Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية جحر الشيطان الفصل الخامس عشر15بقلم ندي ممدوح


رواية جحر الشيطان
 الفصل الخامس عشر15
بقلم ندي ممدوح




وَقفت ( خديجة) أمام المشعل تعد العشاء للجميع، لم يكن هُنالك غيرها، وبينما هي تعد وتقلب ما أمامها






، ظهرت ( وعد) بغتة خارج المطبخ على مقعدها 




بمقلتين تقدح شرارًا و وجهًا يطفر غضبًا، حدقت في النار المشعلة اسفل الإناء فإذا بنار مهيبة  مخيفة 




ترتفع فـ تلقائيًا أندفعت ( خديجة) مصعوقة من هول ما رأت متقهقره للوراء حتى اوشكت على السقوط على ظهرها لولا تمسكها بحافة الطاولة، بسملت تلقائيًا 



فـهدأت النار حتى توارت تمامًا وكأن شيئّا لم يكن... قامت وما زال بصرها معلق على الموقد أمامها فـ اطفئت الشعلة سريعًا و ولت هاربة


 متوجسة خوفًا وقد ظنت أنها تتوهم ذلك او خُيل لها، ظلت عيناها زائغة طيلة الوقت، تتلفت يمنى ويسر في وجل، وجُل ما في نفسها أنها تتخيل فقط، رغم أن مظهرُ النيران وهي ترتفع حتى كادت أن تلامس السقف لا يبرح ذهنها،




راحت تطمئن فؤادها وتتلو بعضًا من الذكر الحكيم لتُسكن روعها الهائج.. ومر باقي الليل في سلام. 

🍂 اللهم إني أعوذُ بك من عذاب القبر، وفتنته، وظلمته، و وحشته🍂

كان القلق يتآكل من شِغاف قلبها بشدة، بل يلتهمه إلتهامًا لكنها كـ العادة لا تبوح لأحد، وكيف تبوح وهي خرساء، كحياتها الخرساء تمامًا حتى الألم باتت تخرسه في فؤادها وتجمحه بداخلها، حين يفيض قلبها ألمًا وينبضُ بالأوجاع تهرع إلى لوحاتها وفرشاتها والوانها فترسم ألمها عساه يبرح فؤادها لكنه كـ الغراء يظل ملتصقًا مهما حاولت نزعه، فـ الحزن يبقى مقيمًا داخل الفؤاد لا يُبرح مكانه مهما جار عليه الزمن... 
وعبر نافذة غرفته كان يرتكن بجنبه على حافتها عاقد الساعدين مرتخي الرأس إلى الجدار يتأملها دون ملل كأنها لوحة بديعة صعب إبداعها مرةٌ أخرى، يتبسم قلبه ويُزهر مع كل حركةٌ، همسةٌ، إلتفاتةٌ منها فتفعل في قلبه فعل السحر او أشد وتأخذ قلبه المتيم بها.... 






وما زال على حاله من تأملها المشدوه، حين هتف فيه  ( مالك) في مشاكسه حينما دخل ولم يشعر به وأمسك به يتأمل ( ملك)   : 
- يا جدع ارحم قلبك بقا  .. والله حرام. 
أُجفل  ( معاذ) مضطربًا وتبسم في توتر مردفًا  : 
- في إيه يا عم؟ وبعدين في حد يدخل على حد كدا  ؟ 
قال  ( مالك) وهو ينظر للأسف ويده على منكب ( مُعاذ)  : 
- عشان في حد فقد عقله ممكن مش منتبه للباب ولا اللي بيخبط وعقله في جهة تانية خالص مالص. 
ضربه ( مُعاذ)  على صدره يدفعه للدخل وهو يهتف في جدية  : 
- طب أبعد يا خفيف يا خفيف. 
سقط ( مالك) متعثرًا من إثر دفع ( معاذ) على الاريكة ودون إنتباه اندفع الآخر فوقة وقبل ان يتدركا نفسيهما او ما حصل وهم على وضعهما المضحك حيثُ مالك جالس وفوقة معاذ بكامله، انطلقت ضحكات خالد وعاصم، وابتدر خالد قائلًا وهو يضرب كف بكف متحسرًا  : 
- اي ده اموت وأعرف الدنيا جرى فيها إيه  ، مش مكسوفين من نفسهم وانتوا بتعملوا كدا! 
تبادلا مالك ومعاذ النظر في دهشة وإلتفتا إلى عاصم الذي قال في أسف  وهو يربت على كتف خالد.  : 
- هي الدنيا كدا يا بني مفيهاش أمان حتى مع الصحاب. 
توبة استغفر الله دول عايزين طلقتين في نفوخهم جبولنا العار چبر يلمهم. 
أنتفض معاذ مبتعدًا وكذلك مالك الذي اسرع نحو الفراش وامسك بالوسائد يلقيها عليهم قائلًا في غيظ  : 
- بتقول ايه يا زفت إنت؟  چبر (قبر) يلمك وحدك. 
تلقفا الشابين الوسائد وهم يقهقها، وتقدم خالد وهو يقول في جدية: 
- هو انتوا كنتوا بتعملوا إيه؟ 
غمز له مالك وقال مازحًا  : 
- تيجي أقولك؟ 
اومأ خالد موافقًا وأقترب بأذنه من فم مالك الذي صرخ في صوت عال، جعل خالد يقفز في مكانة وهو يسد اذنه دافعًا إياه للخلف بـ إذدراء. 
وبعد إنخراطهم في الضحك والمزاح الشافي للفؤاد، جلسا على فراش معاذ يتهامسون.. 
علا رنين جوال خالد ورفعه في عجل وهو يرد على حمزة الذي طلب منه الحضور لأمر عاجل هو و عاصم، فغادرا عى الفور.. 
تنهد مالك وهو يستلقى مشبكًا كفيه خلف رأسه قائلًا  : 
- يا رب ترجع دارين بخير، أنا خايف اوي عليها وعلى خالتوا عائشة. 






