رواية نور في حياتي الحلقة العاشرة10بقلم نجلاء لطفي


 نور في حياتي


الحلقة العاشرة

بقلم نجلاء لطفي


دخل شهاب المدرسة مع أخواته فكان سعيدا أنه صار مثلهن يذهب للمدرسة، ووهبه الله القدرة على إختراق القلوب فكانت 




كل المعلمات يحببنه ويتعاطفن معه، ويعاقبن كل من يضايقه أو يتعرض له بسخرية أو أذى. فحمدت الله أن سخر له من يدافع




 عنه ويحميه من بطش السفهاء وتمنيت أن يُطيل الله عمري حتى يعتمد شهاب على نفسه.

توطدت صلتي بدكتور سامر الذي قال لي مرة:

-تعرفي إنك إنسانه غريبة عمري ماقابلت زيك أبدا

-ليه؟ عشان باربي أخو بناتي؟




-لأ عشان بتربي طفل مش ابنك وياريته عادي لا ده محتاج رعاية خاصة، والأعجب إن أهله عايشين ومتمتعين بحياتهم وإنتي اللي شايلة الهم لوحدك

-أحيانا باحس إنه هم فعلا وأحيانا باحس إنه نعمة في حياتي علم بناتي العطاء والإحساس بالمسئولية ، كمان علمني حاجات كتير أهمها إني ما احاسبش حد على حاجات هو مش مسئول عنها





-مش باقولك إنسانه غريبة فكرت فيكي كتير وحطيت نفسي مكانك لقيتني ما أقدرش أتقبل طفل مش ابني واتحمل مسئوليته وخاصة إن أهله رموه عشان يعيشوا ليه أنا مش من حقي اعيش زيهم؟

ابتسمت وقلت:

-يمكن ربنا خلاني مختلفة عشان أراعي طفل مختلف زي شهاب

يومها أدركت أنه يقصدني بكلامه فهو يريدني وأشعر بذلك في كلامه ونظراته واهتمامه، لكنه يريدني وحدي بدون بناتي وشهاب، لكنه لا يدرك أني لا أكون أنا إلا وأنا معهم ولا أكتمل إلا بهم، فلولاهم لم أكن تلك الشخصية التي أعجبته بل كنت سأظل نور المعجبة بنفسها وجمالها، وكأن الله أراد أن يُنير دربي ويعلمني أن الجمال جمال القلوب، والنور ليس في الوجه لكن في الروح.أما سامر فيريد أن يحصد الثمار دون أن يبذل مجهودا في الزرع وهذا مستحيل لأنه سيقطفها مرة واحدة





 وبعدها ستذبل وتموت الشجرة أما إن بذل جهدا معها فستظل مثمرة طول العمر. هاهو رجل أخر يريد الجمال أو المال لكنه لايريد نور الإنسانة بكل مسئولياتها وإلتزاماتها.

مرت الأيام وكبر الأولاد وضعفت علاقتي بسامر مع الوقت وخاصة عندما كبر شهاب ولم يعد بحاجة إليه وكانت أخر صلتي به عندما نصحني بإلحاق شهاب بأي رياضة لأن ذلك سيساهم في تطور حالته للأفضل وبالفعل ألحقته بالكاراتيه




 في نفس النادي مع أخواته اللائي كن يراعينه ويتبادلن الذهاب معه للتدريب.

قررت ندى أن تستكمل دراستها في الخارج ولم أعترض إنما من اعترض كان أكرم بسبب النفقات فقالت له أنها حصلت





 على منحة مجانية وسيتكفل فقط بنفقات الإقامة والطعام فوافق عندما علم أنها قد تُفيده في مشروعاته التي تضخمت لكن بلا وريث –كما يقول- فكانت ندى سعيدة بالسفر لتبدأ حياة جديدة وعندما سألتني كريمة:

-مش خايفة عليها؟

- ربنا هيحفظها

-المجتمع هناك وحش

-هي متربية كويس واللي بيعوز يعمل حاجه بيعملها في أي مكان ما بيهموش حد

-إنتي قلبك جامد

-أنا واثقه في بنتي وباتمنى لها الخير

سافرت ندى وقلبي يتمزق لفراقها وكنت أبكي كلما اختليت بنفسي لفراقها ولكني لم أظهر ذلك لأحد ولا لها ، فقد أردتها أن تكون قوية ومعتمدة على نفسها، أن ترى الحياة وتعرف كيف تتعامل مع كل أنواع البشر.

