نور في حياتي
الحلقة السادسة
بقلم نجلاء لطفي
. لم يؤثر غيابه علي أو على بناتي كثيرا فقد كان دائما الحاضر الغائب في حياتهن ، رغم صغر سنهن إلا أنه لم يكن فارقا جوده
عن غيابه وكان وجود أبي باستمرار كافيا ليعوض غيابه، وطالبت أبي أن ينتقل للإقامة معنا فرحب لأنه أصبح يخشى الوحدة مع كبره.
لم يمض شهر حتى وصلتني ورقة طلاقي وعرفت بزواج أكرم من إحدى قريباته وهي فتاة فقيرة لم يسبق لها الزواج، ورغم
فارق السن بينهما الذي يقارب العشرين عاما إلا أنها كانت سعيدة بالزواج والحياة المرفهة. لم أهتم أو أحزن بالعكس لقد شعرت أن هناك حجرا ثقيلا كان جاثما على قلبي وأزحته
فصرت أعيش حياتي وأنا أكثر سعادة، لا أنتظر نظرة رضا، أو كلمة إعجاب، ولا أتحمل قسوة أو كلمات موجعة من أحدا.
ساعدني هذا الشعور على الإنطلاق والإبداع في عملي، فعدت بروح جديدة وتابعت العمل بالمصنع لأول مرة والتقيت بالموظفين هناك ولا حظت نجلاء لطفي أن رئيس الحسابات
عيناه لا تفارقان كريمة أثناء اجتماعنا بكبار الموظفين، أنه يبتسم لها وحدها فابتسمت وقلت:
-باين الحب هيدق بابك يا كريمة بعد طول هجر
تعمدت أن أُبقيه معي أنا وكريمة بعد الإجتماع لمناقشة الميزانية فتأكدت
ظنوني . حددت موعدا في بداية كل شهر لمقابلة رؤساء الأقسام بالمصنع واستماع شكواهم وحل مشكلاتهم. وذات مرة قلت لكريمة:
-مش ملاحظة حاجه يا كوكي؟
-خير؟
-الأستاذ عبدالرحمن؟
-رئيس الحسابات؟ ماله؟
-عاشق ولهان
-لمين؟
-لكي طبعا
-إنت باينك سخنه وبتخرفي، أنا كبرت على الكلام ده والراجل أرمل وحزين على مراته
-يعني إنتي مافيش حاجه خالص ناحيته؟
-لاهو ولا غيره أنا كبرت يا نور
-مافيش ست بتكبر على الحب والإهتمام، مافيش ست ما بتحلمش ببيت وأولاد وزوج حنين
-فوقي هيبص لي على إيه؟
-على قلبك الكبير وروحك الحلوة وإخلاصك في شغلك ونجاحك فيه ومركزك الكبير، إنتي مش حاسة بنفسك ليه؟
-فيه حاجات كتير ماتعرفيهاش، أنا مكسورة من جوايه وما أقدرش أسعد حد
-تبقي عبيطة في تفكيرك شوفي نفسك مع البنات، أنا متهيألي بيحبوكي أكتر مني أنا أوقات باغير منك
ضحكت كريمة وقالت:
-مني أنا؟؟ واضح إنك اتجننتي بعد الطلاق قومي شوفي شغلك وماتعطلنيش عن شغلي
- بكرة تقولي نور قالت إن ماجاش يخطبك مني أبقى ما بافهمش
تركتها وبعد أسبوع جاءني إتصال منه يطلب مني التوسط لديها لقبول الزواج منه وأنه يريدها لنفسها وإن كانت لاترغب في أن تعيش ابنته معهما فسيتركها في رعاية أمه فوعدته أن أخبرها برغبته ثم سكت قليلا وقلت:
-تعرف الأحسن إنك تفاتحها إنت في الكلام وتعرض عليها ظروفك وتسمع منها ظروفها
-تفتكري ما يكونش فيها إحراج؟
-أفتكر ده الأفضل
عرض عليها الزواج وارتبكت كعادتها ولم تقل له كلمة واحدة فمنحها فرصة أسبوع لتفكر فجاءتني في يومها للبيت وهي مضطربه فقلت بمكر:
-مالك شكلك عامله بلوه
-انا مرتبكة ومش عارفه أعمل إيه
-احكي وأقولك رأيي
حكت لي ما قاله لها فقلت:
-وانتي قولتي إيه؟
-ولا كلمه أنا ما كنتش قادرة أتنفس
-وفين المديرة اللي راعبه الدنيا؟
-اتبليت في شبر ميه
-أعتقد إنك محتاجة حاجتين أول حاجه تقعدي معاه لوحدكم وتحكي له ظروفك وتسمعي منه أكتر، وبعد كدة تعملي صلاة استخارة
-تفتكري لسه ينفع أتجوز في سني ده؟