- وأنا كمان. 
قالها معاذ وهو يحذو حذوه، وتابع داعيًا في تمنى  : 
- يا رب يرجعها لينا بخير ويحفظها من كل سوء... 
أمن ( مالك) على دعاءه في تضرع، وقال فجأة في مكر  : 
- تعرف يا مالك  ؟  انا في وحدة هنا بحبها حب يا بني ميتوصفش واحلى حاجة فيها انها مش بتتكلم وبتحب الرس.... آه آه ايدك يا غبي.. 
صرخ بها ( مالك) منتفضًا حين أنقض عليه ( معاذ) من ملابسه ثائرًا في وجهه يهتف في غضب جلي  : 
- أياك يا  مالك إلا ملك أنت سامع والله انا.... 
قاطع كلماته ضحكات ( مالك) وهو يعتدل جالسًا يضرب كف بكف، وقال في حسرة  من بين ضحكاته ويهز رأسه في أسف  : 
- يا عيني على الحب لما يبهدل صاحبه، يا ابني كنت عاقل جرالك إيه الله يحرقك، إلا ملك مين   . 
قهق بملئ فيه وقال  : 
- ملك دي اختي يا غبي، الحب عمل فيك آيه، عقلك اتلسع خالص ما شاء الله. 
دلك ( معاذ) مؤخرة عنقه في حرج وبسمةٌ بلهاء، فوضع ( مالك) كفه على منكبه وقال وبصره معلق ببصر مالك  : 
- مينفعش تحب حد من غير ما تقرب من الشخص ده وتعرف اللي في قلبه ليك عشان متتوجعش، حاول تتقرب منها يا معاذ واعرف إذا بتكن لك حاجة ولا لأ، أنت كنت اقرب حد ليها ويمكن ما زال فــ متعلقش نفسك في حبال دايبة ممكن توقعك في اي لحظة، أحسم مشاعرك يا معاذ وشوف مشاعرها. 
صمت معاذ مفكرًا وكلمات مالك تدور وتتقلب في ذهنه، وخيم عليهما السكون، قاطعه صوت معاذ يقول في تردود  : 
- في رايك احاول أبين لها  ؟ 
رد عليه مالك في بساطة  : 
-طبعًا يا بني هتستنى إيه؟ انت ما شاء الله بتشتغل وتصرف على نفسك من صغرك و شاب وحليوة وشقتك وبتجهزها من تعبك ومهندس قد الدنيا اثبت نفسك رغم صغر سنه، هتنتظر إيه عايزين نفرح بيك يا خويا. 
لوى معاذ فمه في سخرية من كلماته فرفع مالك حاجبه دهشة وغمغم  : 
- إيه يا خويا مش عجبك كلامي. 
هم معاذ أن يجيبه فأخترق جلستهما صوت لمياء وهي تدخل ممسكة بصنية محملة بمشروبات وبضع شندوتشات لهم تقول في حنق: 
-لا مش عجبه ولا في حاجة عاجبه. 
وضعت الصنية في عنف أجفلهما وقالت  : 
-خدامة ابوكم عملتلكم العصير والسندوتشات يارب ما تعجبكم زي ما انتوا مش عاجبني. 
رمقتهما في سخط وهي تغادر في إكبار، لم يتمالك اي منهم الرد إذ ظل بصريهما معلق في إثر ذهابها قبل ان ينظرا لبعضهما في بلاهة ويقول مالك في تعجب  : 
- هي البت دي مالها بينا كدا بتعاملنا كدا ليه كأننا عدوينها. 
مط معاذ شفتاه وهو يهز كتفيه علامة عدم المعرفة وشوح بكفه قائلًا وهو يلتقط الصنية يضعها في حجرة  : 
-سيبك يا عم منها هي على طول كده. 
- غريبة اوي، البت دي لازمها تربية. 






دفعه معاذ بالسندوتش في صدره مغمغمًا  : 
-متحترم نفسك يا عم انت خُد كل وانت ساكت. 
قضم مالك من السندوتش على مضض وقال  : 
- إيه البيت اللي الواحد ميعرفش يهزر فيه ده؟ 
وتابع وهو ياخذ قضمة اخرى  : 
- ليه سدين نفسي على الأكل دايمًا كدا اكل فين يعني؟ 
حدجه معاذ في بلاهة قبل ان يقهق عليه في غلب ويتابعه وهو ياكل واحدًا تلو الأخر.... 

🍃 اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار 🍃

لملمت أشياءها مع جرس إنذار أنتهاء الحصة، وقبل مغادرتها الفصل أوقفها صوت فتاةٌ تقبل نحوها في عجل، وقالت وهي تمد يدها بورقةٌ مطوية  : 
- مِس لمياء، إتفضلي. 
تناولتها منها ببسمة وأنصرفت، لقد حزت على حب طلابها بدرجة كبيرة لم تكن تتخيل ان تصل إليها، كما أنهم باتوا يعتبرونها أخت وصديقة فـ اصبحوا يبثون لها بما في قلوبهم وهي تنصحهم، قررت بعمل ما قاله لها أخيها( معاذ) بخصوص صندوق الصدقة، وبالفعل وجدت اقبال من الطالبات يتصدقن بعد ما قصت لهم عن فضلها، ثُم قررت بأن تخصص حصة على ان يكون كل موضوع فيها غير الذي قبله، فمثلًا.. اول حصة طلبت منهم مقال عن ( سر السعادة) لتعلم تفكير كُلاٍ منهن، وفي أخرى قَصة عليهن قصة من قصص الصحابة التي تضمن عبرة، وهأنذا كانت هذه المرة للأسئلة التي تدور في خلدهم على ان يكتبوها في ورقة وهي ستجيب ببساطة، سوا موضوع شخصي أو مشكلةٌ ما، او هم يعتمل قلوبهم  ......  إلخ. 
جلست خلف مكتبها وراحت تنفض الرسائل واحدة تلو الأخرى  ..  وبينما هي كذلك إذ جذب أنتباهها فتاتين يبكيان في اخر الرواق من فصلها فقامت في قلق وأتجهت إليهم وسألتهم أن كان بهما شيء، فما أن نطقت بسؤالها حتى أرتمت احداهن في حضنها تبكي بشدة فربتت على ظهرها في قلق وأخذتهما إلى مكتبها، أنتظرت ( لمياء) حتى هدأت الفتاة تمامًا فسألتها في إلحاح حتى همهمت بنبرة مختنقة وهي تشهق  : 
- المديرة قالتلي لو مدفعتش المصريف هترفض! 
ضيقت ( لمياء) عينيها، وقالت  : 
- وإيه سبب انك لسه مدفعتيش لحد الآن يا آية؟ 
أنفجرت الفتاة باكية مجددًا وهي تهمس في خفوت  : 
- بابا سبنا.. بسبب الديون اللي عليه  .. وماما مش معاها عشان تدفع ليّ المصريف.. وكمان احتمال تتحبس عشان ديون بابا. 
خيم السكون عليهن، والد الفتاة هرب،والأم يمكن أن تُسجن بسبب الديون المتراكمة على كاهلها!  ليس بأمكانها فعل ايّ شيء! وبالطبع المدرسة لن تُقدر ذلك. 
ضمت ( لمياء) كفيها في راحتيها وبزغت بسمةٌ مطمئنة على ثغرها، وقالت في هدوء  : 
- ولا تبكي ولا تزعلي نفسك بإذن الله محلولة  .. قومي روحي فصلك ومتشليش هم ولا تفكري. 
ثُم برفق مدت اناملها تزيح دمعها فترددت الفتاة والقلق يستبد بها وهتفت في قلق  : 
- تقصدي إي يا مِس لمياء؟ 
قالت ( لمياء) وهي تربت على كتفها  : 
- ثقي فيا ومتفكريش يلا.. 
انصرفت الفتاتين، وقد عزمت هي على سداد مصروفاتها المدرسية، ودفع ديون أبيها ليعود لهم.... 
جلست خلف مكتبها وانكبت على قراءة فحوى الورق، و إذ بها فجأة كمن أصابة مس كهربائي، إذ ارتجفت واقشعر بدنها واتسعت مقلتيها وهي تكرر إعادة كلمات أحدى الورق  :





