Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية حبيبتي الكاذبة الفصل التاسع والاربعون والخمسون


 رواية حبيبتي الكاذبة 

الفصل التاسع والاربعون

والخمسون


بقلم فاطمة حمدي 


(لحظة فراق ) 


وصل أميـر بصحبة السيدة كوثـر وخالـد إلي المستشفي ، صعدوا ثلاثتهم إلي الطابق المتواجد به غرفة العناية المركزة .. 

أشارت السيدة كوثـر وهي تقول من بين بكاؤها : هو جوه هنا يابني إدخل .. 

أخذ أمير نفسا قويا وزفره سريعا ، ثم دلف وأغلق الباب خلفه .. ما إن دلف سيطرت عليه حالة من الذهول ، وهو يري ماجد ممدد وكأنه في ملكوت آخر ودنيا أخري !! 

إقترب منه بخطوات متمهلة وتفوه بخفوت : ماجد .. ! 

تسرب صوته إلي مسامع ماجد الذي جاهد في إخراج الكلام من فاه : آآ أمـ مير ... 

هز أمير رأسه وقال مجيبا عليه : أيوة يا ماجد أنا أمير .. ألف سلامة.. إيه الي حصلك ؟ 

خرج صوت ماجد مرة أخرى كمن يخرج من تحت صخرة : مـ مش مـ مهم ... ال... المهم إنـ إنك تـ تسامحني .. سـ سامحني يا أمير .. آآ أنـ أنا أذيتك كـ كتير اوي و آ.... 

قاطعه أمير هادئا : خلاص يا ماجد ملوش لازمة الكلام ده دلوقتي ! 

تفوه ماجد بإصرار : آآ أنـ أنا بمـ بموت مـ مفيش وقت ... لـ لازم أحكيلك .. ع... 

صمت فجأة .. فإقترب أمير أكثر قائلًا بهلع : ماجد .. ! 

صوت أنفاسه تتسارع .. مازال يتنفس .. مازال حي ... إستكمل حديثه المُنهك : سـ سامي ، ناوي.. يـ يقتلك .. هـ هيسمك .. أنـ أنا .. إتفقت معاه عليك .. وجبتله ال.. السم بنفسي .. عشان .. كـ كنت هـ هكلم حد مـ من عندك و... أخليه يحطلك .. السم .. في القهوة .. ! و .. أنـ الي .. أجرت .. نـ ناس تقتلك .. والرصاصـة .. جـ جت فـ أروي .. 

إتسعت عيني أمير بصدمة جلية .. عجز عن الكلام .. ألهذا الحد وصلا هما .. ألهذا الحد يكرهُ سامي وماجد .. ! 

آفاق من صدمته علي صوته الخافت : بـ بس ربـنا عـ عاقبني أآ أشد عقاب ... آآ أرجوك سـ سامحني .. و. .. وبلغ عـ عن سـ سامي هـ هو عاوز يقتلك .. وبعدين ... يـ يستفرد .. بـ أروي مراتك  ويقتلها هـ هي كمان... سـ سامحني .. 

إزدرد أمير ريقه بصعوبة خوفا من أن يصيب زوجته مكروه .. ثم حرك رأسه بعدم تصديق وهو ينطق : ليه .. ليه يا ماجد .. ليه أنا عمري ما أذيتك .. يوم ما سجنتك كنت غلطت وتعديت حدودك .. شوف وصلت نفسك لأيه .. هقولك إيه بس ، ربنا يغفرلك يا ماجد ! 

زفر ماجد نفس قوي وصدره يعلو ويهبط سريعا ، أردف بهمس وصوت مختنق : ال .. الله يخليك .. سـ سامحني .. قـ قولي مـ مسامحك .. وخـ خلي أروي تسـ تسامحني .. آآ .. أبوس ايدك 

أومأ أمير برأسه وهو يضع يده فوق يد ماجد : مسامحك .. مسامحك يا ماجد .. ربنا يشفيك .. 

أخذ ماجد يتنهد بإرتياح ، ثم قال بتوسل خافت : هـ حملك .. أمانة ... فـ فرقبتك .. 

أمير مستفسرا : قول ؟ 

قال ماجد : آآ أمي .. مـ ملهاش حـ حد ، أمي .. آآ أمانة .. بـ بوصيك ع عليها .. سـ ساعدها .. لو .. إحتاجت .. حاجة .. وسـ سامحني يا صاحبي .. سـ سامحني .. 

قال أمير بحزن علي حالته : حاضر ، حاضر يا ماجد وإن شاء الله إنت هتخف وهتقوم وهتخلي بالك منها .. ربنا كبير 

ماجد بخفوت : آ أنا بموت .. يا أمير .. روح إنت .. إطمن علي .. مراتك .. وإبقي تعالي .. شوفني. . 

تنهد أمير بعمقٍ ، لقد حزن رغم ما فعله ماجد .. ورغم إعترافه له بخطة قتله .. إلا أنه إنسان له مشاعر .. ولقد حزن علي حالته وبشدة !!! 

تركه أمير بعد ذلك وخرج من الغرفة ، ليتجه نحو السيدة كوثـر التي هبت واقفة قائلة بلهفة : خير يابني قالك إيه ، طب هو إتحسن لما شافك ؟ 

لم يعرف بماذا يجيبها ، فأردف بتنهيدة طويلة : ربنا يشفيه ، ويقومه بالسلامة .. 

أومأت كوثر برأسها والدموع تنهمر بغزارة لم تتوقف أبدا .. 

أخرج أمير من جيب بنطاله كارت به رقم هاتفه الخاص ، مد يده لها وقال بجدية : ده رقم تلفوني ، لو إحتاجتي أي حاجه تقدري تتصلي بيا فورا ، وأنا هاجي أشوفه بكرة إن شاء الله تاني ، لو حصل حاجة كلميني علي طول 

أخذته منه بيد مرتعشه ، ثم قالت : شكرا يا بني .. 

تحرك أمير من أمامهم ورأسه ستنفجر ، هو حزين .. وفي أشد حالات الحزن... لم يتمني يوما أن يري الذي كان صديقه في يوم بهذه الحالة بل ولم ويتمني لـ أحد آخر حتي وإن كان سامي .. وها هو سامي يُدبر لقتله بالإتفاق مع ماجد وها أمير يسامح ويعفو فيكفيه ماجد ما فيه .. 

................


في فيلا كارم .. بالقاهرة .. 


وصلت سهيلة بصحبة والدها وعمها أخيرا .. 

ترجلت من السيارة وسارت خلف والدها وهي تتلفت يمينا ويسارا ! .. إنها فيلا تُشبه القصر في الجمال والفخامة كبيرة .. كبيرة للغاية وعلي التراث الحديث أيضا .. 

دلفت خلفه وعينيها تزوغ في جميع الإتجاهات بإنبهار واضح علي ملامحها .. حيث كانت تحتوي علي أرقي الأثاث والديكورات أيضا.. 

هتف مصطفي متساءلا بإبتسامة : إيه رأيك بقي يا سوسو في الفيلا ؟ 

أجابته بإبتسامة عريضة : جميلة جدا جدا .. 

