رواية غرام
" الفصل السابع"
بقلم شيماء السيد
- طب ما انتي حلوة و بتتكلمي اهو
إلتفتت مجفله اثر سماع صوته، تطلعت في ملامحه الساخرة و عيناه الغاضبة، لتبتلع ريقها الجاف بصعوبة و هي تنطق
- ابراهيم
كادت عقده حاجبيه ان تنفك اثر سماع صوتها، رقيق يمتزج بالانوثة، مشبع بالشجن
- اه ابراهيم المغفل
و كادت ان تضحك و لكنها لملمت شفتيها بصعوبة و ضميرها يوجعها لكذبتها فإختلست النظر لتتأكد من عدم متابعة احدهم لها و قالت
- طب ممكن نتكلم لما الخطوبة تخلص في البلكونة، لو سمحت
و اختلست نظرة اخرى للحاضرين و امام ارتباكها تراجع دون رد، فلم تعلم هل سينتظرها حقا ام سيتجاهلها
____
- اخيرا يا غرام
قالها عندما انفرد بها في نهاية الحفل، يتطلع في فستانها الهادئ باللون الزيتي الذي يلائم لون عيناها و زينتها الرقيقة، خاتمه الذي يزين بنصرها فتتلاعب به بخجل دون النظر له
- متسكتيش، انا اتعودت انك هتفضلي تتكلمي
تلاعبت بطرف حجابها بخجل و هي ترمق الطعام الموضوع امامهم لتغير مجرى الحديث قائلة
- مش هتاكل
- ما انا باكل اهو
قالها و هو ينظر لها لتبادله النظر قائله بلهجه عاتبه
- كامل، احنا لسه مخطوبين على فكرة
ابتسم بهدوء، هذه الفتاة هي اختيار قلبه، ام اطفاله
- بحبك
- يا كامل بقا
قالتها معترضه بدلال ليجيبها بخفوت
- يلا نكتب الكتاب عشان ميكونش عندك حجه
- لا
قالتها بسرعة ليرتفع حاجباه بدهشة سرعان ما تحولت لجمود و هو يفكر في سبب اعتراضها السريع فأخذت نفسا مرتجفا و هي تبتسم بإرتباك قائله
- لازم فترة ناخد فيها على بعض
و امام نظراته المتفحصه الصامته قالت ممازحه بإرتباك
- يعني مثلا.. مثلا اكتشفت اني مش الشخصية اللي متوافقه معاك وقتها نعمل ايه، تطل...
- متنطقيهاش
قالها بغضب مشتعل لتصمت مطرقه الرأس و هي تفرك قماش فستانها بيدها ليسألها بصوت جاهد في ان يجعله متزن
- انتي لسه بتفكري فيه
ارتفعت عيناها بصدمه وترمش عده مرات بغير استيعاب لتقول بحده
- انا مسمحلكش تسأل سؤال زي ده، السؤال ده فيه اهانه ليك قبلي و انا مسمحش بكده
- انا بسأل سؤال محدد، بتفكري فيه؟
اعاد سؤاله بصوت مرتفع بعض الشئ و نيران حارقه تشتعل بعيناه لترد بصوت خافت و هي تختلس النظر للباب
- لو بفكر فيه او لو عندي شك واحد ان لسه مشاعري بتتحرك ناحيته مكنتش هتخطبلك اكيد، و وطي صوتك عشان ماما
- عمري ما اشك فيكي، انا بغير عليكي غصب عني، وانتي متعرفيش كل يوم بتكبري في نظري قد ايه
قالها بصوت خافت و عيناه ينطفئ فيهما اللهب الحارق لتسأله و قد تعلقت عيناها بعيناه
- انا
- انتي غرام كامل، متتصوريش كنت بتحرق ازاي لما جيت حضرت خطوبتك و شايفك مبسوطة مع حد غيري
ابتلع تلك الغصه الخانقه ليكمل
- جيت عشان انساكي عشان اقول لنفسي فوق من الوهم بتاع السنين ده، بس مقدرتش، كان حبك بيغلب كل حاجه و اي حاجه، حبك ميه بترويني، و سحابة بتضلل عليا
- بتحبني من امتى
