رواية نور في حياتي الحلقة الخامسة5بقلم نجلاء لطفي


 نور في حياتي


الحلقة الخامسة

بقلم نجلاء لطفي 


انصرفت مع أكرم لأبدأ حياة جديدة كنت خائفة منها لأنه شخص جاف المشاعر



 عملي لأقصى درجة.لم يُخيب أكرم ظني فيه فقد كان جاف المشاعر لأقصى درجة ، كنت بالنسبة له مجرد وعاء لتفريغ رغباته




 وإنجاب أطفاله وواجهة اجتماعية جيدة أمام الناس، وعندما أصر على حجابي ظننته يغار علي لكني أدركت فيما بعد




 أن من يغار لابد أن يكون محبا بينما هو يغار على كل ممتلكاته –وأنا من بينها- حتى لا يتمتع بها غيره.

بدأت بعد عشرة أيام من زواجنا في تأسيس شركتي لتصميم الأزياء وكانت كريمة هي يدي اليمنى في كل شيء ، يسر لي أكرم الكثير من الإجراءات واخترت شقتين متجاورتين ليكونا مقرا للشركة ، وبدأت في عمل المقابلات لاختيار من يعمل معي. بدأنا العمل وكانت كريمة مديرة مكتبي بمرتب لائق ، وحرصت أن يكون هناك زي موحد لكل الموظفات لأتجنب مهرجان الألوان اليومي التي قد تُسيء للشركة.

بعد شهرين اكتشفت حملي في طفلي الأول فسعد أكرم بذلك وراح يعاملني برقة لم أعهدها من قبل حتى عرف أن الجنين فتاة فعاد لقسوته وجفاء مشاعره وكأن تحديد نوع الجنين بيدي أو يده ، إنه رزق من الله وشعرت بالسعادة لأنها فتاة فكم كنت أشتاق لمن تشاركني حياتي وتخفف عني عبئها تكون صديقتي لا ابنتي فقط






. انشغل عني والدي في شركته لكنه كان يحرص على اصطحابي للطبيب لمتابعة الحمل فقد كان سعيدا لأنه سيصبح جد وزادت سعادته عندما علم أنها فتاة فقال:

-البنات دول وش الخير والنسمة الحلوة في البيت، جوزك ده عبيط بس بكره لما يشوفها يغير رأيه

-كل اللي يجيبه ربنا خير

-ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي

جاءت ندى للدنيا وكانت حقا اسم على ما يسمى فقد كانت جميلة ورقيقة كقطرة الندى لكن ذلك لم يحرك قلب أكرم-الذي يبدو أنه خُلق بلا قلب أو مشاعر- وظلت معاملته لها لا تختلف





 كثيرا عن معاملته لي فهو ملتزم بالإنفاق عليها فقط ولم يلاعبها يوما أو حتى يحملها، إنما اكتفى بتحمل نفقات مُربية لرعايتها ، فكنت أتعجب لجموده أنا أرى لهفة أبي على كل حركة ابتسامة منها.أحضرت لي كريمة إحدى جاراتها التي طُلقت بسبب عقمها فكانت تفيض بأمومتها على ندى، صارت ندى مدللة الجميع فأنا وأبي وكريمة نعشقها ورضا المربية تدللها لكنها حازمة في نفس الوقت و فقد كانت على دراية بتربية الأطفال بسبب كثرة قراءاتها، وكأن الله أراد أن يعوضها بنا عن جفاء أبيها.

ازدهر عملي وخلال عامين صار لي اسم في السوق وسمعة لا بأس بها وشعرت أني بدأت أضع أولى خطواتي على سلم النجاح وعندها طالبني أكرم بإنجاب طفل أخر لعله 






يكون الولد فوافقته وبالفعل بعد 4 أشهر حدث الحمل وفي تلك المرة كان أكرم أكثر تحفظا في إظهار فرحته حتى ذهب معي لمعرفة نوع الجنين ، وعندما علم أنها فتاة تركني عند الطبيب وانصرف مما أحرجني كثيرا فقال لي الطبيب:

-قوليله يحمد ربنا غيره بيتمنى ضفر طفل ، وناس بتتمنى طفل سليم وهو مش عاجبه؟

-هو عايز ولد عشان يورث ماله

-مايمكن يجي الولد بس هو اللي يضيع المال

-ربنا يهديه

زادت عصبيته علي طوال أيام الحمل وكأني أعانده وأنجب البنات بإرادتي، لكنه لا يعلم أني أريد الولد أكثر منه لعله يُغير معاملته الجافة أو يُظهر لي بعض المشاعر التي صرت




 أحتاجها، فأنا أستمع لكلمات الإعجاب من كل من حولي وأرى نظرات الرغبة في عيونهم ماعدا زوجي الذي لم يُسمعني يوما كلمة إعجاب حتى عندما يرغبني يقول لي:

