" الفصل الثامن"
بقلم شيما السيد
- اهلا اتفضلي يا انسه ابتسام
قالها ابراهيم بنبره رسمية و هو يدعوها لدخول غرفته ذات
الواجهه الزجاجية، اومأت برأسها في صمت لتتركها الفتاة التي
احضرتها و هي تغلق الباب، فهذه المكاتب تفتقر للخصوصية
بشفافيتها، كان ينظر لملامحها بتسلية و كأنها بركان على وشك الانفجار
- ايه مش هتتكلمي
و قبل ان تنطق حرف واحد بإندفاع قال بنبره مشاكسة
- قبل ما تتكلمي و تقولي حاجه احب اقولك اني مديرك على فكرة
- انا لسه موافقتش على فكرة
- ايه ده و كمان هتتشرطي
قالها بنبره ممازحه و لكن عقدة نقصها فسرتها بأنها سخرية لتنحني رقبتها بخزي و دموع كبريائها تترقرق في عينيها، لتأخذ نفسا عاليا و من ثم تنظر له بقوة مناقضه لتلك الدموع الحبيسه
- انت حطتني قدام الامر الواقع تقريبا، قولتلك اني محتاجه افكر و عايزة وقت
- اولا هي اللي طلبت مني، ثانيا انتي كنتي بتهربي و لو مخرجتيش امبارح كنت هاجي اسأل عليكي
- بصفتك ايه
قالتها بصوت مبحوح و سقطت اول دمعاتها، كم يوجعه قلبه لرؤيتها و هي تمسح عيناها بتلك العصبية، تفركهم بعنف لعلهم يتوقفوا، لتقف امام المكتب بعصبية و هي تقول
- انا همشي، ارجوك ابعد عني و ملكش دعوة بيا
فإختلس نظرة للخارج و حمد الله سرا ان كل فرد منشغل بعمله و انها توليهم ظهرها و الا ماذا سيظنون بها
- ارجوكي انتي اهدي و اقعدي لو سمحتي، و هنلاقي حل و اللي تحبيه هنفذه
جلست بصمت خانق فأثناء تلك الثواني رأت انها عبء كبير على ام غرام لاكثر من شهر تأكل و تشرب و تنام دون ان تدفع قرشا واحدا، و ان خرجت من هنا فأين ستجد عملا محترما
- طب انتي زعلانه ليه، حقك عليا
- انا موافقة اني اشتغل هنا
نظر لها بشك و هي تنظر امامها، يعلم انها اعادت حسابات امر ما فقال بصوت هادئ
- ممكن اعرف ايه اللي غير رأيك
- لاني محتاجه الشغل ده، اتفضل
و اعطته الملف الخاص بشهاداتها و ان كان لن يحتاجه، اختلست نظرة له و هو يدقق النظر فيه و من ثم ابتسم ابتسامة خفيفة تسائلت عن سببها سرا و هيتطرق برأسها دون سؤاله ليأتيها صوته
- اقدر اقول مبروك و لا مش ممكن
هزت رأسها بلامبالاه و هي تقف قائله
- اقدر ابدأ شغل من امتى
- من اللحظة دي لو تحبي
- معنديش مانع
تحرك من خلف مكتبه ليقف بجوارها قائلا
- اتفضلي هعرفك على التيم الموجود
و مد يده لتتقدمه خارجا
و في الخارج
وقف يعرفها بباقي الفريق حتى اتى الدور على واحده فبادرت القول بمرح و بتحية حاره
- انا كمان اسمي ابتسام على فكرة
- اهلا بيكي
قالتها بإبتسامة مندهشة لتحيتها الحاره دون سابق معرفه ليقول لها ابراهيم
- ممكن تيجي معايا على المكتب عشان افهمك باقي الشغل
و بعد ساعة
كانت تفرك رأسها بتوتر و هي تطالع بعض الملفات امامها، لقد اخبرها بالكيفية التي تكتب بها الايرادات و طلب منها دراسة باقي الدفاتر و ان واجهتها مشكلة عليها ان تسأله
كانت تجلس امام مكتبه و هي يطالعها بين الحين و الاخر و يخفي ابتسامته بدفتر يتطلع اليه بعدم تركيز حتى ضبطته و هو ينظر اليها لترتبك نظرته و ترتبك هي الاخرى قائله
- شكلي مش نافعه خالص صح، يعني انا تقريبا نسيت حاجات، اصل مشتغلتش في المجال قبل كده
كانت تتحدث بإرتباك متوتر و يحمر وجهها بإنفعال الخجل الغاضب من نفسها، تشعر بدنوها اكثر و اكثر مع ذكائه المتقد، لقد شرح لها كل شئ بسهولة و يسر و قد فهمتها جيدا و لكن لا تعلم مصدر العله
- بتستسلمي بسهولة
