Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية جاريه لا تصلح للمتعه الفصل الثالث


رواية جاريه لا تصلح للمتعه
 الفصل الثالث
بقلم ساريتا

بعد مرور ثلاثة أيام ..
هبطت ماريا من السيارة السوداء الضخمة التي أرسلها  السيد عصام مع 





سائقه الشخصي الى المطار كي يستقبلهما ويوصلهما الى الفيلا خاصتهما ..
وقفت تتأمل تلك الفيلا



 ببنائها الذي ما زال حديثا مميزا رغم مرور كل تلك السنين وقد عادت ذاكرتها الى الخلف حيث كانت هي إنسانة أخرى تختلف تماما عن الأن ..





إنسانة طبيعية نوعا ما ليست بهذا الكم من الوجع والضياع .. إنسانة كانت تحلم بمستقبل مشرق وحياة مثالية سوف تعيشها يوما ما ..
كان لديها أمل وطموح و يملؤها التفاؤل بما هو قادم أما الأن فلم يعد لديها اي شيء .. لا شيء سوى فراغ يملأ روحها وقلبها بالكامل .. فلا أمل لها بمستقبل جيد ولا رغبة لديها بالعيش من الأساس ..
ظهرت لمعة شجية بعينيها أخفتها بمهارة وهي تتقدم بخطوات بطيئة الى الداخل لتتفاجئ بشابة صغيرة  تفتح لها الباب وتستقبلها بإبتسامة واسعة قابلتها هي بملامح تنطق بالضيق الشديد من تصرفات السيد عصام الذي لم يكتفِ بإرسال سائقه الشخصي









 لإستقبالهما بل تبعه بخادمة أيضا وكأنه يخبرها بوضوح أنه المسؤول عن القادم من حياتها هي ووالدتها ..
سمعت صوت والدتها تستقبل ترحاب الخادمة بكلمات مقتضبة قبل أن تصرفها بهدوء ..
نظرت إليها لتجدها تبتسم بخفة وهي تجلس على الكنبة تتأمل الفيلا بنظرات شخص ربح جائزة ضخمة وبالفعل هذه هي الحقيقة فوالدتها استعادت منزلها الفخم أخيرا والذي إختارت منذ سنوات طويلة كل شيء فيه بنفسها بدءا من تصميمه المميز مرورا بأثاثه وكافة التفاصيل الأخرى ..
لقد كانت جائزة تستحق التضحية بها هذا اذا كانت والدتها تعتبر بيعها لعصام تضحية من الأساس فأين التضحية بالخلاص من إمرأة معطوبة عقيم مثلها .. ؟! إمرأة لا تصلح لشيء ولن يرغب بها أي رجل مهما كان ..
هي تدرك جيدا كل هذا مثلما تدرك أن عصام نفسه سيلفظها مثلما فعل الذي سبقه بعدما يدرك بأي امرأة ارتبط هو ..
أغمضت عينيها بعجز ثم عادت وفتحتها لتسير نحو الطابق العلوي حيث غرفتها التي توقفت أمامها لوهلة تنظر إليها وهي تشعر بتردد شديد يشبه الحرب داخلها .. فهي تريد الدخول لرؤية غرفتها كي تستعيد من خلالها ذكريات تعود لسنين مضت محملة بالكثير من الأشياء الحلوة والمرة ومن جهة ثانية تخشى من عودة تلك الذكريات التي ستخبرها للمرة التي لا تعرف عددها بأنها لم تعد كالسابق فقد أصبحت واحدة أخرى مشوهة تماما ..







هزت رأسها بضعف وهي تبتعد عن الغرفة متجهة لأبعد غرفة عنها في هذا الطابق وكأنها تهرب من تلك الذكريات الموجودة داخلها ..
 دلفت الى الغرفة الموجوده في آخر الممر الطويل حيث أغلقت الباب خلفها بعنف ثم رمت حقيبتها أرضا وتبعتها بذلك المعطف الأسود الثقيل الذي يغطي معظم جسدها النحيل ليظهر أسفله فستانها الحريري بلونه الأسود هو الآخر ..
تحركت نحو الشرفة ودخلت إليها بعدما فتحت بابها لتأخذ نفسا عميقا قبل أن تنظر أمامها بصمت لم يقطعه سوى دخول والدتها بعد دقائق قصيرة وهي تتمتم بتبرم :
" ساعة كاملة وأنا أبحث عنك وأنت هنا في آخر غرفة في الممر .."
لم تجبها ولم تلتفت إليها من الأساس لتسمعها تقول بدورها غير مبالية بصمتها :
" ستخرجين مساء الغد الى العشاء مع السيد عصام .. لقد طلب مني أن أخبرك بذلك .."
التفتت إليها للحظة ترمقها بنظرات لم تفهم معناها قبل أن تعود بأنظارها الى السماء المظلمة بنجومها اللامعة التي تبدد القليل من تلك الظلمة فتسائلت بداخلها عن إمكانية وجود شيء ما ربما يبدد القليل من ظلامها لكنها تدرك جيدا أن هذا مستحيل ..
رمقتها والدتها بنظرات مستاءة قبل أن تتحرك بلا مبالاة خارج الغرفة تاركة إياها تتأمل محيطها بصمت كالعادة ..
……………………………………………………………..
في صباح اليوم التالي ..
خرج جواد من جناحه وهو يهندم ملابسه حينما وجد هالة تقترب منه وهي تهتف بسعادة :
" صباح الخير على أخي الذي لم أره ولو لدقيقة واحدة طوال الثلاث أيام الفائتة .."












ابتسم بحبور وهو يقبلها على وجنتها بعدما قبلته هي أولا ثم قال :
" كان لدي العديد من الأمور التي أحتاج لإنهاؤها وبالتالي لم يكن لدي وقت لرؤيتكم .. بالكاد كنت أتي إلى المنزل لأجل النوم لبضعة سويعات .."
تطلعت إلى ملامحه المرهقة بقلق قبل أن تردد بضيق :
" أنت ترهق نفسك كثيرا هذه الفترة يا جواد وهذا أمر يزعجنا جميعا .. "
صمتت لوهلة قبل أن تكمل بجدية بالغة :
" هروبك من نيفين بهذه الطريقة ليس حلا .. برأيي أن تنهي الأمر برمته معها أفضل من هذه الطريقة .. إما أن تعود إليها أو تخبرها بوضوح أنه لا أمل لديها معك .."
اومأ رأسه موافقا على حديثها قبل أن يردد بينه وبين نفسه :
" أساسا مللت من إخبارها بإستحالة عودتنا سويا .."
سارا سويا وهي تتحدث بمرح عن بعض الأمور التي حدثت معها كما اعتادت ان تفعل وهو يستمع لها وإبتسامة هادئة تزين ثغره ..
لطالما كانت بهجة تلك الصغيرة تخطف قلبه وتجعله منشرحا للغاية .. فهي بعفويتها المحببة ومرحها و شغبها الذي لا ينتهي تمنحهم الكثير من الصفاء فهي مدللة العائلة بدءا من والديه وانتهاءا بأصغر إخوانه غيث بالرغم من شجارهما الدائم بسبب تضاد شخصياتهما إلا إنها تجعله يلين بسهولة فيما بعد بطريقتها الماكرة الخاصة وينتهي الشجار تماما وكأنه لم يحدث ..
دلفا سويا الى غرفة الطعام ثم جلسا على المائدة بجانب باقي العائلة بعدما ألقيا تحية الصباح عليهم ..
صدح صوت نازك متسائلا بصوت هادئ رغم الضيق الذي يسيطر عليها من تصرف ابنها البارحة :
" لماذا لم تحضر عشاء البارحة يا جواد ..؟! ألم أخبرك أن خالتك رحاب ونيفين سوف يتواجدان على العشاء عندنا ..؟!"