-سنك إيه يا شابة؟ ده عمرك كله 35 سنه أمال لو كنتي 60 سنة؟ بس برضه وقتها كنت هاقولك اتجوزي وعيشي حياتك
-بس أنا مش هاقدر أقوله عايزة أقابلك
-مالكيش دعوة أنا هاتصرف
اتصلت به وطلبت منه الحضور يوم الجمعة في الخامسة مساءا لبيتي حتى تتاح له فرصة التعرف أكثر على كريمة بعيدا عن رسميات العمل، وافق وحضر في الميعاد نجلاء لطفي وفوجئت بحضور أبي للجلسة وظل يُثني على كريمة- كما لم يفعل من قبل- وقال له أنها بمثابة ابنته ، تركناهما ليجلسا معا بمفردهما فقال أبي خجلا عندما صرنا بمفردنا:
-عارف إني كنت ظالمها لكن أنا فرحان عشانها هي بنت جدعه واحده غيرها كانت تكرهنا وتفكر تنتقم مننا لكنها طلعت أصيلة وأنا قررت أعوضها عن اللي فات
-مش ملاحظ إنك مكبر الأمور أوي يابابا؟
-إنتي مش فاهمه حاجه
انتهت الزيارة وبعد عدة أيام أخبرتنا كريمة بموافقتها فاتصل به أبي وطلب منه الحضور من أجل الإتفاق وعندما حضر جلس مع والدي يستمع لطلباته فقال:
-أنا اللي هاطلبه مؤخر كبير يضمن حقها لو أنا مت أما باقي الطلبات هي اللي تطلبها
فنظرنا إليها جميعا فقالت بخجل:
-أنا عايزة بنتك تعيش معانا ما أقدرش أوعدك إني هاكون لها زي أمها بس هاحاول أعوضها
ثم نظرت لأبي الذي انصرف بحجة موعد دواؤه فأدركت أن بينهما سر لابد أن أعرفه. انصرف عبد الرحمن بعد أن حددنا موعد الخطبة في بيتي بعد أسبوع. صعدت لأبي وقلت له:
-فيه إيه إنت وكريمة مخبينه عليه؟
-إنزلي وخلي كريمة ما تمشيش وأنا جاي
نزلت وجاء والدي وجلسنا ثلاثتنا صامتين حتى قال أبي بصعوبة:
-سامحيني يا كريمة
فقلت:
-تسامحك على إيه؟
-هاحكي بس لازم تسمعوا الحكاية من الأول، أنا وأمك منيرة كنا جيران وكنا بنحب بعض وبس كنت مستني أخلص كلية
الهندسة وأتعين عشان أطلبها رسمي ، وبعد ما أخدت هي الثانوية وقبل ما تخش الجامعة نزل من السعودية رفعت ابن عمها وطلبها للجواز وطبعا هي حاولت ترفض وأبوها
صمم وضربها وحبسها في البيت، كان لسه فاضلي سنتين في الكلية ورغم كده اتقدمت لوالدها فقالي:
-ده لعب عيال وبكرة تكبروا ومشاعركم تتغير ، وانا كأب مش معقول أرفض ابن عمها عشان الغريب، مستحيل أرفض العريس الجاهز واربطها بواحد لسه ما اتخرجش ولسه هيكون نفسه
-مش كل حاجه الفلوس المهم الحب
-ده كلام الأغاني والروايات لكن الواقع بيقول إن الفلوس مهمه جدا لو جعتم هتاكلوا حب؟ لو عندك طفل وعيان هتعالجه بالحب؟ الواقع مختلف عن الأفلام
-يعني هتغصبها تتجوز واحد ما بتحبوش ؟
-بكرة العشره تخليهم يحبوا بعض
اتجوزته فعلا وسافرت معاه وغرقت أنا في الحزن وألام الفراق ، لكن صممت أنجح عشان أخلي أبوها يندم وفعلا نجحت
واتخرجت اتعينت في شركة كبيرة واشتريت شقه بالقسط وعربية صغيرة ، في كل أجازة كنت باشوف منيرة مع جوزها وبنتها ، لكنها كانت دبلت وبقت جسم من غير روح،
عرفت انها بتتعذب زيي، حاولت أرتبط بغيرها وفشلت فقلبي كان ملكها وحدها، لحد مانزلت أخر أجازة وعرفت إن جوزها نجلاء لطفي اتوفى في حادثة استنيت العده لحد ما خلصت واتقدمت لها تاني ساعتها أهلها كانوا
طايرين من الفرحة بيه لأني مش متجوز قبلها وهاعيشها في عز لكني اشترطت إن بنتها ما تكونش عايشه معانا ، حاولت منيرة تترجاني لكن رفضت لأن البنت كانت نسخه من أبوها وكل ما أبصلها أفتكر اللي سرق قلبي وروحي مني، صممت على رفضي فضغط عليها أهلها كالعادة ووافقت وسابتها مع أمها بس عمري ما منعتها عنها