قالها بثبات و عيناه تتركز على عينيها ليقول
- محدش بيتعلم بالساهل يا ابتسام، و انتي اشتغلتي في حاجات تانيه قبل كده، يبقى اكيد نسيتي مع مرور السنين، ده شئ طبيعي جدا، حتى انا في بداية شغلي مكنتش كده
- بجد
- بجد
يؤكد لها سؤالها المرتجف بإبتسامة و هو يمد ذراعه لها مشجعا و مشيرا على المقعد امامه
- تعالي نبدأ تاني من الاول، و خليكي واثقة ان محدش بيوصل من اول مره
تطلعت في ذراعه الممتده بخجل و هي تخطو ناحيته قائله
- مش عارفه اشكرك ازاي
- هتشكريني في الوقت المناسب
قالها بغموض لم تكترث له و هي تصفي ذهنها لتركز على كلامه
________
- ازيك يا لمياء
- الحمد لله
قالتها بوجه مشتت ظلت عليه منذ رأته و حتى الطريق لهذا المقهى، تتطلع في ملامحه بوجع و غصه خانقه تحتكم حلقها لا تود الزوال، ترجو البكاء و لكن دموعها نضبت
- انا اسف لاني صحيت فيكي كل اللي فات، انا اسف جدا يا لمياء
- و انت ذنبك ايه، كفايه انك...
و لم تستطع نطقها، يصعب عليها ما قرأته في ذاك الخطاب من اسبوع، لا تود التصديق و لكن امامها صورة حيه للدليل
- انا اسف لكل اللي قرأتيه و عرفتيه لحد دلوقتي
- ازاي اخوة ازاي مش متخيله بجد مش متخيله
قالتها بألم حقيقي و هي تتطلع في توأمه الماثل امامها، نسخه مكرره عن يوسف و لكن ربما مع اختلاف نظرة العين
- انا و يوسف الله يرحمه مكناش نعرف اي حاجه الا لما قرأنا الوصية بتاعتها و اللي وصلها ليا يوسف و عملنا التحليل، بإختصار امي كانت حامل فينا و متعرفش اننا توأم لقله الامكانيات زمان، كانت بتشتغل طباخه عند عيلة كبيرة و العيلة دي كان فيها عريس و عروسة متجوزين من مده قصيرة و لكن كان فيه وصية ان الورث ميتوزعش غير بحفيد، و كان الزوج عنده مشكلة في الخلفه، امي لما اشتغلت هناك كانت في بداية حملها و اللي عرفته من الجواب اللي امي سابته انهم كانوا متفقين مع اللي هتولدها انها هتجيبلهم الطفل ده و تقولها انه مات، و لما لقتنا توأم اخدت واحد و سابتلها واحد، امي طبعا مش معاها حد، لوحدها في الدنيا زي ما بيقولوا، لما ولدت و في نفس اليوم الست دي عملت انها ولدت لانها قالت انها حامل بعد الخطه اللي اترسمت و بعدها طردوا امي
و هنا تهدج صوته ليبتلع تلك الغصه المريرة و كانت امامه تكتم فمها بمحرمة ورقية و دموعها تجري مدرارا
- طبعا سابتني و هي متعرفش، بعد سنين، تقريبا عشر سنين بعد ما كبرت، الست اللي ولِدتها تقريبا ضميرها صحي فجأه و راحت لامي تقولها، جريت على الفيلا بتاعتنا، لما شافتني و انا كنت بلعب في الجنينة جريت عليا و حضنتني و انا كنت خايف بس مطمن، حاسس اني اعرف الست دي، طبعا شدوني من ايديها و دخلوها جوه،
قالتلهم انها هتاخدني و هتعمل تحليل و هتفضحهم، هددوها بأنهم ممكن يلبسوها اي جريمة، ممكن يحرموها من يوسف، طبعا امي كانت غلبانة و معذورة، انا بعذرها
و نزلت احدى الدموع من عيناه ليمحوها سريعا ليكمل بصوت مختنق
- جابوا ليها شغل، و طلعوها من المدينة بتاعتنا كلها عشان تيجي تسكن هنا، وفروا ليوسف
مدارس و مستقبل كويس و بعد سنين لما كان عندي
عشرين سنة، لسه فاكر اليوم ده لما كنت بجري الصبح و فجأه شوفت نسخه مني، بالظبط كل التفاصيل بس هو رفيع عني شويه، وقتها اتخضيت و كنت هصرخ من كتر الشبه
و ضحك بإختناق لتشاركه هي الابتسام و هي تتذكره وحيدا على الدوام، لم تكن له عائلة و لا اصدقاء فقررت هي منحه كل ما فقده او افتقده يوما ما
