رواية ندبات الشيطان
الفصل الحادي والعشرون "
خطر "!
لا بأس ببعض الإثارة اذا كُنت تعرف مُنتهاها .
..................
برودها الذى تتحدث به الآن كسى علي شخصيتها المُسالمة والهادئة, توقعَ ثورة عارمة وصُراخ يمكن اخماده باحتضان , لكنه كان مُخطئًا !!
كاد أن يقترب منها إلا أنها وضعت يدها أمامها تمنعه ونطقت بحدة مشوبة بالازدراء
-اعمل اللي بقولك عليه , عشان مبقالناش عيشة مع بعض تانى
أمسك يدها الممتدة بدون أن تُلاحظ ثم هتف بحروف مُتقطعة لكنها قوية وبينما يضغط على كل حرف تتبعها ضغطة خفيفة علي رسغها الذي يتملكه
-اسمعينى بس !
هُنا ثارت عن برودها , وكشفت قناع غضبها الحقيقي ودفعته بقسوة قبل أن تهتف
-اسمعك ايه انت ليك عين تتكلم أصلًا بعد اللى عملته , وشوف من بجاحتك كمان جاي تتهمنا احنا !!
كتم غضبه بصعوبة لكن حده صوته أظهرت ضجره بشدة حيث اتقدت عيناه وهو يقترب منها بحذر مُشيرًا بسبابته كأنه تحذير
-متطاوليش يا إيمي عشان انتِ متعرفيش أي حاجة أصلاً .. ولعلمك بقى مش احنا السبب لو مستكتيش ورجعتى عن اللى في دماغك مش قايلك حاجة خالص ...
ترددت أمامه لا تريد أن تتخلي عن موقفها وبالمثل تُريد أن تعرف حقيقة تلك الواقعة التي حدثت وقلبت كيان عائلتها , لكنها الآن عرفت وجهه الحقيقي كم هو قاسي , يساوم حياتها معه بمعرفة الحقيقة نظرت له بعتابٍ جعلته يخفض رأسه لأسفل , تحركت لتجلس علي الأريكة بهدوء وهتفت بلا مشاعر
-تمام , قولي ايه اللى حصل
تنهد قبل أن يبدأ في سرد ما حدث بالتفاصيل الكاملة تارة يظهر على وجهه الحُزن وتارة الانتصار بينما هي تجلس تستمتع بلا تعابير على وجهها وعندما أنهي حديثه حرك يده أمام وجهها ليتأكد من أنها معه بالفعل !
وعلى حالتها تلك لم تظهر أي ردة فعل بل قامت لتتجهه لغرفتها بدون أن تنبس ببنت شفه !
أمسك ذراعها وهو مُتعجب من طريقتها فهي لم ترد حتي أو تُبدي أي ردة فعل تطمئن قلبه بها !
-ايمي !!
نفضت يده عن ذراعها دون النظر إليه وأكملت طريقها لغرفتها وقد انسلت دمعة رأفت بحال قلبها الذى يتألم وتركت مُقلتيها لتنحدر ببطئ على وجنتها ساحبةً معها أخواتها اللاتى لحقن بها !!
..................
- هو أنا مش قايل متروحش عنك امك دلوقتي ؟! هو أنا كلامي مبيتسمعش
هدرَ محمود بآمال التي اكتفت بالتحديق في وجهه وعقلها يخبرها بأن فقدَ عقله تمامًا ولهذا أردفت بنفاذ صبر
-محمود أنا قايلالك امبارح لما ماما تيجي من الاسماعلية هروح , دلوقتي جاي تقولى لأ !
جادلها بقوة رغم أنه علي خطأ , فمن المُفترض أن تذهب لزيارة أهلها وهو أعطاها الموافقة لذلك لكنه الأن يتراجع
-لأ أنا مقولتش كده , متخترعيش من دماغك ... حلو أوي البيت السايب ده ماشية بمزاجك انتِ
جحظت عيناها بصدمة فعن أي شئٍ يتحدث , لولا أنه يطبق على أفعالهم وأنفاسهم في كل شئٍ فماذا كان سيقول أكثر من ذلك !!