حزن إخوتها كثيرا لغيابها وكان شهاب أكثرهم حزنا لأنها كانت له أختا و صديقة أحيانا وكثيرا ما كانت أماً له فكنا نحدثها كل يوم فخفف ذلك عنا ألام الغياب، حاولت أن أعوض شهاب غيابها فكنت أذهب معه التدريب أحيانا. جاء يوم البطولة وكانت نادين ونوارة لديهما امتحانات فقررت أنا أن أذهب مع شهاب الذي كان خائفا فقلت له:





-متخافش إنت بطل وحتى لو ماحققتش مركز إنتي بطلي أنا يا هوبه

فابتسم وقبلني وذهبنا للصالة التي تُقام بها البطولة وجلست بين المشاهدين ووجدت نفسي أتخلى عن وقاري وأشجع شهاب بحماس حتى حصل على المركز الأول فكنت أصرخ فرحا وجاء إلي مسرعا ليحتضنني فقبلته وقلت له:

-مش قلت لك إنت بطلي

ضحكنا معا وجاء رجل في أواخر الأربعينيات وقال:

-مبروك يا شهاب

-شكرا يا كابتن؟

ثم نظر إلي وقال:

-مبروك يا مدام

-الله يبارك فيك

-حضرتك والدته؟أنا أول مرة أشوفك

-لأنه دايما بيجي مع إخواته لأني باشتغل

-أعتقد إن اهتمامك بابنك أهم ميت مرة من شغلك وإثبات ذاتك زي ما بتقولوا






تركني ومضى وأنا أريد أن أصفعه على غروره وصفقاته فمن هو ليحاكمني ويحكم علي؟ من هو ليقرر لي ماذا أفعل؟ماذا يعلم عني ليُحاكمني ويتهمني بالإهمال؟ لم أشغل نفسي به إنما كافئت شهاب واحتفلنا به جميعا وأرسلت لبسمة –التي أنجبت ثلاثة أطفال- رسالة على الواتس أخبرها بتفوق  نجلاء لطفي شهاب كي تهنئه 




فقد انشغلت عنه بأولادها فصارت مكالماتها متباعدة. كما جاءت كريمة بقبيلتها –كما كنت أسميهم- سما الهادئة الرقيقة والتتار الصغار يوسف ويارا الذين أشعلوا البيت بضجيجهم مع شهاب، كم سعدت بتجمعنا معا لكني كنت أفتقد أبي الذي رحل العام الماضي وتركني وحدي في هذا العالم فافتقدنا كلنا حبه وحنانه واهتمامه 




بنا جميعا، شعرت في غيابه أني فقدت الظهر والسند حتى لو كان مسنا يعتمد علي فهو كان دائما مصدر الأمان لي. أفقت من شرودي على صوت إتصال ندى التي تكلمنا بالفيديو 



كل يوم جمعة لترانا كلنا فكانت تصرخ وتضحك وتهلل مع الأولاد وكأنها معنا ، فرح شهاب كثيرا باحتفالنا جميعا به ونظرت إليه وتساءلت ترى من فينا أمه؟ بسمة التي كانت مجرد وعاء حملته ثم تركته لغيرها؟ أم أنا التي لست من دمه لكنه قطعة من قلبي؟ أنا التي كبرت وربيت وتعبت؟ هل الأم من تحمل وتُهمل أم من ترعى وتحب وتهتم وتعرف كل كبيرة وصغيرة عن أولادها؟

صرت أذهب مع شهاب في تدريب يوم الخميس من كل أسبوع أما التدريب الأخر فكان مسئولية نادين، فقابلت ذلك المدرب عدة مرات وتجاهلته كما كان يرمقني بنظرات حادة. عرفت من أولياء الأمور أنه ليس مدربا عاديا بل هو المسئول عن تدريب كل أصحاب القدرات الخاصة، لكن ذلك لم يُغير من معاملتي له بسبب






 جفاؤه في التعامل معي. بعد عدة أشهر من انتظامي في الذهاب مع شهاب نظم النادي بطولة ودية لأصحاب القدرات الخاصة فطلب ذلك المدرب من شهاب شهادة ميلاده وعدة صور فأرسلتهم له مع نادين لأني يومها كنت مشغولة جدا. في يوم البطولة فاز شهاب بالمركز الثاني وكان سعيدا فقال لي المدرب المغرور:

-مبروك يا مدام بسمة

-أنا مش بسمة

-مش حضرتك والدته؟

-أنا ولي أمره

-مش فاهم

-مش مهم دي تفاصيل عائلية ماتخصش غيرنا عن إذنك

فقال له شهاب:

-سلام يا كابتن علي




-سلام يا شهاب

انشغلت كثيرا عن تدريبات شهاب بسبب اشتراكنا في أكثر من عرض أزياء عالمي فحلت نادين محلي في رعايته، ثم عدت لاصطحاب شهاب فقابلني كابتن علي مبتسما وقال:

-أنا عايز أعتذر لحضرتك عن سوء التفاهم اللي حصل لأني كنت فاكرك والدته وخجلانه من ظروفه

-وليه ما فكرتش إني ممكن أكون والدته ومشغوله بشغلي عشان أوفر له مستوى معيشي كويس؟ ليه الناس بتحكم وتحاكم قبل ما تسمع وتفهم؟ ليه الناس ما بتقدرش ظروف بعضها؟





-عندك حق أنا غلطان وباعتذر مرة تانية

-مافيش داعي للإعتذار الموضوع بسيط

-أنا كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع بخصوص شهاب

-اتفضل

-أنا ملاحظ إنه شاطر في الكاراتيه وكمان أكتر واحد في الفريق بيساعد الصغيرين وبيقدر يعلمهم إزاي يعملوا الحركات صح