ثم أردفت بعتاب :
" لقد أحرجتني أماميهما بعدم حضورك .."
رد والده بدلا عنه :
" لا أرى هناك أي سبب للإحراج عزيزتي .. ما الفرق بين حضور جواد عشاء البارحة او عدم حضوره  ..؟!"
أضاف وهو يشدد على كلماته :
" رحاب ونيفين جاءتا بصفتهما صديقتك وإبنتها .. الزيارة من أجلك أنتِ .. فلا أظن أن بينهما وبين جواد شيء يستدعي وجوده كي يسبب غيابه إحراجا لكِ .." 
كتمت نازك ضيقها من حديث زوجها بصعوبة بينما نطق جواد أخيرا بهدوء وتروي وقد لاحظ انزعاج والدته بوضوح :
" بالطبع لم أقصد إحراجك أبدا ماما ولكن هذه الفترة أنا مشغول للغاية .. طلاق نهى وإمتحانات الجامعة التي إقتربت إضافة الى الصيدلية و إنشغالي الدائم بها .. أظن هذا بأكمله كافي لمنعي من حضور أي مناسبة في هذا الوقت تحديدا .."
هزت نازك رأسها بإقتضاب دون رد بينما سأل عامر ابنته بعدما تذكر أمر إمتحاناتها التي إقتربت :
" بمناسبة الإمتحانات ، هل أنتِ مستعدة لها جيداً يا هالة ..؟! "
ظهر التوتر جليا على ملامح هالة التي أجابت بثقة مفتعلة :
" نعم بالطبع .. "
أكمل محذرا :
" أريدك أن تنجحي من أول دور بتقييمات عالية .. لا أريد لما حدث العام الماضي أن يتكرر .."
زمت شفتيها بعبوس وهي تردد :
" لن يتكرر بإذن الله .. ثق بي يا بابا .."
هز رأسه وهو يتمنى داخله أن تكون صادقة في حديثها هذه المرة وتضع عقلها في رأسها وتهتم بدراستها أكثر ..
نهض هشام من مكانه قائلا بجدية :
" اسمحوا لي بالذهاب فقد تأخرت على العمل .."
مطت نازك شفتيها وهي تقول بإنزعاج :
" أنت ترهق نفسك بالعمل بشكل مبالغ فيه .."
رد هشام بصوت جاد :







" أنت تعلمين أني المسؤول الوحيد عن أمور الشركة بسبب غياب شهاب هذين الإسبوعين وإنشغاله الفترة التي سبقت الزفاف بالتجهيز لزفافه .. عندما يعود باذن الله سوف تخف الأعمال لدي ونتقاسم كل شيء كالسابق .."
" وفقك الله يا هشام .."
قالتها بصدق ليبتسم لها وهو يربت على كتفها قبل أن يتحرك خارج الغرفة لتتنهد نازك وهي تقول بحزن :
" وضعه لا يعجبني .. منذ عملية خطيبته ووضعه يتجه نحو الأسوء .."
حل الوجوم لا إراديا على وجوه الموجودين وهم يتذكرون لينا وعمليتها ومعاناتها مع مرضها الذي ظهرت أعراضه بعد خطبتها هي وهشام بأشهر قليلة مسببا بتخريب كافة المخططات والإستعدادات لهذه الزيجة ..
قطع هذا الوجوم صوت جواد وهو يخبرهم بدوره :
" وأنا يجب أن أذهب أيضا .. لقد تأخرت على الجامعة .."
ثم ودعهم وخرج من الغرفة متجها الى كراج القصر حيث ركب سيارته وخرج من بوابة القصر ليتفاجئ بنيفين تهبط من سيارتها التي كانت تركنها بالقرب من بوابة القصر حيث كانت تنتظر خروجه كي تتحدث معه ..
زفر أنفاسه بضيق وهو يفتح باب سيارته ويهبط منها ليجدها تتقدم نحوه فيتوقف هو مكانه يرميها بنظرات باردة لا روح فيها ألمتها كثيرا وهي تتذكر نظراته السابقة لها  المليئة بالحب ..
وقفت نيفين أمامه تهتف بإنزعاج من تهربه الواضح منها والذي أكده لها عدم حضوره عشاء البارحة :
" قلت طالما إنك تتهرب مني لإنتظرك هنا قرب منزلك حتى تخرج كي لا أسمح لك بمجال الهرب مني مجددا .."
ثم أردفت بتهكم مرير دون أن تنتظر جوابه :
" هل رأيت لأي حال وصلنا يا جواد ..؟!" 
تنهد بصمت وهو يحاول انتقاء كلماته التي لن ينهي بها هذا الحوار فقط بل سينهي كل شيء بينهما ..
قال أخيرا بصوت هادئ ثابت :