- انت مش لسه قايلي ....
قاطعها وهو يلتقط مفاتيحه مُستعدًا للخروج غير آبهًا بتلك التي تستشيط غضبًا من خلفه لأنها لم ولن تذهب لأهلها بسبب تحكماتة الزائدة أو الزائفة ليبرهن أنه رجل تسير كلمة البيت بأمره وحده !
خرجَ أدهم من غرفته بعدما استمعَ للنقاش الحاد ليجد والدته تتأفف بضجر وهي تخلع حجابها عنها
-في ايه يا ماما مرضيش برده ؟
-أه مرضيش منه لله
زفرَ بضيقٍ هو الأخر قبل أن يربت على كتفها بحنو
-معلش متزعليش يا ماما , هقولهم يجوا هما عندنا
أردفت بوهن وهي تجلس على الكرسى الموضوع على طاولة الطعام
-هيمنعهم يدخلوا البيت كمان عندي , حسبي الله ونعم الوكيل فيه ماشى علي روتين أبوه , مكنش بردو حد من اخوات ستك بيجولها البيت ولا هي بتروح , عايز يبقي زيه وأنا بقى معنديش طاقة لكل ده , لما اقعد بالكام شهر مشوفش أهلي عشان سيادته مزاجه مش راضي يبقي اسمه ايه يعني
قبّلَ رأس والدته بحنوٍ زائد فهو تألم لمثل كلماتها تلك , فشخصية والده وأسلوبه نُسخة مُصغره من جده
-خلاص يا ماما متزعليش ربنا يهديه , وأنا هكلم خالتو وتيتا يجو هنا , أهم حاجة متزعليش نفسك انتِ
ابتسمت هي بخفوت قبل أن تبدأ في الدعاء له
-ربنا يكرمك يابني ويرزقك ببنت الحلال الطيبة اللى تصونك
ضحكَ عاليًا وهو يعدل من هندامه أمام المرأة ثم أردفَ
-أحلي دعوة دي ولا ايه يا ماما
وضعت يدها على فمها وهى تتحدث بتعجُبٍ زائف
-شوف الواد بيفكر في ايه بدل ما يروح يشتغل ولا يعمله اى كارير "career"
اتسعت عيناه بصدمة زائفة وهو يقترب منها قائلاً بابتسامة
-كارير؟! وشُغل انتِ مين اللى علمك الكلام ده يا أموله ..ده مش من مقامي , سلام بقى عشان اتأخرت يا قمر
-سلام يا حبيبي
ثم دعت بخفوت قائلة بقلبٍ خائف
-يارب ما تبقى زي أبوك , ربنا يحميك من النفخة الكدابه اللى عيلتك فيها دي
......
بينما هو في طريقه لأسفل التقي بأسيل وهى على استعداد للخروج هي الأخرى
-ايه يا قمر خارجة راحة فين ؟
عدلت من خصيلات شعرها وهي تسير بزهوٍ مُصطنع
-هكون راحة فين يعني , خارجة اتفسح مع كنان !
غمزَ بعينيه وأردفَ قائلاً وهو يلف يده حول رأسها من أعلي
-ربنا يسهلك ياستي , استني ابخرك من الحسد
أطلقت ضحكة عالية وعندما وصلت للبوابة أشارت بيدها له كعلامة سلام ثم اتجهت لكنان الواقف مُستندًا علي سيارته بانتظارها !
اقتربت منه بابتسامة مُشعة غير الباهتة التي اعتاد عليها مؤخرًا , لكنه قابلها بوجهٍ عابس وعيناه يتضح بها الغضب بشكلٍ واضح
عبست بحاجبيها وهي تزم شفتيها وقد أصبحت أمامه مُباشرة
-في ايه مالك ؟
-ايه يا هانم صوتك واصل لعندي ليه
قطبت حاجبيها بتذكُر لتتسع عيناها لوهله قبل أن تضيقهما لتبدو لطيفة بحركتها الطفولية وهي تعتذر
-أه وأنا بضحك على السلم معلش مكنش قصدي هي الضحكة طلعت كده والله
رفعَ حاجبيه وتحدث بحده قبل أن يأمرها بالركوب
-أول وأخر مرة يحصل كده , اتفضلي يلا !
