نور في حياتي
الحلقة السابعة
بقلم نجلاء لطفي
تعجبت من حال الدنيا كيف أن مشاعرنا قد تأخذنا في طريق لا نريده ثم
نعود ونندم على المُضي فيه، كيف يرسل الله لنا من يأخذ بيدنا للطريق القويم ويترك لنا الخيار أنمضي في طريق الخير أم الشر
ونتحمل وحدنا نتيجة الإختيار. بقيت ساهرة حتى قرعت رضا المُربية بابي ودخلت فقلت لها بلهفة:
-البنات كويسين؟
-أه ماتخافيش أنا كنت عاوزه أتكلم معاكي ممكن؟
-اقعدي فجلست على الكرسي القريب من الفراش وقالت وهي مُرتبكة:
-أنا عندي مشكلة، صاحبة الشقة عاوزه تطلعني منها عشان تجوز ابنها فيها وأنا عشان أأجر حتى أوضة بسعر كويس هتاخد نص مرتبي وهتكون بعيدة عن هنا و المواصلات هتاخد
الباقي منه وكمان هاضطر أمشي بدري عشان ألحق أوصل قبل الوقت ما يتأخر، أنا لفيت ودورت لما تعبت فجيت قلت أسألك لو تعرفي حد ممكن يأجر لي أوضة بسعر كويس وتكون قريبة؟
نظرت إليها للحظات وقلت:
-لو انتي مش معايا من سنين وعارفاكي كنت قلت بتلفي عليه عشان أزودلك مرتبك
-طب والله اللي باقوله حقيقي حتى تعالي وإسألي صاحبة البيت
-مصدقاكي يا رضا بس سيبيني كام يوم بعد خطوبة كريمة وهاحل لك مشكلتك
-ربنا يكرمك يا مدام نور ويعوضك خير
(يعوضك خير) كلمة كان لها وقع مختلف على أذني وتساءلت هل بإمكاني الزواج مرة أخرى؟ وبناتي لمن أتركهن؟ هل أكررخطأ أمي؟ ربما هي ضحت من أجل من تحب ولكن ليس هناك من يستحق التضحيه بهن من أجله. تقدم لي الكثيرون لكنهم كانوا طامعين في المال والجمال فقط أما نور الإنسانة فلا أحد يبالي بها. حتى الوقح ماجد عرض علي الزواج في السر فرفضت رفضا قاطعا وقلت له:
-مش أنا اللي أتدارى لما أعمل الحلال، اللي بيتدارى ده حد عامل حاجه غلط
لقد لفظت الرجال من حياتي وسأكرس حياتي لبناتي، كنت أظن أن المال هو سر السعادة لكني أدركت أني كنت مخطئة فهناك أسباب كثيرة للسعادة أهمها وجود ثلاث شموس يُنرن حياتي، وجود عائلة كعائلتي تدعمني وتقف بجواري في كل المواقف.
تمت خطبة كريمة في حفل عائلي وكان نجلاء لطفي فستانها من تصميمي فبدت كأميرة حقا ، كنا نحن أسرة كريمة أما عبدالرحمن فأحضر سما ابنته التي تماثل نادين في العمر وأخوه وزوجته وأخته وزوجها وأولادهم. وبعد الحفل انصرف الجميع وبقي عبد الرحمن الذي جلس مع كريمة في حديقة الفيلا بمفردهما. كم كنت سعيدة من أجلها فهي تستحق كل الحب والسعادة، أفقت من أفكاري على صوت رضا وهي تقول:
-البنات ناموا ممكن أمشي أنا؟
-تعالي عاوزاكي
اخذتها إلى حجرة مجاورة للمطبخ كنت أستخدمها لتخزين مالا أحتاجه من الأثاث والأوراق المهملة فقلت لها:
-إيه رأيك؟
-في إيه؟
-في الأوضة
-عايزة تتنضف
-فعلا هانضفها وأبيضها وتبقى أوضتك من غير إيجار ولا مواصلات وتعيشي معانا هنا منها تراعي البنات أي وقت لو أنا سافرت ومنها تطمني إن محدش هيطردك من سكنك وكمان فلوسك كلها هتحوشيها لنفسك
-أنا..
