نور في حياتي
الحلقة الثامنة
بقلم نجلاء لطفي
كم هي مسكينة فقد رفعها لسابع سماء ثم رماها للقاع فجأة، يالقسوته وأنانيته، غدر بها لأنها ضعيفة وليس لها من يقف أمامه ،
كم هو مجرد من المشاعر كي يتخلى عن طفل مسكين مريض في أمس الحاجة إليه.
جاءت بسمة يوم الجمعة وهي محرجة ولا تعلم كيف سنستقبلها ، لكنها فوجئت بتجمع الأسرة كلها في إنتظارها وبناتي كن متلهفات للعب مع شهاب الذي بدا خجولا ثم سرعان ما اندمج مع نوارة التي كانت أقربهن في السن إليه وخاصة عندما أحضرت له بعض اللعب وجلس الأطفال معا في ركن بعيد يتسامرون ويلعبون مع شهاب الذي تشع عينيه براءة تجذب القلوب، وجلست رضا بالقرب منهم تلاحظهم وتلعب معهم أحيانا. جلست نجلاء لطفي بسمة معي أنا وأبي وحكت لنا كل
تفاصيل زواجها وكيف رحب عمها بتزويجها لرجل ثري رغم فارق العمر وقال لها أنها محظوظة وعندما طلقها أكرم رفض عمها استضافتها هي وابنها ، لذلك فكرت في أني يمكنني مساعدتها لذلك لجأت إلي وهي تدعو الله ألا أخذلها كما فعل الأخرون.فقلت لها:
-طيب لو كنت طردتك كنتي هتعملي إيه؟
-كنت هادور على شغل لحد إيجار السنة ما يخلص وبعد كده مش عارفه كنت هاعمل إيه بس فكرت أودي شهاب جمعية تراعيه وتعالجه وتربيه أحسن ما يموت معايا من الجوع
-ومافكرتيش ترفعي قضية نفقة على أكرم عشان حق ابنك؟
-الفلوس اللي ارفع بيها القضية ناكل وأوديه للدكتور بيها لأنه لازمه متابعة مستمرة، كمان مش عايزة أعادي أكرم يمكن قلبه يحن ويرجع لنا
-يعني لو رجع توافقي؟
-طبعا هالاقي بيت أعيش فيه مستورة أنا وابني، الناس الغلابة اللي زينا حسبتهم في الحياة مختلفة عنكم، إنت مش محتاجاه عشان عندك بيت وأب وفلوس وشغل لكن أنا محتاجه راجل يحميني وأعيش في ضله.
-عموما إنت حره في تفكيرك بس أنا جبت لك إسم حضانة كويسة لشهاب واتفقت مع دكتور يتابعه وطول ما أكرم غايب ومابيصرفش عليه أنا هاتكفل بفلوس الحضانه والدكتور والعلاج ولما أكرم يظهر ليه حساب معاه، وكل يوم جمعة هتيجوا تقضوه معانا لازم شهاب يتربى وسط إخواته.