" أنا لا أتهرب يا نيفين أبدا .. أنا فقط لدي ما يكفيني من الأعمال والمشاكل التي تجعلني غير قادر على حك رأسي حتى .. أما بشأنك و بشأن وضعنا الذي لا يعجبك على ما يبدو فأظن أنني أخبرتك مسبقا أنه لم يعد هناك أي شيء بيننا .. كل شيء انتهى يا نيفين .. لكنكِ تدعين عكس ذلك حتى بعدما قلت هذا بوضوح .. لذا فأنا غير مجبر على التصرف معك بطريقة لا تشبه ما تتمنينه ولا مجبر أيضا على صياغة حالنا الذي لا وجود له من الأساس كما تفضلين .. لا يوجد شيء اسمه حالنا .. لا يوجد شيء اسمه انا وانتِ .. لا يوجد شيء يجمعنا .. نحن انتهينا .. انتهينا منذ ثلاث سنوات .. منذ أن فضلتِ والدك عليِ .. ومنذ أن أخبرتك عند اول لقاء لنا بعد رجوعك من الخارج بصراحة تامة أنني لا أعود لإمرأة باعتني لأجل شخص أخر حتى لو كان والدها .. قولي ما ترغبين .. قولي عني قاسي ، متعجرف ، متسلط او اي شيء يخطر على بالك .. لكن هذا أنا وهذه طبيعتي التي لا أستطيع تغييرها ولا أود ذلك من الأساس .."
توقف عن حديثه وهو يفكر أنه قال كل هذا بعدما حاول انتقاء حديثه فكيف لو لم ينتقيه ..؟!
تأمل عينيها الدامعتين وقد فهم أنه تحدث بطريقة قاسية للغاية وقبل أن يؤنبه ضميره كان قد أخبر نفسه أن هذه هي الطريقة الوحيدة لإنهاء كل شيء بشكل لا يقبل رجعة ..
………………………………………………………………..
هبطت ماريا درجات السلم متجهة خارج المنزل بنية الخروج للتنفس قليلا بعيدا عن اجواء الفيلا التي تخنقها كليا وبعيدا عن والدتها التي لا تريد رؤيتها إطلاقا ..
لكن دوما ما تأتي الرياح عكس ما تريد فهاهي والدتها تتقدم نحوها وكأنها تنتظر نزولها من الأعلى ، تسألها بصوت مندهش قليلا :
" إلى أين ستذهبين في هذا الوقت الباكر من الصباح ونحن وصلنا الى البلاد قبل عدة ساعات ..؟!"
أجابتها بإقتضاب دون أن تنظر إليها :
" أريد الخروج والترفيه عن نفسي قليلا .." 
ردت رويدا بهدوء وعيناها تتفحصان ابنتها بملامحها الجامدة على الدوام :
" هذا جيد .. أنت فعلا بحاجة للقليل من الترفيه كي تستعدي على الأقل لعشاء اليوم بشكل جيد وأنتِ مرتاحة نفسيا .."










أردفت وهي تتأمل ثبات ملامحها الغريب رغم ذكرها سيرة هذا العشاء :
" ستذهبين الى البحر ..؟!"
أومأت ماريا برأسها دون رد ثم تحركت متجهة الى الخارج تتبعها والدتها بنظراتها وهي تتمنى أن تنتهي الفترة القادمة على خير وتتزوج ابنتها من عصام وتحقق غايتها خلف هذه الزيجة ..
أما ماريا فخرجت من البوابة الخارجية للفيلا لتأخذ نفسا عميقا قبل أن تنظر أمامها بنية الإتجاه الى البحر لتتصنم في مكانها وهي ترى آخر شخص ترغب برؤيته أمامها ..
فكرت بأن العودة الى الوطن لم تكن في حسبانها ..
ورؤيته بالقرب منها بعد كل هذه السنوات آخر ما تمنته ..
تأملته مجبرة وهي تراه يقف على مسافة متوسطة البعد عنها مقابلا لفتاة تقصره قليلا تتأمله بنظرات عاشقة لاحظتها هي على الفور بينما لا ترى شيئا من ملامحه هو ولا تريد أن ترى ..!
ألقت نظرة أخيرة الى تلك البقعة التي يقفان بها وهي تعود بذاكرتها الى الخلف حينما كانت تقف أمامه هناك بنفس هذه الوضعية  ونظراتها المليئة بالحب والسعادة و التي يقابلها هو بنظرات مماثلة لها ..
همت بالتحرك بعيدا وهي تفكر أنها لا تريد رؤيته أبدا فرؤيته لها سوف تشعرها بمدى التغيير الذي طرأ عليها و التشوه الذي احتل قلبها وروحها حتى باتت بهذا القدر من الإختلال والدونية ..
ولكن للمرة الثانية وخلال دقائق أتت رياحها بما لا تشتهي حيث سمعت صوت مندهش لم تتذكره ينادي بإسمها لتلتفت لا إراديا نحوه فيهوي قلبها أسفل قدميها وهي ترى نظراته المندهشة المرتكزة عليها بينما يتأملها هو بتركيز شديد محاولا إستيعاب حقيقة وجودها أمامه بعد كل هذه السنين وحالة من الذهول سيطرت عليه وهو يتأمل تغيرها الغريب حيث اختلف كل شيء بها بإستثناء عينيها بلونيهما الذي إستطاع تميزه بسهولة بالرغم من جمودهما الغريب والذي يشي بالكثير ..









تجمدت نظراته عليها للحظات متأملا ملامحها التي إزدادت نضوجا بشكل جعلها فاتنة بشكل يؤثر بأي رجل .. لطالما كانت ملامحها تحمل جمالا غريبا .. جمالا غير عاديا .. ملامحها التي تشبه أميرات العوائل الحاكمة ونساء الطبقة الإرستقراطية حيث كل شيء بها ينم عن رقيها وإرستقراطيتها وكأنها خلقت لتكون أميرة أو زوجة حاكم .. وبالرغم من كونك ترى أمامك من النظرة الأولى إليها جمالا جامدا بسبب ملامحها الغربية التي تذكره بملامح الإنجليز لكنها ما إن تبتسم برقة تتحول الى شمس دافئه تشع إنوثة ونعومة ..
نظر الى ذلك الطقم الرسمي الذي ترتديه والذي يفصل جسدها الرشيق للغاية حيث ترتدي تنورة سوداء قصيرة تلتصق بجسدها و تصل الى منتصف فخذيها حيث تبرز أسفلهما ساقين رفيعين بلونيهما الكريمي الجذاب يغطيهما من الأسفل حذاء جلدي أسوء ذو عنق طويل ..
تعلوها سترة صوفية سوداء يوجد أسفلها بلوزة ذات لون رمادي برقبة عالية ..
شعرها الحريري الناعم بلونه الذي يجمع بين اللونين البني والذهبي المائل للأشقر ينسدل على ظهرها وجانبي وجهها بينما عينيها الزرقاوين تبدوان كقطعتين من الزجاج كما كانت دوما وبالرغم من لونيهما الشفاف إلا أنهما غامضتين بشكل يثير استفزاز اي شخص لفك ذلك الغموض دون أن ينجح بذلك ..
أفاق من شروده على صوت جاره حسن الذي تقدم نحو ماريا مرحبا بها وملامح الدهشة تسيطر عليه هو الآخر ..
دهشة من عودة الجارة الغائبة بعد كل هذه السنوات …
وجدها تنظر الى حسن أخيرا بعدما كانت توجه نظراتها الباردة بشكل غريب نحوه فيحييها حسن بإسلوبه المحبب المعتاد بينما ترد هي هذه التحية بشكل فاتر لاحظه هو فورا ..