 
- مِس لمياء، انا مش عارفه أقولهالك إزاي، بس انا تعبانة اوي، بكره البيت بتاعنا جدًا، باجي المدرسة وبتمنى ما تخلص ولا ينتهى الدوام، بخاف اوي أروح...............) 
رمشت بعيناها تحاول استيعاب ما تقرأ من كلمات وضحت لها أن صاحبة الرسالة تواجه تحرش من عمها وهي غير قادرة على النطق لأي احد من والديها، كلماتها زُلزلت قلب ( لمياء) التي تكاد تموت رعبًا من تلك الفكرة  ... طوت الرسالة مجددًا وقد تجمدت الدموع بحدقتيها تكاد تغلبها  ..  و احست بالتيهة والعجز. 
رن الجرس معلنًا عن أنتهاء الدوام، فنهضت بقلبُ مكلوم مثقل بالألم ولملمت اشياءها شاردة وخرجت تسير كـ المتغيبة، تنظر في وجوه الفتيات في غرابة، حتى انها لم تجب على بعد التحيات من الفتيات او سلامهن، كيف تشعر بهن؟  وهي تحدق في وجوههم تبحث عن وجه صاحبة الرسالة، تود أن تسألها كيف ما زالت تحيا بذاك العبئ القاتل، والسر المميت... 
ما زالوا صغار هما في نظرها في الثانوية العامة ما زالوا على غير كفاءة لتلك الحياة وثقلها... 

🌿أعوذ بالله من فتنة المحيا والممات 🌿

وجدت نفسها في المشفى  .. لماذا جاءت ولِمَ بالتحديد لا تدرك ذلك، شيء ما ساقها إلى ها هنا.. شيء لا تدرك كنهة بالأساس.. 
إذدردت لعابها وهي تسير في الرواق مبتغية مكتب ( مالك) بعد ما علمت بوجوده فيه من أحدى الممرضات، وقفت ( لمياء) أمام الباب حائرة تريد أن تعود ادراجها.. وبداخلها شيءٌ كـ المغناطيس يجذبها، أخذت تفسًا عميقًا تستعيد شتات نفسها ورفعت كفها تطرق على الباب بخفوت، فجاءها صوته العملي يأذن لها بالدخول، ففتحت الباب فما ان رآها حتى صاح غير مصدقًا انها امامه  : 
- إيه ده لمياء  ؟ 
ضيق عيناه، وقال مازحًا  : 
-يا ألف نهار أبيض دا انتِ ولا أنا بتخيل. 
- هرجع تاني وربنا. 
قالتها ( لمياء) في غضب وهي تشير للخارج، فاعترض قائلًا وهو ينهض  : 
- ترجعي إيه بس  ..  انا بهزر معاكِ  ..  نورتي مكتبي يا ست البنات  .. تعالي أقعدي.. 
جلست وجلس مقابل لها، فتنحنحت وهي تضع حقيبتها فوق المنضدة الفاصلة بينهما وقالت في جدية  : 
- جيالك في موضوع مهم يا ملك  .. بخصوص حالة نفسية اعرفها. 
أبدى اهتمامًا حثيثًا وهو ينصت في تركيز، فتابعت قائلة  : 
- هو ممكن لما بنت عندها 16 سنة وتتعرض للتحرش انها تصاب بحالة نفسية. 
رمقها في تفكير وهو يضع أنامله اسفل ذقنه مفكرًا، وصمت لبرهة قبل ان يجيبها في تأني  : 
- بالطبع لازم تُصاب يا لمياء، على العكس تمامًا دي ممكن تقلب معاها بعقدة، انها تكون خايفة طول الوقت من اقرب ما ليها، وبتشكك في كل اللي حواليها، أبوها اخوها عمها خالها ولادهم هكذا لكن لو خضعت للعلاج المبكر فـ شيء أكيد هتخف. 
صمت لهنيهة وهو يميل بجذعة مشبكًا كفيه متسائلًا  : 
- مين دي يا لمياء؟ 
تساءل، لكنها لم تسمع  .. لم تكن معه، غائبة مفكرة تائهة لقد تذكرت صاحبة الورقة، الفتاة التي  دائماً هادئة من وسط زميلاتها  ..  لا تتحدث إلا لماما  وجودها طفيف للغاية كانها غير موجودة مع أنها لا تنكر تفوقها وذكاءها...تنبهت من شرودها على ترقعت أنامل ( مالك) في وجهها وهو يقول  : 
- إيه يا بنتي روحتي فين؟ 
إلتفتت له ( لمياء) وقالت في ترقب  







- ولو المتحرش حد قريب ليها؟ 
تحلى مالك بالجدية والعملية وهو يعقد كفيه متكئًا لظهر المقعد وبدأ في شرح الحالة لها وكيفية العلاج وضرورته وسلبيته... 

