رواية ندبات الشيطان
الفصل السابع عشر
"فقد"
لعل ما تركه لك الزمن يُنير بصيرتك في تلك الأيام التي تعتقد فيها أن الجميع قد تركك وبقيت في بوتقه أحزانك وحيداً ..
تلك الذكريات قد تبقى صديقتك المُقربة بعدما سيطرَ على عقلك اليأس من المحاولة وأنت لا تعرف أنك المُحاولة المُتبقية لتعيش !
.......
نظرت له بحقدٍ واضح وعيناها مملوءة بالحسرة والألم على ما آلت بها الظروف لذلك الوقت والمكان , كانت مُقلتيها تتحركان على وجهه وتعابيره الصارمة الحادة , لم تتغير منذ أول مرة تلاقيا معاً.
تقوس فمها حينما فكرت قليلاً لتجد أنها وافقت على تلك الزيجة فقط لتذيقه الألم!!
تذكرت تلك الأيام التي عانت بها كثيراً معه , لم تتذكر موقفاً يغفر له أخطاءه الجمة
سابقاً..
كانت تسير بضعفٍ وهى تستد على الحائط بعدما لم تنم سوى ساعة واحدة من كثرة طلباته سواء من الطعام أو غلق باب الغُرفة وأسبابٍ تافهة لا داعى لإيقاظها بسببها ..
-حياة .. حياة !
-نعم
كان ردها ضعيفاً بقدر ما تعانيه , لذلك لم يستطع سماعه بوضوح ليتحرك من مضجعه ويتجه ليجدها تأتى ببطئ بسبب قدمها التي آلمتها من كثرة الذهاب والإياب
تفاجأت بلطمه على خدها الأيمن تبعتها أخرى علي الأيسر ولم يكتفى بذلكبل استمرَ بتعنيفها قائلاً بغيظ
-لما أنادي عليكِ تيجى بسرعة مش ماشية تتمخطري , صحيح ما انتِ متعلمتيش ومدخلتيش مدارس .. يلا غورى مش عايز منك حاجة
لم تؤلمها وجنتاها كما آلمها قلبها تلك المرة , لا يحتمل الإنسان المهانة والذُل وخصوصاً من شخصٍ يكرهه, تحاملت على نفسها ورجعت للغرفة ونفسها مملوءة بالحسرات ...
جلست على طرف الفراش أناملها تمسك بالملاءة بضعفٍ وهى تسترجع حديثه , يعايرها لأنها أميه ولم تتعلم ! , يلومها لأنها كانت حينها بمُجتمع جاهل لايؤمن بتعليم المرأة ولا تزكيه نفسها .
بعدما لبت طلباته أصبحت سيئة لأن صوتها لم يخرج بسبب ضعفها
هو جبار ظالم لا يُحب الضعيف .. وهى رقيقة مُنكسرة مُنتشيه من الضعف
عودة
انسلت دمعة وئيدة من بندقيتها لتشرد بذكرى مرة أخرى أليمة جمعتها مع ذلك المُتجبر
سابقاً
-أنا هروح عند أهلى , وياريت تبعتلى ورقة طلاقى هناك
ما ان اتمت جُملتها حتى شعرت بدفعة قوية أسقطتها أرضاً لينهال بعدها عليها بالضرب , حتى هي لم تعرف ماذا يحدث , لكنها أيقنت من الكدمات الزرقاء بعينها وجسدها أنها كانت ستموت لولا الجيران الذين أتوا ليخلصوها منه
وكل ذلك بسبب أنها تمردت على ظُلمة وتجبره كانت فقط تريد أن تنتشل نفسها من تلك المهانة التي أقحمت نفسها بها
عودة
مرَّ شريطُ ذكرياتها أمامها وبكل بساطة وسلاسة لم تستطع نسيان ما فعل وما سيفعل
تعرف أنه كنان لن يمررها بالساهل , ولهذا هي وافقت على تلك الزيجة حتى يتسنى له الإنتقام على طريقته الخاصة.
.....
استيقظت لتوها على صوت الصغيرة الذى بدأ يهدأ شيئاً فشيئاً إلا أن انقطع , هرولت لغرفة طفلتها سريعاً لتجد رائد يسير بها ويهزها برفق ويهمس ببعض الأشياء بأذنها , ابتسمت بخفة قبل أن تدلف للداخل تحاول حملها منه لكنه أشار لها وهمس بخفوت
-روحى نامى انتِ
هزت راسها دليلاً على رفضها وظلت معه حالما استغرقت رؤى في النوم مرة أخرى .
وضعها على الفراش برفق ثم قبلها من جبهتها لتتبعها قبله إيمي هي الأخرى على وجنتها .
أمسك رائد يد إيمي وخرجا من الغرفة بعدما ألقيا نظرة على الصغيرة النائمة التي احتلت ملامح أباها وجهها, لكنها تبدو رقيقة ومُسالمة كوالدتها !
-ايه اللى صحاكِ
أردفَ رائد وهو يتجه ناحية المطبخ بجوارها
-سمعت صوت رؤى فقمت أشوف مالها , بس ربنا يكرمك والله أنك قُمت سكتها دى كانت هتفضل تعيط للصبح
ضحكَ عالياً لتظهر نغزتاه التي تزين وجنتيه ,ليهتف بعدها بحنو
-مش مشكلة تعمل اللى هي عايزاه
تأملت ملامحة قليلاً لتجدها تشبه صغيرتها بانفرجت شفتيها عن ابتسامة مُحبة وبقيت تُحدق بوجهه إلى أن استفاقت على نبرته الضاحكة
-مش هتيجى تساعدينى في الفطار ولا إية ؟؟
يبدو أنها قد تناست ما تفعله كل صباح بسبب تأملها به
اقتربت منه لكى تساعده لكنه منعها بإشارة من يده قائلاً
-ارتاحى انتِ انهاردة وأنا هحضر كل حاجة
ابتسمت بخفة قبل أن تردف
-كل حاجة ايه ده الفطار بس ياعم !
