نور في حياتي
الحلقة التاسعة
بقلم نجلاء لطفي
جافاني النوم وألف هاجس سيء يخطر على بالي حتى أفقت منهم على صوت رسالة ففتحت الواتس آب فوجدتها من بسمه تقول فيها:
-سامحيني ما قدرتش أواجهك وأقولك إن عمي جابلي عريس كويس ، شاب قريب مني في السن وأرمل من غير أولاد وعايش في قطر وعايزني من غير شهاب، وافقت فعلا وتم الجوازو مسافره معاه حالا، وماكانش قدامي
حل غير إني أسيبه معاكي أو أوديه دار أيتام، عارفة إنك بتشتميني في سرك، بس أنا فعلا محتاجة راجل في حياتي يحميني
ويكون سندي في الدنيا، كمان أنا صغيرة ومسئولية شهاب تقيلة عليه، وأنا محتاجة أعيش حياتي اللي ماعيشتهاش، بس لو ماقدرتيش تشيلي مسئولية شهاب اتصلي بأبوه أو
وديه أي دار رعايه بس ابعتي لي عنوانها وتليفونها ومهما عملت مش هاقدر أرد جميلك
نظرت إلى الرسالة كثيرا وأنا متعجبة من تصاريف القدرالذي يصر على تحميلي المزيد من مسئوليات الأخرين لكن تلك المرة هل علي أن أتحملها؟ وهل أنا على قدر تلك المسئولية؟
لا أعرف. والأعجب كيف لأم أن تتخلى عن طفلها المسكين من أجل أن تحيا هي؟ لن أحكم عليها لأني لست مكانها، لكن هل يحق لها أن تستغل كرمي معها بذلك الشكل؟ لم يُلقي
الجميع مسئولياته على كاهلي؟ ألا يظنون أني بشر مثلهم وقد أضعف وأنهار تحت ذلك الحمل الثقيل؟ كم شعرت بالأسى على شهاب الذي لفظه أبوه لأنه غير طبيعي ولم يحقق أماله، وتخلت عنه أمه من أجل سعادتها، ورفضه زوجها دون أن يراه، بينما زرع الله حبه في قلبي وقلب بناتي لحكمة لا يعلمها إلا هو، هل أتخلى عنه أنا أيضا؟ أم أتحمل مسئوليته بعدما تخلى عنه الجميع؟ حائرة وخائفة ولا أعرف كيف أتخذ قرار. قررت أن أستخير
الله وغدا أعرف رأي أبي وكريمة في ذلك، لعلهما ينيرا بصيرتي ويرشداني للقرار الصحيح.
في الصباح اصطحبت شهاب لحضانته وقلت للمديرة أن والدته سافرت وتركته تحت رعايتي ففوجئت بأن بسمة أخبرتها بذلك.
ذهبت للمصنع وجلست مع كريمة في مكتبها وحكيت لها ما حدث فسألتني:
-وهتعملي إيه؟
-مش عارفه إيه رأيك؟
-هو مسئولية كبيرة ومحتاج رعاية خاصة لكن في نفس الوقت مسكين والكل بيرمي حمله على التاني، لكن إنتي مش مسئولة عنه خاصة في وجود أبوه وأمه
-أنا باقولك فكري معايا مش حيريني، لو إنتي مكاني هتعملي إيه؟
سكتت للحظات ثم قالت:
-هاربيه أنا بالذات ما أقدرش أتخلى عن طفل محتاجني
-تمام هاسيبك بقى وأروح أشوف شغلي وربنا يعمل اللي فيه الخير
ذهبت لعملي وفي ميعاد الحضانة طلبت منهم أن يأخذه السائق الخاص بي إلى بيتي وأعطيتهم مواصفاته ، ثم اتصلت برضا وطلبت منها العناية به حتى عودتي.عدت في
ميعادي ووجدت الصخب يعم البيت بسبب سعادة البنات وشهاب بوجودهم معا في غير يوم الجمعة فتناولت الغداء مع أبي
وجلسنا لنشرب الشاي في الحديقة وطلبت رأيه فسكت ثم قال:
-هتقدري تربي ولد مش ابنك وتتقي الله فيه؟
-أقدر لأنه غلبان ومالوش حد ومش ذنبه إن أكرم أبوه
-هتقدري تراعيه وخاصة مع ظروفه ومرضه؟
-أهو ده اللي مخوفني خايفة أقصر معاه وربنا يحاسبني، أو يوم أتعب
من الحمل التقيل وأتخلى عنه زي الباقيين وساعتها صدمته هتكون كبيرة لأنه هيكون كبر وفهم.
