رواية ندبات الشيطان الفصل التاسع عشر19بقلم ساره عاصم


 

رواية ندبات الشيطان

الفصل التاسع عشر "


هُنا تبدأ الإثارة"

مرَّ أسبوع منذُ أن رأته وكل شئٍ على ما يُرام .. منذ أنا أخبرها أنها لم تكن ضحية بل هو بوقوعه في حُبها -وانتظاره مصيرًا محتومًا بسقوط أحدهم -لكنه غامرَ بتلك المعركة بنظرها خاسرة 

ارتسمت ابتسامة مُحبة على ثغرها وهى تسترجع تلك الذكريات بينما عيناها تجوب على الصور التي التقطوها سوياً في المزرعة. 

ما إن أغلقت هاتفها  حتي تفاجئت بمنة قادمة إليها عاقدة حاجبيها بضجر

- ايه يا أسيل بخبط عليكِ بقالي ساعة مبترديش ليه؟

ازدردت أسيل ريقها ثم أفسحت لأختها لتجلس أمامها على الفراش 

-معلش مكنتش مركزة يا حبيبتي , عايزة حاجة؟

جلست منة ثم أعطتها مفتاحاً ملوناً باللون البنفسجى لتعقد أسيل حاجبيها بتساؤل أجابت عليه منة حينما قرأت تعابير وجهها 

-ده المُفتاح بتاع المقابر بتاعتنا , عشان لما تروحى تزوري سلمى وكده

تأملت أسيل المفتاح لوهله ثم ابتسمت بحزن بعد أن تذكرت أختها الراحلة

-سلمى كانت بتحب البنفسجى جداً 

بادلتها منة نفس الابتسامة ثم قلبت عيناها في الغرفة قائلة بحُزن

-دي أقل حاجة نعملهالها .

ثم استطردت بحماس وقد اتسعت ابتسامتها شيئًا فشيئًا 

-صحيح مش خالو عماد عملها عُمرة وهو في السعودية 

-بتتكلمى جد , الحمد لله كله في ميزان حسناتك يا سلمى 

تفاجئت مما أخبرته بها منة , لكنها سعدت وأطلقت الحمد لتشرد بعد ذلك بذكرياتها معها .. وكأن الشرود لا يُفارق عقلها , أين عقلها الذى فقدته بعد موت أختها وارتباطها برجلٍ يريد القصاص من عائلتها !!

...................

انتفضَ رائد من نومه وهى يهدر عالياً حتى أفزعه من ما في المنزل

-نعم!!! , حصل امتى وازاي الكلام ده ؟؟

جاءت إيمي على صوته العالي ووقفت بجانبة تحاول معرفة ما يحدث 

-في ايه يا رائد حصل إيه ؟

أوقفها بإشارة من يده ثم استكمل حديثه بحدة وهو يبحث عن شئٍ ما بالغرفة

-ومين عرف المكان ده أصلاً , ده مش باسم شركتنا أصلًا .. خلاص اقفل , اقفل بأخباركم السودة شبهكم

ألقى الهاتف بعصبية على السرير , ليمرر يداه بين خصيلات شعره بعصبية جمّة .

ابتلعت إيمي ريقها ثم اقتربت منه مرة أخري تسأله عن السبب تفاجئت بحقيبته التي يعدها للسفر

-في ايه يا رائد حصل ايه خلاك متسربع وهتسافر كده ؟

-مخزن تبع شركتنا اتحرق

لا تدري أألمها قلبها من خسارته أم من نبرته الحادة التي توجه لها اتهامًا بحق .. جدها 

هي تعلم من نبرته أن المقصود هو جدها, ولكنها ليست مُتأكدة من أنه لم يفعلها !

ظلت حائرة حتى استجمعت قوتها مرة أخري وهتفت بصوتٍ هادئ

-احنا لسه بردو مش متأكدين مين عمل كده , فبلاش نظرة الشك دي !

استدار لها بعصبية ونبرته الحادة لم تتغير بل ازدادت وهو يقترب منها حتى أصبحت مُقلتاه الحمراوتان مُقابلتين لخضرائها 

-ومين غيره جدك عملها , متخليناش نلف وندور على بعض يا إيمي وأنا وانتِ عارفين كويس أوي إن هو اللى ليه مصلحة في كده

تنهدت بثقل ثم رمقته بقلة حيلة , وهي غير قادرة على النقاش معه بذلك الحديث ولطالما تهربت منه , لأنها غير قادرة على اخراج جدها المتورط , أو ادانته بخطيئة كلامه !

-ربنا يعوض عليك خير يا رائد , واللى عمل كده ياخد جزاءه ... أيًا كان !

أكملَ ما يفعله وتجاهل حديثها الواهن لتنسحب بهدوء تاركه إياه يحاول أن يحد من غضبه العارم .

استسلمت لدموعها وهى تملس على شعر ابنتها , تحاول ألا تُخرج صوتها وهى تبكي حتى لا تستيقظ ,  كعادتها تتحمل وتتغاضى عن الكثير من أمرها حتي لا تُصيب من أمامها بحزن !

لم تتغير فمنذ أن عرف رائد بماضي جدها مع كنان وهى تتحمل منه بعض الكلام اللاذع أحياناً بغير قصد أو بقصد , وغيابه فتراتٍ طويلة لا يُحادثها ولا يرد على مكالماتها !

