Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية عشقت اسيرتي الفصل الخامس 5 بقلم رولا هاني


 رواية عشقت اسيرتي 

الفصل الخامس

بقلم رولا هاني 

باليوم التالي.

كانت تنظر بتوترٍ لذلك السوط الذي كان بسجنها الانفرادي الذي استيقظت لتجد نفسها به، بالإضافة إلى كلا أيديها وقدميها المقيدين، لم تكن تفهم أي شيء، لم تفهم ما الذي أتي بها إلى هنا، ولم تفهم حتى سبب وجودها بسجن التعذيب ذلك، هي تعرف ذلك السجن جيدًا، فهو مخصص بكل الممالك لأجل الخونة فقط!

وفجأة استفاقت من شرودها علي ذلك الصوت الذي تعرفه جيدًا:

- لا تحل وثاقها مهما حدث.

قالها "سفيان" بجمودٍ ليوجه حديثه لحارسه الشخصي، وهو يتقدم ناحيتها بخطواته الوئيدة، بينما "ليساء" ترمقه بصدمة، وهي تهز رأسها باستفهامٍ قائلة برقتها المصطنعة:

- ما الذي حدث مولاي!؟

رمقها باستهزاء وهو يراها تحاول حل وثاقها بنفسها، ثم اقترب منها قائلًا بتهكمٍ ليرتسم علي ثغره ابتسامة جانبية ساخرة:

-أتظنين إنه برأسك ذات التفكير الغبي ستستطيعين خداعي !؟

وفجأة وجدت الطبيب "هارون" يدلف للمكان وهو ينظر لها باحتقارٍ أثار حفيظتها، ففهمت وقتها كل شيء، الطبيب خدعها ولم يخن سيده كما ظنت، ورطة جديدة حلت فوق رأسها، مأزق جديد وقعت به والآن عليها الخروج منه بكل السبل الممكنة، خرجت من شرودها مجددًا علي صوته الذي كان ممتلئًا بالحزم وهو يقول:

- سأنفذ حكم عقابك بنفسي يا "ليساء".

نظرت له لعدة لحظات بعدم فهم، وفجأة جحظت عيناها بارتباكٍ عندما وجدته يقترب من تلك الطاولة ليأخذ منها ذلك السوط المرعب، بينما هي تتراجع للخلف قليلًا لتكن في منظر مثير للشفقة، خائفة، مذعورة، مرعوبة، ازدردت ريقها وهي ترمقه بهلعٍ قائلة بنبرة مهزوزة:

- مولاي الملك لن يفعلها، أليس كذلك؟

لم يهتم "سفيان" لما قالته من الأساس، بل أمر حراسه بصوته الأجش وهو يقول:

- قيدوها بالأصفاد.

وبالفعل أخذوها وكل ذلك وسط احتجاجها رفضًا وهي تسبهم بسبابها اللاذع، قيدوها كما أمر الملك، وكاد وقتها أحدهم أن يمزق ثيابها من الخلف، ولكن "سفيان" أوقفه بحدة، وهو يرمقه بتحذيرٍ:

- لا تخلع ثيابها.

نظر له الحارس مطولًا قبل أن يقول بذهولٍ:

- ولكن مولاي القوانين ت...

قاطعه الملك بحزمٍ وجسده يهتز من فرط الغضب:

- أنا هنا مَن يضع القوانين، وأنا مَن يتحكم بها.

ثم تابع بصرامة لا تتحمل النقاش:

- أخرجوا من هنا.

وبالفعل خرج كل من كان بالمكان، وبقي هو معها بمفردهما، اقترب منها ليقف قبالتها وهو يتأمل هيئتها المهينة وذراعيها مرفوعين للأعلى هكذا لتكن غير قادرة على الحركة أبدًا، وهي تحاول التحرك بكل السبل، وهي ترمقه بشراستها المعهودة، وهي ضعيفة!

نظر للسوط الذي كان بين يديه قبل أن يتساءل بسخرية:

- ما رأيك في ذلك المنظر المهين؟ 

ثم تابع بنبرة مستفزة أكثر وذلك جعل الألم يجتاح قلبها بصورة لا توصف، نعم فقد استطاع هو حينها جرح كبرياؤها بمنتهى القسوة، لتكن هي وقتها كالزهرة الضعيفة التي أخذتها الرياح في رحلة جحيمية:

- مولاتي الملكة الآن لا تستطيع فعل أي شيء، مولاتي مقيدة، ضعيفة، ستُعاقب الآن كالمجرمين والخونة.

وقبل أن تنبس بكلمة واحدة تهاوى السوط على ظهرها بمنتهى العنف، ولكنها كتمت صرختها بمنتهى البسالة وهي تقول بصعوبة:

- مولاي ضعيف جِدًّا، أتلك هي ضرباتك يا رجل!؟

لن ينكر تأثير كلماتها المستفزة عليه، لذا تهاوى سوطه على ظهرها مجددًا وهو يقول بتوعدٍ:

- لا تتحديني وتخرجي غضبي وإهتياجي، لن يعجبك "ليساء".

