رواية ندبات الشيطان الفصل الثامن عشر18بقلم ساره عاصم




رواية ندبات الشيطان 


 الفصل الثامن عشر 


" وجهٌ أخر "

حينما تصفعك الزمن على خطيئة اقترفتها سابقاً تذكر أنه كما تُدين تُدان ولا شئَ باقٌ 

......

تجلس على فراشها تسكب بعض الدموع التي توارت خلف بندقيتها لأيام , كانت تريد أن تتحلى بالقوة فقط من اجل أبيها وأمها ومنة 

وجدت فرصة سانحة والجميع ليس بالبيت لتختلي بسريرها قليلاً , تزورها بعض الذكريات عنها بمخيلتها لتنتحب أكثر فكل ما تبقى منها .. ذكرياتٍ فقط

آلمها الذى نمي داخلها منذُ أيامٍ يتفاقم يوماً بعد يومٍ وهى لا تستطيع إيقافه تشاهده ينمو فحسب!

وبينما هي في حفلة بُكاءها العارمة تلقت رسالة نصية من كنان يخبرها بأن تنزل للحديقة المجاورة لبيتهم ! 

توقفت عن البُكاء لوهله لتجد أن طوق نجاتها قد حضر بالوقت المُناسب , لم تنتظرْ ثانيةً لتنتفض من مجلسها سريعاً وتلتقط ملابسها المكونة من بنطال جينز أسود وكنزه سوداء أكمامها من الشيفون الشفاف

لا تعرف ما يحدث حينما تبقى بجانبه , فخطواتها السريعة المُتلاحقة تباطئت ’ وقلبها أصبحَ يخفق بقوةٍ أكبر , وحدقتا عيناها قد اتسعتا لتشمل منظره وهو يستند على سيارته بانتظار يعبث بهاتفه حالما تنزل هي.

تقدمت منه بخطواتٍ مُتهاديه وقلبٍ عارم بالثورات , وهو الأخر ما إن لمحها حتى تقدم منها واحتضنها بخفة وابتسمَ ليسألها عن حالها الذى يعرفه جيداً من مراقبتها من بعيد

-عاملة ايه دلوقتى

أومأت بشبح ابتسامة على شفتيها ليربت هو على شعرها برفق ثم يفتح لها باب السيارة لتدلف إليها أولًا ثم يتبعها هو الأخر بعدما استقلَ السيارة أمام المقود

...

كان الطريق صامتًا , فقط يشغل تفكيرها إلي أين يأخذها من هذا الطريق؟!

توقفَ مؤقتًا أمام محلٍ للورد ليبتاع باقة زهور خبأها في المقعد الخلفى لهذا لم تراها هي ,واستحت أن تنظر للخلف لإشباع فضولها , فالآن يشغل تفكيرها لمن تلك الورود وما شكلها !!

......................

تجلس عند قبرها تبكي بحرقة , ابنتها ماتت وهى عروس , لم تعش حياتها بعد !

كانت تتحدث بآلم يجتاح صدرها , ونيران الفراق مُشتعلة بقلبها

-ياحبيبتى يا سلمي , ملحقتيش تتهنى بشبابك يابنتى 

وضعت بعض النسوة يدها على كتفها لمحاولة تخفيف البأس عنها وهى مازالت تنتحب بشدة وتحترق لفقيدتها الغالية 

أما حياة فانشغلت بالبُكاء هي الأخرى والحديث لكن بصوتٍ خفيض لا يستطيع سماعه أحد

فقط تنظر للقبر وتبكى من هول الفاجعة التي حلت بعائلتهم !

أغمضى عينيكِ أيتها الجميلة , فالدنيا زوالُ وفناء

اذهبى لربك نظيفة القلبٍ , بعيدةُ عن كل نفاقٍ ورياء

يامن تجلت بتاجٍ الخُلق ,وتزينت برجاحة العقلِ والصفاء

فخفيفُ الروح عند خالقه محبوب , كأنما خُلقَ من طينةٍ حسناء

.............

البيتُ خالٍ الآن من أي شخصٍ يُعطله , فقد انتظرَ كثيراً ذلك الأمر ويجب أن  يُسرع همته حتى يحصل على مراده , وهو الأن لم يبقَ أمامه شئٍ .. فساعةُ الصفرِ قد حانت!

- نفذ اللى قولتلك عليه , مش عايزك تسيب أي حاجة وراك 

أتاه الرد الأخرَمُرتبكاً 

-طب والحاجات الى أستاذ إيهاب عايز يعرفها ...

كزَّ على  أسنانه بغضب وهو يخاطب مُساعده علي الخط الأخر 

-سيب إيهاب دلوقتى في اللي هو فيه , اعمل اللى بقولك عليه من غير أي حاجة

-ح ح حاضر يا حج عبد العظيم 

أغلق عبد العظيم الخط بوجهه , وهو يزمجر  بغضب ودقَ بعصاه العاجية في الأرض وهو يهدر بعصبية

-وراك وراك والزمن طويل يا ابن الشرقاوى !!