و تسأله و هي تمنع نفسها من احتضانه ليجيبها بنفس النبره الخانقه
- من اول ما عرفت كلمة حب، كانت بتتجسد فيكي
ابتسمت بسعادة حقيقية لم تشعر بها منذ زمن، منذ يوم تخرجها تقريبا و تسمعه يكمل
- عارفه الحب بيختفي امتى، لما تشوفي افعال الطرف التاني مخالفه لمبادئك، تشوفيه مش شبهك، طريقة تفكيركم مش زي بعض، و انتي كنتي نصي التاني في كل حاجه، مهما حاولت ابعد كنتي بتشديني من غير قصد
تغمض عيناها بشعور مدغدغ يسري بين عروقها، لتأخذ نفسا مرتجفا و هي تفتح عيناها و مازالت نظراته متعلقه بها و قبل ان ينطق اتى طرق خفيف من الباب لتدخل امها قائله و هي تنظر للطعام
- الحب مشبعكم و لا ايه
- حاجه زي كده يا حماتي
قالها كامل مناكفا لها بينما اطرقت غرام رأسها بخجل لتقول امها بإعتراض
- حماتي! ده انا اصغر منكم يابني، شوفي جوزك يا غرام
و صمتت لتهتف بنبره ذات مغزى
- اقصد خطيبك
و تركتهم و رحلت ليميل عليها قائلا
- زهرة بتلمح لجواز انا بقول كفايه خطوبة
- نعم
و رفعت احد حاجبيها بنظرة شريرة ليهتف بإستسلام
- خلاص هستسلم و هتجوزك
و يغمزها مبتسما
- و ده بالنسبالي احلى استسلام
________
وقفت في الشرفة و هي تفرك كفيها بتوتر، يدور عقلها سريعا لاختلاق كذبة، و لكنه يتوقف لتوبخ نفسها، و هل ستخرج من كذبة على حساب كذبة اخرى
كانت تستند بذراعيها على سور الشرفة و تنظر للسماء لتزفر بصوت مسموع لتشم رائحة تبغه قبل ان تسمع صوته قائلا
- متنرفزة ليه، حسيتي بالذنب
نظرت له بصمت و هي تبتلع ريقها امام جاذبيته المفرطه، بنظرها كان شديد الوسامة لدرجه انها تشعر بأنها لم تقابل رجلا غيره، و هل قابلت قبله احد سوى محسن، ابتسمت بسخرية ف شتان بين هذا و ذاك، فغضت بصرها و هي تنظر امامها و رائحة التبغ تصلها بقوة حيث وقف جوارها تقريبا
فتلك الشرفات تكاد تجزم من تقاربها انها تخص بيت واحد
- بص يا استاذ ابراهيم، معرفش عملت كده ليه يمكن كان نفسي اعمل مقلب في حد لان عمري تقريبا ما عملت مقالب
قالتها بصدق مس قلبه بل اوجعه و عيناه عليها مع دهسه للتبغ ليسألها بصوت جاد
- يعني عمرك ما رنيتي الجرس على الجيران و طلعتي تجري
ابتسمت لتهز رأسها بالنفي ليتابع بجديه اكبر
- و لا قولتي لحد بص في الازازة دي و ضغطتي عليها من تحت و جت الميه في وشه
هزت رأسها بالنفي و ابتسامتها تتسع ليتحدث بملامحه الجاده
- ده انتي فاتك نص عمرك
- لا عمري كله
قالتها بسخرية سوداء ليجيبها
- ممكن نرجع العمر كله، طالما لسه بنتنفس يا ابتسام
و اسمها من بين شفتاه مبهج، و محظوظ لانه نطقه
استدرات له فوجدته ينظر اليها بنظرته الغامضة تلك، فخرج صوتها مهتزا دون ارادتها لتسأله
- يعني مش زعلان، خلاص
لم يرد عليها و هو يبادلها النظر، تشعر ان عيناه تخبرها شيئا تتعذر قراءته، تجهله بشده ليسألها هو
- وافقتي على الشغل
- مش عارفه