ابتسمت وضيقت عيناها كما تفعل ولكزته بذراعه وأردفت
- خلاص بقي يا قمر متبقاش قفوش !
هتفَ بتعجُب قبل أن يستدير حول السيارة ليأخذ مقعده أمام المقود
-قمر , قفوش ؟!
....
وبالناحية الأخرى دلفَ أدهم نحو غرفة جدته التي كانت تجلس واضعة رأسها لأسفل كأنها تتذكر شيئًا ما , فقطع خلوتها قائلًا بصوتٍ مُضطرب
- ازيك يا تيتا !
رفعت رأسها وابتسمت اليه قبل ان تهتف بترحيب
-ازيك يا حبيبي , تعالى اقعد
جلسَ أمامها , وتكاد تُقسم أنها رأست مثل ذلك الموقف قبلًا نفس نبرة الصوت المهزوزة والعينين الحائرتين , وتهدج الشفتان عند خروج تلك الحروف الثقيلة قلبًا ولسانًا
-هو جدو كان عامل إزاي زمان
لوهله رأت وجه أسيل أمامها , تذكرت ذلك الموقف الذي جمعها بأسيل سابقًا , لكن تلك المرة هي تعرف الإجابة دون التفكير بها مُسبقًا
-عارف ابوك دلوقتي ؟ , هو ده كان جدك زمان لكن علي أفظع شوية
استطردت وهي تضع يدها علي ذراعه كأنما تشرح له الموقف ورغمَ قلبها الذي يؤلمها أصرت أن يعرف هو الأخر
-زمان لما كنت مثلاً أحاول أروح عند أهلي وأزعل كنت ألاقيه بيهددني اني مشوفش عيالي تاني , وأنا كنت بخاف عليهم اذا كان وأنا معاهم مش راحمهم لما أمشي هيعمل فيهم ايه ,هحكيلك حكاية كان قدامنا واحدة زي حلاتي جوزها موريها النجوم في عز الضُهر , بس يا عيني كان بتكتم في نفسها كده وتغيب طول الليل تعيط وفي يوم وهو بيصحيها لاقاها ميته بعد ما كان ضاربها ومفرج عليها الشارع بالليل , كان جبروت زي دك بس اتهد لما مراته ماتت وسابتله 3 قطط مغمضين .. ماتت بعد ما قضي علي شبابها وحرمها من حياتها وكانت زي القمر وعنيها زرقا وحاجة كده زي الأجانب , موتها البعيد وهي عندها 28 سنة منه لله
انتهت من سرد حكاية واحدة من مئات تخترنها بذاكرتها التي لم ولن تنسي ما حدث , وحتى تلك اللحظة هي لا تتمسك بقصص الأخرين فقط , فقصتها مُجلد يجب أن يُحكي للفتيات المُقبلات علي الزواج لتعلم من ستشارك وتتعلم من تجارب السابقين المُتألمين !
هزَّ رأسه كأنه يرفض ما تقول , لم يصدق أن هذا قد حدث , قال له الجميع أن والده نُسخة مُصغرة من جده لكنه لم يصدق , يجب عليه أن يستمع أكثر لكنه الأن مُتأخرًا علي ميعاده الذى استعدَ له أيامًا ....
-حسبي الله ونعم الوكيل , طب أنا مُضطر أمشي بقى يا تيتا عشان ورايا معاد مُهم .
-ماشي يا حبيبي تروح وتيجي بالسلامة ربنا ينور طريقك ويبعد عنك ولاد الحرام
قبّلَ رأسه ثم أردفَ بابتسامة مُحبة
-ربنا يخليكِ لين أيا ست الكُل , ويبعد عنك كل شر
شر !! , أستقابل شرًا أخرَ غير ذلك الذي يجلس بغرفته يشتكي من ألمٍ قد ذهب , لطالما كان هكذا شكاءًا دائمًا من كل شئٍ حتي لو لم يوجد به شيء
تشكر الله أن الآلم انتهي وأنا علي قيد الحياة حتي الأن .