إبتسم لها وقال بسعادة : لسه هوريكي المزرعة الي تبعها بس تعالي الاول أفرجك علي أوضتك .. 

سارت معه حتي صعدا الدرج وسارا في الرواق الطويل حتي وصل إلي غرفة بمنتصف الغرف الملاصقة لبعضها ... فتح الباب ودلف لتتبعه سهيلة .. نظرت إلي الغرفة فعقدت حاجباها بإستغراب فكانت تحتوي علي دوميات ولعب كثيرة ، حتي الأساس خاصا بالاطفال .. بها أرجوحة ومكتب صغير وفراشان للأطفال أيضا ...

إبتسم بحزن وعينيه تترقرق بالعبرات : دي كانت الأوضة بتاعتك إنتي وأروي وانتوا صغيرين وده سريرك وده سريرها .. ودي ألعابكم .، كنت بجبلكم كل يوم لعب كتير ، كنتوا أغلي ما عندي أنتوا وأمكم الله يرحمها ، كنتوا حلم جميل صحيت منه علي كابوس ، كابوس وحش أوي فضلت أعاني منه طول عمري .. 

أدمعت عيني سهيلة وإقتربت تعانق والدها وهي تقول بمرارة : إحنا كمان عانينا كتير يا بابا ، إحنا كمان كنا بنموت في اليوم ميت مرة ، منها لله الي فرقتنا ربنا ينتقم منها .. 

أبعدها مصطفي عنه قليلا ثم قبلها بحنان أبوي ، وأشار إلي الصورة المُعلقة أعلي الحائط وقال مبتسما : الي في الصورة دي أمك سلوي يا سهيلة .. 

إقتربت سهيلة وهي تتمعن النظر فيها ، فكانت إمرآه شابه جميلة تشبها إلي حد كبير إن لم تكن توأما لها .. 

تفوهت بإسمها : ماما .. 

ربت مصطفي علي ظهرها بحنان : شوفتي شبهك إزاي ، كأنها إنتي سبحان الله ، الله يرحمها .. 

أومأت سهيلة بحزن وهي تتابع : الله يرحمها ويحسن إليها ! 

تنهد مصطفي طويلا ، ثم أردف بإيجاز : طبعا الأوضة دي مش هتنفعك دلوقتي أنا جهزتلك أوضة تانيه أحلي بكتير هتعجبك أوي خليتها جنب أوضة الواد سليم علي طول ! 

أنهي جملته غامزا بمرح ، ثم قال وهو يتجه إلي الخارج : أنا هروح أغير هدومي إنتي روحي أوضتك هتلاقيها جنب الأوضة أم باب بني أصل أم باب بني بتاعة سليم ، الله يسامحه بوظ الديكور خالص .. ! 

خرج من الغرفة لتضحك سهيلة بخفوت وهي تشعر براحة غريبة لم تشعر بها من قبل حنان ودفئ وعائلة وأب حنون .. كل هذه الأشياء أسعدتها جدا .. 

خرجت من الغرفة وسارت بحذر ، وقفت أمام الغرفة ذات الباب البني ، أصابها الفضول لمشاهدتها ، فتحت ودلفت بخطوات حذرة .. 

غرفة ذكورية بها ديكورات علي شكل أسلحة البوليس وصورته تتوسط الحائط بحجم كبير... إبتسمت بخجل وهي تقترب وتتمعن النظر في الصورة ، ما أجمله ذلك السليم الوسيم !! إنه طويل القامة وقوي البنية له عينان سوداء كلون الفحم مثل لون شعره القاتم .. ملامحه رجولية بحتة وسيمة أيضا !! 

لم تنكر أنها تتمناه وبشدة إنه رجلا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ولكنها تخشي.. تخشي أي صدمة ربما تأتي بعد !!... 

.....................


ظلت أروي تسير في حديقة الفيلا بعد أن أوصلها زياد ورحل بصحبة شقيقته ، شعرت بالملل فقررت أن تهاتف شقيقتها سهيلة وهي تتجول في أنحاء الحديقة إلي أن وصلت إلي شجرة كبيرة ضخمة وجلست خلفها .. 

ليأتيها الرد من شقيقتها بعد دقائق : مساء الخير يا رورو .. 

إبتسمت أروي وردت بهدوء : مساء النور يا جميل ، وصلتوا خلاص 

سهيلة مؤكدة : أها لسه واصلين من شوية .. 

أروي بتساؤل : والقاهرة حلوة بقي ولا إيه ؟ 

سهيلة بتنهيدة : أها حلوة ، والفيلا تحفة جدا لما تيجي هتعجبك أوي .. أحلي من الفيلا بتاعة أميرك 

ضحكت أروي بمرح : ماشي يا سهيلة ، ربنا يهنيكي بيها ياختي .. قوليلي بقي مالك ؟ 

سهيلة بجدية : مش عارفه يا أروي ، مش عارفه مالي ولا أنا عاوزة ايه ولا الأيام مخبية ليا إيه ، خايفة أتصدم .. 

أروي في تساؤل : ليه كده ، إيه الي حصل طيب ؟ 

أجابتها سهيلة بضيق : سليم عاوز يتجوزني يا أروي ! تخيلي 

هتفت أروي بفرحة : بجد ؟ طب وإنتي زعلانة كده ليه بقي ؟؟؟ 

زفرت سهيلة أنفاسها وتابعت بحنق : يا أروي تفتكري إنه هيتجوزني عادي كده ، إزاي يعني ده أكيد بيشفق عليا أو إن بابا قاله وهو محبش يزعله ! 

أروي بإعتراض : لا يا سهيلة وهو إيه الي هيجبره علي كده ، محدش بيتجوز حد شفقه كان ممكن يشفق عليكي من غير جواز يعني يعاملك كأخت وخلاص إنما سليم شكله حبك وجدا كمان أنا من رأيي تسيبك من الكلام الفارغ ده وتعيشي ، عيشي حياتك يا سهيلة كفايكي قهر بقي في نفسك حرام عليكي ! 

سهيلة بخفوت : أنا مش قادرة أنسي الماضي يا أروي بجد مش قادرة وخايفة سليم يعايرني بعد كده ! 

زفرت أروي وتابعت بنفاذ صبر : بجد أنتي اوفر يا سهيلة ، حد يجيله فرصه زي دي ويرفض لا لا حرام عليكي هتخليني اجيلك القاهرة اكسرلك دماغك الناشفة دي ! 

ضحكت سهيلة رغما عنها : ضحكتيني وأنا مليش نفس 

أروي بحزم: بجد يا سهيلة فكري أنا شايفة إن سليم راجل كده وجدع كمان مش أنتي قولتيلي أنه نقذك وعاملك كويس في القسم حتي قبل ما يعرف إنك بنت عمه ! 