تحاملت على نفسها وقامت لتخرج من الغرفة حتى لا ينفضح بكاءها وتستيقظ الصغيرة , ولعله يمر ليلقى على صغيرته نظرة ويقبلها قبل أن يرحل

تركت الغرفة وأغلقت الباب بهدوء وانتقلت للصالون وهى تحمل هاتفها , دقائق ثم وجدته يتحرك بالمنزل ويتجه نحو باب الشقة ويبدو أنه يبحث عنها بالأرجاء , اصطنعت الانشغال بالهاتف , لتجده يقف أمامها وملامحه كما هي معقودة ومُتجهمه .

هتفَ بصوته الآجش 

-عايزة حاجة قبل ما أسافر ؟

-سلامتك

كان ردها مُقتضبًا مما جعل الغضب يتملك منه مرة أخري ويزفر بضيق ويهرول للخارج حتى استمعت لصوت اغلاق باب الشقة , لتطلق العنان لدموعها مرة أخري ...

.................

-كده تمام أوي , أما نشوف هيعوض الخسارة دي ازاي ؟

ابتسمَ بشر وهو يهتف بقسوة وملامحه الجامدة عادت من جديد لتشعل شغفه بالإنتقام

-فعلاً يا حج ! , ده زمانه دلوقتى بيشد في شعره وباعت الكلب بتاعه عشان يظبط الدنيا في تركيا 

ردَ عليه وهو يرجع ظهره للوراء بسأم كأنما يتخطى حديثه , لتعود ابتسامته اللئيمة المرسومة على جانب شفتيه بعناية كأنه يستمتع بضحيته ويتفنن في ازعاجها !

-الكلاب كتير , والشطارة مش باللمه الكتيرة وبالذات لو كلهم مينقلعوش من فرده الجزمة !

نظرَ له الأخر وأماءَ ثم صمتا قليلاً , لتتعالى الضحكات مرة أخري خبيثه , عارمة , تصرخ بالانتصار

-لازم بقى نتصل نواسيهق على مخزنه اللى اتحرق ده يارائد

-بص يا كنان أنا عارف انك شمتان .. بس أنا موافق , موافق ....

.......................

يجلس على فراشه يرفض الحديث , يكتم في نفسه فساد مخزنه حتى لا يعرف من حوله بأمر ملكيته لإمبراطورية كبيرة ,يحاول أن يسيطر على حُزنه وحسرته اللاذعة بفقد مخزنًا يعج بالصادرات التي لم يُكتب لها أن تخرج منه سوى رماد!

دلفَ طائف على مضض ثم اقتربَ منه بحذر قبل أن يُنظف حلقه قائلاً 

-بابا لو سمحت عايزك في موضوع

لم يتلقى منه ردًا , ليقترب منه أكثرقائلًا بنبرة أعلي 

-بابا ...

وجده يميل للأمام وعينيه مغلقتين فتفحصه عن كثبٍ ليجده قد اُغشي عليه ليصرخ بصوتٍ عالٍ قبل أن يأتي باقى أخوته وينقلونه للمشفى 

بقى يومًا حتى تتحسن صحته من ذبحته الصدرية التي نجا منها بأعجوبة , بينما كان الجميع يقف بالخارج أتى كنان الذى ارتسمَ علي ملامح وجهه الازعاج الشديد .

اقتربَ من إيهاب الذى حياه باقتضاب فهو يعرف جيدًا أنه من فعلها , لكن شغله الشاغل لم يكن بإيهاب أو حتى بأبيه, بل بتلك التي احتضنت جدتها ووقفت على بُعدٍ من باب الغرفة وعلى وجهها ملامح غير مفهومة !

اقتربت منه بعد أن لمحته ينظر إليها قائلة بنبرة خالية من التعبير

- تعالى عايزاك 

- أطاعها بصمت وذهبَ خلفها حتى وصلا لخارج المشفى لتستدير إليه بحده بالغة وهى توجه له أصابع الاتهام 

- انت اللى عملتها صح !

قطب حاجبيه بتعجُب ثم ما لبثَ إلا أن تغيرت ملامحه وازدادت صرامة ليهتف بعدها بحذر

-أسيل لاحظى كلامك كويس , وشوفي بتكلمي مين

-انت الى عملتها مفيش حد غيرك ليه مصلحة في كده !

هدرت بصوتٍ عالٍ وهى تنظر إليه بحده وبندقيتيها تحاولان الصمود أمام سحابته الرمادية التي امتلأت بالعواصف جراء حديثها 

أمسكَ ذراعها بين يديه وأردفَ بخشونة 

-أنا مش هقولك حاجة دلوقتى عشان الحالة اللى انتِ فيها ومقدر انك زعلانة عليه .. لكن مش ناسيهالك يا أسيل !

ترك ذراعها ثم ذهبَ من أمامها بسرعة قبل أن يُقدم علي فعل شئٍ يندم عليه بعد أن استفزته بحديثها واتهامها الصريح له !

بينما هي وقفت تستوعب ما حدث , وهي التي تألمت من حديثها وليس هو 

علاقتهما مثل كتاب أخذَ مُسمي " أهلاً بك في الجحيم "

تعرف أنه الجحيم بعينه لكنك مبهورٌ بالترحيب في أوله .. لكنه سيظل جحيم حتى اُقيمت الاحتفالات على أبوابه 

                    الفصل العشرون من هنا 

لقراءة باقي الفصول من هنا


تعليقات



<>