رواية غرام
" الفصل العاشر والحادي عشر
بقلم شيما السيد
الفصل العاشر "
- صباح الخير
قالها ابراهيم مسرعا اثناء خروجه من باب شقته و دون ان يسمع ردها الخافت
- صباح النور
و اكملت سقي النباتات المتواجده امام شقة غرام بفكر منشغل، منذ ذاك اليوم الذي جلست معه في مكتبه و اتى لها ذاك الرجل لم يعد يتحدث معها كالسابق، تنتظره في الشرفة لعله يخرج لها و لكن لا فائدة، تتحدث معه في العمل فيرد بكلمات مقتضبه و كأنه لا يود رؤيتها، تنهدت و هي تغلق باب الشقة لتسمع صوت زهرة القادم من المطبخ
- يلا عشان نفطر يا ابتسام
- حاضر
دخلت المطبخ بخطوات متباطئه، لم يعد لديها رغبه في اي شئ منذ خسرته
نعم تشعر انها خسرته و لا تعلم السبب
شعرت بيد زهرة و هي تحرك ذراعها و من ثم نظرت لها بإستغراب لتسألها الاخرى
- بكلمك و مبترديش عليا، ايه اللي شاغل عقلك
ابتسمت لها ابتسام و هي ترد
- زعلانه عشان غرام هتمشي خلاص، بكره كتب الكتاب و كمان ايام الفرح
لتبادلها زهرة الابتسام و هي تربت على صدرها قائله
- متعرفيش يا ابتسام قلبي متطمن عليها معاه ازاي، عقبال ما اتطمن عليكي يا حبيبتي
و اكملت بلوم
- و كان ممكن اتطمن قريب بس اعمل ايه في دماغك
- مرتحتلوش، انا هقوم عشان متأخرش على الشغل
- ربنا يحفظك يا حبيبتي
ذهبت ابتسام لغرفتها بأكتاف متهدله من الاحباط، ما خطبك يا ابراهيم، لتخطر على بالها فكرة من تجاهله لها منذ اتى ذاك الرجل و تدعو بداخلها ان تكون على صواب ثم وقعت عيناها على ذاك الفستان..
_______
زفر بغيظ و هو يقلب الاوراق امامه حتى اغلقها بعنف و هو يرميها على الجدار المقابل بغضب لتتناثر على الارض
وضع يديه على المكتب دافنا وجهه بهم
يتذكر ذاك الرجل عندما ذهب لهم بعد يومين، كان واقفا في الشرفة خاصته لعلها تخرج و يسألها و لكن صاعقة اصابت قلبه و هو يميز ذاك الرجل الذي يدخل من باب العمارة و في يده علبة ورقية من المتجر خاصته
ابتسم بسخرية، حسنا فمتجرك قام بالواجب على الاقل
سمع طرقات على الباب فنظر.. وكانت هي
اومأ برأسه دون صوت لتدخل الغرفة و عيناه لم تفارقا عيناها، ضميره يوخزه بأنها ستكون لرجل اخر فلا تستبح النظرة و قلبه يخبره انها لن تكون لسواه
و بين ضميره و قلبه تقف كرامته قائله و هل ستشحذ منها حبك؟
- كنت عايزة اناقش حضرتك في كام نقطة يا استاذ ابراهيم
استاذ؟ هل هي غاضبه منه
ولكنه بأكثر من غاضب عندما وقعت عيناه على ذاك الفستان الذي يحدد جسدها بإغراء خفي، و زينة وجهها التي وضعتها بلمسة سحرية لهذا اليوم، لماذا هي متأنقه هكذا هل ستقابله اليوم
و عند هذا الخاطر شعر بالاختناق و كأن الهواء لا يسعفه ليسمع سؤالها الملهوف
- انت كويس؟
لا
كان يود الصراخ بها، و ايضا يأمرها بتبديل هذا الفستان، و لكن ما صفته
- اه
و ابتلع ريقه ببطئ و هو يقول
- اقعدي يا ابتسام، عامله ايه
زفرت بضيق و هي تجلس امامه مكتبه مشيحه بوجهها
- واضح انك عايز تعرف، بتقول صباح الخير و انت بتجري على السلالم
ضحك تلك الضحكة المهلكه و لكنها في الاصل كانت مختنقه ليرد بهدوء مصطنع
- بعد كده هقولها و انا بطير
- مبتضحكش على فكرة
قالتها و هي تقلب فمها بتلك الطريقة العفوية التي يحبها لتتورد وجنتها بخجل عندما اطال النظر لها فقال رغم توجع قلبه