-إنتي إنسانة غريبة ما قابلتش زيها، شكلك وطريقة كلامك يبين إنك جامدة لكن قلبك طيب، كلامك دبش لكن بتساعديني ومش عايزه مني حاجه وإنتي مش ملزمة ممكن أعرف ليه؟
نظرت إلى أبي وقلت:
-باسدد دين قديم أوي
عندها جاءت كريمة ممسكة بيد عبدالرحمن وفي يدها الأخرى سما التي حيتنا بابتسامتها الرقيقة وسرعان ما انضمت لركن الأطفال وبدأت تتعرف على شهاب وتلعب معهم، جلست كريمة بجواري وقالت هامسة:
-مين دي؟
-أعرفكم ببعض دي كريمة أختي الكبيرة واللي دخل معاها ده جوزها الأستاذ عبدالرحمن وسما بنتهم، ودي بسمة طليقة أكرم واللي بيلعب مع الأولاد هناك ده شهاب ابنها
-أهلا يا بسمة
هنا دخلت أم حسين المسئولة عن كل أعمال البيت وقالت:
-الغدا جاهز
فقلت لها:
إعملي ترابيزة للأولاد وحطي للكبار على السفرة
فقالت بسمة:
-أنا هاكل مع الأولاد عشان أأكل شهاب
-أكليه وتعالي كُلي معانا
ابتسمت وانصرفت وتركتنا أنا وكريمة بمفردنا-حيث كان عبدالرحمن منهمكا في الحديث مع أبي- فقالت كريمة بفضول:
-احكي الحكاية من أولها
فحكيت لها فاندهشت وقالت:
-بتعملي كل ده ليه هو مش مسئوليتك؟
-ده أخو أولادي وضعيف ومالوش حد وأديكي شايفه وعارفة أكرم وقسوة قلبه والولد محتاج رعاية وأمه ضعيفة وممكن ترميه، مش عايزة أكرر غلطة زمان ويفضل قلبه شايل مننا ويمكن يكرهنا، كمان أنا مش خسرانة بالعكس كسبانة هاقرب الإخوات من بعضهم وأعلم أولادي يساعدوا المحتاج وياخدوا بإيد الضعيف، الإحسان للناس ده تحويش يعني يمكن عمل طيب أعمله النهاردة حد يرده لبناتي بكرة
-إنتي اتغيرتي خالص ما بقيتيش نور اللي كل همها نفسها وجمالها وبس، بقيتي نور اللي بتنور حياة كل اللي حواليها
-بس مش لاقيه حد ينور حياتي، لولا وجود بابا معايا مسنوده عليه ومطمنه معاه كنت وقعت وضعفت من زمان
-ياااه يا نور إنتي مفتقدة أكرم؟
-وده حد يفتقده ؟؟ ده الحجر فيه روح عنه، أنا مفتقده مشاعر الإهتمام، إن يكون لي حياتي زي أي ست، بس الظاهر ده قدري وأنا رضيت بيه
تناولنا الطعام وخرج الأولاد للحديقة ومعهم رضا وأم حسين لرعايتهم وجلسنا جميعا معا فقلت لبسمة:
-مدام كريمة هتكون مديرتك ولازم تسمعي كلامها، وافهمي كويس إن القرابة في البيت بس لكن الشغل جد وكريمة ما بتقبلش بأي دلع ولا تقصير، والأستاذ عبد الرحمن جوزها هو رئيس الحسابات في المصنع، وأنا كل فترة باجي المصنع أتابع الشغل، الحضانة قريبة من الشغل ، ويوم الجمعة هتقضوه دايما هنا.
-مش عارفة أشكرك إزاي بس لازم أمشي عشان الوقت إتأخر
-استني هاخلي السواق يوصلك وهو كل يوم جمعة هييجي ياخدك ويرجعك.
بعد ذهاب الجميع غمرتني الفتيات بأسئلتهن وحاولت إجابتهن بقدر ما يناسب عقولهن فقالت ندى بحزن:
-هو ليه بابا بيعمل كده ومش زي باقي الأبهات بيحبوا أولادهم ويعيشوا معاهم ويخرجوا ويتفسحوا؟ هو مش بيحبنا؟
-لا يا حبيبتي بيحبكم بس هو طبعه كده مش بيعرف يقول انه بيحبكم
-طب وشهاب الصغير كمان مش بيحبه؟ ليه سابه؟
-أكيد بيحبه بس كل واحد له ظروفه
-أنا باكرهه
-هازعل منك لو كررتي الكلمة دي تاني ، قبل ما تزعلي من حد اسمعيه وبعد كده ابقي احكمي عليه، وبعدين رضا بابا عليكي من رضا ربنا ولا عايزة ربنا يزعل منك؟
ضممتها لصدري وقلت:
-خلي دايما قلبك يسامح عشان ماتتعبيش، اللي بيسامح بيعيش مرتاح اتعلمي تسامحي وتعذري الناس وتقبلي أعذارهم
أخذتها في حضني هي وإخوتها وقبلتهن جميعا وأنا أتعجب من أكرم الذي حرم نفسه – بغباؤه- من أجمل ما في الكون ، محبة الأولاد ودفء البيت.