-تعالي عايزك

ويؤدي عمله بشكل آلي وبعد أن يفرغ مني نجلاء لطفي  يتركني وينهض دون كلمة أو لمسة تعبر عن حب أو حتى حنان،





 ولايدرك أني صرت مُتعطشة لكلمة أو لمسة حانية لتكون بمثابة حصن أحتمي به من مشاعر الأخرين التي يريدون أن يغمرونني بها بينما زوجي يضن علي بها. كنت أدعو الله ليل نهار أن يُنجيني من تلك الفتنة وكانت كريمة بجواري 





ودائما ما تحثني على الإقتراب من الله فإن في ذلك راحتي وحتى يحفظ لي بناتي، خاصة وأن نادين –طفلتي الثانية- كانت




 ضعيفة البنية وعُرضة لكثير من الأمراض. بالفعل صرت أقرب لله فالتزمت بالصلاة والصدقات والصيام أحيانا فكان قربي من




 الله هو ملاذي الذي أحتمي به من ضعف نفسي، وما جعلني أرضى بقسمتي وأحمد الله على نعمه علي.

انشغلت بعملي ورعاية الطفلتين و ما هون علي الحياة وجود أبي نبع 




الحنان بجواري، ليعوضني أنا وبناتي جفاء وقسوة أكرم.مرت الأيام بنا وأكرم لم يتغير وألمح في عينيه رغبة في تكرار الحمل فعرضت عليه أن نستشير الطبيب لأني تعبت في





 حملي لنادين وفي ولادتها فوافق وجاء معي فقال له الطبيب أننا لابد أن ننتظر عاما أخر حتى لا تؤثر ضعف صحتي على الطفل القادم فرضى على مضض. كان هذا العام بالنسبة







 لي سر إنطلاقي لعالم الشهرة والنجومية فقد حققت تصميمات الشركة شهرة ونالت إعجاب الجميع بسبب أناقتها وأنها عملية في آن واحد، كما حرصت على أن تكون الخامات ملائمة





 لطبيعة مناخنا الحار. زاد الطلب على منتجاتنا وقرر والدي أن يفتح مصنعا لتصنيع منتجاتنا وأن يكون بإسمي حتى لا يشاركني فيه أحد بعد موته فعرض علينا ماجد أن يكون




 شريكا لنا ونفتح مصنع على أعلى مستوى ونطلق له حملة دعاية ضخمة وأن نتعاقد مع كبرى شركات التسويق من أجل




 منتجاتنا فرفضت رفضا قاطعا فعرض علي أن تشاركني زوجته إن كنت أرفض مشاركته فرفضت أن تكون لي أية صلة بهما،




 لأني أعرف أن طرق ماجد في التعامل ملتوية وقد يخالف القانون وأنا أريد أن أحافظ على سمعتي، كان هذا السبب المُعلن، أما





 السبب الخفي فكان خوفي من ضعف نفسي أمام إعجاب ماجد وملاحقته






 لي، وعندما استشرت أكرم قال بلا مبالاة وبروده المعتاد:

-ده شغلك وإنتي حرة فيه

اكتفيت أنا وأبي بمصنع صغير كبداية، بدأ العمل بالمصنع الذي جعلت




 كريمة مديرته وصاحبة الكلمة الأولى والأخيرة فيه ورغم رفض أبي إلا أني




 صممت وقلت له أني لا أئتمن غيرها على مالنا،فوافق على مضض وأنا أتعجب من بغضه لها رغم طيبتها المفرطة ، كما أن أبي




 لم يكره أحدا في حياته.

بدأ المصنع في إنتاجه وحقق نجاحا لا بأس به وعندها طالبني أكرم بالإنجاب مرة أخرى فوافقته وحدث الحمل وأنا أدعو الله أن يرزقني بالولد لعل معاملته لي تتغير ، 






وحتى يرحمني من ألام الحمل والولادة. كانت فترة الحمل تلك أصعبهم كلهم فكنت دائما أشعر بالغثيان والدوار وألتزم بالبيت ولولا وجود كريمة وأبي بالعمل لضاع كل ما حققته




. حانت لحظة الولادة التي عجل بها الطبيب خوفا علي وعلى الفتاة نجلاء لطفي التي كنت أحملها بسبب إصابتي بتسمم الحمل، ورغم خطورة الحالة وإحتمال تعرضنا للموت لم يكن





 أكرم معنا إنما كالعادة أبي وكريمة تلك القريبة التي صرت قدرها وتتحمل مسئوليتي كأني ابنتها. تمت الولادة وبقيت في




 المستشفى حتى تستقر حالتي وكذلك بقيت ابنتي بالحضانة . جاءت الممرضة بها لأول مرة لأراها وأرضعها فقلت :

-سبحان الله اللي كانت هتموت وتموتني هي أجمل بناتي

فسألتني الممرضة :

-هتسميها إيه؟

-نوارة

-ده اسم غريب أوي معناه إيه

-معناه الزهرة أول ماتفتح

-تعرفي إنه لايق عليها ربنا يبارك لك فيها أمال أبوها فين؟

-ماجاش لأنه عايز ولد

-دي البصة في وش نوارة بالدنيا كلها صدقيني هو الخسران

-ربنا يهديه

خرجنا من المستشفى وعدنا للبيت فلم أجد أكرم وعندما اتصلت به عرفت أنه سافر للخارج في صفقة مهمة وقد يغيب لعشرة أيام، حزنت بسبب قسوته علي وعلى بناته ونحن في أشد الحاجة إليه، لكن حمدت الله أن أطال في عمر والدي ليغمرنا جميعا بحبه ورعايته.