- مبروك
نظرت له بعدم فهم ليكمل
- على العريس
هنا نكست رأسها و هي تقول
- رفضته
ولم يرى هو ابتسامتها
و لم ترى هي وجهه
استنشق الهواء بعدما شعر بالاختناق، وصل للبر بعدما ضل طريقه في البحر، كراحة رجل وجد فرصة ثانية بعدما ظن ان الفرص مستحيلة
قال بقلب خافق
- ابتسام، تتجوزيني
__________
- صباح الخير على الناس الكسلانة
- سيبني انام شويه
قالتها غرام و هي تتقلب في فراشها لتسمع صوته المتهكم
- احنا بقينا بعد الضهر، و ده وقت الراحه الوحيد كمان نص ساعة لازم نروح عشان نأكد حجز كل حاجه
- حاضر
و تثاءبت بصوت ليخبرها محذرا قبل ان يغلق الخط
- نص ساعة و هكون عندك و ألاقيكي جاهزة
و من ثم اغلق الخط لتقفز هي من سريرها مسرعه
و بعد نصف ساعة
جلست بجواره في السيارة ليقول
- اكتر حاجه بحبها فيكي المواعيد المظبوطة
- بس
قالتها بدلال ليضحك قائلا
- بكره هقولك و ايه كمان
و بعد مرور بعض الوقت و مرورهم على بعض المحلات لجلب المستلزمات الباقيه شاكسها قائلا
- ايه رأيك نعيد الذكريات
فنظرت لمكان نظرته لترى عربة الفول تلك لتقوس شفتاها بحزن قائله
- للاسف فطرت قبل ما انزل
- ومجبتيش لجوزك ساندوتش حتى
قالها بإستياء و هو ينظر للطريق لتجيبه
- انا عارفه انك فطرت و بعدين لسه مبقتش جوزي
قالتها بمكر ليرد بعبث
- كلها سواد الليل يا حلو و نكتب الكتاب
- لسه يوم كامل على فكره، و قولي صح انت قولتلي مين هيجيي بكره
تغيرت معالم وجهه ليرد بجمود
- خالي، مجاش في الخطوبة لانه كان مسافر او مهاجر من زمان من سنين يعني و جه من يومين مليش غيره من عيلة امي زي ما انتي عارفه، اما اعمامي فهما هيجوا من البلد زي الخطوبة كده
اومأت غرام برأسها، فقد قال لها كامل هذا الكلام قبلا و لمياء ايضا اخبرتها عن قدومهم بعدما انقطعت اخبارهم لاعوام
و تفكيرها يقودها لشئ واحد
هل ستفكرين بنفسك مره اخرى يا لمياء بعدما يأتي؟
_______
- ابتسام ايه اللي جابك بدري
قالتها زهرة لتعبر هي من امامها قائله
- تعبانه بس شويه
دخلت لغرفتها و من ثم ارتمت على سريرها بكامل ثيابها، كانت تنظر للسقف بجمود و هي تتذكر قوله
- ابتسام، تتجوزيني
و تتذكر دموعها المخزيه التي قفزت من عيناها بتأثر و لم تستطع التحكم بها لتخرج من غرفته شبه راكضه و هي تأخذ حقيبتها و ترحل دون استئذان
لا تعلم ماذا اصابها و لكنها رجفه القلب الاولى ف بالطبع لها هيبه منفرده، ابراهيم يريد الزواج منها
وقفت من فورها امام المرآه و هي تتأمل نفسها بعينها القديمة وقد سال كحل عينيها، فلا تجد ما يميزها، سمراء و نحيفة و حمقاء ايضا، على عكس غرام مثلا، نزلت دموعها مدرارا و كل عيوبها تتجمع امام عيناها
ازداد نحيبها مع طرق الباب فمسحت دموعها سريعا و هي تعتدل في جلستها لتقول
- ادخل
ظهرت رأس زهرة و من ثم دخلت لتجلس امامها بصمت فنظرت لها ابتسام لبرهه من الوقت و هي على صمتها حتى قالت ابتسام بصوت متحشرج
- ابراهيم عايز يتجوزني
ابتسمت زهرة و من ثم قالت
- كنت مستنياه، وكنت خايفه تعاقبيه لو اتخطبتي للتاني
نظرت لها ابتسام بصدمه و هي تحاول قول شئ و لكنها لم تجد ما تقوله فتابعت زهرة
- انا كنت بنت زيكم، مريت بكل حاجه، كنت بحب و بفهم لحد دلوقتي نظرات اللي بيحب، و ابراهيم بيحبك