☘️ اللهم قني عذاب يوم تبعث عبادك ☘️

كانت تبكي بصوتٍ مكتوم مبحوح وهي تتحدث في الجوال قائلة في توسل ورجاء  : 
- عشان خاطري يا علي  .. عشان خاطري متسبنيش مش هخرج من غير أذنك تاني بس بالله عليك متسبنيش  ... انا اموت لو سبتني. 
قاطعها الطرف الآخر قائلًا في تأفف  : 
- ما خلاص بقا يا شيماء قولتلك خلاص وحلي عن نفوخي انا مش ناقص.. 
انهى عبارته واغلق المكالمة، لتثور مهتاجة تبكي في عنف يمزق القلب، لقد شغفها حبًا وحسم الأمر، واصبحت متيمة به، حبيبها وخطيبها هو لكنه قاسي ربما، فتارة يعايرة انها كانت تحادثه قبل الخِطبة، وتارة يهددها بالهجر ان خالفت كلامه، غير مسموح الخروج من باب البيت دون أذنه، وان خرجت قام عليها جلدًا بالسوط على فؤادها الضعيف في حبه، في أحيان يطلب صورها بملابس تكشف أكثر ما تستر  .. ما المانع ان تبعثها لهُ تحت بند الزواج وإنه العاشق الولهان الذي يخاف عليها اكثر من أبيها ومشتاقٌ حد الموت، وأن أبت  هاج وثار وأبتعد مهددًا أيها بالبعد والرحيل، فتعود إليه ذليلة منكسرة وتفعل ما يريد كـالمتغيبة  .. وهي متغيبة حقًا في عشقه، عمياء القلب والبصيرة لا ترى حقيقة خدعة التي زُينها لها في إطار الحب الزائف الذي سيتهشم من أدنى ارتطام طفيف  .. حقيقةٌ ان مراية الحب عمياء فصاحبها لا يرى عبرها ألا المظاهر، وما خفى فيها كان اعظم وأمر... 
كم مر من الوقت لا يهم فقد أستيقظ شيطان نفسها الذي يصور لها السعادة في بث الكره في قلوب محبيها لمن احبوا. 
اعتدلت وكفكفت دموعها واجرت إتصال على ( اروى) لم يدم الرنين طويلًا إذ جاء رد ( اروى)  تقول في لطف  : 
- السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته يا شوشو.... فينك يا بنتي مش باينه ليه؟ 
تحمحمت تُجلي حنجرتها لتمحو اثر البكاء، وهي تبتسم قائلة  : 
- الحمد لله يا رورو أنتِ عاملة ايه يا حبيبتي؟ 
- بخير الحمد لله.. بردوا منوتيش تخرجي كدا وتيجي. 
- إن شاء الله هاجي  ... 
سكتت لـ هنيهة ثم قالت في نبرة تقطر مكرًا وغلًا  : 
- ألا صحيح عملتِ أيه في اخر مهمة أصل اللي سمعته ميطمنش... 
- ايه اللي سمعتيه  ..  قولي يا شيماء على طول، في أي؟ 
قالتها، اروى في توتر ممزوج باللهفة  ..  فردت ( شيماء) ببسمة خبيثة خُفت عن عيني ( أروى)  وهي تقول في أسى مشوبة التردد  : 
-أصل حمزة بيقول  ..  بيقول أنك يعني! 
سألت ( اروى) بصوت خافت باهت وهي تذدرد ريقها  : 
- قال أيه يا شيماء، بالله لتقولي وألا هزعل منك. 
- لا لا مفيش حاجة انا بهزر. 
قالتها بأسف متعمد، فصاحت فيها اروى وهي تكاد تجن: 
- بالله لتقولي يا شيماء والا بجد مش هكلمك تاني. 
تنهدت ( شيماء) تنهيدة عميقة وبخت سمها مغمغمة في خبث  يُزهل الرائي  من تمثيلها المتقن : 
- الصراحة مش عارفة أقولهالك إزاي، ولكن  ..  حمزة بيقول انك فاشلة ودا مش مكانك، 




وإنك...  مش بتعرفي تعملي حاجة وانك في كل مهمة بتكوني زي الهبلة او زي اللي غرقان ومبيعرفش يعوم، وكان بيشكر في حبيبته ريتاج بيقول انها ممتازة جدًا وناجحة وشايف ليها مركز أعلى في خلال ايام وبأنك هتفضلي زي ما انتِ...  أروى، الو اروى.. 
نظرت في الهاتف فإذا بها اغلقت فانخرطت في نوبة من الضحك والسعادة، كيف تقتنص سعادتها من احزان الآخربن وتفرقتهم لا تدري لكن هي كذلك، تعلم علم اليقين بحب اروى لـ اخيها الذي تكرههُ وتحقد عليه وعليها كثيرًا، لماذا اخوها محبوب من الجميع إلا هي؟  لماذا لا يحبها احد ويفعل لأجلها  اي شيء وليس شخص تتوقع رحيله في كل حين و وقت... 
هل حدث وأن رأيت أحد يأخذ سعادته وفرحة فؤاده وبهجة حياته من حقده وغيرته على الآخرين  ؟  إذ لم تجد فـ أحذر فهم كُثر حولك توخى الحذر والأنتباه فهؤلاء يمثلون الحب ببراعة ويتقنون بث سمومهم بالقلوب. 

🥀 اللهم آتني في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة وقني عذاب النار 🥀

جمعت ( لمياء) الشباب والفتيات في حديقة المنزل بعدما نظمت جلسة من عدت مقاعد وأهتمت أن يكون للشباب مكانٌ خاص ليس ببعيد ولا قريب عن الفتيات حتى يتناقشوا، حضر الجميع لرغبتها  ..  بالطبع ما عدا ( شيماء) أبنت عمتهما ( سمر)  وعلى رغم الحزن القائم في قلوبهم على ( دارين) لم يوقفوا أعمالهم، فقررت أن تقضي وطرًا معهما. 
في صفين متقابلين كانا الشباب والبنات يجلسون بينهما ( لمياء) تروح وتجئ، وتحمحمت ثُم بدأت حديثها كأنها تعطي درس لطلابها في الصف  : 
- بصوا يا عيال  ... 




