رواية ندبات الشيطان
رواية ندبات الشيطان
الفصل الثاني
بقلم ساره عاصم
"عـودة "
تُحاك المؤامرات في الخلف بينما يتم إصلاحما اُفسد من قبل أشخاص لا نعرفهم , شخصُ هو الحياة التي تبتسم بعدما كانت عابسة , يجعلها تتمايل في الهواء بعدما كانت ساكنـه ,تُمطر بالحُب بعد أن كانت يباب
شخصاً سيغير مفهومك عن الحياة يجعلك تنسي ما عايشته , لا تراه عينك لكـنه محفور بين ثنايات قلبك
.......
كان يقف أمام شرفته ونظره مُثبت علي نقطة ما لكن عقله مشغول ومشوش بما حدث , يعرف أن زوج والدته هو من فعلها فقط ليثبت أنه قادرُ علي الخسارة ليس إلا ..
حسناً ليصدق ذلك ويقترب منه حتي إذا ما حانت اللحظه يغلق عليه باب القفص في عرينه
سحبَ هاتفه وأغلقَ زمام حقيبته واستعدَ للرحيل من الأراضي التركية عائداً لموطنه الأصلي " مصـر" تاركاً امبراطوريـة عائلتـه مع صديقـه الذي يثق به!
لو كان يري نفسه الأن منذ سنـة لكان ضحك علي هيئته المُزريه , بئس ما حدث وما سيحدث تلك المـرة يشعر أن حياته ستتغير , لقد اكتفي من كونه ملاكاً هو الأن يسعي أن يكون شيطاناً
.............
كانت تضع كأسي الشاي علي الطاولة قبالتها هي وجدتها ثم تتربع بجانبها علي الأريكة أمام التلفاز تحاول استجماع ما ستقوله , تعرف كم أن هذا صعباً علي سيدة عاشت تلك المواقف .. تخاف حينما تسترجع كل ذلك يُكسر قلبها , لكن لافائدة فماذا سيكون أسوء ما يحدث لقلبِ مُبعثر في الأساس
- تيتا ؟
هتفت أسيل بإضطراب بعدما نفذ ريقها , وتهدجت شفتاها مراراً قبل أن تنطق بما سيؤلم ولولا أنها أرادت أن تعرف الحقيقة ما كانت فعلت
اماءت حياة بصمت فاردفت أسيل وهي تترقب ردة فعل جدتها
- هو جدو كان عامل إزاي زمان ؟
لم تفهم حياة معني السؤال أولاً , فتساءلت هي الأخري باستفهام واضح علي تعابير وجهها الأبيض
- مش فاهمة عامل إزاي ايه ؟ .. شكله هو هو متغيرش
ابتسمت أسيل بارتباك وهي تعيد السؤال بطريقة أخري وهي تقوم بإعادة خصيلات شعرها الأماميه خلف أذنها
- أقصد معاملته معاكِ
تغير لون وجهها الأبيض إلي اللون الأحمر وبرزت بندقيتا عيناها , هي الأخري تتساءل ماذا عرفت لتسأل مثل هذا السؤال وتطريق إلى ذلك الموضوع غير آبهه بما ستشعر إن سمعت وكيف ستتغير مشاعرها تجاه من حولها , هي صغيرة لم تتعدَ الثالثه والعشرين من عُمرها وتتساءل عما حدثَ منذ أكتر من خمسون عاماً
- بتسألي ليه يا اسيل ؟ إيه اللي جاب السؤال ده في دماغك ؟
هزت أسيل كتفيها بعدم معرفة وهي تهتف بما يمليه عليها فضولها
- بسأل بس
نظرت لها حياة وتنهدت تنهيدهً خرجت من أعماقها , لتخبرها حتي لا تقع في نفس الخطأ مثلها
لكنها فضلت أن تبدأ بمقدمة حتي تستطيع أن تفهم اسيل ما كان وما ستفعل إذا وقعت في نفس الفخ
- اتعلمي دايماً ان مش لازم تتصرفي زي حد في نفس الموقف , يعني لو اتعرضتي لموقف زي حد أو مشابهه ليه مش شرط تتصرفي نفس التصرف بتاعه ,اتصرفي اللي شايفاه صح يمكن يطلع تصرفك أحسن منه .