كطفلة تائهه كان يراها، يود ان يرشدها و من ثم يعنفها لذاك الضعف و تلك الاستكانه التي تثير رجولته لحمايتها، فأتت نبرته قوية موبخه
- ليه عندك كام سنة عشان متعرفيش عايزة ايه و تقدري تقرريه
نظرت له بعدم تصديق لطريقته التي تغيرت، و نبرته التي تبدلت و هو يقول
- بكره هستناكي تقوليلي قرارك
و دخل مغلقا لباب الشرفة بكل بساطة، تاركا اياها واقفه، فضربت سور الشرفة بغضب قبل ان تدخل للداخل
________
و في اليوم التالي
كانت غرام في الصيدلية بمفردها في ذاك الوقت من الظهيرة، حيث ذهب كامل لصلاه الظهر في المسجد القريب
فنظرت لباب الصيدلية الذي يفتح لعله احد الزبائن و لكنها وجدتها هي.. هيام، التي قالت بنبره خفيضة بعيدة تمام البعد عن نبرتها المتعالية تلك
- ازيك يا غرام
- اهلا يا هيام، فينك كده
و خرجت غرام من وراء المكتب الصغير خاصتها لتذهب لها و هي تحتضنها بحنو لترد هيام و هي تجلس بوهن على احد المقاعد المتفرقه
- اختي كانت تعبانة، و كنت معاها
لتربت غرام على كتفها بمواساة
- الف سلامة عليها ان شاء الله هتقوم بالسلامه و هتكون كويسة
- يارب
و اردفت و هي تنظر لها و تعطيها ورقة مطويه
- انا جيت في الوقت ده عشان الدكتور مبيكونش هنا، و حبيت اقدم استقالتي من غير دخول كتير في تفاصيل، و احنا اخر الشهر يعني مفيش ليا فلوس
و من ثم وقفت امام نظرات غرام المشفقة لتقول
- و اتمنى انك تسامحيني، و تدعيلي
و احتضنتها بصمت لتسقط دموعها بصمت مماثل في حين ان غرام لم تبادلها الاحتضان و هي تشعر بنفسها متجمدة، لا تشعر سوى بورقة استقالتها التي تمسكها بيدها
و سؤال يدور بعقلها
متى سيصبح للفرد سلطان على قلبه؟
_______
بعد ثلاثة ايام
وقفت في الشرفة بصمت، يغلبها شوقها لرؤيته دون ارادتها و هي تقاوم الخروج منذ ثلاثة ايام
لا تعلم ماذا ستفعل، لم تتخذ قرارا جادا في حياتها بمفردها و كم شعرت بالدنو، فسنوات عمرها تلك كان من المفترض بها ان تكون بها ام مسئولة عن طفل
و لكنها سخرت بداخلها فها هي الطفلة التائهة عندما وضعت في اختيار لم تعلم ماذا ستختار، سمعت طرقات خافته على باب غرفتها فدخلت للداخل
و هي تغلق ستائر الشرفة و من ثم فتحت الباب لتجد زهرة الواقفة و بيدها كوبين من النعناع
- مساء الخير، قولت نشرب مع بعض حاجه في البلكونة
- طبعا طبعا، اتفضلي
و لم تدري ان صوتها خرج مهتزا امام نظرات زهرة الثاقبة، فأتت بمقعدين صغيرين يناسب حجمهم حجم الشرفة و وضعتهم بها لتجلس زهرة في ذاك المقابل لشرفته، و من ثم اعطتها كوب النعناع
- الله يرحمك يا حسن، كنا بنقعد زمان نفس القعدة دي بس الصبح
- الله يرحمه، كنتي بتحبيه
ابتسمت زهرة بحنين لتجيبها
- حاربته هو نفسه عشان الحب ده، هحكيلك الحكاية كامله بعدين
و نظرت لها بتدقيق لتكمل
- قوليلي انتي فيكي ايه لان بقالك كام يوم مش عجباني
- حاسه اني تايهه، معرفش حياتي هتكون عامله ازاي، مش عارفه اقرر قرار واحد لوحدي، حاسه اني غريبة و بجد مقصدش هنا اق...