-فكري ولو الفكرة عجبتك قوليلي أوضبها
-ربنا يسعدك يا مدام نور من غير تفكير موافقة وأنا عندي سريري ودولابي هانقلهم فيها
-بكرة إن شاء الله هنوضبها لك
سعدت لسعادتها فهي ستسفيد وأنا أيضا أضمن تواجدها المستمر بجوار البنات وخاصة أن كريمة ستنشغل بعد زواجها الذي تحدد بعد ثلاثة أشهر.
انتقلت رضا للعيش معنا فأصبح البيت يضمني أنا وأبي وبناتي ورضا ، كنت سعيدة بوجود من أحبهم حولي فقد كنت أعاني دائما في طفولتي من الوحدة حيث قاطعنا أهل أبي بسبب زواجه رغما عنهم من أمي،ولم يكن لنا سوى خالتي وابنتها وكريمة وكنا نراهم يوم الجمعة فقط أما باقي الأسبوع فكان البيت باردا جافا.
مضت الأيام في الإستعداد لزواج كريمة وشراء مستلزمات الفرح ، وكذلك الإستعداد لعروض أزياء عالمية لو نجحنا فيها لحققنا شهرة واسعة. كنت كمن تدور في طاحونة لكني رغم ذلك كنت راضية وكانت أسعد لحظات حياتي حينما أختلي ببناتي ونلعب معا ويحكين لي عن مغامراتهن اليومية.
تم زواج كريمة وكانت في قمة سعادتها فلم أرها يوما متألقة والفرح يملأ عيونها كاليوم، وطلبت من عبدالرحمن أن تبقى معنا سما عدة أيام وكانت قد اعتادت علي وعلى البنات فوافق وحاصة وأنه سيصطحب كريمة لتركيا في رحلة شهر العسل. كانت سما فتاة رقيقة وسرعان ما تأقلمت مع البنات وأبي الذي أحبها كثيرا ، وعندما عادت كريمة سألتها هامسة:
-إيه الأخبار؟
-ربنا عوضني عن كل ألم السنين بحنية عبده وقلبه الطيب
-ياختي مش بسأل عن حنية عبده بسأل عن شطارته
فاحمر وجهها وقالت:
-إنتي قليلة الأدب
فضحكت وقبلتها وقلت:
-مبسوطه عشانك جدا وهاخلي سما معانا يومين كمان عشان تتمتعي بحنية عبده
فضحكت وقالت:
-لأ كفاية كده ليفتكرني مش عايزاها
-ربنا يسعدك
انغمسنا في في العمل وكنا ننتقل من نجاح لأخر وبدأت سمعتنا تنال شهرة واسعة وحمدت الله على ذلك فقد منحني أكثر مما أستحق. كنت نسيت أكرم وكأنه لم يكن في حياتي من قبل، نسيت كل ما يتعلق به من قسوة وجفاء ولم أكن أتذكره إلا في أول كل شهر عندما يرسل لمكتبي شيكا بمصروفات البنات. علمت بعد نحو عامين
من زواجه أن الله رزقه بولد لكنه كان من ذوي الإحتياجات الخاصة وأنه منذ أن وُلد وأكرم يذهب به لكل الأطباء في الداخل والخارج أملا في شفاؤه. تعجبت من إرادة الله فقد رزقه الطفل الذي كان يتمناه لكن ليس سليما كما تمنى فمن منا يملك لنفسه شيئا؟! كلنا خاضعون لمشيئة الله عزوجل.