-يبقى استخيري ربنا قبل أي حاجة
في الليل عندما صعدت لغرفتي جاءت لي ندى وقالت:
-يا ماما أنا من غير قصد سمعت كلامك مع جدو عن شهاب، صحيح مامته سابته وإنتي كمان هتسيبيه؟
-إنتي رأيك إيه؟
-خليه معانا يا ماما وأنا هاخلي بالي منه، ده صغير وعيان يعني لو سبناه مين ياخد باله منه؟ وهو ينفع حد يسيب إخواته؟ فاكرة لما اتخانقت مع نادين وطردتها من أوضتي
قولتي لي محدش ينفع يزعل إخواته ولا يبعد عنهم دول نعمة من ربنا وأكتر حد بيحبنا؟ طب إزاي أسيب شهاب أخويا؟ خليه
يا ماما عشان خاطري هيبقى ماعندوش ماما ولا بابا ولا حتى إخوات؟ كده حرام
قالتها وبكت وتركت الغرفة فأدركت أنها رسالة من الله إلي وقبل أن أتخذ قراري اتصلت بأكرم وأخبرته بما حدث فقال لي بجفاء:
-لو مش عايزاه ارميه في أي دار أيتام وما تكلمنيش عنه تاني
عندها اتخذت قراري بأن شهاب سيبقى معنا ودعوت الله أن يعينني على ذلك الحمل الثقيل، وفي الصباح جمعت نجلاء لطفي
الكل وأخبرتهم بقراري وطلبت من أم حسين أن تُعد له غرفة نوارة وأن تنقل متعلقاتها لغرفة نادين التي تذمرت لكن نظرة مني كانت كفيلة بإسكاتها، ثم وضعت قواعد على
الكل الإلتزام بها فكل منهن تعلم مواعيد تمارينها ولا تغيب عنها بأي حجة والموجودة منهن في البيت عليها أن تهتم بشهاب. ذهبت لطبيب شهاب وحكيت له الموقف وطلبت منه مساعدتي وإرشادي لأجعل شهاب يتجاوز تلك
الأزمة، كما طلبت منه أن يدلني على فتاة مُدربة جيدا للتعامل معه فقال لي:
-كفاية الحضانه وهو بيفضل فيها للساعة 4 الوقت الباقي مش هيحتاج رعاية جامده خاصة إن نسبة ذكاؤه كويسة وبيتعلم
يدخل الحمام لوحده وهيبتدي ياكل لوحده ، هتفضل بس مشكلة ان حد يلبسه هدومه، جربي أول أسبوعين وأنا هاتابع
معاكي ولو احتاجتي أي حاجه في أي وقت كلميني ده رقمي الشخصي ورقم العيادة
-شكرا يا دكتور
-اسمحي لي أقولك يا مدام نور إن مسئوليتك مش سهلة بس بجد إنتي بطلة
ضحكت وقلت :
-ولا بطلة ولا حاجه بس ربنا يقويني
-متخافيش هاكون معاكي خطوة بخطوة
لا أعرف لم لمست كلماته أوتار قلبي، ربما لأني كنت في حالة ضعف وأحتاج من يقوي عزيمتي ويدعمني ويساندني في خطوتي المقبلة، وربما لأني كنت أتلهف لسماع كلمة حلوة تروي ظمأي في صحراء حياتي القاحلة المشاعر، لا أعلم لكن كل ما أعلمه أن كلماته أسعدتني ومساندته قوت عزيمتي.
في البداية كنت أموت رعبا كل ليلة أن يُصيب شهاب مكروها وأتحمل وزره، لكن مع الوقت تأقلمت مع حياتي ومسئولياتي وتأقلمت الفتيات معي على حياتهن وتحملن معي
مسئولية شهاب رغم صغر سنهن، فكل منهن كانت له أما أو أخت كبرى ترعاه في غيابي، حتى أبي –الذي صفى كل أعماله بسبب كبر سنه –تفرغ لرعاية الجميع وشمل شهاب بحبه ورعايته، أما شهاب فمع مرور الوقت تأقلم على وجوده معنا حتى أنه صار يناديني (ماما) كما تفعل نجلاء لطفي إخوته فكانت تلك اللحظة من أسعد لحظات حياتي، عندها فقط علمت أن الله أراد مكافأتي بشهاب.