سهيلة بهدوء : ربنا يقدم الي فيه الخير يا أروي ، قوليلي إنتي بتعملي إيه كده ؟ 

أجابتها أروي بإيجاز : قاعدة تحت الشجرة ، مستنية أمير ، راح يشوف واحد صاحبه في المستشفي ، تخيلي أمه جات وكان شكلها يعيني يقطع القلب ، وعمالة تقول ماجد بيموت .. 

عقدت سهيلة ما بين حاجباها وتابعت بتساؤل : ماجد ؟ .. ماجد ده صاحب أمير الي كان في فرحك !! 

أروي بتأكيد : أيوة هو ده ! 

سهيلة بتنهيدة مؤلمة : أروي فاكرة ساعة ما قولتلك إني بحب واحد وكنت فاكرة إنه بيحبني ؟ 

أروي بإنتباه : أيوه فاكرة إيه الي فكرك بيه دلوقتي 

سهيلة بإبتسامة ساخرة : أهو ماجد ده هو الشخص ده ، ومكنتش أعرف أبدا أنه صاحب أمير أو يعرفك ، أنا إتقابلت معاه صدفه في الفرح ! 

أروي بصدمة : بجد ! الندل بقي كان بيضحك عليكي !! تخيلي إنه خطفني قبل كده .. شوفي ربنا عمل فيه إيه ! 

سهيلة بدهشة : ينهار ابيض خطفك ، لا حول ولا قوه الا بالله .. يلا أهو أخد جزاؤه ربنا معاه بلاش نشمت يا أروي .. 

أروي بنفي : مش شمتانة ربنا معاه .. 

سهيلة بإختصار : طيب أنا هقفل بقي وبكرة نتكلم عشان جعااانة أكل ونوم .. 

ضحكت أروي بمرح : ماشي تصبحي علي خير يا حبيبتي .. 

أغلقت أروي الخط وظلت جالسة في مكانها تستنشق الهواء .. 

بينما كان قد وصل أمير في نفس الحين وترجل من سيارته ، ثم توجه إلي الداخل وبحث بعيناه عنها فلم يراها ولم يظن أنها خلف الشجرة الضخمة تلك .. سار بخطوات سريعة إلي الداخل وقلبه يخفق خوفا عليها ومن أن يكون مسها أي مكروه .. 

لم يجدها في الردهة فأخذ يركض علي الدرج ، وصل إلي غرفة النوم فلم يجدها فإزداد هلعا ، فإنه علم من زياد أنه أوصلها ورحل .. 

سريعا عقله صور له اوهام ، ربما خُطفت مثلا !! 

أسرع إلي غرفة عمته وطرق الباب ربما تكون معها ، إلا أنه لم يأتيه رد ففتح الباب ببطئ ليجد عمته تغط في سبات عميق !! 

زفر بضيق وإزداد قلقا ، ركض هابطا الدرج مرة أخري متجها إلي المطبخ أيضا لم يجدها ، خرج إلي الحديقة وهو علي وشك الإحساس بالضياع ، كل ما يتردد داخل عقله " أن سامي قد خطفها " .. 

أسرع إلي المسبح ربما تجلس علي الحافة وعيناه بدت خائفة أكثر ، توقف يلهث بعنف ، إلي أن سمع صوتها وهي تدندن ، فإنتبه إلي مصدر الصوت وإقترب بخطوات سريعة إلي الشجرة ليجدها تجلس بالخلف ، فتنهد بإرتياح شديد وهو يضع يده علي جبهته وصدره يعلو ويهبط بحركة سريعة .. 

بينما هبت أروي واقفة وهي تلمسه متساءلة بدهشة : أمير .. مالك يا حبيبي في إيه ؟ 

نظر لها بعتاب وراح يجذبها بعنف إلي أحضانه ومعانقا إياها بقوة حتي شعرت أنها تعتصر بين ذراعيه .. إستغربت بشدة .. ولكنها صمتت ! 

سمعته يتفوه بحزم : حرام عليكي يا أروي ، حرام عليكي وقعتي قلبي .. 

أردفت أروي بعدم فهم : أنا عملت إيه والله ما عملت حاجة ! 

إبعدها عنه قليلًا وراح يطبع قبلة عميقة فوق جبينها ، ثم سحبها من يدها ودلف بها مجددا إلي الداخل صاعدا درجات السلم ، بينما هتفت أروي بتعجب لحالته تلك : يا أمير في إيه مالك بس ! 

فتح باب الغرفة وأدخلها ليدلف خلفها ويغلق الباب ، ثم جذبها ليجلس ويجلسها بجواره ويأخذها في أحضانه وهو يملس علي شعرها ، ثم قال بهدوء نوعا ما : مفيش خروج ليكي من الأوضة دي تاني ، هقفل عليكي وأنا خارج وأبقي أفتح لما أرجع .. 

قطبت أروي حاجبيها، ثم رفعت وجهها لتنظر له بضيق وتابعت : هو أنا عملت إيه طيب ، أنا زعلتك في حاجة ؟ 

حرك رأسه نافيًا ثم أردف : لا يا أروي ، بس الشيطان سامي مش هايجبها البر ، وأنا خلاص مضمنش ممكن يعمل ايه .. وأنا بقي مش مستغني عنك أبدا !.. 

رفعت أروي حاجبيها بدهشة قائلة : عمل إيه الزفت ده ؟ ... 

أمير وهو يجذبها مرة أخري إلي أحضانه : هحكيلك ! ... 

...................


"في المستشفي " 


ركضت إحدى الممرضات التي خرجت من غرفة العناية تصيح بإسم الطبيب ، ليتسرب القلق إلي الجميع ، وتهتف كوثـر بهلع : في ايه .. إبني جراله ايييه ؟؟؟ 

ما هي إلا ثوانِ وركض الطبيب تجاه غرفة العناية ودلف بسرعة شديدة فإنتابه القلق وهو يري نبض القلب يتوقف رويدا رويدا .. 

أخذ يفعل له صدمات كهربائيه ليرتعد جسد ماجد معه ويرتعد قلب الأم التي صرخت من خلف الزجاج .. 

أخذ الطبيب يسرع محاولة إنقاذه إلا أن الجهاز أطلق صفيرا عاليا معلنا عن وقوف نبض القلب تماما ... 

أرخي الطبيب يديه وراح يرفع الملاءه علي وجهه بأسف ، لتلطم السيدة كوثـر علي وجهها وهي تصرخ بأعلي صوتها : إبنــــي !!!! 

خرج الطبيب محاولا تهدئتها وهو يقول بحزن: أنا آسف جدا ده أمر ربنا ... ربنا يصبرك .. 

وقفت تهز رأسها بهستيريه وهي تسمع بكاء إبنتها سلمي ، لا .. لا .. لم يمت .. لا لم يرحل .. 

صرخة تتبعها صرخة لتتعالي صرخاتها لتمزق نياط قلبها : لا ماجد ... إبني .. إبني .. 

حزن الجميع بشدة ، حاولوا التهوين عليها إلا أنها لم تصغي لهم وركضت إلي الغرفة ، لتميل بجسدها علي فلذة كبدها تحتضنه بقهر .. يكاد قلبها أن ينشق إلي نصفين وهي تهتف بلا وعيٍ منها : ليه .. ليه يابني ليه حرقت قلبي عليك ليه يابني .. اه .. يارب .. إبني يارب .. قوم .. قوم معايا .. قوم يابني ، قوم يا ماجد .. 