تبادلا الشباب النظر في دهش وهم يرددوا جميعهم في صوت واحد  ( عيال  ؟؟)  لم تبل ( لمياء) بذهولهم  .. بل رمقتهم بنظرة حادة من خلف نظارتها قبل أن تعدلها و تهتف في حدة  : 
-سكوت مش عاوزة صوت، أسمعوني. 
غشاهما الصمت وأوحيت وجوههم الأهتمام الشديد لحديثها حين قالت في حدة  : 
- عايزين نشترك في حاجة تساعد الناس، إحنا أكبرنا خلاص وكل واحد فينا بقي ليه شغل خاص، ومفيش مشكلة لو حددنا مبلغ بسيط من قبضنا نساعد بيه الناس... 
قاطعتها ( خديجة) قائلة وهي تضم ذراعيها  : 
- ما إحنا بنعمل كدا يا لمياء!!! 
سكنت ( لمياء) عن تحركها واستدارت ناظرةً لها، وقالت  : 
- حاجة عن حاجة تفرق يا خديجة! 
بدا الأهتمام على وجه خديجة، بينما أضافت ( لمياء)  : 
- لما انا اطلع مبلغ لوحدي مش هيكون زي ما هنطلع مبلغ كلنا في فرق، فكرة كتير لحد ما وصلت لحل... 
قاطعها ( خالد)  متسائلًا في اهتمام  : 
- اللي هو؟ 
إلتفتت له ( لمياء)  وقالت بنبرة تقطر حماس : 
- أننا نعمل زي جميعة أو مكتب نضيف فيه أسماء الناس اللي محتاجة ادوية ومش في أمكانيتها تجيبوه، اللي محتاح عملية او علاج او كشف ودي حاجة سهلة علينا وخاصةً ان المستشفى تحت امرنا.. ندور ونبحث في القرى عن اسماء الناس المحتاجة ونقدن المساعدة من غير ما حد يعرف وطبعًا هنعلن أننا بحاجة لمساعدة من الأشخاص اللي في مقدورها. 
قال ( مالك) مندهشًا  : 
- دا ليه كل ده 
صوبت ( لمياء) بصرها إليه وهي تتابع  : 
-  إحنا منعرفش كل الناس يا مالك وأغلب الناس متعرفش، إحنا بالجميعة دي هنشترك فيها كلنا ونشوف الجماعة رايهم بس بعد ما نقرر.. 
ثُم قالت في جدية وهي تعد على أصابعها  : 
-هنشوف بنات محتاجة تجهيز ونساعد اهلها، ناس عليها ديون ونساعدهم، شباب محتاجة شغل نساعدهم، نساعد الفقراء وخاصةً الأمهات اللي عيالهم... 
سكتت وأغلقت جفناها في عنف، وقالت في وجع وهي تفتحهما في بطئ  : 
- اللي عيالهم رموهم ونحاول نوفر لهم رعاية.. 
ران الصمت إلا من همس خفيف بينهما، في حين فاضت عينا ( لمياء) في ألم وذكرى أليمة تجوب في خاطرها تتذكر ذات يوم عيندئذ وجدت أمرأة تهتُش في الطرقات أخذتها إلى المركز وهناك جاء اولادها، رأتهم كيف كانوا يصرخون عليها وينكزوها بكل قسوة،  علمت حينها أنها أُصيبت في سكتة دماغية أدت لفقدانها العقل فباتت كالطفل الصغير، بحاجة لمن يرعاها ويعلمها كيف ترتدي ملابسها وتخلعها وكيف تأكل وتشرب وقضاء الحاجة، باتت كالرضيع بحاجة لمن 



يطعمه ويهتم بهِ من كل ناحية، فكانوا فيها من الزاهدين. 
لاقت ( لمياء) القبول لفكرتها من الجميع وقرروا بالفعل بتجميع المال فيمَ بينهم كما أنهم قرروا اعلان ذلك لمن اراد ان يساعد ممن معه.... 
بسمة مشرقة أُضيئت وجه ( خديجة) وهي تشعر بالفخر، كم جميل ان يتعاونا على فعل الخير فياتون يوم القيامة يدخلون الجنة سويًا وكما كانوا في الدنيا مترافقين متجاورين سيمسون بإذن الله في الجنة هكذا وأقرب.... 

🌹اللهم اصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرًا ومقاما 🌹

فكرت كثيرًا، بل طال بها التفكير، حتى أخيرًا وصلت إلى حل، بحثت في ملف الفتاة عن رقم والدتها و وجدته و دونته في هاتفها، وقررت بعد انتهاء اليوم الدراسي أن تحادثها وكانت قد حادثت الفتاة التي كانت تبكي بإنكسار وهي تروي لها ما يحاول عمها فعله وكيف حاول في عدت مرات التقرب منها  ..  نصحتها ( لمياء) أن لا تخرج من غرفتها في حضرته حين يأتي لزيارتهم وأن اضطر الأمر تغلق الباب على نفسها وتتصنع النوم، ولم تخبرها بقرارها أنها ستحادث والدتها في ذاك الأمر...  أكدت لها أنها معها و وعدتها بعدم تركها، وحين ذهبت إلى المنزل وتناولت شيءٌ بسيط واعدت قهوتها، دخلت إلى حجرتها واغلقت بابها وجلست فوق فراشها عاقدة ساقيها تمسك بين راحتيها فنجانها ساهمة. شاردة تفكر فيمَ تنوي فعله..  كانت خاوية نوعًا ما، لا تشتهي شيئًا ألبتًا. فأرتشفت رشفةً من قهوتها و وضعتها جانبًا، وتنهدت في عمق تنهيدة محملة بالثقل والحيرة، أغلقت عينيها وراحت تحادث نفسها وتشجعها أن تفعلها وتنقذ الفتاة التي لا حول لها ولا قوة... من عم لا تسوقه ألا شهوته منغمسًا أنغماسًا تام في ملذات الحياة. 
إلتقطت هاتفها واجرت الأتصال، وانتظرت الرد الذي لم يطل وإذ بها يأتيها صوت أمرأة تردد السلام  ، فردت( لمياء) السلام وعرفتها عن نفسها وأنها مدرسة (نرمين) ثُم صمتت قليلًا، وقالت في تردد  : 
- كنت عاوزة اقولك بس لحضرتك أنك تهتمي ببنتك شوية، وتاخدي بالك منها، لأن البنت مش كويسة وبتشتكي من... 
قاطعتها الأم في نبرة فظة غليظة  : 
- بتشتكي  ؟  تشتكي من إي!؟  أنتِ عاوزة تقولي إيه بالظبط أنتِ شكلك وحدة مجنونة ولا إيه؟ 
صكت ( لمياء) على أسنانها واندفعت في غيظ قائلة: 
- بنتك بتشتكي ان عمها بيتحرش بيها وأسأليها عندك وعرفي منها وحافظي على بنتك عشان متخسريهاش بتفكر تنتحر واعرضيها على دكتور نفساني وامنعي عمها ده من دخول البيت دا إذا كنتِ خايفة على بنتك  السلام عليكم. 
أغلقت الخط في عنف وهي تكاد تنفجر غيظًا... 
ولم تكن تدرك أن المكالمة كان قد سمعها الزوج والعم لأن المرأة كانت فاتحة ( مكبر الصوت)  ... وقد اوقعت نفسها في مأزق ربما لن تحور منه وربما تحور  ... 