ولما أمها ماتت اترجتني ناخد البنت لكن شيطاني كان أقوى مني ورفضت فكانت أختها مطلقة ومعاها بنت ورافضة الجواز تاني فأخدت البنت تربيها مع بنتها مقابل مبلغ شهري تدفعه منيرة لأن أختها ما كانش لها مصدر دخل
شهقت وقلت بصدمة:
-اوعى تقولي ان البنت دي تبقى كريمه؟ يعني كريمة أختي؟
أومأ أبي برأسه فقلت بحدة:
-حرام عليك كل السنين دي تحرمها من أمها وتتربى زي الغريبة في بيت تاني وأمها عايشه بسبب أنا نيتك؟ ليه كده يا بابا ؟؟ وأنا كنت باقول مافيش أحن منك؟ بس كنت دايما مستغربة كرهك لها
فالت كريمة من خلال دموعها :
-كفاية يا نور أنا سامحته من زمان بس كان نفسي أفهم بيكرهني ليه وأنا ماعملتش حاجه، ودلوقتي لما فهمت عذرته
-يعني مسامحاني يا بنتي؟ كتير كان ضميري بيأنبني وكنت أدي منيرة فلوس كتير وأقولها اشتري لكريمة لعب ولبس وكل اللي نفسها فيه، لكن ماقدرتش أتغلب على كبريائي
فقالت كريمة:
-كنت وأنا صغيرة باكره أمي وباكرهك وباكره خالتي اللي بتميز بنتها عني وباكره حتى نفسي،الوحيدة اللي ماقدرتش اكرهها هي انتي يانور كنت دايما بحب برائتك وابتسامتك الجميلة ، وكنت باترجم الكره ده لعنف ضد كل زمايلي لحد ماقعدت مع أخصائية اجتماعية وسمعت حكايتي فقالت لي:
-ظروفك مش هتقدري تغيريها يا تقبليها زي ما هي وتتعودي عليها يا تخلي نار الكره تحرقك وتدمرك، حبي نفسك وسامحي ماتعرفيش ظروف أمك إيه، سامحي عشان تقدري
تعيشي وحولي طاقة الغضب دي لطاقة نجاح واثبتي للكل إنهم غلطوا في حقك، قربي من ربنا هتحسي براحه كبيرة
فعلا استجبت لكلامها وبدأت أتغير واتقبل حياتي نجلاء لطفي وانجح وأقرب من ربنا ، حياتي اختلفت لحد ما أمي ماتت لقيتني بابكي بقهرة وأقولها مسامحاكي يا أمي وياريت تسامحيني على الكلام اللي كنت باوجعك بيه، وسامحتك يا عمي وخاصة لما بقيت تسمح لنور تزورني وتودني ، فعلا مدرستي كان عندها حق الكُره نار بتحرق صاحبها والتسامح بيحيي النفوس.
فأخرج والدي من جيبه ورقه وأعطاها لكريمة وقال:
-وأنا باجمع كل حاجتي عشان أجي أعيش هنا لقيت في أوراق منيرة الورقه دي ، دي فلوس حطتها وديعة بإسمك ولأنها ماتت فجأة ما لحقتش تقول لحد عليها
فقالت كريمة:
-بس دي من فلوسك ياعمي وأنا ما استحقهاش
-منيرة لما مات أبوكي ورثت منه مبلغ بس أنا عمري ما سألتها عملت بيه إيه فأكيد هي حطته في وديعة بإسمك عشان تضمن مستقبلك، صدقيني أنا ما كنتش أعرف عنها حاجه غير قريب جدا
-مصدقاك يا عمي
-ممكن أطلب منك حاجه كمان؟
-اتفضل
-تسمحي لي أكون وكيلك يوم جوازك
ظهرت الدهشة على وجه كريمة ثم قالت:
-أنا عمري ما حلمت حتى بكده، كنت دايما خايفه وأقول لو اتجوزت مين هيكون وكيلي خاصة بعد انشغال العيلة كلها عني، طبعا ده يشرفني يا عمي وهاكون سعيده جدا
ضمها أبي لصدره وقال:
-هاحاول الأيام الجاية أكفر عن ذنبي يا بنتي يمكن ربنا يسامحني
تعجبت من حال الدنيا كيف أن مشاعرنا قد تأخذنا في طريق لا نريده ثم
نعود ونندم على المُضي فيه، كيف يرسل الله لنا من
يأخذ بيدنا للطريق القويم ويترك لنا الخيار أنمضي
في طريق الخير أم الشر ونتحمل وحدنا نتيجة الإختيار.