قال حسن بعدما ردت تحيته بفتور :
" سعيد جدا بعودتك يا ماريا .. ألن تحيي جواد أيضا ..؟! تعالي معي .."
قالها بعفوية وهو يسبقها نحو جواد الذي يراقبهما بهدوء غريب متجاهلا ملامح نيفين التي إشتعلت كليا بوجود ماريا أمامها ..
سارت ماريا خلف حسن وهي في داخلها تود ضربه على تصرفه السمج هذا فهي لا ترغب برؤية جواد من الأساس وهذا الغبي أجبرها على إلقاء التحية عليه وليس رؤيته فقط بتصرفه المتخلف هذا  ..
وقفت ماريا أمام جواد الصامت ونيفين المتحفزة لتجمع ماريا شجاعتها وهي تحاول إنتقاء الكلمات المناسبة لبدء الحديث ..
حسنا هي لم تكن لبقة طوال حياتها لكنها أيضا لم تكن بلهاء في إيجاد طرق الحوار المناسبة او طرق تبادل التحية مع من حولها ..
نطقت أخيرا بصوت متردد :
" مرحبا جواد .. "
شعرت بأنفاسها إنحبست تماما داخل صدرها وهي تنتظر رده الذي بدا وكأنه تأخر لأعوام ..
" اهلا ماريا .. حمد لله على سلامتك .."
خف ضيق صدرها وهي تسمع كلماته التي خرجت بصوت هادئ لكنه مبهم بالنسبة لها فملامحه كانت غامضة لا تعكس شيئا وهي بدورها لم تكن تهتم لمعرفة ماذا يوجد خلف هذا الغموض الغريب .. فهي تريد الابتعاد فقط .. الهرب بأقصى سرعة ..
هزت رأسها دون رد وقد تأكدت للمرة الألف إنها أصبحت حمقاء غبية للغاية خلال هذه السنوات فهاهي تقف تهز رأسها فقط بكل حماقة  دون أن تعرف ماذا يجب أن تقول ..
جاءها صوت حسن الذي يهتف بها بصوته الهادئ :
" لقد فاجئتني عودتك بعد كل تلك السنين .."
ثم أكمل وقد فشل في إخفاء دهشته :
" لم أتوقع أبدا أن تعودي بعد كل تلك السنوات خاصة بعدما رحلتِ مع والديكِ دون أن يعلم أي أحد بأمر رحيلكم .. "
أضاف متسائلا بشكل أغاظها من طريقته التي بدت لها حشرية رغم عفويته الواضحة :
" أين إختفيت يا فتاة ..؟! هل سافرت الى الخارج ..؟!"






ردت وهي تنظر إليه مبعدة أنظارها عن جواد :
" نعم كنت في الخارج .. في أمريكا .."
" جيد.. لماذا عدتِ إذا بعد كل هذه السنوات ..؟! نادرا ما يعيش شخص هناك ثم يقرر العودة .. فكيف وأنتِ عشتي هناك لأكثر من عشرة اعوام ..؟!"
ردت بصوت مختنق :
" ماما أرادت العودة .. أنا لم أكن أرغب بذلك .."
اومأ حسن برأسه متفهما بينما صدح صوت نيفين التي لم تعرفها ماريا متسائلا بتهكم واضح :
" أليس غريبا لإمرأة في سنك أن تسير خلف رأي والدتها .. ؟! أليس من المفترض أن يكون قرار عودتك يخصك وحدك ..؟!"
تأملتها ماريا بصمت وقد تذكرتها فورا ما إن تمعنت النظر في ملامحها التي تغيرت كثيرا بفضل السنوات العشر السابقة فسألتها  :
" أنتِ نيفين ، أليس كذلك ..؟!"
" نعم أنا نيفين .. من الجيد أنكِ ما زلتِ تذكرينني .."
ردت ماريا بضيق خفي من تلك الفتاة التي لطالما أزعجتها بتصرفاتها المراهقة وغيرتها الغير مبررة منها :
" اهلا نيفين .. نعم تذكرتك ما إن تحدثتي .. فبعض الأشخاص بإمكاننا تذكرهم فورا حتى بعد مرور سنين على آخر لقاء جمعنا بهم بفضل طريقة حديثهم الفظة  .."












تجهمت ملامح نيفين وهي تهتف بصوت محتد متجاهلة نظرات جواد وحسن المندهشة من طريقة ماريا في الرد والتي لم تكن تشبه طريقتها المسبقة فماريا السابقة تتجاهل تصرفات كهذه أما ماريا الحالية ترد بصراحة وبرود غريبين :
" ماذا تقصدين ..؟! ماذا قلت لك كي تقولين عني فظة ..؟!"
ردت ماريا ببساطة :
" حديثك مع إمرأة لا تجمعكِ بها أي علاقة من أي نوع بهذه الطريقة يعتبر تصرفا فظا للغاية .. لست صديقتك او قريبتك كي تسأليني سؤالا بهذ الإسلوب المزعج  .. "
أردفت بعدها دون أن تنتظر جوابا من نيفين التي كانت تغلي غضبا :







" عن إذنكم فأنا خرجت لرؤية البلد بعد كل هذه السنوات التي قضيتها بعيدا عنها .. أسعدني لقائكم .."








ثم رحلت تاركة حسن يراقب رحيلها بإعجاب وجواد بنفس نظراته المبهمة بينما نيفين تنظر إلى آثرها بتوعد ..









ما إن رحل حسن حتى التفتت نيفين نحو جواد تسأله بحنق :
" هل كنت تعلم بأمر عودتها ..؟!"
نظر إليها بصمت للحظات قبل أن يقول بصوت متهكم:










" أظن أنك رأيتِ بنفسك وأنا أقول لها حمد لله على السلامة .. سؤالك ليس منطقيا ابدا يا نيفين .."
أنهى جوابه ثم تحرك مبتعدا عنها دون أن يستمع الى باقي حديثها الذي تنوي قوله وعقله مشغول تماما بماريا التي عادت بعد كل تلك السنوات وهذا ما لم يتوقعه ابدا ..









أما نيفين فأخذت تراقبه وهو يركب سيارته ويرحل بعيدا بملامح منزعجة قبل أن تهتف بعدم تصديق :
" عادت .. ماريا اللعينة عادت وعادت معها المشاكل التي لم تنتهِ من الأساس .."







………………………………………………………………..
وقفت ماريا أمام البحر تتابع أمواجه الهادئة بشرود تام وقد عادت الذكريات تسيطر عليها من جديد ..
تذكرت طفولتها مع والدها الذي كان دائم الرعاية والإهتمام بها وكأنه يعوضها عن غياب والدتها الدائم وعدم إهتمامها بها بأي طريقة ..







والدتها التي لم تكن تراها إلا على وجبتي الإفطار والعشاء فهي تقضي أغلب 









ساعات يومها خارج المنزل والساعات المتبقية تقضيها ما بين النوم أو أشياء لم تكن هي أبدا من ضمنها هذا غير سفرها الدائم خارج البلاد تاركة إياها لوحدها 









مع مربيتها التي دوما ما كانت تغيرها لأسباب تافهة دون أن تعي حزن ابنتها مع كل مربية ترحل فتفقد معها الإهتمام الذي اعتادت عليه لأشهر طويلة والذي تبخل هي به عنها ..
كلما كانت تكبر عام كلما كانت تتأكد أن والدتها لا








 تحبها ولا تميل إليها بأي شكل من الأشكال ..
والدها الحبيب كان مهتما مراعيا لكن هو الأخر كان له أعماله الخاصة التي تأخذ حيزا كبيرا من وقته ..
كبرت وهي وحيدة منطوية على ذاتها .. علاقتها محدودة مع جميع من حولها من صديقات المدرسة وأصدقاء والديها وأقاربهما المحدودين ..