         💐 اللهم أرضني وارض عني 💐

الحزن والهم يخيمان على فؤادها بظلالهما، كالحةُ الوجه، حائرة، شاغلةُ البال في من  ؟ 



تلميذتها التي لم تأتي إلى المدرسة وتركتها تتخبط في أفكارها تكاد تُصعق من القلق عليها. 
تُرى ما الذي حدث لها؟ 
ما الذي قد يكون فعلته أُمها بعد ما حادثتها  ؟ 
طوفان من الأسئلة يعصف خُلدها، كانت في طريقها إلى رُكنها المريح  .. حيثُ سعادة نفسها. 
إلى دار المسنين لتزور المرأة التي قابلتها يومًا تحسُ بالراحة حين تراها وتفرح نفسها. 
تبسمت تلقائيًا ما أن تذكرتها فـ أشرقت في القلب بسمة، طوت جُل حُزنها خلف شغافها حين وقفت السيارة أمام بوابة الدار الشاهقة، فترجلت متنفسةٌ في عمق كأنها تستنشق عبير وطنها بعد طول غياب وخطت للداخل بقلب يرفرف فرحًا للقاءها. 
تهادت في الرواق تُلقي السلام على القائمين فيه ببسمتها التي لا تفارق ثغرها، ويرد عليها الجميع السلام في غبطة. 
ضاقت حدقتيها وهي تقف محلها محدقة في باب غرفة المرأة المسنة المنفرج على عقبيه، ثُم سارت في حدة  ..  دخلت إلى الحجرة كالأعصار وَ وقفت متجمدة في صدمة، لم تتخيل أن تجد لديها أحد. 
وهي التي لها سنة في الدار لم يزرها غيرها؟ 
فما الذي تغير؟ من ذاك؟! 
ليس بأحد أبناءها فهي قد رأتهم قبلًا، هذا في الأساس يبدوا غريبًا، غريب الطلة  .. غريب الشكل، بشرته السمراء سمار حلوٌ جذاب، ليس أسمرٌ للغاية، سمرته غريبةٌ جميلة، شعره مسترسلًا إلى جبهته من شدة نعومته ممشطًا بتصريحة جذابة أيضًا، شعره أفضل من شعرها الذي تتمنى أن ينعم يومًا. 
بدا عليه التوتر، وناظرها في إنتظار أن تتكلم لكنها لم تفعل بقت تحملق فيه فقط  ..  لا شئ غير ذلك

ما الذي ينبغي فعله الآن؟ 

- أنت مين  ؟ 
طالعها في أستفهام وهو يقطب حاجباه ودون أن ينبس هم أن يتجاوزها خارجًا، لكنها أبت أن تتركه دون معرفة هويته، فـ أسرعت في الوقوف قبالته تسد عنه الطريق للخارج بذراعيها وصاحت فيه مجددًا في عنف كأنها على وشك خوض حرب  : 
- بقولك أنت مين  ؟!  إيه مبتسمعش  ! 
عقد ذرعاه ورد في هدوء  : 
- ولِما أخبرك من أكون  ؟ 
رفعت حاجبها في مقت مردفة في سخط  : 
- آه أنت مش مصري بقا  ؟ تعرف ست ام أحمد منين  .. أنا اول مره أشوفك هنا  ؟! 
تبسم هازئًا وردد في تهكم  : 
- وما دخلك أنتِ  ؟ 
هم أن يغادر مرة أخرى لكنها لم تسمح له وقد استشاطت غيظًا  : 
- والله ما أنت معدي غير لما أعرف أنت مين الأول  ؟ 
ضيق عيناه نافثًا غضبه وقال من بين أسنانه  : 
- ومن أنتِ  ؟ وماذا تقربيها  ؟ 





ارتخى جسدها تمامًا وبدا عليها التفكير وهي مطرقة الرأس، فـ ابتسم في سخرية وما كاد أن ينصرف او يخطى خطوتين هتفت فيه في غضب  : 
- وأنت مالك اصلًا أنا مين  ؟  إيه الفقر ده! 
رمقها من رأسها لأخمس قدميها قبل ان يهز رأسه مغمغمًا في إزدراء  : 
- حُثالة! 
أتسعت مقلتيها في صدمة وكادت تموت غيظًا أخذت ثوانٍ تتنفس في سرعة وعيناها متسعة وهي تنظر لسيره في الرواق مصفرًا، فخرجت تتعثر وهي ترفع إحدى قدميها تفك رباط حزائها وعلى حين غفلة منه صوبته تجاهه ليضرب في صدره وتقف متخصره في تشفي  ..  شفت قلبها ونفسها وتنفست في راحة  . 
أستدار لها في بطئ والغضب يشع من عيناه الساحرتين، فـ أذدردت لعابها وابتسمت في بلاهة ثم لوحت له وركضت إلى الغرفة تغلق بابها خلفها. 

زمجر هو في غضبٍ جم وما كاد أن يتبعها حتى تجمعن حوله الممرضات ليأخذن صورًا معه، فأستعاد بسمته الساحرة وهو يلتقط معهن الصور واحدة تلو الآخرة وقد نسى أمر لمياء تمامًا.. 

أرتكنت إلى الباب بعد غلقه واضعة كفها موضع قلبها ذا النبضات المتساعة تهدأ من روعه 
تنفست الصعداء حين طال الوقت و لم يتعقبها، فـ تبسمت ضاحكة من قلبها وهي تدنوا من المرأة تقص عليها ما حصل  :
- شفتِ يا ام احمد الواد البارد ده بس ضربته...  يااااه كان نفسي تشوفي شكله اول ما فردت الكتش ضربت في ضهره. 
شهقت متذكرة فردة حذائها فقالت وهي على شفا حُفرةً من البكاء  : 
- يا رب اطلع الآقي فردة الكوتش يا رب، وألا هرجع إزاي حافية انا. 

بقت ساكنة لدقائق قلائل تفكر قبل أن تقفز في حماس مصفقة، وقالت وهي تجثو على قدميها امام المراة التي تتابعها في أنبهار  : 
- مقولتلكش أنا جايه انهاردة أأقضي اليوم كله معاكِ  ..  معاك لوحدك يا جميل. 