بعد عام من إنجابه للطفل وبعدنجلاء لطفي أن فقد الأمل في شفائه طلق زوجته وتركها هي وولدها وصفى كل أعماله في مصر ، حتى مشروعه مع والدي باعاه معا لماجد –الذي عرض علي أن يكون شريكا لي ولوالدي وإن كنت أرفض شراكته فلتكن زوجته شريكتي فرفضت رفضا قاطعا وتم فض الشركة- وقرر أكرم إستثمار
أمواله في مشروع في دبي، وسافر وترك الجميع خلفه دون كلمة وداع لبناته حتى،فلم أتعجب فمنذ طلاقنا لم يفكر حتى في رؤيتهن إنما اكتفى بإرسال المال، وقبل سفره أرسل لي رساله يقول فيها:
(عارف إنك شمتانه فيه لكن سبتلكم البلد كلها ومشيت ومش هاقدر أبعت مصارف البنات غير لما ابتدي أشتغل وأحقق أرباح، وبكره هاكون أحسن من الأول هاجيب الولد اللي يسكتكم كلكم)
لم أجبه لأن كلماته لا تستحق حتى عناء الرد عليها، فلا أنا شامتة ولا حاقدة عليه لكني تعجبت من هروبه من كل مسئولياته تاركا أبناؤه بلا رحمة ولا حماية، وخاصة ذلك الطفل الصغير الذي يحتاج لرعاية خاصة ، أدركت حينها كم هو متحجر المشاعر وكأنه خُلق بلا قلب. بعد أسبوعين من سفره جاءت لمكتبي بالشركة شابة تطلب مقابلتي فلما سمحت لها وجدتها شابة في بداية العشرينيات خمرية اللون ،متوسطة الطول ،ممتلئة إلى حد ما، سواد عينيها يحمل لمحة انكسار وحزن ، ترتدي عباءة سوداء وغطاء رأس، رحبت بها فقالت:
-طبعا إنتي مستغربة أنا مين وجاية ليه، أنا بسمة طليقة أكرم بيه اللي اتجوزني عشان يجيب الولد وأخدني من البلد وعيشني في مصر في عيشه عمري ما حلمت بيها وكان طاير بيه لما عرف إني حامل في ولد لكن أول ما خلفت ولقاه عيان فرحته انطفت، لف بيه على الدكاترة ولما لقى مافيش نجلاء لطفي فايدة إنه يخف قام نقلنا في شقة صغيرة في حي شعبي عشان مكسوف
سكان العمارة الشيك يعرفوا إن ابن أكرم بيه عنده مرض داون وبعدها اتفاجئت إنه طلقني ودفعلي مؤخري ونفقة سنة وإيجار سنة للشقة وسابني أنا وابني وهو عارف إني
ماليش حد في الدنيا ، عشان كده جيت لك لما عرفت إنك عايشه وشايله هم البنات لوحدك، جيت أسألك أعمل إيه وأعيش إزاي؟
-إيه اللي خلاكي تفكري فيه؟ ماخفتيش أطردك أو أقابلك وحش؟
-هيجرالي إيه أكتر من اللي أنا فيه؟ قلت أجرب وعشان خاطر شهاب أستحمل أي حاجة
-قولتي لي ابنك اسمه شهاب؟
-أه
-هو مريض بمتلازمة داونز؟
-أه بس الحمدلله حالته كويسة مش وحشة والدكاترة قالوا هيتحسن بالعلاج والمتابعة
-معاكي شهادات إيه؟
-دبلوم تجارة
-تعرفي تشتغلي إيه؟
-أي حاجه، بس أنا كنت في البلد خياطة شاطرة
-كويس كده ممكن أشغلك في المصنع عندي إيه رأيك؟
-موافقة طبعا وهابتدي إمتى ؟
-من أول الأسبوع تكوني رتبتي أمورك وهاكون دبرت لك حضانة قريبة ومتخصصه لشهاب ، ويوم الجمعة هاتي شهاب وتعالي قضي اليوم معانا عشان إخواته يتعرفوا عليه
سكتت للحظات ثم قالت:
-بجد اللي بتقوليه ده ولا هتضحكي عليه ؟ إنتي بتساعديني ليه؟ مش المفروض تكرهيني؟
-أيوه اللي باقوله بجد وده الكارت بتاعي فيه كل أرقامي وده عنوان المصنع وده عنوان البيت، أما باساعدك ليه مش عارفه
بس يمكن لما أساعدك ربنا يكرمني أنا وبناتي ، كمان ابنك وبناتي إخوات ومهما نعمل مش هنغير الواقع ده، أما إني أكرهك
فده أمر مش وارد لأنك ما أخدتيش جوزي مني، كمان مش أكرم الإنسان اللي أزعل عليه، بالعكس إنتي ضحيته على الأقل
أنا عندي أبويا وشغلي وبيتي لكن إنتي ماعندكيش حاجه خالص، فهمتي؟ ممكن بقى تسيبني أشوف شغلي ونكمل الحكايات في البيت يوم الجمعة؟
-متشكرة أوي يا مدام نور
-بس لما تيجي ما تتكلميش عن أكرم بشكل وحش قدام البنات مش عشانه هو ما يستاهلش لكن عشانهم بيزعلوا أوي
-حاضر أستأذن
-اتفضلي
كم هي مسكينة فقد رفعها لسابع سماء ثم رماها للقاع فجأة، يالقسوته وأنانيته، غدر بها لأنها ضعيفة وليس لها من يقف أمامه
، كم هو مجرد من المشاعر كي يتخلى عن طفل مسكين مريض في أمس الحاجة إليه.