- المهم، قرأت وصية امي اللي كتبتها و اللي فيها كل اللي حكيتهولك ده و وصت
يوسف انه يدور عليا، انا متأكد انها ماتت بحسرتها لما سابتني،
بس انا مسامحها، مكنش بإيديها حاجه و على الاقل شالوا من عليها الحمل بتاعنا
مسح وجهه بقوة و رشف بعض الشاي البارد و نظر لها ليراها محمره الوجه تمسح اثار دموعها ليناولها زجاجة مياه اخذتها بصمت
- انا موجود هنا من اسبوع او اكتر و مكنتش عارف اجيلك او اواجهك ازاي لحد ما قررت النهارده، و اخوكي شافني مره و انا على عربية فول، كنت فاكر ملامحه من يوم كتب الكتاب
نظرت له بدهشة ليكمل بإبتسامة حنين
- اه انا حضرت كل حاجه تخصكم، كنا على تواصل دايما، اهم حاجه كنا حريصين عليها ان
محدش يشوفنا مع بعض، حتى يوسف كان عايز يقولك علينا بس انا رفضت
- طب و واجهت اهلك
- لأ، لحد دلوقتي هما متصورين اني معرفش حاجه، معرفش وقت المواجهه هيكون امتى بس لعله قريب
اومأت له بصمت و هي تطرق رأسها و تلعب في سلسلة رقبتها التي تنتهي بخاتمه ليكمل بنظرة غامضة
- احب اقولك انه لو كان عايش مش هيسمحلك بكل اللي انتي فيه ده، كان هيجبرك تعيشي حياتك، متوقفيش حياتك يا لمياء على اللي راح
- يوسف عايش جوايا مش هيروح
قالتها ببحه عميقة ليتنهد بإستسلام فما لم تغيره خلال عام لن يغيره هو بجملته
فقال واقفا و هو يفتح محفظه نقوده
- انا مضطر امشي دلوقتي لاني قولتلهم اني مسافر المفروض و هرجع النهارده بالليل، فرصة سعيدة يا لمياء و ده الكارت بتاعي لو احتاجتي اي حاجه قوليلي اعتبريني زي يوسف، مع السلامه
و وضع النقود على المنضده و امامها بطاقته لتتطلع فيها بوجوم و هي تقرأ اسمه
- سيف الحصري
و تشعر دون ارادتها ان شئ حاد ينغرس بقلبها كـ السيف
________
- من يوم ما هيام جابتلك الاستقالة و انتي فيكي حاجه مش عجباني
قالها كامل بعصبية دون ارادته و هي تتطلع في احدى الكتب بعدم اكتراث لوجوده
- انا كويسة
- لا مش كويسة و فيه حاجه معرفهاش، بتتجاهليني و بتتعاملي بمنتهى البرود و ده مش انتي
- انت عايز تكون محور الكون يعني و كل الناس تحت امرك الكل يترمي تحت رجليك و يحبوك
قالتها و هي تلهث بغضب مما جعل وجهها يحمر انفعالا و عيناها الخضراوتان يتحول
لونهما للزيتوني القاتم و امامها كان ينظر لها بدهشة غاضبه ليغمض عيناه متحكما في انفعالاته و يسمعها تكمل بإنفعال
- كلكم انانيين، بمجرد ما تعرفوا ان الست بتحبكم بتتكبروا عليها و تبعدوا و تبقوا ناس تانيه لمجرد انكم ضمنتم الحب ده
- بتتكلمي عليا انا
يسألها بهدوء يناقض بركان قلبه لتكمل
- اه كلكم، كلكم نفس العجينة دي
- اقدر اعرف عملتلك ايه
يسألها بنفس الهدوء لتبتلع ريقها بتوتر و تزيغ عيناها في الفراغ امامها و كأنها مغيبه، لتنظر لملامحه الغاضبة فجأه وتضع يدها على فمها بدهشه و من ثم انفجرت في البكاء بصوت عالي، ليلمح هو احد الزبائن ليقول لها بهمس خفيض
- قومي اغسلي وشك و ادخلي الاوضه
و بعد نصف ساعة اعطى لها مساحتها لترتيب افكارها و لتهدأ افكاره هو، دخل الغرفة الزجاجية ليجلس امامها فإنتفضت هي دون ارادتها لتبتلع ريقها بصعوبة و هي تقول
- اسفه معرفش، انا، انا... انا حتى مش فاكرة قولت ايه
قالتها بتوتر مرتبك و عيناه تتابعان تغيرها ليسألها
- مروان اتصل بيكي
شعرت و كأن تيار كهربي سار بين اوردتها لتنفي بسرعة
- لا و الله ابدا محصلش خالص، لو مش مصد...