قطبت أسيل حاجبيها وتساءلت بعينيها قبل أن تنطق بتلقائية
- وده إيه علاقته يا تيتا بالموضوع
ابتسمت حياة بخفه قبل أن تبدأ في الحديث تاركه راس أسيل مشوش بما قالته , لكنـها علي يقين أن حفيدتها التي ورثتها في لون العيون والوجهه الأبيض ستدرك رسالة جدتها حينما تنتهي
- يوم ما المصيبة حصلت كان عندي 15 سنة , أيامها كنت لسه صغيره ومعرفش يعني إيه جواز ومسؤلية , لكتن مع ذلك أهلي جوزوني زي أي بنت أيامي
قاطعتها أسيل وحاجبيها مازلا معقودان بتساؤل وأرادت أن تُشبع فضولها العالي بسؤالها العفويّ
-مُصيبه إيه يا تيتا
تنهدت حياة وهي تنظر إليها بقله حيله , فهكذا هي حفيدتها التي عتادت عليها
- جوازي يا أسيل , ومتقاطعنيش لحد ما أخلص
اماءت أسيل بصمت وهي تقوم بإشارة إغلاق الفم علي أنه سحابة ملابس
تابعت حياة بعدما زفرت بحرارة فتلك الذكريات تشعل مشاعر كانت أطفئتها منذُ زمـن , فلورجعَ بها الزمن لما كانت عانت كل هذا , حتماً هو فخ الإحتمال الذي يُجبرك علي تحمل ما لا طاقة لك به حتي تسير الحياة , تتغاضي عما يحدث مرة بعد مرة حتي تصبح حاله اعتياد مُبهمه , لا تعرف متي بدأت لكنها لن تنتهي إلا أن تستفيق يوماً وقد ضاع عُمرك
- كنت حلوة , بنات زمان كانوا كلهم حلوين , شعري كان عسلي زيك ونفس لون عنيكِ كده , عشان كده انتِ أكتر واحدة شبهي يا أسيل
ثم أبقت الجُزء الأخير لنفسها حتي لا تسمعه حفيدتها
" بس يارب حظك ميبقاش زي حظي "
تظن أن الحديث الذي ستفتحه شيق بقدر ما هو مؤلم؟ , سيملأ الفضول بقدر ما يشفي جراحاً ؟
ستعتاد بعد ذلك علي سماع تلك الأحاديث المؤلمة الغير شافية تلك !
-كان في الأول عادي أو أنا اللي مكنتش فاهمة عشان لسة صغيرة , خلفت عمك محمود الأول
- بابا أدهم ؟؟
تحدثت تلك المرة حياة بحده قائلة
- انتي غبيه يا بت مش قلت متقاطعنيش ؟ , أمال هيكو أبو مين منتي عارفة إنه أبو أدهم
ضحكت أسيل بشدة وهي تمسح علي كتف جدتها كي تهدأ , وأردفت بنبرة مرحة
-خلاص والله مش هتكلم تاني كملي
حدجتها بنظرة مُحذره قبل أن تُتابع بجدية مرة أخري
- كنت تاني يوم والده محمود ويقولي قومي اعملي غدا وهاتيلي أكل , وطبعاً مكنش فيه حد يقدر يقوله لأ , الست لازم تسمع كلام جوزها
ابتلعت ريقها فما ستسرده لن يكون هيناً بالمرة , لقد أغلقت تلك الصفحة المؤلمة من حياتها وهاهي تفتحها من جديد وتضغط علي جرحٍ لم يُشفي بعد
-مرة جبتله الشوربه باردة , كانت قربت تبرد شوية قام رامي الأكل في وشي والشورة ساعتها لسعتني , ومش كده وبس أنا مكلتش يومها من الأكل اللي عملته وكان ساعتها محمود عنده شهر يعني كان لازم أكل عشان علي الأقل الطل الصغير ده يلاقي حاجه يتغذي منها !