بكاء وصراخ من حوله .. لكنه رحل ويا ليت الصراخ يُرجِعهُ .. أمر الله قد نفذ وصعدت روحه إلي بارئها ... ويبقي الحزن حين نبحث عن ماذا فعل طوال حياته وكيف سيجيب عندما يسأله ربه عن عمرك فيما أفنيت !!! ... فهل أعدد ماجد ما يجيب به علي هذا السؤال .. ؟؟!!! 

...........................


- أمير إنت لازم تبلغ البوليس فورا !! 

أردفت أروي بتلك الكلمات .. 

ليقول أمير بشرود : لازم أمسك دليل ، يا إما أبلغ وأستدعي حد ياخد شهادة ماجد يعني يروحله المستشفي .. 

أروي بخوف : ياريت يا أمير .. وبسرعة الله يخليك ، لازم المجرم ده يتسجن ويغور في داهية بأسرع وقت ، الله يخليك يا أمير بسرعة عشان خاطري ، أنت لا يمكن هتخرج من الأوضة إنت كمان إلا لما الزفت ده يتسجن ! 

إبتسم أمير وهو يتحسس وجنتها برفق : متخافيش يا حبيبي ، ده قدر ولو مكتوبلي أي حاجه هشوفها 

إندفعت أروي تعانقه بخوف شديد وهي تتابع : لا .. لا يا أمير ، أنا بحبك أوي ، مش هخرجك من هنا أبدا والله هتفضل معايا هنا لحد ما سامي يغور في داهية .. 

ضحك أمير بمرح ، لتوكزه أروي وهي تقول بتذمر : أنت بتضحك وسامي بيخطط يقتلك ، ينهاري .. ربنا ياخده يارب .. 

ثم إبتعدت قليلًا لتقبل كل إنش في وجهه ، وهي تنطق ببراءة : والله أموت فيها لو جرالك حاجة ..

قال أمير من بين ضحكاته : خلاص يا أروي أنا لسه عايش أهو معاكي ، متخافيش ربنا موجود يا رورو .. 

ثم تابع بجدية وهو يلتقط هاتفه : إصبري لما أشوف أخر الأخبار ايه عند الزفت ده !! 

أروي بتساؤل : هتشوف اخر الأخبار إزاي ؟ 

أجابها وهو يضع الهاتف علي أذنه : في جهاز تصنت عنده في المكتب .. 

......................


في شركة سامي . 


جلست هدي أمامه وهي تقول بتساؤل حذر : إيه ده ؟ 

إجابها بإبتسامة شيطانية: ده السم الي جبهولي ماجد ، أنا مش عارف الزفت ده راح فين بتصل عليه تلفونه مقفول !!! 

بينما شهقت أروي حينما إستمعته عبر الهاتف ، ليشير لها أمير بأن تصمت .. 

إستكمل سامي والشر يتطاير من عينيه : مش عارف أعمل إيه عاوز أشوف حد يخلصني منه بأسرع وقت .. 

قالت هدي بهدوء : أنا ممكن أخلصك منه ، أنا أعرف واحدة شغالة عنده ممكن نديها قرشين وتعمل الحوار ده .. 

سامي وقد إرتفع أحد حاجبيه : ودي إنتي تضمنيها ؟ 

هدي بتأكيد ؛: طبعا إومال إيه .. 

إبتسم سامي وتابع : حلو أوي !! .. 

ثم وضع الكيس الذي به المادة السامة في درج مكتبه ، لينهض قائلًا بإيجاز : أنا داخل التواليت ، ياريت تعمليلي فنجان قهوة وتجيلي عشان عاوزك في كلمتين ! 

أنهي كلامه بغمزة من عينه وإتجه إلي المرحاض الملحق بمكتبه ، بينما نهضت هدي وأسرعت تفتح الدرج لتخرج منه الكيس ، ثم تفوهت وهي تزدرد ريقها بتوتر: أنا هخلص الناس من شرك يا سامي !! .. 

خرجت من المكتب وأغلقت الباب بحذر .. 

بينما كان أمير يسمع الحوار ويسجله أيضا ، وفيما كانت أروي ترتجف بشدة وهي تلتصق به ، ليقول أمير بإطمئنان : إهدي يا أروي 

أومأت أروي برأسها وهي تزدرد ريقها بخوف شديد ... 

خرج سامي من المرحاض وهو يُطلق صفيرا عاليا ويترنح بجسده يمينا ويسارا فهو في حالة مزاجية من السعادة حيث أنه يستمتع بأذية الغير .. 

دقائق ودلفت هدي تحمل القهوة ووضعتها أمامه بتوتر وإرتباك شديدين ، فإبتسم سامي بمكر وقال بوضاعة : تعالي بقي  ! 

هدي بإعتراض : لما تشرب القهوة يا حبيبي عشان تصحصح كده ! 

بالفعل إنصاع لها وإرتشف من الفنجان ، رشفة وراء رشفة إلي أن أنهي القهوة بإستمتاع .. بينما ظلت هدي تتابعه بعينيها ووجهها يتصبب عرقا ، فهبت واقفة بحركة واحدة ، وهي تهتف بسخرية : هتوحشني يا سامي ، هتوحشني قذارتك وأرفك .. 

إتسعت عيني سامي الذي شعر بإختناق علي الفور وألم حاد في معدته ، ليهتف بصرامة : أنتي عملتي ايه !!!! 

أردفت هدي بإبتسامة باردة : ريحت الناس من شرك !!! 

الفصل الخمسون 


(خطة سليم ) 


هب سامي واقفًا من مقعده وهو يضع يده علي معدته ، بينما عض علي شفته السفلي بألم فلقد إشتغل مفعول السم فورًا !! 

أخذت هدي تضحك بتشفي ، ليقترب منهـا سامي وقد تلونت عينيه بحمرة الغضب ، حاول جذبها إلا إنها إبتعدت مُتجهه إلي الباب وأوصدته جيدا حتي لا يدلف أحد الموظفين وينقذه ، فهي أقسمت أن تنتقم وأبدا لن تعيش يا من دمرت حياتي .. ! 

تأوه بألم شديد وهو يهتف بتوسل : إفتحي الباب ده أنا بموت .. بموت .. 

أنهي كلامه وهبط ساقطا علي الأرض ، فظلت هدي تضحك بهستيريه وراحت تجلس علي المقعد واضعة ساقيها فوق بعضهما ، ليزحف سامي بإرهاق في إتجاهها وهو يصرخ : ااااه ، بطني .. هموت .. آآ .. إطلبي الإسعاف .. ! 

قهقهت هدي ثم هتفت من بين ضحكاتها ؛: 

- موت ، موت يا سامي ، خلينا نرتاح من قرفك ، إيه رأيك بقي مش ده السم الي كنت عاوز تسم بيه أمير !! .. يلا حلال عليك يا قلبي . 