قاطعتها زهرة بحزمها الحنون
- على فكرة انا فهماكي مش لازم مبررات، لازم تحسي بالتوهه دي، اللي مريتي بيه مش
سهل، مش قولتي هتحاولي تشوفي شغل، الشغل بيخليكي تتفتحي على العالم، بيكبر
دماغك و بيعلمك كتير، هنشوف مع بعض، و صح نسيت اقولك ايه الطاره التحفة دي ده انتي فنانة
- بجد
قالتها بتشكيك، لتكمل زهرة بتشجيع
- بجد جدا، حتى البنات المعزومة كلهم سألوا عنها، ممكن تشتغلي في الحاجات دي كمان
و قبل ان تجيبها اتى صوت من خلفها فوقع قلبها خوفا و هي تنظر لابراهيم الذي خرج متفاجئا بوجود زهرة و لكنه اخفى انفعالاته سريعا ليلقي عليهم التحية التي ردتها زهرة ببشاشة و ردتها ابتسام بإرتباك بعدما نظرت له نظرة سريعة
لتسمع زهرة التي تحدثت بسعادة
- التورتة و كل الحلويات كانت جميلة جدا تسلم ايديكم حقيقي
- ده اقل واجب، و يارب دايما نكون عند حسن ظنكم
قالها بمجامله سعيدة لترد زهرة امام نظرات ابتسام المتسائلة
- كنا جايبين الحلويات من عند استاذ ابراهيم و بعد ما عرف اننا جيران جابلنا التورتة كهدية من عنده، اظن انك شوفتيه في الخطوبة
قالتها زهرة بإبتسامة غامضة لترد ابتسام بإضطراب و هي تعدل طرف حجابها
- اه، شوفته
و نظرت له لتكمل
- اتشرفت بحضرتك
فقد كانت تظن انه احد المتطفلين الحاضرين بغير دعوة فسمعته قائلا بإحترام
- و انا كمان، عن اذنكم
و قبل ان يدخل سمع نداء زهرة فإستدار لتسأله
- انت تعرف المنطقة هنا كويس
- معرفتش المنطقة غير لما عملت الفرع الجديد، و البيت ده اشتريته لانه يعتبر في المركز بتاع باقي الفروع، بس حضرتك بتسألي ليه
- بنشوف لابتسام شغل، و انا قولت يمكن انت تعرف شركة قريبة او مكتب يعني، بس مش مشكلة
- معاها ايه
- تجارة
كان هذا رد ابتسام ليصمت امام صوتها المختنق لبرهه و من ثم قال لزهرة
- تقدر تشرفني بكره في الفرع الجديد انا محتاج مدير حسابات
- ان شاء الله
و استأذنهم للدخول بينما ابتلعت ابتسام غصه لا تعلم حتى الان سببها
______
- يا استاذة لمياء، فيه ولي امر عايز يقابل حضرتك ضروري
قالها احد المساعدين في ذاك السنتر التعليمي الذي تعمل به لترد عليه و هي تكتب شيئا ما في دفترها
- خمس دقايق و هاجي
لتنهي ما تكتبه سريعا لتخرج من الباب لتقع عيناها على ظهر احدهم الذي تقدمت منه لتقول
- اهلا بحضرتك انا لمياء
ليلتفت لها ذلك الرجل الذي جعل دقات قلبها تتقافز و عيناها تتسع بذهول فقالت بصوت
مرتعش و هي تمر بعيناها على خطوط وجهه
- يوسف..