...........................
تلك الأحلام الوردية التي حلمنا يومًا بها أصبحت مُحطمة , تناثر حولها الصبار .. لندرك جيدًا بعدها أن الصبار لن يُصبح تيوليبًا يومًا
تجلس بغرفتها تقرأ الورد الذي خصصته لسلمي كل يوم لتجد هاتفها يرن باسم صديقتها , أجابت عليه بلا مُبالاه وبعدما تم الترحيب جحظت عيناها بصدمة جراء ما هتفت به صديقتها
-بقي أدهم يخطب يا منة ومتقوليش يا كلبة انتِ ؟
-خطب !!!
ظلت تقولها بخفوت وهي علي غير درايه ممن معها علي الهاتف , ازدردت ريقها وهتفت بتساؤل
-مين قالك يا بنتي , ادهم مخطبش ولا حاجة ؟
-طب كلميني على الواتس بقى
كاد قلبها أن يُقتلع مما زعمته صديقتها , فظنت لوهله أن هذا حدث لكن حمدًا لله لم يكن سوي شك!
وصلتها رسالة من صديقتها تلك , وما إن فتحتها حتى اتسعت عيناها , اذًا حقيقة هو سيقوم بخطبة احداهن يجلس بمكانٍ عام مع فتاةٍ لا يعرفها , تلك الورود وتلك الابتسامة التي تزين ثغره توحي أنه علي وشك القيام بخطبه تلك التي تجلس أمامه بابتسامة
دبت القشعريرة بجسدها قبل أن تهتف بعدم تصديق وتبدأ في الاتصال به
- مش معقول
ظلت تتصل به ولم يتفضل بالرد عليها سوي في المرة الخامسة , وياليته لم يفعل
-أيوه يا منة عايزه ايه
ردت بعنفوان
- انت فين ؟
-في مشوار , عايزه حاجة
ظهرت نبرة صوتها الغاضبة ولو تمعن بها لاستشف غيرتها
-مشوار ايه يعني , أنا عايزاك حالاً
أخبرها بملل أنه مشغولاً ومع سؤالها عن وقت رجعوه تغيرت نبرته لحده هاتفًا
-مش وقته يا منة قلتلك في مشوار أرجع وقت ما ارجع ... سلام !!
تقطب جبينها , ترمش بعينيها عدة مرات , ترمي الهاتف علي فراشها بلا مُبلاه , مــا كـــان هــذا ؟
كيف ومتي دخلت تلك الفتاة لحياته , ليقدم علي هذا الفعل الجرئ ليجلس هو وهي بمكانٍ عام وحدهما , لم يفعلها مرة واحدة معها رغم أنهم ... أقرباء
لن تقولها حتي وان تزوج لم ولن يكونا يومًا أخوه !
استسلمت لألم قلبها وبكاءها عليه , ولو تمعنت في الأمر هذا النوع من الرجال لا يستحق حتي النظر بوجهه, هذا تُلقي عليه نظرة ازدراء من بعيد قبل أن تسير حياتك بشكلٍ مُعتاد بعد أن تعكرت بوجوده !
...............
-كان يوم مُمتع بجد , ياريت كل يوم تاخدني تفسحني كده
هتفت أسيل بمرح وهي تحمل دُمية كبيرة تفوق حجمها من الباندا المُفضله لديها
قرصَ وجنتيها بمرح قبل أن يهتف هو الأخر بسعادة
- أنا نفسي اليوم ميخلصش , بس يلا بقي متعوضة , كل اسبوع بقي اعملي حسابك علي خروجة زي دي
أردفت بسعادة ومرح , قبل ان تستدير لتدخل بيتها
-اشطا جدًا هستني , سلام بقي
كادت أن تسير لتعبر الطريق لولا أن تفاجئا بسيارة سوداء تأتي بسرعة كبيرة وشخصًا ما يخرج من بابها يلتقط أسيل كالدمية التي تحملها سريعًا , وبلمح البصر لم يوجد سوي دُميتها وهاتفها مُلقيان علي الأرض وكنان لا يستوعب ما حدث!