كان الألم يجتاح جسدها بكل قوته، فلم تستطع وقتها سماع ما يقوله، ولكنها لن تستسلم مهما حدث، الثمن سيكون غاليًا، ما يفعله الآن سيدفع ثمنه بيومٍ ما هي وعدت نفسها بذلك.

شهقت بألمٍ عندما تهاوى السوط علي ظهرها مجددًا، لتلوم نفسها بتلك اللحظة علي إظهار تأثرها بضرباته، بينما "سفيان" يهتف بتهكمٍ وهو يقف قبالتها بشموخه وهيبته:

- ماذا؟... أأصاب مولاتي الهوان والوهن؟

أجابته هي وقتها من بين لهاثها الهستيري ليرتسم علي ثغرها بتلك اللحظة ابتسامة ضعيفة:

- مولاتك تقسم لك إنه مهما مرت الأيام ستجعلك تدفع ثمن ما تفعله الآن.

ووقتها انهال عليها ببقية الجلدات التي كانت تناسب حكمها، حكم الخائن، وكانت وقتها ثلاثون جلدة، وطوال تلك الفترة لم يخرج حتى من بين شفتيها صرخة واحدة، لم تتأوه حتى لمرة واحدة، ولن تفعلها بالتأكيد، ولكن وبتلك اللحظة تفاقم بداخلها الغضب والانفعال، لذا توعدته بأشد انتقامًا، مهما مرت الأيام لن تتنازل.

رأته وهو يحل وثاقها فتحاشت النظر إليه، بينما هو ينظر لملامحها المهتاجة بروية، ثم قال بنبرته القاسية وهو يضع كفه أسفل ذقنها ليرفع رأسها، حتى ينظر في عينيها مباشرةً:

- ستبقين بداخل ذلك السجن لتتذكري بكل لحظة الذي يحدث لمن يخون الملك.

ابتعدت عنه بنفورٍ، ثم صرخت باحتدامٍ وهي تدفعه تجاه الباب:

- أخرج من هنا، لا أستطيع النظر في وجهك حتى، أخرج.

ابتسم بدهاء قبل أن يقول بخبثٍ:

- إن كان وجودي أمامك عقاب لكي، فأنا سأفضل البقاء معكي طوال عمرك.

ثم تابع بجمودٍ وهو يتوارى عن أنظارها بخروجه من المكان:

- ولكن لدي أعمال أهم منك بكثير.

سيطرت على عبراتها بمنتهى القوة وهي تتأمل هيئة ملابسها الممزقة بدقة، حتى لا تنسى ما حدث مهما مرت الأيام، لن تستسلم، هي أقسمت، أقسمت ألا تترك حقها، أقسمت أن تنتقم لأبيها ولنفسها، مهما كانت العقبات لن تستسلم.

تقدمت بخطواتها قليلًا لتجلس بإحدى زوايا الغرفة وهي تفكر بعمقٍ، وفجأة مر ببالها ذلك الشيء الذي نسته لتهتف بتلهفٍ كمَن وجد كنز:

- "أرغد"!
__________________________________
-ما الذي يجب علينا فعله بعد ما حدث للملكة "ليساء"؟

قالتها "وِد" بحيرة وهي تلتفت يمينًا ويسارًا بتوترٍ خشية مِن أن يراهما أحد ما ويشك وقتها في خطتهما مع "ليساء"، فرد وقتها "يافث" وهي يتنهد بعمقٍ:

- لا يوجد شيء نستطيع فعله سوى الصمت، التعايش، و....

ثم تابع بأسفٍ وهو يطرق رأسه بسبب خوفه من رد فعلها مما سيقوله:

- والخيانة.

نظرت له مطولًا بصدمة، أتؤيد رأيه المتهور!؟... أم توبخه علي ما قاله!؟... "وِد" لا تعرف الخيانة، لم تستطع حتى التفكير فيها ولو للحظة واحدة، نظرت في عينيه المختلجة لتقرر وقتها عدم الضغط عليه بكلماتها اللاذعة، بينما هو يرمقها بارتباكٍ، يخشى احتقارها له بسبب ما قاله، ولكنه حَقًّا لم يجد حلولًا أخرى للحفاظ عليها وعليه، أما هي فهتفت وقتها بتسائلٍ وهي تنظر له بإستفهامٍ:

- وماذا عن الهروب؟

نظر لها بقلة حيلة قبل أن يهتف باستياء:

-صعب، بل مستحيل.

هزت رأسها نافية قبل أن تقول بإصرارٍ:

- ليس مستحيل، لدي خطة.
______________________________
باليوم التالي.