كانت عينا أسيل بدأ يتجمع فيها بعض العبرات لكنها جاهدت في اخفاءها جيداً حتي لا تُثير الشفقة
تابعت حياة وكأنها اعتادت علي الألم جيداً كأنه قدرها الذي يجب أن تتحمله سواء شاءت أم أبت , تظن بحديثها سيذهب بالألم ما ضاع عُمرها هباءًا
- جدك كان قادر أوي أكتر من كده , دلوقتي يُعتبر اتهد شوية من السن وكده , بس زمان مكنش حد يقدر يقف قصادة وكل ولادة ليها حادثه .. تقريباً المرات الحلوة هما اللي يتعدوا علي صوابع الإيد
كانت ستكمل حديثها لولا دخول " إيمي " في تلك اللحظه والتي تكون أخت ادهم بمرح قائلة بنبرة طفولية
-السلام عليكم يا أهل البيت الكرام
أرادت أسي أن تعبث معها كما يفعلان دائماص و فادارت وجهها ونظرت للطرف الأخر وهتفت بنبرة حزينه بعض الشيئ
- ليه واحشينك أوي كده , ليه ما تروحي لجوزك يا ست انتِ
أطلقت إيمي ضحكة عاليه لتلفت لها حياة بحده وعيناها تبرقان بغضب قائلة
-وطي صوتك يابت في إيه معندناش بنات تضحك بصوت عالي
قامت إيمي بتقبليها من وجنتيها وانتقلت لأسيل الأخري وهي تجيب سؤالها الذي لم تستطع إجابته بسبب ضحكتها العالية
- أيوه والله واحشني جداً , أنا يدوبك عرفت أخلع من حماتي وجبت رؤي وجيت
التقطت أسيل رؤي من بين ذراعي إيمي وأخذت تقبلها وتقوم بدغدتها حتي تضحك , وهي تتحدث مع والدتها
- ابقي سلميلي علي طنط عايدة كتير لأنها وحشاني
ربتت حياة علي كتفها قائله بحنو
- ابقي سلميلي أنا كمان علي حماتك و ست طيبة ماشاء الله عليها
أردفت أسيل بمرح بعد سماع جدتها
- وانتِ يا بت يا ايم يكنتِ عايزه حماة بصحيح
تابعت حياة مع أسيل في سبيل إغاظه إيمي التي بدأت بالفعل تزداد شُحنات حنقها
- أيوه يا بت يا أسيل تصبحها بعلقه وتمسيها بعلقه .. يمكن تعقل شوية
اصطنعت إيمي الزعل وقام بتغيير تعابير وجهها للحزن , وكادت تأخذ صغيرتها من ابنه عمها وتخرج
-شُكراً كنتوا عايزين ترموني للوحوش البرية .. أهون عليكم
ضمتها حياة لصدرها وقبلتها من جانب جبهتها قائلة بشيئ من الحنو
- لا ده انتي حبيبة تيتا أول فرحتنا يا إيمي , محدش يقدريزعلك وأنا موجوده
- حبوني معاكو
هتفت بها أسيل قبل أن تنقل إلي حضن جدتها هي الأخري مُشاركة في العناق الجماعي الذي يجمعه السلام الداخلي والنفس العزيزة
....................
وقف قبالته وخلع نظارته الشمسية ليري عينيه بوضوح , يريد أن يري الشماتة فيهما حتي لا يبقي في قلبه مكاناً ينادي برحمته لما سيفعله به بعد الأن .. واستطاع رؤيه ما أراد , عيناه تتشبع بالمشاتة هو يقول له الأن لقد خسرت لذا دعك من هاله التفاخر وأنك الأفضل , انتهي زمنك
- ازيك ياكينان , انا زعلت جداً علي اللي حصل ... إن شاء الله هتقف علي رجليك تاني زي كل مرة
ما أخبث حديث الشفاه حينما تكون العيون تكلمت بكل ما تريد , فذلك الحديث بعد حديث الأعين غير مُهم هو فقط شكليات !
-إن شاءالله , والمرادي أناعارف كويس مين اللي عمل كده
رفعَ ناصر حاجبه بلامُبالاه وهو يُحي ذكاءه المفرط قائلاً بنبره عدوانيه بعض الشيئ
-وناوي بقي تعمله إيه .. لو عرفت يعني !
اقتربَ منه أكثر حتي صارت المسافة قصيرة بينهما وبنظري تحدي وصوت يشبه الفحيح أردفَ كينان
-هو مش هيلحق يعرف أنا هعمل فيه إيه ..
قطعَ حديثهما دخول نازلي بلهفه تجاه ابنها تتلمس وجنته وهي تتفحص وجهه , وسحابته الرمادية التي لانت بمجرد رؤيته لعالمه الذي يقف امامه
قبّلَ يد والدته ثم جلس بجانبها وهو يحاول الإجابة علي أسئلتها المتواليه واحده تلو الأخري بلا توقف
- ماما براحة براحة , أنا كويس ومتقلقيش هحاولأظبط الأمور هنا قبل ما أرجع
نظرت إليه بأعين راجيـه هي لا تريد عودته لتركيا تري أن يستقر في مصر بجانبها , لاتقوي علي العيش بدونه بعد الأن تريده بجانبها
- حبيبي أنا عايزه اتكلم معاك شويه , بس بعد ما تاكل وترتاح ...
أمسك حقيبته واتجه للصعود بعد أن قبّلَ جبهتها ورمي زوج والدته بنظرة جانبية قبل أن يدير رأسه ويستمر باللصعود لأعلي
....