ظل يتلوي علي الأرض والآلام تنهش فيه ، بينما أخذ يسعل بشدة حتي إختنق وجهه وأصبح لونه أزرق داكن !! .. وأنفاسه تتسارع بل تنتزع منه نزعا .. مازال يقاوم حيث أمسك قدمها ، وهو يتوسلها : هـ هتجوزك .. بـ بس إطـ اطلبي الإسعاف .. آآ أبوس إيدك .. مـ مش عاوز آآ أموت ..! 

حركت رأسها بهستيريه وهي تهتف : لأ لا هتموت .. هتموت يا سامي وهتغور في داهية ، أنت شر .. شر ولازم نخلص منه ... 

صرخ عاليًا : اااااه .. يارب .. ااااه .. 

ضحكت هدي ساخرة : دلوقتي إفتكرت ربنا ، ربنا هيحرقك في نار جهنم أنت الي زيك ميستحقش الرحمه .. ! 

بينما تجمع الموظفين علي أثر صراخه وظلوا يطرقون علي الباب ، إلا أن هدي لم تصغي لهم أبدا ، ولم تفتح إلا عندما تخرج روحه من جسده .. 

إنتشرت حبات العرق الباردة فوق جبينه ولقد أصبح وجهه مُخيف بلون الأزرق الداكن المائل لـ السواد .. عينيه حمراوان مخيفتان .. 

أخذ زفيرًا قويًا وزفره بصعوبة بالغة ، إنها النهاية لا محالة ولا مجال للهروب .. إنها الروح تنتزع منه نزعا .. إنها سكرات الموت .. إنها النهاية !.. 

وأخيرًا سكن جسده وصعدت روحه ، أصبح جثه هامدة لا روح ولا حركة .. إنتهي الإنسان الذي دمر حياة الكثيرين في لحظة وسُحبت ورقته من الدنيا !!... 

أخذ صدر هدي يعلو ويهبط بخوف شديد ، تعالت شهقاتها وضحكاتها في نفس الحين ، حالة من الذهول والجنون و مزيجا من الصدمة .. 

إنتهت وأنهت عليه ، قتلته وقتلت ذاتها أيضا ، ليتها لم تراه وليتها لم تتيح نفسها لهذا الشيطان أنها في حالة ندم أيضا ، ويا ليت الندم يُرجٙع الذي رحل !!! ... 

........................


لم تستوعب أروي التي كانت ترتجف بشدة ، الذي إستمعت إليه عبر الهاتف ، قُتل سامي في لمح البصر علي يد سكرتيرته !! .. وما أبشعها موته .. 

لم تتحمل فشعرت أن الدنيا تدور بها ، وشحب وجهها ، فإنتفض أمير ممسكا بها وجاذبا إياها إلي أحضانه وهو يسألها بهلع : إيه يا أروي في ايه بس ؟ 

أخذت تتنفس بصعوبة وهي تتشبث بقميصه ، وتردف ببكاء : أنا خايفة .. خايفة .

ربت علي ظهرها برفق وقال بإيجاز : طيب نامي يا حبيبتي دلوقتي ، أنا لازم أخرج إنتي نامي ومتخافيش .. 

حركت رأسها بنفي وهي تتشبث به أكثر : لا لا الله يخليك متسبنيش .. متسبنيش أنا هموت من الرعب .. 

أمير بتنهيدة : خايفة من إيه يا أروي .. 

أردفت وعينيها تزوغ في أركان الغرفة : من سامي ، هـ هو هيطلعلي دلوقتي من أي حته .. أنا خايفة ! 

إنفجر أمير ضاحكا رغما عنه ، ثم قال من بين ضحكاته : ضحكتيني يا مجنونة ، الراجل مات والسكرتيرة قتلته وإحنا بنضحك ، لا إله إلا الله ، هو ايه الي بيحصل يا جدعان .. 

مسحت أروي علي جبينها وهي تهمس بخوف : ينهار أبيض سامي إتقتل وهدي هتروح في داهية ، مش قادرة أنسي صوته المرعب وهو بيصرخ ، أنا بجد هموت من الرعب .. 

مسد أمير علي شعرها ولا يزال يضحك ، بينما حاول تهدئتها إلا إنها ظلت متشبثة به وهتفت : أبوس إيدك متخرجش وتسبني ، عفريت سامي هيطلعلي .. 

أخذ يضحك عاليًا وهو يشدد من ضمها له ، ثم أردف بتنهيدة بعد ذلك : هو سامي مات بجد ولا أنا سمعت غلط ؟ .. مات بالسم الي كان هيسمني بيه ، سبحان المنتقم ! 

أردفت أروي سريعا : بعد الشر عليك يا حبيبي ، أهو غار أعوذ بالله منه إيه الشر ده !! 

صمتت قليلًا ثم تابعت بتوسل : خليك معايا عشان خاطري بليز يا أمير ! 

أومأ أمير برأسه وقال بنفاذ صبر : حاضر أديني قاعد أهو ، بس أنا جعااان علي فكرة .. 

هبت أروي واقفة ، ثم قالت سريعا وهي تتجه خارج الغرفة : حالا يا حبيبي الأكل يكون جاهز .. 

ضحك أمير ، ثم هتف مازحًا : أوعي تلاقي سامي في المطبخ ! 

تسمرت مكانها ، ثم عادت تركض نحوه ، وهي تهتف بخوف : يا مامااااا ، ثم وكزته بغيظ : مفيش أكل يلا خليك جعان ها بس .. 

قال من بين ضحكاته : خلاص خلاص مش هتكلم ! 

حركت رأسها نافية وقالت بإصرار : مش هقوم خلاص ، أنا مرعوبة ! 

تمتم أمير بحزن : خلاص خليني جعان وذنبي في رقبتك ! 

أشفقت عليه ولكنها خائفة تهبط بمفردها ، فأردفت بحماس : طيب أنا هعملك أكل بس تعالي وصلني للمطبخ بليز .. 

نهض وجذبها من يدها حاملا إياها بمرح وهو يقول : أمري لله تعالي يا مجنناني ! .. 

هبطا الدرج معا وإتجها إلي المطبخ لتُعد له أروي الطعام .. 

.............


بعد مرور ساعة . 


تم نقل سامي إلي المستشفي بسيارة الإسعاف ، وهدي إلي مركز الشرطة ، حيث أنها إعترفت بقتله وتنتظر عقابها أيضا !! .. 

علم أمجد بالذي حدث فقرر أن يُهاتف أمير ويُخبره .. 

تفاجئ أمير بهاتفه يصدح عاليًا ، فتوقف عن طعامه وأجاب قائلًا بجدية : أيوة يا أمجد ؟ 

رد أمجد هاتفيًا : عرفت الي حصل ؟ 

أمير بإيجاز : سامي مات صح 

أمجد بإستغراب : عرفت منين ؟ 

ضحك أمير وتابع : من جهاز التصنت إنت نسيت ! 

أومأ أمجد : أهااا ، وإنت مالك منشكح كده ليه ؟ 

أمير وهو يتناول طعامه : أومال هعمل إيه ، الله يرحمه بقي ! 