في تلك اللحظة تقدمَ إيهاب ووجهه شاحب  يبدو كمن اُهملَ , فملابسه غير مُرتبه ولحيته قد نمت كثيراً

ارتمى أمام والده بضعف شديد وهو يقول بصوتٍ مُتهدج

-بابا , احنا لازم نوقف كل اللى بنعمله

قطبَ عبد العظيم حاجبيه بتعجُب وهو يسمع لتراهات ابنه , ليدير رأسه ويتحدث بتكبُر كما اعتاد

-واضح ان موت بنتك لسه مأثر عليك , وأنا عاذرك .. بس أنا ممشى كل حاجة في غيابك متقلقش

أدمعت عينا إيهاب إثر ذكر موت سلمى , لتتملك العصبية من نبرته التي خرجت دون وعي

-بقولك أنا حاسس ان ربنا عاقبني بموت بنتى على اللى بعمله ده , كفاية بقي لازم نوقف كل حاجة نهائي 

حدجه عبد العظيم بنظرات شرسة قبل أن يتطاول بالكلام وعيناه تتقدا شراراً ويتصاعد من داخل مُقلتاه ألهبه الحقد ونيران الكُره

-نوقف ؟؟ نوقف ايه يا إيهاب باشا .. انت نسيت ان فاضل على حقنا خطوة ؟ , استحالة هسيب ابن الشرقاوى ده يتمتع بفلوسى اللى سرقها جده زمان 

هُنا انفعلَ إيهاب أكثر وقام من مجلسه وقد علىَ صوته , كان شكله مُخيف فملامحه الضعيفة أصبحت أكثر قوة حينما هتف عبد العظيم صارخاً بأحقيته في أموال "كنان" 

-كلنا عارفين كويس ان الفلوس دى بتاعة جده فعلاً , وحقك انت خدته من البضاعة تالت ومتلت , كون انك شاركت حد تانى في مشروع وخسر مش معناه ان هو اللى سلطته عشان يخسرك .. 

احتدت عينا عبد العظيم وهو يهدر عالياً

-إيهااب .. أنا دلوقتي عايز أعرف حاجة .. انت معايا في اللى جاى ولا لأ ؟؟

-لأ 

أردفَ إيهاب بحزم وهو يرفع رأسه عالياً ويحيد بنظره عن عبد العظيم الذى استكانَ لوهله ثم أرجعَ ظهره للوراء وتحدثَ بأريحيه كأنه لم يخضْ حرباً كلامية منذُ ثوانٍ

-تمام انت كده طلعت من الحسابات اللى كانت هتحصل , متدخلش في حاجة تاني ولا أسمع رايك في أي حاجة تخص الموضوع .. تمام 

نظرَ له نظره أخير ثم توجه لغرفته بينما تنهدَ إيهاب عاليًا يعلم أن أبيه سيقع بشر أعماله يوماً 

ما يؤلم قلبه حقًا أنه يشعر أنه السبب في موت ابنته ’ احساسه يصل لأبعد مدي من التألم لكن شكواه تكمن في قلبه الباكي فقط !

.........

وما ان كان الأمانُ حبيباً انتشلنا من قارع طريقٍ مُظلم , يقوم بإعادة برمجة حواسك من جديد لتشعر أنك بت شخصاً أخرَ .. شخصاً مُفعماً بالأمل والحياة 

 توقفت سيارة كنان داخل المزرعة التي مكثوها بها قبلاً , التفَ ناحية أسيل التي كانت شاردة بالطريق وأردفَ بابتسامةٍ هادئة

-انزلى انتِ على ما اركن العربية 

امتثلت لأوامره وترجلت من السيارة ووقفت بعيداً عنها لتلمح بعض الخيول التي تسير بعشوائية في تلك الدائرة المُحاطة بسورٍ خشبيّ , توجهت حيثُ أخذتها قدماها لتلك الحلبة الواسعة وهى مبهورة بتلك الأحصنة التي تسير بخيلاء كأنها تتباهى بجمالها البديع

وجدت من يضع يده على عينها فأزاحتها بابتسامة شاحبه لتتفاجأ بباقة الورد أمام عينيها لتشهق بفرح وهى تتفصحها

-الله تيوليب .. بحبه جداً , تسلملى يارب

هتفت بفرحة واهنة ثم أخذت تنشغل بجمال ما في يدها ورائحته العبقة 

صُعقت حينما شعرت به يحتضنها وما أدهشها قوله الذى جعلها تمتثل لأوامره 

-عيطى يا أسيل .. محدش هيشوفك ولا هيسمعك هنا غيرى , طلعى كل اللى جواكِ ومتشليش هم أي حاجة

وكأنها كانت تنتظرلسماع تلك الكلمات , بدأت تبكى بصمتٍ والدموع تنساب على وجنتيها بهدوء وما ان لبثت حتى بدأ بكاءها يزداد ويظهر لها صوت آنين خافت , ثم تعالى صوتها ليصبح مسموعاً بوضوع .. لتصل لمرحلة أن شهقاتها أصبحت مُتعالية جهورة . 

ما كان منه إلا أن ملسَ على شعرها بحنانٍ بالغ وهو يخبرها أنه موجود وتستطيع الصمود وتجاوز تلك المحنة

-أنا مش عايزك تقلقى من حاجة وأنا معاكِ , متفكريش في أي حاجة ممكن تضايقك طول منا موجود همنع أي حاجة وحشة تحصلك 

شددَ من احتضانها وتابع قوله الحانٍ يريد أن يبث لها الاطمئنان الذى فقدته خوفاً من المجهول

-أنا مقدرش استغنى عنك يا أسيل .. أنا بحبك وعمرى ما حبيت حد بالطريقة دى , وعشان كده هحاول أحافظ عليكِ حتى لو كان التمن حياتى !

                  الفصل التاسع عشر من هنا 

لقراءة باقي الفصول من هنا


تعليقات



<>