 ففكرت إنه ممكن يكون المساعد بتاعي وخاصة في الصيف لأن عدد الأولاد بيكون كبير وده مش هياخد منه غير يوم زياده عن الأيام اللي بيجي فيها، كمان هو  نجلاء لطفي بدأ يضايق من وجود حد بيتابعه وحاسس إنه كبر خلاص وده معاه حق فيه هو عنده 15 سنة يعني مش طفل ويقدر يتصرف لوحده ممكن ييجي مع إخواته وهم جايين ويمشي معاهم أو حد يوصله وهو يرجع لوحده

- ممكن أخلي السواق يوصله ويستناه في اليوم اللي إخواته مش معاه، بس لازم أستأذن والده الأول

-هو عايش؟ انا افتكرته مات

قلت في نفسي:(هو ميت فعلا)

-لأ عايش بس مهاجر

-تمام هانتظر رد حضرتك

كنت أعلم رد أكمل مسبقا ولكني كلمته فقال:

-ماليش دعوة اعملي اللي انتي عايزاه

-مش ناوي تعمل بني أدم مرة وتنزل تشوف أولادك؟

-سبت لك الإنسانية، أنا هاسافر هولندا وهاقابل ندى هناك

-ندى؟ اكيد عايز منها حاجه

-هو انا ان بعدت أبقى وحش وإن قربت أبقى عايز حاجه؟ مطلوب مني أعمل إيه؟




-تكون صريح وتجيب من الأخر عاوز منها إيه؟

-تيجي تشتغل معايا وتدير الشركة وهي أولى من الغريب

-لسه قدامها سنتين على التخرج

-أهو تدرب في الأجازة

-طيب اعمل حسابك نادين هتخليها تدور لها على منحة معاها

-موافق بس بشرط يا تمسك شغل معايا أو معاكي

-هي هتدرس تصميم أزياء

-موافق أهي فلوسنا ماتروحش للغرب

-إنت ما بتتغيرش كل همك الفلوس

-ماهي كانت همك زمان، والا انتي اتجوزتيني عشان بتموتي فيه؟

-بس الزمن علمني إنها مش كل حاجه ولا أهم حاجه فيه حاجات كتير في الدنيا مهمة

-أنا بقى الزمن علمني إن الفلوس والنفوذ أهم حاجه ومش ناوي أتغير




-مافيش فايدة

تحدثت مع شهاب عن رغبة كابتن علي في أن يكون مساعده وهل يريد ذلك؟ فكانت إجابته بنعم فطلبت منه إن شعر بأي تعب أو إرهاق أن يتوقف مباشرة فقال لي:

-متخافيش يا ماما نور أنا راجل

-عارفة يا حبيبي ربنا يحفظك

لم اعد أذهب معه للتدريب إنما لم يقل اهتمامي به إنما كنت أجلس معه مساء كل يوم أستمع لما يحدث في يومه ، حقا لم يعد يحتاجني كما كان طفلا لكني أنا الأن التي أحتاج حبه واهتمامه خاصة بعد سفر نجلاء لطفي نادين 




وسما للدراسة في الخارج فلم يبق سوى شهاب ونوارة قلبي تلك الرقيقة التي تعشق شهاب وهما صديقان.

عندما انتهى شهاب من المرحلة الإعدادية استشرت سامر عن نوعية التعليم المناسب له فاقترح الثانوية الأمريكية ، وعندما أخبرت أكرم وافق على إلتحاقه بها رغم التكلفة وقال:

-أهو يبقى معاه شهادة يمكن تنفعه ولو إني مش فاهم اللي زيه هيعمل بيها إيه؟

-شهاب مستوى ذكاؤه كويس بالنسبة لغيره هو بس عنده مشكلة بسيطه في النظر وبيلبس نظارة مش أكتر، يعني هو عادي زيه زي أي ولد في سنه

-إنتي بتهوني مصيبتي ولا بتضحكي عليه؟ أنا عارف إنه زي قلته والفلوس لو سبتهاله هتضيع عشان كده بافكر اتجوز تاني يمكن ييجي الولد

-ولو جت بنت هترميها ولا هتضيفها للي عندي؟ هو انت فاهم إن الطبيعي 




إنك تخلف وأنا أربي عيالك؟ مش كفاية الإتنين اللي نصبوا عليك وأخدوا فلوسك؟ إنت لا بتتعلم ولا بتحمد ربنا على اللي عندك

-إنتي بس اللي غيرانه إنك كبرتي ومش هتقدري تخلفي تاني وخايفة إني أجيب الولد اللي ياخد فلوس بناتك

-اعمل اللي انت عاوزه بس ابعد عن بناتي

-ماتنسيش إنهم بناتي أنا كمان

-لا متخافش مش ناسية ولا هم ناسيين

                  الحلقة الحادية عشر من هنا

لقراءة باقي الحلقات من هنا


تعليقات



<>