أمجد ضاحكا : لا قلبك حنين أوي ، أنا هجيلك بكرة عاوزك في كام حاجة كده ! 

أمير بإيجاب: تمام في إنتظارك يا أمجد .. 

ثم أغلق الخط ، وهو يقول متساءلا : الحمل عامل معاكي إيه يا أروي ؟ 

إبتلعت أروي الطعام الذي بفمها ، وتابعت بهدوء : كويس ساعات بتعب بس الحمدلله ، هو إنت مش هتيجي معايا عند الدكتورة بقي ؟ 

أومأ أمير بجدية : هاجي    

أروي بتذمر : إمتي؟ 

 أمير بنفاذ صبر : لما تروحي يا أروي .. 

عادت تسأله : طيب هنروح القاهرة إمتي سهيلة وحشتني جدا .. 

رفع أمير حاجبيه في دهشه وتابع بحزم : والله ؟ دول لسه ماشين النهارده علي فكرة ! 

أومأت أروي عدة مرات برأسها وتناولت طعامها بصمت ، فأردف أمير بتنهيدة : الحمل آثر عليكي يا رورو .. 

تنهدت أروي ثم قالت بنظرات ذات معني : إن شاء الله لما أولد لازم نعمل تحليل dna ، عشان تتأكد إنـ...... 

قاطعها زافرًا بضيق : متكمليش ومتفتحيش الي فات ، سامعة ولا لاء ؟ 

أروي بنفي : بس أنا مش هتنازل عن التحليل ، لازم تتأكد عشان ترتاح وأنا كمان أرتاح ! 

صر أمير علي أسنانه وتابع بحنق : متخلنيش أزعلك يا أروي ولما أقول كلمة تتسمع ، قولتلك ميت مرة أنا معنديش صبر ! أوووف .. 

أنهي كلامه ونهض خارجا إلي الحديقة ، بينما زفرت أروي وعاتبت نفسها علي ما قالته ، فإنها تعلم أنه لم يكن في كامل وعيه حين إتهمها وأصر علي التحليل وتعلم أيضا إنها كانت مُخطئة !.. 

نهضت خلفه بخطوات حذرة ، خرجت لتجده يتنفس بعمق وهو يضع كلتي يديه في جيب بنطاله ، إقتربت منه وقالت بهدوء : أنا آسفة .. 

أومأ برأسه ، ثم همس بضيق : طيب .. 

إقتربت أكثر ثم همست بإبتسامة : أنا معرفش إنك هتضايق كده ، أنا حبيت بس أريحك وبصراحة أنا كمان عاوزة أرتاح عشان محسش بعد كده إنك ... 

قاطعها مرة أخري بغضب : تاني ، تاني يا أروي ! قولتلك متتكلميش في الي فات ، إقفلي علي الي حصل ده خالص مش عاوز أفتكر أي حاجه كفاية بقي كفاية ..  

تنهدت بعمق ، ثم قالت بخفوت : حاضر خلاص مش هتكلم تاني ، ممكن تهدي بقي ؟ 

رمقها بغيظ ، ثم قال بعتاب : تعصبيني وبعدين تقوليلي إهدي ، أعمل فيكي إيه ؟؟؟ 

أطرقت رأسها للأسفل ، ثم همست بحزن : صدقني مش قصدي أزعلك ، أنا آسفة ! 

رفع هو وجهها لتواجه وجهه ، ثم قال بخفوت : مش كل ما أكلمك تعيطي يا أروي ، إنتي الي إستفزتيني أصلا ، ٱنتي عارفة إن الي حصل خلاني بني آدم تاني وخرجت عن شعوري ! 

قالت بصوتٍ مُختنق : وأنا كنت بتمني مكذبش عليك ، أنت سامحتني بس أنا مش قادرة أسامح نفسي ، وحاسة إنك بعد كده مش هتصدقني في أي حاجة وأي مشكلة هتفكرك بالي حصل .. 

قال بنفي : لا أنا نسيت الي فات وإنتي كمان لازم تنسي كفاية لحد كده إحنا فتحنا صفحة جديدة كلها صراحة وإخلاص وأنا متأكد إنك إتعلمتي من الي فات أرجوكي إنسي .. إنسي يا أروي .. 

أومأت برأسها وراحت تمسح دموعها براحة يدها ، بينما طبع هو قبلة علي جبينها قائلا بهمس : حبيبتي .. 

...................


في اليوم التالي . 


لم تتوقف دموعها لحظة منذ أن توفي ولدها ، لم تتخيل ولم تستوعب أنه غادر الدنيا في لحظةٍ واحدة !! ... 

عادت إلي البيت منهكة ، بعد أن تمت مراسم الدفن ، عادت وقلبها يبكي قبل عينيها لقد تركته وحيدا تحت التراب فهل يا تري كيف حاله ؟؟ 

هكذا كانت تُفكر السيدة كوثـر وهي تجلس بجانب إبنتها سلمي والسيدات من حولها .. ولقد خيم الحزن علي المكان ، رغم كل ما فعله ماجد إلا أنها أم وكانت تتمني أن تراه رجلا يتحاكي عنه الجميع في أخلاقه ولكنه أخاب ظنها وها قد رحل وتركها تبكي حسرةً .. 

بينما في أسفل المنزل ، تراصوا الرجال يأخذون العزاء وعلي رأسهم أمير ، الذي علم بوفاته وآتي يأخذ العزاء ... 

وبعد مرور ساعتان ، صعد بصحبة خالد إلي شقة السيدة كوثـر ، ما إن رأته كوثر حتي هبت واقفه محتضنه إياه بقوة وهي تردف من بين بكاؤها : لو إبني عمل فيك حاجة سامحه ، سامحه يابني عشان خاطري .. 

ثم إبتعدت عنه وهي تنظر له بتوسل ، فما كان منه إلا أن ربت علي كتفها برفق وقال بخفوت : مسامحه من قلبي ، ربنا يرحمه ويغفر له وربنا يصبرك .. 

رفعت يديها تقول بتأمين : يارب ، اللهم امين .. 

بينما أخرج أمير من جيبه ظرف ، وراح يمد يده لها قائلًا بهدوء : إتفضلي .. 

عقدت كوثـر ما بين حاجباها وسألته بجدية : ايه ده ؟ 

أجابها بثبات : ده مبلغ بسيط ، إعتبريه مرتب ماجد الي كان بياخده ، أو إعتبريني أنا زي ماجد ! 

قالت كوثر بنفي : لا يابني شكرا ، أحنا مش محتاجين حاجة .. 

تنهد أمير وقال بتصميم : أنا مش بعطف لا سمح الله ، ده واجبي ومهما كان ماجد كان صاحبي في يوم من الأيام وأنا لازم أعمل بوصيته لأنها هتكون في رقبتي أنا 

إزدردت كوثر ريقها وتابعت بحزن : كفاية عليا أبقي أشوفك كل فترة ، علي الأقل أحس إن ليا حد 

وضع أمير الظرف علي الطاولة الصغيرة ، ثم قال مبتسما : وأنا تحت امرك في أي وقت ، بس لازم تقبلي المبلغ ده وهيوصلك زيه كل أول شهر وهبقي أجي لحضرتك زيارة إن شاء الله.   