كل يوم كانت وحدتها تزداد ولم تكن تجد ملاذا لها سوى غرفة الموسيقى التي تقضي بها أغلب ساعات يومها ..
حيث كانت تهوى عزف البيانو منذ الطفولة وقد شجعها والدها على تنمية موهبتها المميزة ..
كبرت وعالمها محصور بين دراستها وغرفة الموسيقى خاصتها .. 
لم تكن على وفاق مع احد فهي ذات شخصية باردة كئيبة من وجهة نظر الجميع ..












وحده جواد من إقترب منها واستطاع إختراق وحدتها بشكل لم تصدقه فتاة لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها .. لا تعلم إذا ما كانت أحبته وقتها حقا أم لا ..
فربما مشاعرها وقتها كانت بدافع الاحتياج لا أكثر او ربما كانت مشاعر مراهقة وجدت أمامها شابا جذابا وسيما مغرورا ينجذب إليها ..









جواد لطالما كان مميزا بطلته الجذابة وإسلوبه المنمق .. ثقته الزائدة بنفسه والتي يسيطر عليها بعض الغرور الذي لا يمكن تجاهله .. كان نقيضها بكل شيء .. كان يشبه كل شيء تمنت أن تكون عليه وفشلت .. 








عرفته في الخامسة عشر من عمرها رغم كونه جارها منذ أن كانت في العاشرة لكن إنعزالها ومكوثها في المنزل على الدوام لم يسمح لها بالتعرف عليه قبل هذا الوقت ولولا الصدفة التي جمعتهما لم تكن لتتعرف عليه من الأساس .. ومع مرور الوقت تعلقت به بقوة وبات هو مؤنسها الوحيد في هذه الحياة بجانب والدها ..











كبرت وهي تزرع داخلها أمالا عديدة وهو بدوره كان يشجعها .. لطالما أعطاها دافعا لتحقيق طموحاتها التي كانت أهمها دخول كلية الصيدلة والذي لم يكن يعلم أن رغبتها تلك جاءت







 بعد دخوله هو هذه الكلية فقد فكرت أن إختيارها نفس مجال دراسته سوف يمنحها الفرصة بالبقاء جواره الى الابد ..











في وقت من الأوقات كان هو عالمها الذي سعت كليا للحفاظ عليه .. وجدت به ملاذها الأمان والرجل الذي سينقذها من وحدتها وتخبطها الذي لا ينتهي ..
كم حلمت بأشياء وتخيلت أشياء ذهبت جميعها سدى بعدما حدث ..
أغمضت عينيها بقوة تنفض تلك الذكريات المؤلمة عنها لترتسم صورته أمامها وهيئته التي تغيرت بعد كل هذه السنوات 








.. ملامحه بدت لها أقسى من ذي قبل وعينيه الخضراوين ما زالتا متوهجتين كالعادة .. جسده رغم نحافته لكنه









 مفعم بالرجولة .. لم يكن جواد ذو ملامح وسيمة حقا لكنه لكنه كان يمتلك جاذبية خاصة ببشرته البيضاء وشعره بلونه البني الفاتح ولحيته المهذبة ..










تنهدت وهي تعاود ببصرها الى أمواج البحر التي شردت عنها طويلا وكم تمنت في تلك اللحظة أن تغرق فيها وتختفي بين أمواجها الى الأبد ..
………………………………………………………………..
نهضت لينا من فوق س ريرها وأخذت تتأمل نفسها في المرآة .. تشعر بعجز حقيقي يسيطر عليها كلما تنظر الى جسدها وذلك الفراغ الظاهر بوضوح أسفل بيجامتها ..







تحيد عينيها بعيدا بقوة وهي تتمنى داخلها أن تتعايش مع هذا وأن تستوعب هذا التحول وتتقبله ..
هي راضية بكل ما كتب









 الله لها ولم تعترض وحاشا لله أن تعترض لكن حقا الأمر خارج عن إرادتها ..
كل شيء حولها يؤلمها ويزيد من إختناقها ..
ذلك التغيير الواضح في جسدها والذي يصعب على أي أنثى مهما بلغت قوتها إستيعابه بسهولة يؤذيها بشدة ..
وهشام وإرتباطه بها يحرق روحها لدرجة أنها تتمنى في أوقات كثيرة لو لم








 ترتبط به من الأساس فخطبتها تلك تضيف عليها هموما ثقيلة وفي كل يوم يمر تزداد تخيلاتها وهواجسها التي لا تنتهي ..










جلست على سرير وهي تشبك كفيها ببعضيهما تفكر في حل لكل هذا .. حل يخفف عنها .. 
أغمضت عينيها بوهن وهي تفكر في ذلك الحل الذي خطر على بالها مسبقا أكثر من مرة ..









مرة عندما اكتشفت مرضها ومرات أثناء رحلة علاجها ومرة أخرى عندما أدركت أن عملية الإستئصال لا بد أن تتم .. فكرت مرات ومرات بهذا بل إنها أخبرته بقرارها هذا مرتين مسبقا







 لكنه رفض وبقوة ..
اليوم وفي هذه اللحظة شعرت بأن إنفصالها عن هشام سوف يمحو عبئا ثقيلا يثقل كاهلها ..






سوف يرتاح ضميرها على الأقل وشعور إرتباطه بأنثى ليست كاملة يبتعد عنها كليا ..









هو لا يستحق هذا .. هو يستحق إمرأة كاملة .. إمرأة مكتملة الإنوثة .. إنوثة يحتاجها أي رجل في زوجته ..









تشنجت ملامحها كليا وهي تنظر الى خاتم الذي يزين كفها وتتردد لحظات قبل أن تخلعه وتتأمل اسمه المحفور داخله فتخبر نفسها من جديد أن هذا القرار الصحيح ولا بد من تنفيذه ..








ضغطت على اعصابها بقوة وقد عقدت العزم هذه المرة على تنفيذ قرارها بلا رجعة ..








نهضت من مكانها وهي تحاول أن تمنح نفسها الشجاعة الكافية لتغيير ملابسها دون أن تنهار كما يحدث في كل مرة فهي يجب أن تذهب لهشام حالا وتخبره بقرارها ..








أخرجت ملابس خروج لم تهتم لمدى تناسقها ثم دلفت الى الحمام مولية ظهرها الى المرأة كي لا تسمح لنفسها برؤية اي شيء ..