مضت بنا الأيام كل في عمله ونجتمع نجلاء لطفي يوم الجمعة لنقضي اليوم معا ويلعب الأطفال ويغمروننا بصخبهم وضحكهم وشجاراتهم التي لا تنتهي وألعابهم التي نتعثر فيها في كل مكان، ورغم كل هذا الضجيج والفوضى كنا ننتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر. انتظمت بسمة في العمل وشهاب في الحضانة وفي موعد
متابعة الطبيب كنت أذهب معها لأعرف تعليمات الطبيب وأحرص على تنفيذها بدقة. وجاءت الأجازة التي كان الأولاد ينتظرونها بشغف للإنغماس في اللعب واللهو طوال النهار، لكني كنت أشغل وقت البنات في التدريبات الرياضية في النادي بين السباحة والجمباز،
وفي البيت تأتي لهن المحفظة لتحفظهن القرآن وكانت سما تحضر معهن دروس التحفيظ، وبعدها ينغمسن جميعا في اللعب واللهو.
فوجئت ببسمة تتصل بي وتطلب لقائي بشكل عاجل فلما سمحت لها قالت وهي مرتبكة:
-عمي اتصل بيه من البلد وعايزني أروح له ضروري ومش هاقدر أخد شهاب معايا لأنهم هيعاملوه وحش ويتريقوا عليه وكمان عشان ميعاد متابعته مع الدكتور فلو ممكن أسيبه معاكي يومين؟؟ أنا عارفه إنك هتراعيه زيي وأكتر وهو بيحبك إنتي والبنات
-وعمك افتكرك دلوقتي ليه؟
-مش عارفه ، بس هو صعب أوي وما أقدرش أرفض له طلب
-طيب سافري وارجعي بسرعة ومن حظك إن النهاردة الخميس يعني بكرة وبعده أجازة بس اعملي حسابك السبت بالليل تكوني هنا
-حاضر ربنا يخليكي لنا يا مدام نور
-كلمي الحضانة وقوليلهم إني أنا اللي هاخد شهاب النهاردة وانتي يالا سافري عشان ترجعي بسرعة
سافرت وأخذت شهاب معي وكان تحت رعايتي الشخصية ولم أغفل عنه لحظة واحدة وعندما بكى لغياب أمه أخذته ندى في حضنها وحكت له الحكايات التي يحبها وأحضرت
له نادين كتاب ملون عن الحيوانات ، بينما أعطته نوارة دميتها المفضلة فاحتضنها ونام على الأريكة فحملته معي لغرفتي فأصرت ندى أن ينام على سريرها ونامت هي بجوار نوارة. حمدت الله أن غرس الحنان لذلك الطفل الضعيف نجلاء لطفي في قلب بناتي ولم يجعلهن يغرن منه أو يكرهنه، فربما يكن حبهن له فيه تعويض عن غياب أكرم.
جاء مساء السبت ولم تتصل بسمة ولم تأت فشعرت بالخوف من أن يكون أصابها سوءا وندمت لأني لم أعرف رقم موبايل عمها لأطمئن عليها،خاصة بعد أن اتصلت بها عدة مرات
بينما كان هاتفها مغلقا. ظل القلق ينهشني وزاده بكاء شهاب لأنه يفتقدها فحاولنا جميعا إرضاؤه حتى نام من كثرة البكاء. جافاني النوم وألف هاجس سيء يخطر على بالي حتى
أفقت منهم على صوت رسالة ففتحت الواتس آب فوجدتها من بسمه تقول فيها:
-سامحيني ما قدرتش أواجهك وأقولك إن عمي جابلي عريس كويس ، شاب قريب مني في السن وأرمل من غير أولاد وعايش في قطر وعايزني من غير شهاب، وافقت
فعلا وتم الجوازو مسافره معاه حالا، وماكانش قدامي حل غير إني أسيبه معاكي أو أوديه دار أيتام، عارفة إنك بتشتميني
في سرك، بس أنا فعلا محتاجة راجل في حياتي يحميني ويكون سندي في الدنيا، كمان أنا صغيرة ومسئولية
شهاب تقيلة عليه، وأنا محتاجة أعيش حياتي اللي ماعيشتهاش، بس لو ماقدرتيش تشيلي مسئولية شهاب اتصلي بأبوه
أو وديه أي دار رعايه بس ابعتي لي عنوانها وتليفونها ومهما عملت مش هاقدر أرد جميلك