- لكن انا مش جميلة
قالتها بسخط و قد بدأت دموعها في الانهمار
- مش جميلة ازاي، كل واحده ليها جمالها الخاص، واحده جمالها في روحها و واحده جمالها في شخصيتها و واحده جمالها في شكلها، و كل راجل بينجذب للحاجه اللي شبهه و يعرف يتأقلم عليها
- لكن انا روحي مش جميلة و شخصيتي مش جميلة و شكلي مش جميل
وقالت جملتها الاخيره بصوت متهدج لتتحدث زهرة و قد جلست بجوارها لتحتضنها
- مين قال كده، انا مش عارفه اقول مميزاتك من كترها و الله، ست بيت شاطرة و بنت مؤدبة و هادية و قنوعة و راضية و شاطرة في شغلها و بتساعد غيرها بكل محبه، اوعي تقللي من نفسك و تقولي كده، انتي جميلة لانك ابتسام، وملامحك جميلة لانها تخصك و بتميزك
هنا ابتسمت ابتسام بخفوت و زهرة تمسح دموعها لتسمع بعدها رنين هاتفها برقم غريب
و لم تكد تفتح الخط حتى اتاها صوته
- اوعي تقفلي
نظرت لها زهرة بإستفهام لتحرك ابتسام عيناها فيما معناه جارنا لتتركها زهرة لتتحدث معه براحتها و قلبها يدعوا لها بالخير
و عندما اغلقت الباب قالت ابتسام
- جبت رقمي منين
- انتي ناسيه انك بتشتغلي معايا و لا ايه
كلمه معي منه تعني الكثير فهو يتعمد قول معي و ليس لدي
لتجيب هي بثقة اكتسبتها من حديث زهرة
- نسيت تقريبا
- طبعا نسيتي لانك سبتي الشغل في وقت الشغل
قالها بضيق مصطنع يخفي فرحه عارمه لرد فعلها فقد نطقت اسمه دون وعي بذاك الهمس الخافت قبل ان تجري دموعها و تذهب
- اسفه
اتاه صوتها المذنب لتكمل
- هاجي حالا
- و غيري الفستان بتاعك
- ولو قولت لأ
قالتها بتحدي ليجيبها بهدوء
- هقولك انه فستان مش لايق مع حجابك
صمتت ليصمت مناديا اسمها فأجابته
- كنت هغيره قبل ما تقول على فكرة
فأجابها بثقة
- عارف
فلقد لاحظ توترها اثناء جلوسها امامه و قد كادت ان تمزق الثوب من كثره توسيعها له
و بعد نصف ساعة دخلت للمتجر و جلست خلف مكتبها لتشعر بعد دقائق به واقفا امامها لتقول دون ان تنظر له
- طنط زهرة عزماك على كتب كتاب غرام بكره
- افتكر دي دعوة صريحة للموافقة مبدأيا
فأجابته و هي تنظر له بمشاكسة
- ممكن متجيش على فكرة
فإبتسم لها دون ان يعقب مغادرا لمكتبه
_______
و في اليوم التالي مساءً
كان صوت الزغاريد يرتفع مع نهاية قول المأذون و المدعوين
- بارك اللهم لكما و بارك عليكما و جمع بينكما في خير
حالما انتهى من قولها وقف هو ليلتفت لها بجواره فوجد عيناها الخضراوان تتكدس بهما دموع الفرحة فإبتسم بسعادة و هو يحتضن خصرها مقربا اياها منه و من ثم طبع قبلة عميقة على جبهتها ليهمس لها بصوت لن يسمعه غيرها
- مبروك يا احلى عروسة، مش هحضنك هنا
لتضع يدها على صدره برفق و صوتها يجيبه بتلك البحه التي يحبها
- مبروك عليا انت
ليبتسم لعيناها بسعادة و هو يستقبل المباركات
و في ركن ما هناك
كانت تقف فتاة طويلة القامه، رشيقة الجسد بشعر اسود طويل، على وجهها الجميل امارات الحزن و دمعه يتيمة تنزل من عينيها و هي تراه لتهمس لنفسها بأسى
- اخدته غيرك يا ياسمين لانك مكنتيش تستحقيه
نعم، كان عقابها هو رؤيته في اسعد ايام حياته بعدما ذاق معها مرارة الهجران
فشهقت بخفوت عندما مدت ابتسام محرمه ورقية لها و هي تتفحصها قائله