اصطنع التفكير ثم هتف بخُبث
-صح الفطار بس , يبقى نلغى رحلة المصيف بتاعة الجونة بقى
جحظت عيناه لوهلة ثم اقتربت منها قائلة بلهفة
- ده بجد يا رائد
اومئ بخفة ليجدها تحتضنه بسعادة وهى تصفق بمرح , عيناها التمعتا بفرحة تعدت فرحة عودته , بل هي سعادتها باهتمامه بها وبصغيرتها والحرص دائماً على اسعادها
تحدثت بمرح بعد أن قبلت وجنته
-أنا هروح أجهز الشنط بقى
انطلقت سريعاً بينما بقى مصدوماً وهو يحاول ايقافها
-شنط ايه هما يومين مش شهر .. يا مدام .. يابت
ثم اصطنع الندم قائلاً وهو يشعل الموقد
-منا اللى جبته لنفسى !
............
أيام مرت وحملت معها بعض البهجة بين عصفورى الحُب الحديث , وعلم البعض أن الزمن لا يعود فقط تبقى ذكرياته المؤلمة
لكنّ المؤمن هو فقدان شخصٍ عزيز , شخصٌ يحتل جزءاً كبيراً من قلبك , إذا لم يكن يحتله كله
الموت ينتشل من بيننا اشخاصٍ تعنينا بشدة , ويترك فُتات من الذكريات المُخمشة التي تؤلم القلب وتحزنه وتجعل العين تدمع
الصُراخ يعم المشفى فالضحكة الجميلة والوجه الحسن قد مات !
الجميع مُجتمع ولا يصدق .. سلمى قد ماتت !!
مُجرد حادثة قطار قد دفعها بخفه لتسقط على رأسها مُصابه بنزيف في المُخ لم يستطع الأطباء إيقافه لتنسل روحها من جسدها بخفه تاركه حولها عائلتها وأصدقاءها وآناسٍ لا يعرفونها لكن قلوبهم تألمت لموتها
سقط مازن أرضاً وهو يقف في مُنتصف المشفى أذناه لا تُصدق ما قيل للتو ولحسن الحظ سنده بعض أصدقاءه الذين جاءوا من هول المُصيبة , والدتها كانت تصرخ بشدة فقدت صغيرتها , التي دخلت كلية الطب لتوها ,تشعر أن نفسها بطئ وقلبها على وشك التوقف , جزءاً منها قد رحلَ مع أخر زهقه بخروج روح ابنتها !
اتشحَ السواد من حولها لتسقط على الأرض مُغشيةً عليها
أما العم حافظ الأسرار كان يقف بزاوية يبكى على صديقته التي رحلت بدون ميعادٍ سابق , رحلت هكذا بعدما أعطته أملاً بالحياة, لن تكون موجودة وهو يُحقق ما أخبرته به , ألهذه الدرجة لم يُلاحظ أنها كانت توصيه !!
-ياسلمى .. يا سلمى يا حبيبة تيتا
صرخت حياة عالياً وهى تلطم وجهها بقوة ليمنعها بعض النساء المحاوطين لها , كانت تبكى وتصرخ وتتكلم , تخرج ما تكتم في صدرها من آلمٍ عميق , فاليوم فقدت حفيدتها ذات الخلق العظيم والوجه المُبتسم المُنمق كحديثها معها كل صباح قبل أن تذهب لكليتها !
من كان يتوقع أنها ستموت هكذا فجأة دون أي وداعٍ , هكذا انفرطت من بينهم بسلاسة .
كانت أسيل تحتضن منة التي تبكى بصوتٍ عالٍ وترتعش بقوة كأنها فقدت تدفئتها وحمايتها كان الجميع يبكى بشدة , حتى الرجال الذين تألموا لفراق جوهرتهم الغالية
أباها كان غير مُصدقاً تنسل الأدمع من عينيه بخفة دون أن يلاحظها وهو يسرد أخر موقفٍ معها وهى تودعه وتقبله قبل ذهابها للخارج
كانت مُربة منه لحدٍ كبير وهى كانت مُفضلته.
تلك اللحظة أجمعت العائلة لكن لموت أحدهم لطالما كانوا معاً بكل شئٍ يحدث , كانوا جماعة واحدة لكن اليوم ينقصهم فرداً
الجميع يبكى وينوح على فراق ردتهم النادرة التي لا تُعوض , أولاد عمها وعماتها وأقربائها من ناحية والدتها أصدقاءها التي أصابهم خبرَ وفاتها بمقتل
حتى كنان انسلت من عينية الدموع حالما سمع بالخبر
حتماً تلك الفتاة كانت محبوبة بينهم , كانت خفيفة الروح , عبقة اللسان , جميلة الأخلاق
كانت أسباباً كافية لتجعل جنازتها مملوءة من كُلٍ حدب وصوب
الموت يأخذ الطيبين أولاً كأنه يخبرنا أنه يحب أن يرانا نتألم بدونهم ..
وبدلاً من تنتظر شخصاً للتنزه معه , تترحم عليه وعلى أيامكم التي قضيتموها سوياً
رحم الله أشخاصاً كان بالنسبة إلينا الحياة بكمالها , وعبقها , وزينتها