انتعش بعدما أراح جسده وتناول طعامه في وسط نظرات زوج والده والجو المشحون , وضع يده علي معدته التي امتلأت بالطعام وابتسم فهو لم يذقْ ذلك الطعام منذ وقتٍ طويل , سحبَ هاتفه الموضوع علي المكتب ثم ضربَ عده أرقام حتي يأتيه الرد
- هاا عملت ايه ؟
تحدث رائدعلي الطرف الأخر بصوتٍ ناعس دليلاً علي أن الهاتف أيقظه من سُباته
- عملت ايه في إيه ؟ ... مين بيتكلم !
تحدث كينان بحده وهو يحاول ألاينفذَ صبره
- فوق يا حيوان ... وركز معايا في اللي هقوله ده !
.................
- مينايا
هتفَ أدهم بمداهمه سريعة وهو يظهر من العدم أمام منـة التي كانت تلتهم أخر قطعه من الشوكلاته الخاصة بها , لكن الطعام وقف في حنجرتها ولم تستطع الكلام والرد عليه , وجهها أصبح أحمر وتتنفس بصعوبه حتي أتاها هو بكوبٍ من الماء وفي النهاية أصبحت تتنفس !
- إياك تعمل كده تاااااااني
كان كلامها هادئاً في البداية لكنا في النهاية صرخت بحده وهي تنظر له شزراً , حاول هو الأخر أن يحتوي ثورة غضبها وقام بهدئتها بقوله
- خلاص والله مش هعمل كده تاني , انا كمان اترعبت والله ... متزعليش
مازالت علي حنقها منه لذا حاولت أن تبتعد عنه , فاردفت وهي تقوم من مجلسها
- لما تبطل حركات العيال الصغيرة ابقي كلمني ..
استوقفها وهو يخرج بعض اكياس من الحلوي أمامها ويتحدث بنبرة ماكرة
- طب كويس إني جبت ده عشان لما تحصل طوارئ زي دي وتزعلي اعرف اصالحك
نظرت للكيس بإبتسامة واسعة , وتقدمت من أدهم واختطفت ما بيده وأخذت تفتح ما بداخله وهي تتمتم
- المعفن مجبش شيبسي بالخل والملح
-سمعتك علي فكرة
أردفَ بعينان جاحظتان فبعد ما فعل هي مازالت حانقة وتتفوه بما لا يليق
- طب هاتي الكيس ده بقي
اختطفته منه مره أخري قائله بإبتسامة بلاستيكة
-خلاص يا عم سيب الكيس هحاول ابقي مؤدبـة
- دبدوبة
- دحيح
ابتسم وهو يقطب حاجبيه بإستغراب لما قالته مُردداً إياه بتساؤل
- دحيح ..؟ , وده ايه علاقته أصلاً
أجابت وهي تلتهم ما بيدها دون أن تنظر إليه
- مش انت بتوصفني .. أنا دبدوبة وأنت دحيح بس اتصافينا!
أرادَ الاستفسارعما قالته ولم يبخل علي نفسه وسألها وهو يجر الحديث معها
- وهو أنا دحيح ولا ايه
لم ترفع عيناها عما تأكل وأردفت بهدوء
طبعاً مش دخلت هندسة يبقي دحيح
-هو شرط اني اكون دحيح .. ميمكن حظ
-يمكن ...
استدركت نفسها بما تفوهت , فهي الأكثر درايه عن ذلك الموضوع من كانت تبقي معه حتي ينتهي من استذكاره لدروسه , لقد انشغلت بما تأكل ولم تركز بما قال
- ايه ده معلش مكنش قصدي , أنا دايماً بشوفك دحيح وبالمعني مش كُتر مذاكرة لا .. بمعني انك لما بتبقي عايز حاجة بتوصلها
اماءَ بصمت وهو يبتسم ابتسامة جانبيه دليلاً علي اعجابـه بتفكيرها
ظلَ ينظر لها وهي تأكل , يريد أن يجعلها تنأي عن الطعام ولو قليل , لكنته لا يستطيع حرمانها مما تعشق وفي نهاية الأمر يخاف عليها إذا أصابها مرض بسبب سمنتها تلك
فليحمها الله حتي يكون لديه الحق بحمايتها !
........
كان يستمع لصديقه طوال الوقت إلى أن سكت نهائياً وقد أصبح عنده النهار أزرقاً .. حتماً عرفَ شيئاً ما
- عرفت اسمه .. خلاص عرفته !
أردفَ رائد بلهفة وهو يبحث في حاسوبة المحمول , وأردفَ بعد أن ألحَ كينان في السؤال عن الإسم الذي وجده .. وحتماً ستدمر حياته فمن لديه الجرأه أن يستولي علي إمبراطوريـة الأبحر بمثل تلك السهولة
- عبد العظيم .. عبد العظيم الشيخ