تأملت الملابس بتدقيق قبل أن تغمض عينيها وتبدأ بخلع ملابسها بأصابع مرتجفة وهي حريصة بشدة ألا تلمس ذلك الجزء من جسدها ولو بالخطأ ..
…………………………………………………………….

وقفت لينا أمام الشركة تتأمل بنيانها الخارجي بتردد ..
تتمنى لو إنها تعود الى عدة سنوات مضت حينما دخلت هذه الشركة لأول مرة بنية الحصول على وظيفة بعد تخرجها من كلية






 الهندسة بتفوق ..
ما يقارب سبعة أعوام مرت على تلك الذكرى يتبعها ذكرى تعيينها هنا .. تعيينها الذي تعرفت من خلاله على هشام الذي تحول من





 زميل لها الى صديق ثم خطيب وحبيب .. علاقتهما بدأت تدريجية فهو لم يكن حبا من النظرة الاولى ..







 بل كانت زمالة مع ابن أحد مالكي الشركة الذي جاء يتدرب معها في نفس المكتب بعد تخرجه من كلية الهندسة بنفس عام تخرجها ..





بدئا يعملان سويا ومع مرور الأشهر تكونت بينهما زمالة والزمالة تحولت 











الى صداقة ختمها هشام بعرض زواج يخبرها من خلاله إنها أكثر من تناسبه والوحيدة التي أرادها شريكة لحياته ..








 وهكذا تمت خطبتهما التي ميزها تفاهمهما الرائع في كافة الأمور  وراحتهما بجوار بعضيهما .. كل هذا كان كافيا لكي يحبان بعضيهما كثيرا .. كان






 كل شيء يجري بشكل رائع حتى علاقتها مع عائلة هشام كانت مثالية .. فالجميع أحبها بدءا من جواد الذي تجمعه بها علاقة أخوة فريدة من نوعها مرورا بغيث وهالة التي أصبحت قريبة منهما .. السيد عامر 






والد هشام كان رجلا رائعا بحق وكم جمعتهما أحاديث مميزة يخبرها عند نهايتها بمدى روعة تفكيرها ووعيها في كافة الأمور وكم إن إبنه محظوظ بزوجته










 المستقبلة .. حتى نازك التي شعرت بالقلق منها في بادئ الأمر بسبب تعجرفها أحيانا استطاعت أن تصنع معها علاقة جيدة للغاية يكللها الإحترام .. الأمر لم يقتصر على عائلة هشام الصغيرة فحتى أعمامه










 وابناؤه كانت علاقتها بهم جيدة للغاية .. حتى شهاب بالرغم من جديته وصرامته كان يعاملها بلطف ورقي مخبرا إياها في كل طلب إجازة بسبب







 جلساتها إنها واحدة منهم فهي مثلها مثل أختيه وبنات عمومه يحق لها ما يحق لهم مزيحا خجلها ذلك بكل رقي واحترام ..









تذكرت فترة عمليتها وكيف وقف الجميع بجانبها حتى حماتها التي قلقت من ردة فعلها لكنها فاجئتها بزياراتها المتكررة لها والتي كانت مليئة بالدعم والرفقة الحسنة ..










وكم أنبها ضميرها على شكها بها بهذه الطريقة لكن إضطرابها النفسي وقتها سيطر عليها بقوة .










.
هي تعلم جيدا أنها بفسخ خطبتها هذه سوف تفقد إنتمائها لعائلة كاملة .. عائلة لم ترَ منهم سوى كل خير لكن عزائها الوحيد أن هذا كله لصالح هشام قبل أن يكون لصالحها ..
دلفت الى الشركة بخطوات مترددة قبل أن تتجه نحو المصعد وهي تستقبل التحية من جميع من يراها فهي لطالما كانت محبوبة من الجميع حتى قبل خطبتها من هشام .. 
كانت تتلقى عبارات التحية المكللة بإبتسامات صافية ودعاء البعض لها بالشفاء والعمر الطويل بعدما يسألونها عن وضعها الحالي خاصة إن هذه زيارتها الأولى للشركة بعد العملية التي أجريت منذ أشهر رغم أن جميع الموظفين قاموا بزيارتها والعديد منهم كرروا زيارتهم لها مرة او اكثر ..
دلفت الى المصعد وضغطت على زر الرقم تسعه حيث يوجد مكتب هشام ..







توقف المصعد في الطابق المنشود لتُفتح الباب لها فتخرج منه وتسير نحو مكتب هشام فتجده يقف أمام سكرتيرته يلقي بعض التعليمات عليها ..
" مرحبا .."









قالتها بصوت مبحوح ليلتفت الاثنين إليها بعد سماع تحيتها فيتأملها هشام بعدم تصديق بينما ترحب بها سمر السكرتيرة بسعادة حقيقية وهي تقول بحبور :
" لينا ..وأخيرا عدت .






. حمدا لله على سلامتك .."
ثم جذبتها بعناق صادق بادلتها لينا إياه لتبتعد عنها بعد لحظات فيهتف هشام بصوت هادئ :
" أنرتِ الشركة يا لينا .."
أجابته برقة لطالما تحلت بها :
" أشكرك يا هشام .."









قال هشام وهو يشير الى سمر :
" سمر من فضلك لا تدخلي أحد إلي في المكتب وإطلبي للينا نسكافيه ولي قهوة معتدلة الحلاة .."
أومأت سمر برأسها بينما أشار هشام لها أن تدخل لتسبقه في الدخول الى المكتب الفخم والذي يليق بمنصب نائب رئيس مجلس الادارة ..
إلتفتت نحو هشام الذي كان واقفا يتأملها بصمت امتد للحظات قطعته هي بتردد :
" هل لنا أن نتحدث قليلا ..؟! هناك شيء هام يجب أن نتحدث به ."
اومأ برأسه وهو يجيب :
" بالطبع يا لينا .. أساسا أدركت منذ أن رأيتك أمامي أنك هنا لأمر مهم تريدين التحدث به .."
لطالما أدهشها مدى فهمه لها وكيف يستطيع قراءة دواخلها بسهولة لتجده يكمل وكأنه قرأ ما يدور في عقلها :
" لا تستغربي هذا .. بيننا عشرة مدتها حوالي سبعة أعوام .. سبعة أعوام كافية لأفهمك من نظرة واحدة .. "











تنهد قبل أن يكمل بجدية :
" أسمعك لينا .. قولي ما في جبعتك .. "
نظرت اليه بصمت شعرت أنه طال فقالت قاطعة إياه :
" لا يوجد الكثير في جبعتي يا هشام .."
أطرقت رأسها للحظات قبل أن ترفعه مجددا فتظهر ملامحها الشاحبة بوضوح ..