عانقته كوثر بتلقائية ، ثم هتفت ببكاء : ربنا يحميك لشبابك ويخليك لأهلك يابني ، متشكرة علي مساعدتك .. ، ثم قالت وهي تبتعد مرة ثانية : إبقي خليني أشوفك .. 

أومأ أمير قائلًا بإيجاب : حاضر ، أستأذن أنا بقي .. 

ردت بحنان : مع السلامه .. 

بينما أوصله خالد خارج المنزل هابطا معه درجات السلم وهو يقول بإمتنان : شكرا لحضرتك تعبناك معانا ! 

رد أمير عليه بجدية : لا تعب ولا حاجة ، ربنا يجعلها أخر الأحزان .. 

إبتسم له خالد ، فإستقل أمير السيارة ، ثم قال وهو يُدير محرك القيادة : سلام .. 

لينطلق بعد ذلك بسيارته ويصعد خالد مرة أخرى إلي شقة السيدة كوثـر ، ليجدها تبكي كما كانت ، جلس إلي جوارها وتابع بتنهيدة : أمر ربنا ونفذ مفيش بإيدينا حاجة غير إننا ندعيله بالرحمه والمغفرة ياريت البكاء بيرجع الي راح .. 

كوثر من بين بكاؤها المرير : إبني أذنب كتير ، أنا عارفة أنه مكانش شاب صالح ولا بيعمل حاجة ترضي ربنا ، وده الي قاهرني ده الي قاهرني يابني ، ياتري ربنا هيعمل فيه ايه ياتري هو عامل ايه دلوقتي ، اه يابني اه ربنا يعفو عنك ! 

ربت خالد علي كتفها ثم أردف هادئا : ربنا رحيم وهو أرحم بيه مننا 

أومأت كوثر برأسها ، وهي تدعي : الله يرحمه برحمته .. 

ثم تابعت بخفوت : يلا يابني خد مراتك وإطلع شقتك .. 

أردفت سلمي وهي تمسح دموعها : لا يا ماما أنا مش هسيبك .. 

كوثر بحزم : إسمعي الكلام يابنتي ، إطلعي إرتاحي إنتي حامل .. 

قال خالد بإبتسامة : سلمي هتفضل معاكي لحد ما تتحسني وتبقي كويسة 

تنهدت كوثر بثقل ، وهي تقول بحزن : كتر خيرك يابني .. 

..........................


في شركة الأمير . 


-أنتي تاني ؟!! 

نطق بها أمجد بنفاذ صبر .. 

لتهتف ماهيتاب بحنق : أوف ، إنت تاني ! 

أمجد رافعا أحد حاجبيه : أنتي بتقلديني ولا إيه ؟! 

زفرت ماهيتاب أنفاسهـا بضيق ، ثم قالت بغيظ : أمير عنده ناس جوه ، إتفضل حضرتك إقعد لحد ما تنتهي المقابلة ! 

جلس أمجد أمامها واضعًا ساقا فوق الآخر بعنجهية ، لتردف ماهيتاب بهمس : مغرور ! 

أردف أمجد : بتقولي حاجة ؟ 

ماهيتاب ببرود : تشرب إيه ! 

أمجد بهدوء وهو يتأملها : ممم قهوة مظبوط .. 

نهضت ماهيتاب علي مضض ، ثم خرجت من المكتب ، ليضحك أمجد بصوت خافت وهو يتفوه : شكلها مجنونة ومش طايقة نفسها ، صمت ليتابع بغرور : بس علي نفسها ! 

عادت ماهيتاب بعد ثوانِ ، ليسألها أمجد : فين القهوة حضرتك ؟ 

ماهيتاب بضيق : زمانها جاية .. 

- لوحدها ؟ .. قالها بهدوء مستفز .. 

لتضغط ماهيتاب علي شفتيها بغيظ وهي تتابع : ده إيه الظرافة دي ؟ لأ بجد يعني دمك تقيل وحاجة تخنق ! 

قال أمجد بجدية : علي فكرة أنتي بتتعدي حدودك معايا ، وشكلك كده متعرفيش إنتي بتتكلمي مع مين أصلا ، فوقي لنفسك ! 

ماهيتاب بلا مبالاه : يعني بتكلم مع مين ؟ مين أنت 

أمجد وقد رفع أحد حاجبيه : أمجد مأمـون ! 

لوت ماهيتاب فمها بتهكم ، ثم تابعت بنبرة ساخرة : حصلنا الرعب يا حاج أمجد .. ! 

كاد أمجد أن يضحك ولكنه تماسك حيث قال بصرامة : أوك يا حاجة ماهيتاب .. 

ماهيتاب بضجر : قولتلك متقولش حاجة ! 

أمجد بهدوء : ما أنتي قولتيلي يا حاج أمجد ، زعلت أنا ؟ عجايب والله ! 

مسحت ماهيتاب علي وجهها وهي تقول بعصبية : بجد حاجة لا تطاق .. 

- ولا أنتي ، قالها أمجد وهو يهندم ملابسه ، لتزفر ماهيتاب بغضب وتتجاهله .. 

نهضت بعد قليل لتدلف إلي مكتب أمير ، ثم عادت إليه قائلة بحدة : إتفضل .. 

نهض أمجد وهو يغلق سترته ويقول بإستفزاز : شكرا ..يا ... 

حدجته ماهيتاب بشراسة ليتراجع هو ويقول : يا آنسه ماهيتاب ! 

ثم دلف إلي المكتب فأغلقت هي الباب وهي تهمس لنفسها : مغرور ! 

بينما رحب أمير بأمجد الذي جلس قبالته قائلًا بمزاح : البقاء لله 

رد أمير ضاحكا : ونعم بالله يا عم ، إذكروا محاسن موتاكم بقي ! 

ضحك أمجد : لا ما ده معندوش ولا حسنه عشان نذكرها ، ده سيئات بالهبل يلا ربنا معاه اللهم لا شماته بقي 

أمير من بين ضحكاته : يااا راجل ده الشماته بتنط من وشك !! 

أمجد بنفي : لا والله ، بس الواحد إرتاح منه صراحة ياباي ده كان عامل زي الهم علي القلب أووف ... 

أمير بجدية : أنا سمعت إن ليه بنت .. وهي ومراته ملهمش دخل غير من الشركة ، وبما إن البنك حجز علي أملاكه وأصلا عرفت إن أصل الشركة من أملاك مراته ، فأنا بقول يا أمجد تسحب الفلوس الي أخدتها منه من الشركة الي كنت هتدبسه فيها وتسدد قروض البنك خلاص هو أخد جزاءه وأنا شايف إننا هنظلم مراته وبنته ! 

أمجد موافقا : تمام وأنا موافق ، إن شاء الله هبعت لمراته كل الفلوس الي حولهالي وهي تبقي تتصرف بقي .. 