- انتي كويسة
اخذت منها ياسمين المحرمه و هي تمسح وجهها برفق قائله
- شكرا، انا بس بتأثر بالفرح و مش مصدقه ان كامل خلاص اتجوز كان اكتر من اخويا
نظرت لها ابتسام بإستفهام لترد
- انا بنت خال كامل، ياسمين
ومدت يدها لتصافحها ابتسام قائله
- وانا ابتسام صاحبه غرام
غرام، نعم غرام كامل، يا وجع قلبك يا ياسمين، إلتفتت لترى شقيقها الواقف بجوار لمياء الجامده لتتنهد بأسى على حالهم
- لمياء
- لو سمحت يا احمد مش وقت كلام دلوقتي
قالتها بحده بعيدة عن طبعها الهادئ ليزفر بضيق قائلا
- انا بترجاكي من ساعة ما وصلت اننا نتكلم و انتي رافضة
- لان مفيش كلام
- ايه هتفضلي وفيه طول العمر
قالها بحقد ممتزج بالسخرية لتنظر له بغضب قائله
- اوعى تفكر انك تتكلم عنه نص كلمة فاهم
وتركته واقفا.. مثلما فعل هو في الماضي
- مبروك يا كامل
- مبروك يا غرام
صافحها و احتضن بعدها ابن شقيقته ببعض الخزي و من ثم باركت لهم زوجته ببعض التعالي لتأتي خلفها ياسمين بإبتسامتها الحلوة قائلة
- مبروك يا غرام، خدي بالك منه
و احتضنتها بمودة و من ثم إلتفتت له لتصافحه فخانتها يدها بأن ضغطت على يده قائله بنبره جاهدت ان تكون سعيدة
- الف مبروك يا كامل، ربنا يسعدك
و دعوتها الاخيرة كانت خالصه من قلبها و هي تنظر لعيناه التي اشتاقتها ل ست سنوات
وقفت بعيدا بعدما رأته يصافح اخاها احمد
نكست رأسها بإنكسار و هي تتخيل نفسها بجواره، بفستان ابيض حريري، ينظر لها بحب و يحتضن خصرها بتملك، رفعت رأسها فوجدت ابتسام واقفه مع رجل ما و زهرة تتوسطهم ليعلو صوت موسيقى الخطبه
و ذاك الرجل يخرج من جيب بذلته علبه مخملية تحتوي على خاتمي خطبه لينخفض صوت الموسيقى مع قوله
- تتجوزيني
لتومئ ابتسام برأسها و هي ترى تفاصيل ذاك الخاتم غالي الثمن المرتبط مع خاتمه بخيط احمر رفيع و ذاك عادة من عادات الاتراك ولكنها حلمت بها يوما ليحقق لها احلامها و زهرة تلبسهم الخواتم و تمسك المقص لتقصه و من ثم اطلقت زغرودة سعيدة لم تطلقها حتى يوم خطبه غرام، لتحتضنها ابتسام بإمتنان هاتفه
- ربنا يخليكي ليا يا.. ماما
وتهدج صوتها في كلمتها الاخيره لتدمع عين زهرة بتأثر، بينما امسك بعدها ابراهيم بيدها ليقربها جواره قائلا
- مبروك يا عروستي، ده احلى يوم في حياتي
- انا مبسوطة قوي يا ابراهيم
قالتها لها و عيناها تتعلق بعيناه في سعادة
- الناس كلها بتتجوز و انتي قاعدة كده، كلهم اصغر منك بسنين
قالتها والده ياسمين و هي تجلس جوارها لتتطلع في الوجوه السعيدة بحقد و تكمل
- من سنين و انتي حياتك واقفه و اهو عاش حياته و اتجوز
لتستمعي و ليحترق قلبك اكثر يا ياسمين، لا توقفي حديثها فلتجلدك بسوط لسانها اكثر
- خليكي كده لحد ما تعدي سنين حياتك و مشلتيش ولادك، ذكرياتك و اوهامك دي مش هتنفعك لما تبقي وحيدة
- انا موافقة على معتصم يا ماما
لتبتسم والدتها بظفر و هي تتعمد الاغفال عن وجع ابنتها التي ترى خسارتها الماثلة امامها
و بعدما رحل الجميع، كانت تجلس معه في غرفة الصالون بفستانها الابيض و حجابها ليقترب منها بعبث قائلا
- مبروك يا مراتي
لم ترد عليه بل نظرت له نظرة جامدة و هي تسأل بصوت هادئ
- مين ياسمين يا كامل
ابتلع ريقه بتوتر فلاحظته هي بذات النظرة و قال