- مصدقك
و زفر بعنف ليخبط على المكتب جواره بكبت فإنتفضت بفزع ليسألها
- طب ايه اللي حصل، انا زعلتك و لا دي هرمونات
- انا اسفه، قولتلك اسفه خلاص بقا
- مش هتمشي غير لما تقولي حصل ايه و لو اضطريت احبسك هنا
تدفقت الدموع من عيناها بعجز و هي لا تعلم ماذا تقول، هل تخبره ام لا و لكنها حسمت امرها لتقول بصدق بصوتها المتهدج
- لما.. لما هيام جاتلي هنا لقيتها مكسورة، نفس نظرة الضياع اللي كنت فيها لما فسخت خطوبتي، و افتكرت انها كانت بتحبك و محصلهاش كده الا لما خطبتني و بقينا مع بعض
كان ينظر لها بدهشة حقيقية من افكارها تلك ليقول
- طب نفسخ الخطوبة و اخطبها
- طبعا لا، انا بتكلم معاك بصوت عالي و ده اللي بفكر فيه و معرفش ليه و ازاي بقولك كده بس دي انا
- طب عايزة ايه
- معرفش و الله حقيقي مش عارفه بس صعبانه عليا غصب عني، انت بالنسبالي حاجه كبيرة و لما اتخطبنا حسيت ان الموضوع جه بسرعة و انا...
و قاطعها واقفا ليقول
- خلاص يا غرام هسيبلك وقت تفكري و تقرري في العلاقة دي و لحد الوقت ده و انتي اللي هتحدديه بنفسك لما تيجي تقوليلي مش هكلمك و لا هضغط عليكي بأي شكل
و تركها في جلستها تلك متهدله الكتفين، تبلع غصتها الخانقه بطعم الخسارة
_______
يوم عيد الحب
مر اسبوع على عملها هنا، اكتسبت الكثير من الخبرات و اهمها انها اصبحت اجتماعية اكثر
- اهلا بحضرتك نورتنا
قالتها بإبتسامة متسعه لذاك الزبون الراحل، كانت تدون بعض الملاحظات في دفتر كبير
يخص الايرادات و بعدما انتهت نظرت بجانبها لتجده جالسا مبتسما لها بخفوت فبادلته الابتسامة ليقول
- مكنتش اعرف انك شاطرة كده، خليتي المحل و كأنه جديد
و من ثم تطلع امامه لتناسق اللونين الاحمر و الابيض، تلك البلونات على واجهه المحل الزجاجية، و القلوب الحمراء المنتشرة في كل مكان، و الورود الجافه المتناثرة على الارضية
- انا معملتش حاجه ده تعديل بسيط عشان اليوم بس
قالتها ببعض الخجل و ثقتها بنفسها تتضاعف و هي تنظر لنظرة الفخر المتواجده بعيناه، لدرجة انها كلما نظرت للمرآه تشعر بنفسها اجمل، لم تعد ترى الهالات السوداء التي كانت تخبرها بها امها و لا الجسد النحيل الذي ينفر منه الجميع كما قال محسن، باتت تنظر لنفسها بأنها ابتسام.. ابتسام و فقط
و عند هذا الوقت جاءت ابتسام الصغيرة بإبتسامة متسعه لرؤيتها ابراهيم الجالس لتوجه حديثها لها قائله
- انا جبت الدرجة النهائية في امتحان امبارح شكرا
قالتها بسعادة حقيقية و هي
تعطيها قطعة شوكولاه مغلفة فإبتسمت لها ابتسام بحب و هي تربت على ظهرها قائله
- ده عشان انتي شاطرة و الشوكولاته دي مني ليكي لحد ما اجيبلك هدية حلوة اخر السنة لما تشرفيني كده
نظر لهم ابراهيم بعدم فهم لتقول ابتسام الصغيرة
- ذاكرتلي درس رياضة مكنتش فهماه و تقريبا المنهج كله دي شاطرة قوي يا مستر ابراهيم و وعدتني انها هتذاكر معايا في تالتة ثانوي كمان
قالتها بحماس شديد مما اخجل ابتسام لتخفي حرجها قائله
- يلا روحي على الشغل بقا، و مبروك عشان الامتحان
- نفسك تبقي ايه يا ابتسام
سألها ابراهيم لتتوقف الصغيرة قائله