أمير بجدية : تمام .. 

صمت أمجد قليلًا ، ثم تابع بتوتر بعض الشئ : مش أنا نويت أتأهل ! 

رفع أمير حاجبيه بدهشة : ياراجل ! ومين الي نويت عليها إن شاء الله ؟ 

مسح أمجد علي رأسه وتابع بمزاح : إنت عاوز الصراحة ولا بنت عمها !؟ 

أمير ضاحكا : إنجز يا أمجد 

أمجد بجدية : الحاجة الي برا دي ! 

أمير بإندهاش : ماهيتاب .. 

أومأ أمجد برأسه وتابع متساءلا : إيه مرتبطة لا سمح الله ؟ 

أمير بنفي : لا بس مستغرب بس 

أمجد بتذمر : أعمل إيه معششه في دماغي من المرة الي فاتت .. 

إبتسم أمير وقال : ممم قولتلي بقي !! 

ضحك أمجد وتابع : طيب أشرف إمتي بقي ؟ 

أمير بجدية : هكلم زياد ، وأبلغك علي طول .. 

نهض أمجد قائلًا : وهو كذلك ، وأنا في الإنتظار سلام يا كبير .. 

نهض أمير ، مودعا إياه ، بينما خرج أمجد ليجد ماهيتاب ، فنظر لها نظرة لم تفهمها هي وتابع بجدية : سلام يا حاجة ماهيتاب .. 

ضغطت علي أسنانها ثم هتفت بضيق : قلة ذوق ! 

لم يعقب أمجد إنما إبتسم بإستفزاز وخرج قائلًا لنفسه في وعيد : عاوزة تتربي يا حاجة ماهيتاب ، وأنا الي هربيكي ! 

..............................


بعد مرور شهر . 


إستطاع سليم أخيرا أن يأخذ راحة من عمله ، وعاد إلي القاهرة مجددًا بصحبة والدته السيدة نبيلة ... 

رحب بهما مصطفي وكذلك فعل والده محمد .. 

بينما أقبلت سهيلة لتعانق نبيلة وتصافحها ، ولم تنظر إلي سليم الذي ضغط علي شفتيه بغيظ من فعلتها تلك ! .. 

جلسوا جميعًا بعد ذلك يتناولون الغداء حول مائدة الطعام ، بينما قال مصطفي بمرح : سهيلة الي عاملة الأكل ده كله يا جماعة ولوحدها ! 

أردفت نبيلة بإنبهار : ما شاء الله ، بجد الأكل يجنن يا سوسو ، مكنتش أعرف إن أكلك حلو كده إنتي إتعلمتي الطبخ إمتي ؟ 

أجابتها سهيلة بإبتسامة خفيفة : من زمان كنت بشوف برامج الطبخ وأتعلم أنا وأروي .. 

نبيلة بإعجاب : نفسك حلو أوي في الأكل ، إيه رأيك يا سليم !؟ 

مط سليم شفتيه وتابع بهدوء : عادي بصراحة يا ماما ، وأكلك أنتي أحلي ... 

صُدمت سهيلة من كلامه ، وحدقت به ، ليردف هو بجدية مصطنعة : سوري يا سهيلة أصل أنا صريح ، والأكل ده مايع جدا وملوش طعم .. 

مصطفي بإستغراب : بس الأكل حلو ولذيذ يا سليم ، إنت أكيد مش في وعيك .

سليم بهدوء : جايز أنا الي حاسس كده عشان إتعودت علي أكل ماما بس .. 

علم مصطفي أنه يفعل ذلك عندا في سهيلة ، فضحك بخفوت وتناول طعامه بصمت ، وساد الصمت لعدة لحظات كلا منهم يتناول طعامه بصمت تام ، فكان سليم يختلس لها النظرات وكذلك هي ، إلي أن رن هاتفه ، فإلتقطه وأجاب قائلًا بتلهف : حبيبي ، كنت مستني منك مكالمة . 

إتسعت عيني سهيلة لسماعها هذه الكلمة "حبيبي" من هذه ياتري ؟ 

إزدردت ريقها بصعوبة بالغة وهي تستمعه يقول : طبعا هقابلك ده أنا واخد أجازة مخصوص عشان خاطرك يا قمر ، أستريح بس وجايلك علي طول ، تمام ... سلام يا روحي ! .. 

أغلق الخط ، ليقول مصطفي بضيق : مين دي يا سليم الي إنت نازل حب فيها ولا عاملنا أي إحترام ! 

نظر له سليم ثم قال بتنهيدة : واحدة أعرفها من فترة يا عمي ، في الأيام الأخيرة إتكلمنا كتير وبصراحة حسيت إنها ملت الفراغ الي جوايا وبعد إذنك إنت وبابا وماما طبعا ، عاوز أتقدملها .. 

ألقت سهيلة الشوكة من يدها وأصبحت في حالة من الصدمة واليأس والغضب أيضا ، بينما قال محمد بجدية : ايه يا سليم الكلام ده ؟؟ 

وكذلك قالت نبيلة : مالك يابني إنت سخن ولا إيه ؟ 

نهض سليم قائلًا بجدية : أبدا يا ماما أنا زي الفل ، عن إذنكم أطلع أوضتي بقي أغير عشان متأخرش علي جوجو ! 

ثم تحرك متجها إلي الدرج وصعد قبل أن ينفجر علي منظر سهيلة التي كانت فاغرة شفتيها بصدمة جلية .. 

ضرب مصطفي كفا علي كف وهو يتابع : الواد ده شارب حاجة ولا إيه ، جوجو مين وبتاع ايه !! 

نهضت سهيلة وهي تقول بثبات : الحمدلله شبعت ، ثم توجهت لتصعد إلي غرفتها ، ركضت علي الدرج وقلبها يخفق بعنف ، مرت من أمام غرفته لتجد الباب مفتوح فهتف مناديا عليها : سهيلة ! 

تسمرت مكانها لثوانِ ، ثم إلتفتت له فقال مبتسما : تعالي عاوز أخد رأيك في حاجة .. 

دلفت إلي الغرفة وهي تسأله بحدة : نعم ، في إيه ؟ 

سليم بهدوء وهو يغلق أزرار قميصه الجديد : إيه رأيك في القميص ده ؟ 

سهيلة بإيجاز : حلو .. 

سليم غامزًا : تعرفي ده هدية من جوجو ، تصوري بعتتهولي علي إسكندرية ! 

زفرت سهيلة بضيق وراحت تمسح علي وجهها بتوتر ، ليقول سليم بإبتسامة : مالك ، إنتي كويسة ؟ 

صاحت سهيلة بغضب : أيوة كويسة ، كويسة خالص ، مالي يعني ما أنا كويسه أهووو 

صمت سليم كاتما ضحكاته ، لتخرج سهيلة من الغرفة وتتجه إلي غرفتها ، فأغلق سليم الباب وإنفجر ضاحكًا عليها بعد أن تأكد من مشاعرها تجاهه ...



                  الفصل الحادي والخمسون من هنا

تعليقات