- مين ازاي، ياسمين بنت خالي
- وبس؟
- بس ازاي يعني
وقفت غرام من مكانها لتسير بخطوات بطيئة لتجلس على المنضدة الصغيرة امام عيناه قائله بتقرير
- كانت بتعيط، عيونها ماشيه معاك في كل مكان و انا اقول متأثرة يا غرام، ابن خالها و مشافتهوش من زمان لكن دي مش شكل واحده مع ابن خالها دي زي ما يكون خطفت جوزها و المشكلة انها مبتخبيش انفعالاتها، عايزة اعرف دلوقتي مين دي
اه من النساء و هو الذي ظنها غافلة عن ما يحدث بسبب فرحتها الغامرة و حتى اخر المدعوين الذين باركوا لهم كانت تضحك بإنطلاق و لكنها حينما انفردت به بدأت بفقرة المحققين تلك، فلم يجد مفرا من الاعتراف قائلا
- ياسمين كانت خطيبتي
" الفصل الحادي عشر"
- ياسمين كانت خطيبتي
نظرت له بدهشة غير مصدقه و هي تضع يدها على فمها قائله
- خطيبتك!
- اه خطيبتي و هشرحلك كل حاجه
واقترب من جلستها اكثر و امسك بيدها داعما وضغط عليها برفق ليقول بصوت قوي ثابت
- ياسمين من ست سنين كانت خطيبتي، خطوبة عائلية عادية بعد ما خلصنا الجامعة لاننا في سن بعض، سافرت عشان اكون نفسي كأي شاب عادي، كانت لمياء ساكنه معاهم عشان متبقاش لوحدها في البيت و بعد فترة من سفري جالي اتصال من خالي ان كل شئ قسمه و نصيب و اكتشفت بعدها ان خالي كان عليه شيكات لشركة تبع خطيبها ده، بإختصار خطبها خطوبة مصلحه يعني صفقه و كانت خطيبتي وقتها يعني حتى قبل ما يعرفوني اتخطبت، كل ده و لمياء كانت في نفس الوقت عند اعمامي في البلد متعرفش حاجه، طبعا نزلت من سفري، كل مستقبلي اللي مخططله ضاع، نحتت هنا في الصخر عشان احفر اسمي و الحمد لله ربنا اكرمني
- و ياسمين ايه دورها
قالتها بصوت منفعل رافض لكل ذاك العبث ليرد
- مكنش ليها اي دور كان مفعول بيها لان والدتها متسلطه شويه، و متسأليش مفكرتش اسامحها ليه لان بعد فترة الخطوبة اتفسخت وجت قالتلي نرجع، بس انتي مش متخيلة جرحت كرامتي ازاي و هي مخطوبة ليا و تتخطب لواحد تاني في نفس الوقت على الاقل كانت تقولي قبلها، وبس دي كل الحكاية و انتهت
- يعني مكنتش بتحبها
- لأ، حبيتك انتي، اول مره شوفتك فيها بعد ما لمياء دخلت الجامعة و اتعرفت عليكي رغم اختلاف الكليات، وبس بقا من يومها كنتي نصيبي الحلو
هنا مسحت دمعه تسللت على وجنتها لتنهمر اخرى و اخرى
ليمد ابهامه ليلاحق تلك الدمعات هاتفا بمشاكسة
- حلوة لعبة الدموع دي
- بحبك
نظر لها بصمت فتلك الفتاة تمكث منذ اول لقاء قلبه، ولكنها ليست الماكثة الاولى، فلقد تغافل عن ذكر قصة حبه لياسمين، التي كانت حبيبته الاولى و حتى اليوم مازال جرح قلبه ينزف كلما تذكر تخليها عنه رغم انها تركت خطيبها بعدما سدد والدها ديونه وعادت للحديث معه ولكن كرامته وقفت كالسد المنيع بينهما وجرحه نزف اكثر، ولكن غرام تضع على ذاك الجرح زهر، تتلمس جراحه بيدها الحانيه فتشفى، رغم طفولية افعالها في بعض الاحيان و لكنه يثق الان في حبها له، وهي تثق في انها الوحيدة لانها بالطبع الوحيدة، وياسمين ذبلت ولم يعد لها قيمة
_________
و في ذات الوقت في مكان اخر كان هناك اعتراف على وشك البزوغ حيث قال ابراهيم و هما يقفان في الشرفة
- اعترفلك بحاجه
تذوقت ملعقة من الحلوى التي صنعها خصيصا من اجلها متلذذه لتقول بإنتباه