عاد أكرم بعد فترة وكان جافا مع البنتين كعادته حتى أنهما كانتا تتجنبانه وعند عودته للبيت تلتزمان غرفتهما، حاولت رغم كل شيء أن أجعله يرضى بما قسمه الله ، لكنه رفض حتى أن يرى نوارة وقال:

-أنا قلت لك عايز ولد؟

-لو تقدر تخلقه اخلقه

-بتتريقي عليه؟ بدل ما تجيبيلي ولد

-تقدر تقولي أجيبه منين؟

-بعد الأربعين تحملي تاني

-إنت عاوز تموتني؟ الدكتور منعني من الحمل والولادة نهائيا لأن صحتي ما بقتش تستحمل وده خطر على الطفل

-يبقى أنا هاستخدم حقي وأتجوز اللي تجيبلي الولد

-لو عملتها هاستخدم أنا كمان حقي وأطبق الشرط اللي في عقد الجواز واتطلق

سكت قليلا ثم قال:

-أنا هاسيبك تفكري وتختاري حل من اتنين اما تخلفي لحد ما تجيبيلي الولد أو أتجوز غيرك ولو عاوزة تفضلي أو تطلقي براحتك

تركني وغادر وأنا لا أقدر على البكاء لكن الألم بنفسي كان أكبر من كل الكلمات، أي إنسان هذا؟؟ وما كل تلك القسوة والجبروت؟ أيظن أن الله سيمنحه كل شيء الصحة والمال نجلاء لطفي والمركز الإجتماعي والولد؟ ألا يحمد الله 






على نعمة البنات الجميلات؟ ألا يعلم أنهن وسيلته لدخول الجنة؟ أي رجل هذا الذي يفرط في زوجة تتقي الله فيه رغم كل مساوئه ؟ أي رجل هذا الذي يهدم بيته ويضحي ببناته من أجل ولد قد يكون عاقا أو فاسدا؟؟

مرت الأيام وأنا أتوقع أنها مجرد لحظة إنفعال وغضب وستنتهي، لكني فوجئت به بعد أسبوع يعود للبيت بعد طول غياب ويقول:

-قررتي إيه؟

-أنا مش هاعرض حياتي للخطر وفي الأخر تجيلي بنت كمان وغضبك يزيد، احمد ربنا إن عندك بنات من غير أمراض وفي منتهى الجمال إنت في نعمه بلاش تتبطر

-ده أخر كلام عندك؟

-أه

-يبقى أنا هاتجوز

-يبقى تطلقني

-براحتك بس افتكري ان دي رغبتك يعني من حقي تتنازلي لي عن المؤخر ومالكيش نفقة

-ده كل اللي يهمك؟ مش هامك عشرة السنين ولا مستقبل بناتك؟

-إنتي اللي اخترتي الطلاق وبناتي مش هاحرمهم من حاجه مصاريفهم هتوصلهم أول كل شهر وأنا متكفل بكل طلباتهم





- اتفقنا يبقى المأذون اللي هيجوزك غيري يطلقنا وأنا هابريك

-برضه انتي مش خسرانه عندك مشروعك وعربيتك وفيلا بإسمك

-فعلا أنا مش خسرانه أنا عندي بناتي وأبويا وكريمة لكن إنت لوحدك متشعبط في حلم مش عارف هيتحقق ولا لأ

تركني ولم أبكيه ولو للحظة واحدة فهو لايستحق إنما بكيت سذاجتي وظني أن السعادة في المال فقط، إنما السعادة في الرضا بالمقسوم وأنا لم أكن راضية بما لدي والذي تتمناه غيري فتركت كل هذا وسعيت وراء المال الذي امتلكته لكنه لم يسعدني كما كنت أتوقع . لم يؤثر غيابه علي أو على بناتي كثيرا فقد كان دائما الحاضر الغائب في حياتهن ، رغم صغر سنهن إلا أنه لم يكن فارقا جوده عن غيابه وكان وجود أبي باستمرار 




كافيا ليعوض غيابه، وطالبت أبي أن ينتقل للإقامة معنا فرحب لأنه أصبح يخشى الوحدة مع كبره.


                     الحلقة السادسة من هنا

لقراءة باقي الحلقات من هنا


تعليقات



<>