- انا دخلت علمي رياضة و عايزة اكون مهندسة بس امي كان نفسها اكون دكتورة بس انا شايفة اني مش هنفع لو دخلت حاجه مبحبهاش فهكون دكتورة فاشلة لكن هكون باشمهندسة ناجحة
قالت جملتها بإعتزاز و كأنها تتحدى العالم، تؤمن بقدراتها رغم قلتها فقال ابراهيم
- لما تدخلي الثانوي انا عليا كل مصاريفك عشان تبقي مهندسة ناجحة
- بصحيح، قول و الله
قالتها بأعين متسعه بعدم تصديق فإرتجفت شفتاها تأثرا و هي تدعو له بالكثير و ذهبت للحمام تداري عنها دموعها
اما ابتسام فكانت ترى نفسها في تلك الصغيرة و لعلها تفتقد حتى الان للثقة التي تتحدث بها، فإلتفت هو لابتسام التي وجدها تتطلع في اثر الفتاة بإبتسامة عميقة حتى إلتقت اعينهما لترمقه بإبتسامة ممتنه مع قولها
- شكرا
فأغمض عيناه واقفا دون رد، يود الاحتفاظ بنغمة صوتها تلك في اذنيه للابد..
_______
و في المساء
كانت ابتسام تراقب الوافدين من الازواج بعين جائعة، هنا في صدرها تقبع انثى تتعطش لتلك المشاعر الصادقة، فطوال حياتها لم تسمع كلمة حب،
حتى عندما خطبت لمحسن كان يقولها بفتور اشبه للواجب المدرسي الثقيل و لم تكن تردها له، لم تشعرها يوما معه، اما الان و هي تراقب الجميع
و هم يحتفلون بذاك اليوم الذي لم تحتفل به طوال عمرها كانت نيران عميقة تنشب في صدرها و تطالبها بإطفائها، و لكنها نكست رأسها بخجل مخزي من تفكيرها فهي مازالت في الخامسة و العشرين من
عمرها او ستتمهم قريبا، لا يهم
تنهدت و هي ترى احد الزبائن قادما ناحيتها فأنهت حسابه بتلك البسمة المتكلفه، و اثناء خروجه دخلت غرام و كامل لتحتضنها غرام و يحييها
كامل بخفوت فأشارت لهم على احدى الموائد الفارغة، لتعود مكانها بقلب فارغ
و على المنضدة القريبة كان يجلس امامها ناظرا لها بصمت كعادته منذ ذاك اليوم فقالت متنحنحه
- خلاص بقا قلبك ابيض، معرفش قولت كده ازاي، بس بصالحك من يومها و انت مبتتصالحش
و قوست شفتاها كالاطفال
ليضحك بخفوت و سرعان ما قالت
- اهو شوفت ضحكتك، بتحبني عشان بضحكك طبعا
و غمزته بشقاوة ليعاود السؤال بغموض
- و انتي يا غرام بتحبيني
مدت يدها لتمسك بيده و هي تقول متنهده
- ايدي بتقولك ايه
- المهم قلبك
- و ايدي مش مهمه
قالتها بمناوره و هي تسحب كفها من بين يديه لتصدح اغنيته المفضلة و يجلب احد النادلين كعكة على شكل قلب وضعت امامه ليتركها النادل و ليقرأ كامل تلك الكلمة الوحيدة
- بحبك
قالتها متزامنه مع قراءته لها، فرفع وجهه لوجهها المبتسم بإشراق و كأنه يواجه شمس عالمه و تلك الكلمة التي زلزلت ثباته يتلقفها هو بكل حب فيمد يده ليدها و هو يلثم ظاهرها بصمت ابلغ من كل الكلام
و في مكان اخر كانت تنظر لهم بإنبهار، كطفل واقف امام لعبة عملاقة لم يكن يصدق تواجدها،
لتلك النظرة الخالصه و ذاك الحب العميق و رغم رؤيتها له مازالت تتساءل، هل يوجد حقا مثل هذا الحب؟
و من مكانه وقف هو يراقبها بصمت و تلك النظرة المتعطشة في عينيها يوعدها بأنها سيرويها قريبا
الفصل التاسع
بعد اسبوع"
- انا بجد تعبت من كتر اللف، هو لازم نتجوز قريب كده
قالتها غرام بإرهاق واضح و هي تجلس في مقهى لاحدى
المولات التجارية لتجيبها لمياء بخبث
- قولي لنفسك، كل شويه تقولوا ميعاد و تقدموه