- طبعا قول
سعل ليجلي حنجرته قائلا بإرتباك يعتريه وربما للمره الاولى
- اول مره اشوفك فيها كانت من سنة
نظرت له بإستفهام ليكمل
- اول مره شوفتك فيها كانت في المعرض اللي بتشتغلي فيه، اول مره بنت تلفت نظري، كنت داخل اشتري مكتب جديد لاول فرع، كنتي بتعيطي و صاحبتك قدامك بتكلمك، فضلت باصص عليكي لحد ما المدير جه وزعق على اساس بتسيبوا الزباين و بتتكلموا، جت صاحبتك ليا و سألتها عنك، طبعا بصتلي بإستغراب الاول و قالتلي هو انت جاي تسأل عليها ليه هتتجوزها مثلا، قولتلها اه من غير تفكير، فقالتلي انك لوحدك في الدنيا دي مع والدتك و الظروف مش كويسة معاكم الفترة دي و كلام كتير عنك كله خير طبعا، وقتها وقفت مع نفسي وقولت اني لقيت اللي هتكملني، انا لوحدي و هي لوحدها ليه منكملش بعض
كانت تنظر له بإنشداه و اذناها لا تصدق ما تسمعه ليلوح امام عيناها قائلا
- ابتسام انتي معايا
- الحكاية دي شوفتها في فيلم ايه قبل كده
فضحك من تعبيرات وجهها المصدومة ليقول رافعا احدى حاجبيه
- افهم من كده انك مش مصدقاني
- مقصدش، بس كمل كده
ليبتسم بهدوء مكملا
- جيتلك تاني مره بعدها بأسبوع، لقيتك اتخطبتي، وشي كان حلو عليكي
ابتسمت ابتسامة جانبيه تحمل طعم المراره ليكمل رغم تلك الغصه التي احتكمت حلقه
- حاولت اشيلك من دماغي، لكن غصب عني لسنة كامله كنت بتطمن عليكي ولو مره في الشهر لان كان عندي امل تسيبي محسن
- كان نفسي اسيبه، الله يرحمها بقا
قالتها بدمعه مسحتها سريعا لتكمل
- واكيد مش صدفة انك تسكن نفس شقتي
- طبعا مش صدفة، وصلت لمحسن و عرفت اشتريها منه لاني متأكد انها بتعنيلك كتير
كانت تنظر له بإمتنان و بأعين متأثرة قائله
- اشتريتها
- بصراحه مدفعتش كتير
قالها بمكر لتنظر له بإستفهام فيكمل
- محسن ده واحد نصاب، شويه معلومات عنه للناس اللي نصب عليهم و عرفوا مكانه، احتاج فلوس ولو من تحت الارض، ظهرت زي المارد و قولت رقم وكنت عارف انه غبي و هيوافق عليه، اخد الفلوس من هنا و.. تعرفي محسن فين دلوقتي
اخذت ملامح وجهها ذات الصدمه لتحركها نفيا ليقول بتشفي
- في السجن
شهقت بقوة و هي تضع يدها على فمها لتسأل
- ليه
- فاعل خير قال للبوليس انه بيهرب ممنوعات وسط البضاعه بتاعته
وغمزها بمكر لتفهم من هو فاعل الخير ذاك، يا حرقة قلبك التي انطفأت يا ابتسام، نظرت له لتبتسم بصدق، ابتسامة جعلته يغمض بعدها عيناه و كأنما يلتقط لها صورة ابديه، تنحفر في قلبه قبل ذاكرته
ليسمع صوتها القائل بإنفعال
- ده طلع احساس جميل قوي ان يبقى للست راجل يدافع عنها، امي كان معاها حق بس اختارت الشخص الغلط عشان كده معشتوش، احساس جميل عيشته معاك يا ابراهيم
تطلع لذاك الوهج البني اللامع في عيناها ليمد يده ليدها فيقول بقوة مشاعره
- لاخر نفس فيا هكون معاكي و انتي هتكوني ليا
- لاخر نفس، معاك و ليك
فليبتسم الكون لكِ اليوم يا ابتسام، ولتذوقي حلاوة الحب التي طالما حرمتِ منها
________
و في اليوم التالي
خرجت لمياء من ذاك السنتر التعليمي لتجد احمد واقفا امام بوابته منتظرا لها لتزفر بضيق عندما وقف امامها ليقول برجاء
- لو سمحتي يا لمياء، عشان خاطر اللي بينا خلينا نتكلم
- مفيش حاجه بينا
قالتها بحده غاضبة ليهتف هو