قالت المرأة وهي تمسك كفيها في رجاء  : 
- عاوزة أحمد ابني وعماد ومجدي. 

أمتقع وجه لمياء ولمعة في مقلتاها الدموع وقالت في حنو وهي تقبل كفيها  : 
- هيجولك بإذن الله يا ماما متقلقيش هما بس مشغولين شوية وهيجولك 

أبتسمت المࢪاة مبتجهة فأشرقت بسمتها وجه لمياء، التي ما ان احست أنها قد قضت حاجتها على نفسها حتى نهضت تشمر ان ساعديها وهي تقول في محبة مازحة  : 
- اخص عليكِ يا توتة كدا تعمليها على نفسك، لكن ولا يهمك بنتك اللي ربنا بعتها ليكِ موجودة. 
أسندت المراة وأخذتها إلى الحمام.. 
في آوان ذلك كان هو يقف خلف الباب يده متخشبه على مقبضه وقد أبتسم في صفاء وهو يتمتمتم  : 
- اظن أني سأسامحك لِمَ فعلتيه أيتها المجنونة ذات القلب الكبير. 

كان قد سئل عليها الممرضات الذين ما صدقن ان يتحدثن معه فـ أخبرُه أنها هي من تعول  ( ام أحمد  )  وتدفع تكاليف الدار، بل وتأتي كل 




أسبوع لتقضي يومًا معها وترعاها بنفسها، بل ربما أتت كلما كان لديها وقت فتقضيه معها وترعاها. 

أنتشله من شروده رنين الهاتف فـ أجاب وهو يغادر من الدار بأكمله  : 
- نعم  ..  أنا آتى  .. هل كل شيء جاهز، إذن سنتقابل في مكان الحفلة  .. 

وأغلق راكبًا السيارة التي أستأجرها حتى يقضي وطرًا من هُنا. 

🪴اللهم اسقنا من نهر الحبيب محمد شربة لا نظمأ بعدها أبدًا 🪴

وقفت ( لمياء)  على باب الدار في إنتظار أخيها ( مُعاذ) الذي حادثته ليأتي لأخذها مذ دقائق، كانت سعيدة  ..  بل سعيدة للغاية تكاد ترفرف كفراشة بجناحيه تجوب الحياة والطرقات مبتهجة  .. ولِمَ لا  !  
وهي قد فعلت أمرٌ لله ربما ينقذها يوم القيامة من أهواله، او يكون سببًا في دخولها الجنة..  الجنة التي تشتاقُ إليها  ..  رباه كم تود رؤيتها ورؤية الحبيب وأهله وأصحابه فيها  .. يا الله عن تلك اللذة الغارقة فيها، لذه لا تُعادلها إيةً لذةٌ في الوجود.. 

لفحتها برودة الجو فعقدة ساعديها وراحت تفرقهما ربما يبثها هذا ببعض الدفء، وقد حسمت أمرها ان تسير خارج الشارع علها تجده وتغادر، ورغم ان الليل ألقى رداءه سارت على دجاه متوجسةٌ خفية تتلفت حولها  ...  تمشي حافية في احدى قدميها تزم شفتاها وتدمدم عساها تؤنس نفسها  ... باغتها فجأة ظهور شخصين من الرجال أمامها فوقفت تطالعهما في وجل وقلبٍ مزعور لكنها تحلت بالشجاعة ورفرفت باهدابها وهتفت في قوة وهي تتراجع في تأني  : 
- انتوا مين.؟ 
أقبل الرجل بعينين مفعمتان بالمقت والأنتقام و وقف قاب قوسين او أدنى منها وقال في صوتٍ أجش أقشهر له جسدها  : 
- أنا عم نرمين يا أستاذة لمياء. 
اذدردت لعابها في رهبة، وسرعان ما رفعت رأسها في كبرياء تنظر في عيناه في تحد، وغمغمت في حدة  : 
- وعايز إيه يا عم نرمين  ؟ مش مكسوف من نفسك تظهر قدامي. 
ثُم ضحكت ساخرة بجانب فمها وأضافت وهي تستمجع أطراف شجاعتها  : 
- ولا هتتكسف إزاي وأنت مش مكسوف من ربنا ولا مراعي بنت اخوك الصغيرة اللي زي بنتك  ..  إلا صحيح اخوك هيعمل إي لو عرف  ؟! 
دار حولها فسرى الرعب في اوصالها، وقال  : 
- هو أنتِ متعرفيش يا أستاذة  ؟ 
دارت معه حيثُ يدور تخشى ان يهاجمها على غفلةٌ منها، سكت هنيهة في تعمد مبتغيًا خوفها أكثر وقال في صوت هادئ لا يخلو من الخبث  : 
- اصل انا اخويا مش بيصدق الغرباء أمثالك، بيصدق اخوه من لحمه ودمه، وبنت اخويا انا هعرف إزاي هردعها وتبقي تحت طوعي تقول اللي اأمر بيه  ..  ولكن

وقف ساكنًا و وقفت في دورها، كلمة لكن أرعبتها  ..  نظرته لجسدها ذادت من دقات قلبها وقالت في صوت باهت وقد تجلى الخوف في عينيها وبدا لها جليًا  : 
- ولكن إي  ؟! 
طال صمته وهو ينظر لها نظرات شهوانيه حقيرة قبل ان يردد وهو يعض على شفته السفلى  : 
- مين هينقذك انتِ مني  ؟ 
وتابع غامزًا في مكر  : 
- وخاصةً انك طلعتي صاروخ كدا وقمر. 
وقال في نبرة حاقدة  : 
- أنتِ اللي جيتي في طريقي يا بنت الناس متلوميش إلا نفسك ومحدش هيقدر يضرني عشان هضره، وأنتِ كل همك تضريني وتكرهي اخويا فيا وأنا هنسفك. 
ضحكت ( لمياء) في خوف وهي تقول في ثقة  : 
- دا انا ناوية اسجنك وهخليك تقضيوباقي عمرك في السجن. 