و من ثم غمزتها بخبث و هي تنظر لابتسام التي شاركتها
الضحك لتقاطعهم غرام بخجل
- على فكرة كامل هو اللي بيقدم الميعاد
- اه طبعا طبعا
قالتها لمياء و هي تنظر في قائمة الطعام لتتطلع كل واحد منهن لقائمتها، و حينما رفعت لمياء رأسها لتسأل غرام و ابتسام التي كانا في الجهه المقابله لها عن طلبهم
لمحته هناك
سيف..
سقط قلبها و حمدت الله انه لم يره احد و لكنه رأها من هناك
و لوح لها فلم تظهر اي رد فعل
كانت تنظر للفراغ امامها و تفكر فيما عرفته عنهم، رأسها لا يستوعب هذه القصة ابدا، تشعر ان هناك نقص ما، حتى فرقعت غرام اصابعها امامها و هي تقول
- ايه روحتي فين، يلا عشان نطلب
- اه يلا
قالتها بتشتت لم تلحظه غرام و لكن لاحظته ابتسام
و بعدما انتهوا من مشترياتهم، ذهبت غرام لكامل الذي اتى لتوصيلهم كي لا يبقى بمفرده بينما ذهبت ابتسام و لمياء لدورة المياه القريبة
خطوة
و اثنان
- انسه لمياء
تجمدت اطرافها و هي تميز صوته المألوف، ابتلعت ريقها بتوتر حاولت اخفاءه عن عين ابتسام التي انتحت جانبا بينما سارت لمياء بإتجاهه لتقف امامه و رغما عنها دق قلبها لرؤيه ملامحه الحبيبه قائله بإبتسامه مجامله و هي تكز على اسنانها بغيظ
- خير يا استاذ سيف
- لا مفيش حاجه قولت اسأل عليكي بما اني شوفتك هنا، كنت في اجتماع مع...
و قاطعته بحده رغما عنها و بعض قطرات العرق البارد تتجمع على جبهتها
- مسألتش حضرتك عن حاجه، و ياريت متكلمنيش لو سمحت
نظر لها بإبتسامته المستفزة و يديه في جيب بنطاله
- انا حاولت اوضح بس السبب، لكن شكل يومك مكنش لطيف، عموما انا همشي، اشوف وشك بخير
و تركها دون رد، لتزفر بسخط فأخر ما ينقصها هو ان يراه احد معها، اه خرجت من بين شفتيها بإرتجاف و هي ترى ظهره المنصرف كل ما به يشبهه
و اخرجها من تأملها صوت ابتسام لتجفل و هي تنظر اليها و سرعان ما ابتسمت مبرره
- ولي امر لطالب من الطلاب
- بس شكله صغير على كلمه ولي امر دي
- اه، فين الحمام
فأشارت لها ابتسام بينما رمقتها بعدم تصديق و لكنها لم تعقب
________
- مساء الخير على الناس اللي عندها اجازة
قالها ابراهيم في وقفتهم الاثيرة تلك و التي لم تتحقق منذ مده لضغط العمل و عدم خروجها للشرفة، فهي تأتي من عملها للسرير
- مساء الخير و على فكرة احب اقولك ان الاجازات مفيدة للصحه
قالتها بمشاكسة غريبة عن طبيعتها المتحفظة مما رسم البسمة على وجهه و هو يرد
- ده لو مكنتيش المدير حضرتك
- معاك حق، بس الشغل جميل
- الشغل كله و لا الشغل معايا
قالها بمكر و من ثم ارتشف القليل من فنجان قهوته لترد بإبتسامة
- بصراحه الشغل معاك جميل، احلى مكان اشتغلت فيه يعتبر
- و اشتغلتي فين قبل كده
قالها بإهتمام واضح لترد بثقتها المستحدثة
- كتتتير، مره في مكتبة و مره في معرض و مره في مطعم و كافية، لفيت كتير يعني بس مكنتش بلاقي نفسي فيهم
- و لقيتيها؟
- اه
قالتها سريعا لتغير مسار الحوار قائله
- انت بتشرب قهوة كتير جدا على فكرة و ده غلط
- انتي بتعدي القهوة عليا يا ابتسام
قالها بإستنكار رافعا احدى حاجبيه لترد بتهكم
- مش انا لوحدي، الدنيا كلها عارفه انك بتشرب كتير
- يعني اعتبر انك مش مهتمه بصحتي
- مقصدش و الله يعني...