تأملته وبتأملها له رأت سنوات عمرها التي قضتها معه تمر أمامها كشريط سينمائي






 ملي بالكثير من اللحظات التي تحمل الكثير من السعادة والتفاهم والإمتنان ..
ترقرقت الدموع داخل








 عينيها بشكل ألمه فإقترب منها وقال وهو يمسك بكتفيها المتهدلين متسائلا بقلق صادق :
" ماذا هناك يا لينا ..؟! ماذا يحدث بالضبط ..؟!"
رفعت عينيها المعذبتين نحوه لتهمس بصوت ضعيف متحشرج :
" انا اسفة .. "
نظر إليها بعدم فهم استمر لثواني قبل أن يشعر بشيء بارد داخل كفه فيرفعه متأملا خاتمها الماسي لتهز رأسها بأسف وهي تبتعد عنه دون أن تنتظر ردا منه ..
………………………………………………………………..

هبطت مرام الى الطابق السفلي الذي كان يبدو خاليا من الجميع ..
أوقفت احدى الخادمات التي مرت بجانبها وسألتها عن أصحاب المنزل لتخبرها







 إن عمها وزوجته خرجا في زيارة الى أحد اصدقائهما بينما صفا في غرفتها وكذلك سراج هو الآخر في غرفته ..










أومأت برأسها متفهمة ثم شردت قليلا وهي تتذكر معاملة سراج الجافة لها طوال الثلاث أيام المنصرمة ..









هي تعترف أنها اخطأت بإلغائها الموعد لكنها بالفعل كانت غاضبة ومرهقة في نفس الوقت ..
لقد خسرت موعدها في الوزارة وفوق هذا إلتقت بذلك البغيض .. كل شيء اجتمع ضدها في ذلك اليوم فلم تمتلك المزاج الجيد للصحبة ..
لا تفهم لماذا يتصرف سراج بهذه الطريقة ..؟! لماذا دوما يشعرها بأنها غير مبالية به..؟! أنها لا تهتم به بالشكل الكافي .. ؟! ماذا ينتظر منها ..؟! حقا لا تفهم ..
هي لم تعده بشيء .. لا بمشاعر ولا أي شيء أخر .. كانت واضحة معه منذ اول يوم .. ارتباط بشخص شعرت إنه يناسبها .. شخص يمكن أن يصبح زوجا لها ..
هي حتى أخبرته أن علاقتهما في طور التجربة .. وإنه لا يوجد ضمان لأي شيء .. فهما في مرحلة اختبار مقدار توافقهما سويا ..
تنهدت وهي تفكر جديا في انهاء هذه الخطبة .. فسراج يريد ما لا تستطيع هي أن تمنحه إياه ..
هو يبحث عن أشياء ليست موجوده عندها ولا تنوي أن تجعلها موجوده ..
فكرت إن إنهاء الخطبة ليس قرارا سيئا او مفاجئا فهي أوضحت له مرارا أنه من الممكن أن تنهي هذه الخطبة في يوم ما ..









تأملت خاتمه في يدها للحظات قبل أن تشعر به يهبط درجات السلم فتستدير نحوه وتتأمله بملابسه الأنيقة كالمعتاد لتنادي عليه فيتوقف مكانه بعدما تجاوزها غير مباليا بوجودها كالعادة ..
التفت نحوها بوجه متجهم فحدقت به للحظات قبل أن تقول بهدوء :
" أريد أن أتحدث معك يا سراج .."
رد بصوت فاتر :
" أسمعك .."
قالت بسرعة وثبات :
" أريد إنهاء الخطبة .."
ثم شعرت براحة تحتل كيانها بعدما قالته عكس ما توقعت ..
فيبدو بالفعل إن خطبتها هذه كانت تخنقها لا اراديا ..
تأملت ملامحه الغير مقروءة قبل أن يهتف فجأة ببرود غريب :
" كما تريدين .."
حدقت به بدهشة أخفتها فورا وهي تخلع خاتمها وتعطيه إياه ليأخذه منها وهو يتأمله بتمعن قبل أن يعاود النظر إليها وهو يبتسم بتهكم ويقول بنبرة قاسية :












" وأخيرا انتهيت من هذه العلاقة الغبية .."
فرغت فاهها وهي تستمع لما قاله قبل أن تستوعب حقيقة أنه يحاول إستفزازها بكلماته تلك مثلما قصد استفزازها بتقبله أمر إنهاء الخطبة بهدوء وكأنه لم يخبرها مرارا عن سعادته بهذا الارتباط ..
شمخت برأسها وهي ترد ببرود :
" معك حق .. لقد كانت علاقة سخيفة بين إثنين لا يشبهان بعضيهما بأي شيء .. اثنان لا يوجد ادنى توافق بينهما .. من الجيد إنها إنتهت مبكرا لإن إستمرارها كان مرهقا بالنسبة لي .."
لمع الغضب داخل عينيه ليقول بسخرية :
" يا لكِ من مسكينة يا مرام .. إن كانت هذه العلاقة مرهقة لطرف معين فسوف تكون لي بالتأكيد وليس لكِ .."
اقترب منها بضعة خطوات ثم قال :
" انا الذي تحملتك بكل عيوبك .. عجرفتك .. غرورك .. بينما أنتِ تتفننين في القيام بأشياء تزيد من نفوري منك .. أنتِ ماذا تظنين 











نفسك ..؟! أخبريني .. تثقين بنفسك ثقة عمياء .. تظنين نفسك محور الكون .. الجميع يخطأ ومرام لا تخطأ .. 








الجميع مليء بالعيوب ومرام قمة المثالية .. تتبججين في تعظيم نفسك دون أن تستوعبين أنكِ لا تساوين شيئا من الأساس .. 







هزت رأسها بعنف وهي تقول بقوة :
" كلا يا سراج .. انا لست هكذا ولم أكن يوما هكذا .. إن كانت شخصيتي لا تناسبك فهذا لا يعطيكِ الحق بأن تقلل منها وتتهمني 







بأشياء ليست صحيحة .. تلك الثقة التي اتحدث عنها هي ثقة طبيعية يمنحها الله للعديد من الأشخاص 






.. ليس ذنبي ان كنت تفسر كلامي على انه تبجح وتباهي .. كما أنني لم ارَ نفسي يوما محور الكون لأنني






 بالأساس لا اهتم بأحد .. لا يهمني هذا او ذاك .. ولا أهتم كيف يروني .. ولا ماذا يقولون عني .. لم أضع يوما أحد ما في حساباتي .. ولم أقل أن هناك من يضعني في حساباته او يهتم بي بشكل مبالغ او يتقصدني .. كما أنني لم أقل أني مثالية .. بل أعترف دوما بعيوبي لكنني أحبها .. أحب تلك العيوب بكل ما فيها لأنني بإختصار أحب نفسي يا سراج .. أحب نفسي كما هي وأفضلها بهذه العيوب .. بهذه العيوب التي لا تعجبك انت وغيرك .. كان بإمكاني أن أخبرك عن عيوبك ايضا لكنني لست من هذا النوع الذي يبدع في اخبار الناس بعيوب شريكه ومعاناته معه بعد الإنفصال .. مستواي أرقى بكثير من هذا لأنني تعلمت أن نهاية أي علاقة مهما كانت يجب أن يسودها الود والإحترام .. "
ثم تركته ورحلت ليقف هو يتابعها وهو يغلي غصبا فهاهي كالعادة لا تهتم ولا تسمح له أن يؤثر بها أبدا حتى بتلك الكلمات الذي قصدها كلها ..
……………………………………………………………..
مساءا ..
وقف جواد في المطبخ يعد له كوبا من القهوة عله يساعد في تخفيف صداع رأسه ..
ما إن بدأت القهوة بالغليان حتى صبها في كوبه ثم حمل الكوب وقرر أن








 يخرج في الحديقة ويتناول قهوته ويتنفس القليل من الهواء النقي في نفس الوقت ..