لم يستطع النوم ولو للحظة واحدة طوال لليل، طوال الليل كان مصابًا بالاضطراب والحيرة، هو نفذ قانون المملكة، ولكنه... لكنه لن ينكر ذلك الغل، والمقت، وخيبة الأمل الذي أخرجهم بها عندما كان يجلدها بمنتهى العنف، لن ينكر هو خُدع بها وبالطبيب بأول الأمر ولم يكتشف الحقيقة سوى بالأمس ليأمر سريعًا بسجنها بصفتها خائنة، تنهد "سفيان" بعمقٍ يحاول التخلص مِن شعوره العجيب بالذنب، لأول مرة يجلد امرأة، دائمًا ما كان ينفذ الأحكام حراسه، ولكن تلك المرة كان يريد هو الانتقام لنفسه، مر بباله أكثر من مرة أن يخرجها من سجنها الآن ولكن القوانين تجعله مقيدًا، غير قادر علي فعل ما يحلو له، هو حتى بالأمس أمر حارسة ألا يمزق ثيابها، وذلك جعله يقع في الحيرة من نفسه أكثر، "سفيان" كان يفكر بمنتهى الجدية في أمر زواجه من "ليساء"، هي فتاة مناسبة، ذات أصول ملكية بعيدًا عن وقوعها في الأسر، ذات جمال لم يراه من قبل في أي أميرات، وغير كل ذلك ذات ذكاء يجعله يعجب بها أكثر وأكثر، ويجعله يُصاب بالوجل منها أيضًا، ولكنها أفسدت الأمر بما فعلته، لن يستطيع الوثوق بها بسهولة، ولكنه سيحاول التفكير مجددًا، ربما تتغير الأحداث، نهض من علي فراشه الوثير، ثم قال علي عجالة وهو يذهب لتغيير ملابسه:

- سأخرجها من السجن لن أهتم للقوانين السخيفة.
__________________________________
-العقبة في ذلك الأمر هو الوقت المناسب فقط.

قالتها "وِد" بتريثٍ وهي تنظر ل "يافث" بترقبٍ لعله يطرح أية حلول مناسبة، فهتف هو وقتها بترددٍ:

- إن لم يجدوا جثثنا سيظنونا هربنا يا "وِد".

هزت رأسها نافية قبل أن تقل بثقة:

- لا، بل سيظنوا أن النيران ابتلعتنا.

رد عليها "يافث" بتلك اللحظة بتوجسٍ:

- ماذا إن أُصيب أحد بشيء ما!؟

ردت عليه بثباتٍ، حتى تبث الاطمئنان لقلبه المذعور:

- لا تقلق، سنُشعل النيران بالمكان بأول الأمر، ثم سنساعد الجميع في الخروج من القصر، وبعدها سنصطنع التعثر، ولنهرب بعدها.

رد عليها وقتها بعدما أقنعته بخطتها الشيطانية:

- إذًا المشكلة تكمن هنا في التوقيت!
___________________________
كانت تجلس أمام تلك النافذة المغلقة والتي يخرج منها ضوء بسيط، تجلس وهي تتأمل اللاشيء، واقعة تلك المسكينة في زوبعة تفكير لا تنتهي، أخذت "ليساء" تتأمل الأحداث الماضية لتحتقر حالها، هي تعجلت كثيرًا فيما فعلته، كانت تستطيع التمهل لتأسر قلب الملك خلال الأيام وببطيء، لم يكن هناك أهمية للمغامرة هكذا وللاتفاق مع الكثير من الأشخاص القريبين من الملك، إذًا العجالة لن تعطيها سوى الندم، لذا عليها التحلي بالصبر، وبالطبع لن تنسى "أرغد" مساعد الملك، والذي لم يخنها حتى الآن، نعم فهي استطاعت الاتفاق مع ذلك الأحمق أيضًا، والذي أوهمته برغبتها في الزواج منه عند عودتها للحكم ليصبح هو وقتها الحاكم!... والغريب إنها لم تعرف عنه أخبارًا حتى الآن، لذا هي تحاول التحلي بالصبر حتى تعرف ما الذي ستفعله الآن، أما القرار الذي اتخذته الآن فكان هو عدم استخدامها للعند أمام "سفيان"، هي تعلم جيدًا ذلك لن يكون في مصلحتها أبدًا، لذا عليها السيطرة على تلقائيتها تلك لتعود مجددًا للتمثيل والاصطناع.

وفجأة استمعت هي لصوته من الخلف وهو يقول بنبرة تملؤها التلهف الذي استطاعت الشعور به بمنتهى السرعة:

- "ليساء".

ابتسمت هي وقتها بدهاء امرأة، بخبث أنثى، ثم اصطنعت الطاعة لتنهض ببطيء بسبب تلك الآلام التي ما زالت تؤثر عليها، ثم استدارت لتقف قبالته وهي تطرق رأسها قائلة بخنوعٍ:

- أمرك مولاي.

تعليقات