- اللي كان بينا يا لميا، كان.. خلينا نتكلم
نظرت له بصمت مفكره، فرغم تلك السنوات لم تستطع معرفه تخليه عنها، وان رفضت سيعود للالحاح عليها لتحسم قولها قائله
- موافقة
ليبتسم بسعادة و هو يشير لاحدى سيارات الاجرة
وخلفهم كانت سيارة اخرى تراقبهم و عين تلمع بإشتعال
جلست معه في ذاك المقهى الذي كان يحمل همسات حبهم الماضية، مراهقة صغيرة و شاب يتقابلان فيه، وعد بالزواج حينما تنهي دراستها، و خطبه الاخ الاكبر لاخته، سفر الاخ و سفرها هي بعد انتهاء مرحلة الثانوية لاعمامها في اجازة، وعندما حضرت اكتشفت الخديعة، تبخرت عائلة خالها، وعاد اخاها من السفر ولم تعرف هي التفاصيل حتى يومها هذا، عانت من جرح قلبها حتى قابلت جرحها الثاني الذي لم يتركها بإرادته لذلك مازال حي في قلبها
- اتنين ليمون لو سمحت
نظرت له و من ثم للنادل الذي كان ينوي الرحيل لتوقفه قائله
- ثواني، انا مش هشرب ليمون، عايزة قهوة سادة
مرر النادل نظرة بينهما و هو يكتب طلبها بينما ارتبك احمد في جلسته قائلا
- مكنتش اعرف انك مبقتيش تحبيه
- غيرته زي ما كل حاجه اتغيرت
و من ثم نظرت لديكور المكان المتغير ايضا لتكمل
- قول اللي عندك بسرعة لان لازم امشي
ابتلع ريقه بتوتر و هو يمسح بعض قطرات العرق البارده من على جبهته، سخرت بداخلها فمازال كما هو لن يتغير ولكن مرآه الحب عمياء، تكلم ليقول
- ممكن تسمعيني لحد ما اخلص كلام، انا عارف انك قولتي عليا لما عرفتي بسفري اني جبان و سيبتك و سافرت من غير حتى وداع بس كل ده حصل غصب عني، اكيد كامل متكلمش في اللي حصل لكن لازم ابررلك، ماما ضغطت على ياسمين انها تتخطب لرجل اعمال كان واخد على بابا شيكات و ياسمين وافقت و انا رفضت كل اللي حصل قولت هشتغل و هنسددله كل فلوسه بس الفلوس كانت كتير جدا، المهم ياسمين سابت كامل عشان خاطر تنقذنا كلنا، في الوقت ده مكنتش عارف مصير علاقتنا ايه كل واحد بيشدني من طرف، غصب عني كان لازم ابعد عنكم عشانهم، عارف اني غلطت و ندمان، ندمان طول السنين دي كلها و اول ما عرفت انك اتخطبتي كنت بموت لحد ما رجعتيلي
قال كلمته الاخيرة بصوت متهدج لتقابله نظرات السخرية في عينيها و هي ترتشف القهوة التى اتى بها النادل اثناء حديثه لتقول و عيناها على كوب الليمون
- ابلع ريقك يا احمد
ارتشف القليل بصمت، لن يتغير هل كانت ساذجة بهذا الشكل من قبل، هل مشاعرها المراهقة لم تكشف لها حقيقته، احمد خاتم في اصبعهم جميعا، رث الشخصية بل منعدم، هل يظن انها ستصدق حديثه الواهي، هي تقسم انه حاول الاقتراب من احداهن و لكن شخصيته لن تتقبلها اخرى، وهي الواهمه التي ظلت في صدمه فراقه سنوات حتى إلتقت بيوسف فعلمت الفارق الحقيقي على يديه
- بص يا احمد، كل اللي بينا انتهى و افهمها كويس
وتابعت بخبث
- او اقول لكامل يفهمك
فكامل ايضا كان يعلم حقيقة ارتباطهم القديم فهي تعتبره كل عائلتها، وعندما رحلوا تركوا ندبات عميقة بهم
لتسمع صوته المتلجلج
- يعني مفيش فايدة
- لأ، مفيش فايدة
فترك بعدها مقعدة واقفا و رحل دون حتى ان يضع النقود
اغمضت عينيها عندما رحل الان فشعرت بنسمة هواء باردة تقتحم انفعالاتها، بظل يحجب عنها اشعة شمس الغروب ففتحت عيناها ليكون ذاك الظل..