أشار بكفه للرجل الذي معه فامسك بذراعين ( لمياء  ) بكف والكف الآخر كمم فمها ورغمًا عنها وعن مقاومتها كان عم نرمين يرفع قدميها 









واتجهوا صوب السيارة التي لم تكن بعيدة، وقد كان بابها الخلفي مفتوحًا، لكن قبل أن يدفعوها بداخلها استطاعت ( لمياء)  بحركة بارعة تعلمتها من جدتها ان تفلت قدمها وتهوى بوجه عم نرمين 
دفعت الرجل بساقها فسقط على ظهره على إثرها وقبل أن يتدارك أحدهما شيئًا كانت ترفع قدمها تطيح بالأخر وتضرب حقيبتها في وجهه وتولي هاربة منهم وهم خلفها قد ركضا تلقائيًا وراءها وهم يتوعدوها، أشارت لكل سيارة تمر ان تقف لها، لكن ولا واحدة أرتضت، ألتفتت خلفها فإذا بهم على مقربة منها، فأ نطلقت غير عابئة بالسيارات التي تروح وتجئ كـ خلية النمل، ضربة بها سيارة فـ انزلقت الحقيبة من يدها لتستند على مقدمتها كلا تقع، وامسكت معدتها من أثر الضربة متألمة، أشارة لسائقها لكنه ألقى عدت سبات لها وأنطلق يسابق الريح ففاضت عيناها دمعًا وهي تتابع ركضها على جانب الطريق كـ المتسولة  ...  نعم من يرآها يظن هكذا، تركض كالمجنونة متلفةٌ حولها والدموع تسيل إلى وجنتيها، حافيةً القدم رثة الثياب والهيئة حتى خمارها متشعث، وبتنا في زمن كله لا يهمه إلا نفسه  ..  ذهبت عن جميع المرء المروءة 




والجدعنة، زمن غريب وناسٌ أغرب  ..  يقولون على بعض الحيونات وحوش ويااا للعجب نسوا الوحوش التي تحيا وسطنا، أليس نحن بزمن أمسى فيه الناس وحوشٌ  ؟ 
قد جن الليل وضجيج السيارات يربكها ويصيبها برعدة وربما صعقة في فؤادها ولم يملوا من اللحاق بها، أنحنت تركض في شارع نائي ليس فيه سيارات إلا لماما، ضاقت بها الحياة بما رحبت كما ضاقت بها الطرق وخلت ومادت، وأحست بدنوا أجلها تقسم بأنها ستقتل نفسها أن امسكوا بها،  وقفت تلتقط أنفاسها لاهثة وتهدأ بكفها  ضربات قلبها التي تتسارع في أضلاعها حتى كاد أن يقفز من مكمنهُ خوفًا، لاح لها من بعيد أضواء منبعثة وصوت موسيقى عالية فـ اطمئنت قليلًا، ونظرت وراءها لتشهق متقهقره للخلف ما ان ابصرتهما فـ اطلقت ساقيها الريح إلى حيثُ مصدر الموسيقى الصادرة، رآت فتيات وبنين يترقعون بأناملهم في تناغم مع الموسيقى وهم مطبقيّ الأجفان ويدندنون مع الأغنية الصادرة بالأنجليزية، توغلت بينهم وخلفها الرجلين باحثين عنها، أنسد الطريق أمامها ولم يتزحزحا البنتين من امامها فوقفت تتلفت والخوف يطلُ من عينيها حتى وجدتهم خلفها قاب قوسين او أدني يتبسما لها في تحدٍ سافر، ونظرة متشفيه فـ أين قد تذهب و هي الآن في قبضتهما  ..  لكن هيهات ان فكرا على التغلب من حفيدة ( لمار الشرقاوي  ) عكس ما في فؤادها من فزع، رغم هشاشتها ورقة قلبها ألا أنها في طرفة عين جذبة الفتاة من خلفها في حركة سريعة ودفعتها على الرجلين وتوغلت وسط الحشد حتى ارتقت سلالم وهي تنظر خلفها وإذا بها تجد أحد يجذب كفها في راحته ويلفها في حركة راقصة ويضع كفها الآخر على كتفه وكفه الآخر حول خصرها في حذر كلا يلمسها، كانت متسعت العينين تحدق فيه في عدم تصديق،





 صوته الساحر والسالب للألباب لم يهز بها شعرةٌ واحدة، على العكس تمامًا اوقد النيران في قلبها، كانت كالمتغيبة يسوقها هو كيف يشاء وكما يحلو له هل ينتقم عَمَّ فعلته هي فيه في الصباح  ؟ 
أنى لها ان تعرف.... 
دار بها فجأة دون توقف لدقيقة كاملة وصوته يغرد حتى وقف لاهثًا ينظر لعينيها وهي كذلك وضج المكان بالتصفيق.. 
ثم الهمهمات المتفجِئة من هيئتها، أنى لها بتلك الهيئة في حفلٌ كهذا  ومع اشهر مغني اجنبي  ؟  هذا غير معقول  ؟  اهذا جزءًا من العرض ام ماذا  ؟ 
كادت أن تنأى عنه لكنه أبى تركها حتى تذكرها فدفعها للخلف وهو يتراجع خطوتين صائحًا وهو يرمقها في أشمئزاز  : 
- هذا أنتِ أيتها الغبية  ؟ 
نظر لها ثم نظر لجمهوره وردد في إزدراء  : 
- يا الله ماذا سيقولون الآن، ألم يوجد غيرك لتخرجي أمامي  ؟ 
ما الذي جاء بكِ جواري مكانك بالأسفل، ثم ما هذه الحالة تبدوا كالمتشردين. 








صاحت فيه   لمياء   غاضبة وهي تتقدم في عنف وهو يتراجع  مندهشًا من جرأتها  : 
- من المتشردة يا حقير،  وهل تظن نفسك مغني اقسم لك أن صوتك يلمُ علينا الحشرات يا حُسالة، ثُم كيف تمسك بكفي وترقص معي يا حقير.. 
كان صوتها يعلو تدريجيًا مع عبراتها، كان قد عم السكون والجميع




 استمع لحوارهم متعجبون ينظرون لهم في أستمتاع وترقب. معتقدون أنهم يقدموا عرضًا. 




قبل أن يهم هو بتوبيخها صاح صوتٌ غليظ  : 
- هتروحي مننا فين يا أستاذة  ؟ 



تلقائيًا رفعا نظريهما تجاه الصوت لترتجف ( لمياء)  وهي تردد في تلعثم  :

 
- روحت فيها خلاص  ..  اعمل اي دلوقتي، يا 



رب. 
قبل ان يتقدما الرجال ضحك هو معطيًا أشارة بنزول ستارة عن مرآى




 المسرح وبالفعل تجلت فور أشارته فجذبها من 


معصمها قسرًا وركض بها للخلف ومنه لزاوية جانبية 


                      الفصل السادس عشر من هنا

لقراة باقي الفصول اضغط هنا




تعليقات