنتِ اللي مش راضية أشتغل إن شالله حتي في البيوت ! .... ربنا يطول في عمرك عشان أنا من غيرك مش هقدر أعيش "
تململت والدة شيماء في نومها لتسرع الأخيرة إليها قبل أن تقع من علي الأريكة الضيقة لتسندها وتعيدها مرة أخري وتدثرها جيداً قبل أن تجلس علي ركبتيها أمامها وعينيها تدمعان !
فوالدتها أصبحت خفيفة جرّاء المرض الذي أكل جسدها ، ويزهق روحها رويداً رويداً
امتدت يد والدتها إلي وجنة شيماء الذي انحدرت عليها الدمعة -التي شعرت بها قلب والدتها – لتزيلها وتهتف بوهن
"متعيطيش يا شوشو محدش بياخد غير نصيبه يا بنتِ "
قبلت شيماء يد والدتها بضعف وهي تهمهم بخفوت
"وليه نصيبنا دايماً يبقي الشقي ومع واحد خمورجي ميعرفش ربنا ! ، ليه مكتوب عليا أسيب تعليمي وأنا حلمي اخد شهادة ثاني زي بقية صحابي البنات اللي دخلوا كليات ؟؟ ، ع الأقل أنا كان حلمي أخد شهادة ثانوية عامة مكنتش طمعانة في كلية والله ، ليه دايماً الغُلب ماسك فينا ومش راضي يسبنا يا مّا ... أنا تعبت والله تعبت "
انتحبت شيماء علي صدر والدتها التي امتدت يداها الهزيلتان لتحتضن ابنتها ، ورغم ضعفها ووهنها بثت فيها من أمانها وثقتها التي تتحدث بها دائماً وهي تربت علي ظهرها بحنو أمويّ
"إوعي يا شيماء أسمعك بتقولي كده تاني ، إنتِ متعرفيش الخير فين وربنا مقسم الأرزاق إزاي وطالما بتعملي اللي عليكِ وماشية بالأسباب ارمِ تُكالك علي ربنا وهو هيجبر بخاطرك لدرجة إنك هتيجي في يوم هتتعجبي وتقولي يارب جبرتني برحمتك ، استعيذي بالله وثقِ في ربنا يا شيماء"
زفرت شيماء بحرقة واستغفرت ثم ابتعدت عن حُضن والدتها المبتسمة بارتياح وهي تغمغم ببعض الأدعية لابنتها الوحيدة
استقامت شيماء فزعة من صوت المفاتيح والتي كان صاحبها يحاول أن يدخلها من فتحة المخصصة لها ، لكن هيهات لم يستجب إليه بصره ولا عقله ، لتزفر شيماء بقلة حيلة وهي تتقدم من الباب لتفتحه تجد والدها يهمهم بسُكر فيعنفها تارة ويضحك تارة
" بقالي ساعة واقف علي الباب علي ما هزيتي طولك وفتحتي ، غوري من وشي أنا عامل دماغ ومش عايز أخسرها على وشك "
هزت رأسها ببؤس من حالته ، وغياب عقله عن الوعي .. فذلك مظهره دائماً يذهب كل عشاء ليأتي في الغد صباحاً ويكرر نفس الموقف وحينما يجدها أمامه يعنفها وتنال أمها نصيباً من سبه ، ثم يسير إلي غرفة شيماء مترنحاً حتي يقع علي السرير غائباً في نوم حتي العشاء .. وتتكرر الأيام علي نفس المنوال ، حتي صارت حياته تصبح علي الخمر وتُمسي علي السب واللعن بأقذع الألفاظ !
******
دلفت زهراء إلي غرفتها تشكر قدميها علي أنهما تحملا كل ذلك الضغط ، أعصابها لم تعد تحتمل فانقبضت عضلاتها بشكل مُتتابع ومستمر أحدثَ لها شداً عضلياً في قدمها اليُمني وعلي أثره تهاوت علي الفراش بألم وهي تمسد قدمها المُتشنجة برفق حتي عادت لطبيعتها مرة أخري
نامت علي ظهرها بعد أن نزعت حذاءها وألقته في الغرفة بغضب وإهمال وودت حينها لو تخلصت منه بعد إحراجها بهذا الشكل مع يافوز
تحاملت علي نفسها مرة أخري وتوجهت لدولابها وأخرجت صورة دُفنت بين ملابسها ...
صورة تعشقها وقد أخذتها منذ فترة من غرفته دون معرفة سمر ...
تأملت ملامحه الرجولية البحتة ومررت أظافرها ذات اللون الأحمر علي تقاسيم وجهه ثم قربتها من شفتيها مُقبلة إياها برفق ودمعة خائنة انسلت برفق وترتمي جوارها علي الفراش
"والله لو تعرف بحبك قد إيه مكنتش بصتلي كده ... بس أنا اللي أستاهل .."
اعتدلت بجلستها تلك المرة وهي تمسك الصورة بقوة هاتفة بتحدي
"أما نشوف أخرتها معاك يا إبن أمينة !! "
أنت لا تجاهد سوى نفسك حينما تتمنى حُب شخصٍ لا يراك ولن يفعل لأن أول لقاء لم يكن لصالحك