بعد إتخاذي لقرار بقاء شهاب معنا ارسلت لبسمة رسالة على الواتس آب وقلت لها:
-قررت أنا والبنات إننا أولى بشهاب من أي حد وهيعيش وسطنا، وياريت ماتحرميهوش من إنه يكلمك ويشوفك بالفيديو في أي وقت يناسب ظروفك، عشانه وعشانك، ماتحرميش نفسك من حب ابنك ومتعة انه يكبر قدام عينيكي
وبالفعل عاودت بسمة الإتصال بنا وشاهدت شهاب بالفيديو وأخبرته أنها سافرت لتعمل وتحضر له مزيدا من اللعب وطلبت منه أن يكون مطيعا لي، سعد شهاب كثيرا بذلك
وهدأ نومه وصار ينتظر مكالمتها بفارغ الصبر ليحكي لها عما فعله. كانت تلك نصيحة دكتور سامر الذي لاحظ حزن شهاب وفقدانه لشهيته فنصحني بالتواصل مع أمه لعل ذلك السبب ، فكان لتلك المكالمات تأثير السحر عليه.
مرت بنا الأيام بحلوها ومُرها بين مشاغل عملي ومسئوليتي عن الأطفال، بل وعن أبي الذي أنهكته الشيخوخة، حتى كريمة كنت أحمل همها لأنها كانت دائما حزينة بسبب عدم إنجابها فقد كانت تحلم بطفل يملأ عليها حياتها، فكانت تغمر سما بكل حبها ورعايتها وتمارس معها أمومتها حتى سافرت للعمرة مع عبدالرحمن وتركت سما معي وبعد عودتهما بنحو شهرين فوجئت بحملها
فكادت أن تطير فرحا لكن الأطباء حذروها من الحركة نهائيا حتى يكتمل الحمل، فأحضرت لها رضا إحدى قريباتها لخدمتها، وصار عبد الرحمن مديرا للمصنع في غيابها حتى لايتعطل العمل. خلال فترة حملها بدأ إهتمامها بسما يقل وصار كل إهتمامها منصبا على الطفل القادم ، وزادت فرحتها عندما علمت أنهما توأم. كدت أن أفقد كريمة في ولادة متعثرة للغاية لكن بفضل الله ورحمته نجاها هي وطفليها فأنجبت لنا يارا ويوسف، فسعدنا جميعا وخاصة سما لأنها سيكون لها إخوة ، لكن فرحتها لم تدم لأن كريمة بدأت تفرق في المعاملة بيت سما نجلاء لطفي والتوأمين وكلما نبهتها أنا أو عبدالرحمن تحججت بأن حمل التوأمين يرهقها فلا وقت لديها لتدلل سما كما كانت تفعل. لكن كريمة التي كانت تعاني من تفرقة أمي
في المعاملة بيني وبينها صارت تفرق في المعاملة بين توأميها وابنة زوجها تلك اليتيمة التي كانت تعتبرها تعويضا لها عن أمها، كم هي غريبة تلك الحياة وكم تتبدل قلوب البشر بين عشية وضحاها.
كبر شهاب وحان الوقت ليلتحق بالمدرسة فاستشرت دكتور سامر حول المدرسة التي يجب أن يلتحق بها فقال:
-دخليه مع اخواته نفس المدرسة هو نسبة ذكاؤه كويسة ولو اندمج مع
تلاميذ عاديين هيتحسن، كمان إخواته هيهتموا بيه ويخلوا بالهم منه
-بس المناهج مش هتكون تقيله عليه؟
-خلينا نجرب ونشوف قدراته وبعد كده نقرر
اتصلت بأكرم –الذي صار يرسل لي مصروفات البنات مرة أخرى ومعها نفقات شهاب- وحكيت له ما حدث فقال:
-اعملي اللي انتي عايزاه أنا مسئوليتي مصاريفهم وبس واحمدي ربنا إني هادفع له مصاريف وهو متخلف
-شهاب مختلف مش متخلف
-ماشي يا ست المثالية
دخل شهاب المدرسة مع أخواته فكان سعيدا أنه صار مثلهن يذهب للمدرسة، ووهبه الله القدرة على إختراق القلوب فكانت
كل المعلمات يحببنه ويتعاطفن معه، ويعاقبن كل من يضايقه أو يتعرض له بسخرية أو أذى. فحمدت الله
أن سخر له من يدافع عنه ويحميه من بطش السفهاء وتمنيت أن يُطيل الله عمري حتى يعتمد شهاب على نفسه.