فقاطعها قائلا
- خلاص فهمتك
نكست رأسها بخجل و من ثم تطلعت للسماء بشرود مما اتاح له رؤيتها بعمق، تحيط بها هالة تخصها وحدها مما يجعلها مميزة في عيناه رغم افتقارها للاغراءات الانثوية التي كان يفضلها و لكن ما يحيط بها يجعلها جميلة بتلك الروح الصادقة، نظرت اليه فلم يجفل بعيناه مما جعل الاحمرار يغزو وجنتها برقه فقال
- عملتي ايه النهارده من غير شغل
- خرجت، روحت المول مع غرام و لمياء اخت كامل و بعدين اشترينا حاجات لشقة غرام لان فرحها قريب، كان المفروض كمان كام شهر بس كل شويه يقدموه فهيكون في اخر الشهر
كانت تتحدث بحماس و ابتسامة مشرقة ترتسم على شفتيها ليسألها بخبث
- و بيقدموا الفرح ليه
- عشان بيحبها
قالتها سريعا كمراهقة تخجل من ذكر كلمة حب امام احد الكبار فقال لها بعمق
- عقبالك
- و انت كمان، انا لازم ادخل
فأومأ لها برأسه لتدخل سريعا امام نظراته التي تلاحقها، ليزفر نفسا عميقا و هو يسأل نفسه متطلعا للسماء
ما الذي ينتظره كي يخبرها؟
_______
و بعد يومين..
- السلام عليكم
- و عليكم السلام، عامل ايه يا حبيبي
- وحشتيني
قالها كامل بحراره وصلتها عبر نبره صوته في الهاتف لترد بنفس الحرارة
- و انت كمان
- مبقتش بعرف اشوفك و لا اتكلم معاكي
قالها بإستعطاف لترد بتقريع
- مين اللي عايزنا نتجوز بسرعة، و لسه حاجات كتير نقصاني عشان كده مش هعرف انزل الشغل
- نشتريها بعد الفرح
- لا طبعا، و متحاولش مش هنزل تاني غير بعد الفرح
- لا بعد شهر العسل، شهر كامل
لتضحك بإنطلاق و هي تتمدد على سريرها لتسأله
- و الشغل عامل ايه، سناء جت صح، جبت حد معاها و لا لسه
- اه جت، وعلقت اعلان اننا عايزين حد لمده شهرين و هنشوف لسه
و يكمل بمكر
- بنت حلوة بعيون خضرا
- كاامل
قالتها بدلال ليرد
- روح كامل
- لسه مش مصدقه انك كنت بتحبني
- حبك لعنه بتطاردني
رفعت حاجبيها بإستغراب قائله
- و ده مدح و لا ذم
فقال ضاحكا
- الاتنين، قوليلي عملتي ايه و اشتريتي ايه
- هقولك...