- سيف
قالتها بنزق رغم لهفه عيناها على ملامحه الحبيبة، ملامح من رحل و لن يعود، لماذا يعذبها هذا الرجل
- ايه كنت هنا صدفة
تساءلت بسخرية و عيناها مازالت على عينيه ليجلس بخيلاء دون دعوة واضعا ساقا فوق الاخرى
- لأ، كنت مستنيكي تحت السنتر
- ليه، خير
تسأل بملل ليجيبها الرد المعتاد
- بتطمن عليكي
و يصمت ليكبح انفعال عيناه
- بس مين ده؟، متقوليش هتعرف ليه، اعتبريه فضول
- ابن خالي
قالتها بعدم اكتراث لتكمل
- بس فعلا انت مالك
- مجرد فضول
وصمت لتصمت فيسألها
- تحبي تشربي حاجه
- شربت كتير
قالتها بمرارة فلم يحدد ماذا تقصد تحديدا، ولكنها اكملت بجدية
- انا هكون صريحة معاك، كل ما اشوفك بفتكر يوسف، وبصراحه الموضوع بيتعبني جدا، شكرا لاهتمامك و انك عايز تكون جمبي بس الموضوع مرهق فعلا على نفسيتي، و اتمنى تتفهمني
قال بصوت غريب
- يوسف مات من سنة و نص تقريبا ولسه بتحبيه و بتفتكريه
- وللعمر كله
قالتها بشجن لتغمض عيناها على صورته و هي تتمنى لو انه هو الماثل امامها، ففتحت عيناها سريعا و هي تستغفر سرا ليقول سيف واقفا
- حاضر يا لمياء هحاول اخلصك مني، بس موعدكيش
و دون انتظار فتح محفظة نقوده ليضع ثمن المشروبات على المنضده و يرحل من امامها لتراقب هي ظهره المنصرف بنظرات مبهمه
_________
وفي اليوم التالي
- معتصم هيجيي النهارده مع اهله، عيزاكِ تكوني جاهزة الساعة سابعة
قالتها لها والدتها و ياسمين تجلس على طاولة الطعام بصمت، تأكل بعض اللقيمات دون شهية لكي تحافظ فقط على حياتها، و والدها يجلس على رأس المنضده بصمت كئيب، نعم لم يود الحضور لم يود الالتقاء بكامل بعدما فعل به، و احمد على يمينها يعبث في طبقه دون طعام، تعلم شخصيته المهتزه ولكنه صدقا احب لمياء فلن تنسى يوم خطبتها و ما فعل ليذكرها بنفسها يوم خطبه كامل، فهم يتقصون اخبارهم دون اتصال
صعدت لغرفتها بعد انتهاء الغداء الكئيب ذاك، ربما معتصم هو العوض هو سعادتها القادمة، فلتقابله فهي لن تقضي باقي عمرها وحيدة
نظرت لذاك الدب الكبير الذي يحتل احد الارفف، رغم قِدمه ولكنها تحتفظ به جديدا، كان ذاك هدية كامل لها قبل سفره لتحتضنه عندما تشتاقه، و اخرجت علبه مخملية صغيرة بها خاتم خطبه، محفور بداخله اسمه "كامل" فلم تسنح الفرصه بأن ترده له
نزلت دموعها دون ارادتها و هي تضعه في يدها ربما للمره الاخيرة..