اتجه الى الخارج مارا بصالة الجلوس حيث لاحظ هالة التي تسير ذهابا









 وإيابا وهي تذاكر بصوت عالي بينما أخيه غيث منزعج من إصرارها على المذاكرة خارج غرفتها وإزعاجهم ..








خرج من المنزل ليقف في منتصف الحديقة يتناول قهوته ورغما عنه شرد فيها وظهورها الصادم له ..
ظهورها الذي أعاده لسنين








 مضت .. سنين جمعتهما سويا حيث كانت هي  مجرد مراهقة صغيرة وهو بدوره كان في طور البلوغ ..
أغمض عينيه للحظات قبل أن يفتحها وهو يسمع صوت رنين هاتفه ليجد أحد الصيادلة اللذين يعملون تحت أمره يتصل به فيخبره عن وجود مشكلة في الصيدلية إكتشفها وهو يراجع بعض المتعلقات التي تخص العمل ..
أغلق هاتفه بعدما أخبره أنه قادم ثم سارع في تبديل ملابسه وذهب الى هناك ليبقى لأكثر من ساعة يراجع الحسابات وأشياء اخرى ..
عاد الى القصر وهو يفكر بالنوم فورا حتى صباح اليوم التالي ..









اقتربت بسيارته من القصر ليلمحها وهي تخرج من من الفيلا ترتدي معطف كحلي طويل  يغطي معظم جسدها بإستثناء نهاية ساقيها وقدميها المزينتين بحذاء كريمي أنيق ذو كعب عالي .. 
التقت نظراتها بنظراته لتشيح بوجهها بعيدا عنه بشكل أدهشه وأخذ يسأل نفسه لا إراديا .. 
من يجب أن يشيح وجهه بعيدا عن الأخر ..؟! أنا أم هي ..؟!
هم بإدخال سيارته في الكراج  لكنه فوجئ بها تنتفض من مكانها ليلمح كلبا بوليسيا يقترب منها فسارع للهبوط من مكانه وهو يتذكر جيدا خوفها الشديد من الحيوانات وخاصة الكلاب ..
سارع نحوها ليجدها تتراجع الى الخلف قبل أن ترتطم بالحائط خلفها فتشهق برعب وهي تحيط جسدها بذراعيها وترتجف كليا ..
أبعد الكلب مسرعا والذي جاء صاحبه بدوره وسحبه بعدما إعتذر منه بسبب عدم سيطرته عليه ليفر هاربا منه على غفلة..
استدار نحوها يرمق وضعيتها تلك بدهشة فهي تحتضن جسدها وكل شيء بها يرتجف بينما ملامح وجهها توشي برغبتها الشديدة بالبكاء ..
تقدم نحوها رغم ضيقه الشديد منها ومما فعلته مسبقا ليهتف بصوت هادئ :
" اهدئي ماريا .. لقد ذهب الكلب .. "
ابتلعت ريقها وهي تنظر إلى آثره وجسدها ما زال يرتجف بقوة لتغمض 








عينيها وتأخذ نفسا عميقا عدة مرات قبل أن تفتحهما وتهمس بصوت متردد خافت بالكاد سمعه :
" شكرا .. "
رد بهدوء :
" العفو .."
حل الصمت المطبق بينهما قبل أن يقول بجدية :
" برأيي عليكِ الدخول الى الفيلا حتى يصل من تنتظرين .. الجو بارد








 والمنطقة شبه مظلمة .."
حدقت به للحظات وهي تفكر إنها خرجت قبل مجيء عصام بعد حديثها مع 






والدتها والذي أدى الى شجار عنيف وكلمات قاسية سمعتها من والدتها لتنسحب بسرعة خارج الفيلا وهي لا تطيق البقاء معها في مكان واحد ..
قالت بسرعة :
" من أنتظره سيصل بعد قليل .. "
" حسنا كما تشائين .."
قالها بجدية وهم بالرحيل قبل أن يعاود النظر إليها لوهلة فيسألها بإندفاع غريب عليه :






" لماذا عدت يا ماريا بعد كل هذه السنوات ..؟!"
حدقت به مدهوشة من سؤاله هذا بنبرته الغريبة تلك لتخفض رأسها وهي تسأله بدورها :








" لماذا يهمك سبب عودتي يا جواد ..؟! المهم إنني عدت .. "





ثم رفعت وجهها بملامحه الباردة نحوه وقالت بصوت مبحوح :
" أم إن عودتي أزعجتك يا جواد .."
تأملها للحظة قبل أن يرد بهدوء :





" عودتك لا تعنيني يا ماريا كي تزعجني .. بالتأكيد لن أنزعج لأن الأمر لا يهمني 





.. إنه مجرد سؤال لا أكثر .. وأنتِ حرة في الجواب عليه من عدمه .."
همت بالرد لكنها فوجئت






 بعصام يقف أماميهما دون أن تستوعب متى وصل ..
نظر جواد الى عصام الذي عرفه فورا بعدم استيعاب بينما اقترب الأخير من 






ماريا قابضا على خصرها بتملك تحت أنظار جواد المصدومة قبل أن يهتف عصام بصوت قوي :




" اهلا جواد .. كيف حالك ..؟! "
ثم أردف وهو يبتسم لماريا بثبات :
" كيف حالك ميمي …"





شحب وجه ماريا كليا بينما عاد عصام بأنظاره نحو جواد وهو يقول :





" لم أكن أعلم أنك تعرف خطيبتي ماريا يا جواد .."
والصدمة كانت قاسية 






هذه المرة وجواد يتأمل ماريا بجانب عصام الستيني وهو يحيط خصرها بكل عنجهية بينما نظراته 





إليها مليئة بالرغبة المقززة ..
لحظات وحاول ان يستوعب ما سمعه .. ماريا وعصام ..
عصام حامد .. ذلك الرجل الذي تسبقه سمعته .. سمعته الملطخة





 بالكثير من الإشاعات المرعبة والتي يشك إنها إشاعات كما يدعي هو ..


                                 الفصل الرابع من هنا




تعليقات