و اخذت تقص عليه ما تفعله في يومها و هو يستمع لها بإهتمام يكاد يحفظ تلك التفاصيل الصغيرة و لكنه يحب سماعها
_______
- الو
- ازيك يا لمياء
دق قلبها بعنف و هي تميز صوته لتقفز جالسه من رقدتها تلك وإبتلعت ريقها بصعوبة و ابعدت الهاتف عن اذنها لتسعل بخفوت و من ثم سمعت صوته مره اخرى
- لمياء انتي معايا
- مين معايا
قالتها بمراوغه ليبتسم من الجهه المقابله و هو يسترخي في مقعده امام مكتبه الفخم و يرد مباشرة
- سيف
- جبت رقمي منين
قالتها بعدائيه و هي تسير في غرفتها بتوتر ليضحك بخفوت قائلا
- من مكان السنتر فيه ورقة عليها رقمك
ضربت رأسها بيدها و هي تسير بعصبية
- اه، لكن خير فيه حاجه
- اعتبريني ولي امر بيسأل عن ابنه
- نعم
قالتها بإستنكار و هتفت برفض واضح
- افتكر ان مفيش بيننا اي كلام حضرتك، و اتمنى متتصلش بيا تاني
- من باب صله الرحم حتى يا لمياء
قالها مبررا فأخذت نفسا عميقا و زفرته بخفوت قائله
- اللي كان بيننا مات
و ابتلعت غصه مسننه بحلقها لتتابع
- وافتكر ان مفيش اي حاجه تربطنا، الموضوع انتهى
- افتكر من كده انك نسيتي يوسف
- يوسف في قلبي
قالتها بشجن عندما سمعت اسمه لتستعيد رباطه جأشها قائله
- بس الله يرحمه مات
- ماشي يا لمياء عموما انا تحت امرك في اي وقت مش هضغط عليكي بس لازم تتقبليني في حياتك
و من ثم أغلق الخط دون سماع ردها، لتنظر للهاتف بغيظ سرعان ما تحول لغضب و هي تكرر بتهكم
- لازم تتقبليني في حياتك، قال لازم قال
__________
- ممكن رقم والدك يا انسه ابتسام
تطلعت ابتسام لذاك الرجل الواقف امامها بذهول و هي تسأله
- حضرتك تعرفني
فرد بأدب و هو يتجنب النظر لها بإحترام
- لا، بس ناوي اعرف حضرتك ان شاء الله
- مش فاهمه
- يعني هتقدم لحضرتك
نظرت له بجمود فقد كان شابا تبدو عليه امارات الكفاح و على وجهه ترتسم الطيبة و عينيه لم ترتفع لعيناها منذ تحدث معها و من ثم تطلعت دون ارادتها لابراهيم الذي يجلس خلف مكتبه مع احدى العملاء و يتضاحك معها بألفه مما احرق احشائها بنار مستعره فقررت في لحظة تهور
- اتفضل ده رقم والدتي، ممكن تكلمها
فأخذ منها الرقم الذي دونته دون ان تهتم بقول المزيد على ان هذا رقم والده غرام في الاساس ليستأذن المغادره فأومأت برأسها دون رد و هي تعود لعملها، يمكن ان يكون ذاك الشاب هو قدرها فإبتلعت غصه خانقه قبل ان تعود لعملها مره اخرى
و بعد قليل استدعاها لمكتبه بعدما رحلت تلك العميلة و التي يأخذون من الشركة خاصتها بعض المواد الغذائية اللازمه
كان يراجع معها بعض الفواتير ليقطع صمتها سؤاله
- مين اللي كان بيكلمك
- زبون عادي كان بيسأل عن حاجه
- ولقاها
- تقريبا
فنظر لها بصمت و هو يحاول سبر اغوارها لتكمل هي ما تفعله بصمت خانق
و حالما انتهت اخذت الملفات و انصرفت بهدوء
لتدخل ابتسام الاخرى بإبتسامة مشرقة و هي تضع قهوته بجواره ليوقفها قائلا
- الراجل اللي جه لابتسام قالها ايه
لتقترب منه بحذر و هي تتطلع يمينا و يسارا و كأنما ستفشي سرا حربيا
- بص يا مستر ابراهيم انا سمعته و انا ماشية بس متقولش لحد
اومأ بنفاذ صبر لتكمل
- كان جاي ياخد رقم حد من اهلها عشان يتعرف عليها فتقريبا ده عريس
سكن الكون من حوله و هو يتطلع في اثرها بجواره و كأنما حلم امتلاكها هو محض
سراب ليبتلع غصه خانقه بحلقه و هو يجرب مراره فقدانها.. للمره الثانيه.
