Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية جحر الشيطان الفصل الحادي والعشرون21بقلم ندي ممدوح

رواية جحر الشيطان
 الفصل الحادي والعشرون
بقلم ندي ممدوح


فُتح باب الزنزانة ودخل عليها شاب مُلثم يرتدي ثياب سوداء اللون وفي تمهل سار نحوها والخنجر يقطر دمًا في يده، فصرخت دارين في فزع وارتعاب وقد ألجمتها الصدمة وشلت قدميها عن الحركة فبقت تحملق فيه بدموع تسري على وجنتيها، قبض على حفنةً من خصلاتها وهو يسحبها نحوهُ غير مُباليًا بصراخها ورُعبها وفي لحظة كان الخنجر يمشي على عنقها مُحدثًا جرحًا عميق انسابت منهُ الدماء وتركها لتسقط ارضًا على وجهها..... 

_صرخة عالية ندت عنها وهي تستوي جالسة من رقدتها فوق الأرض الصلدة والعرق يتصبب من جبينها كأنها كانت في سباق قضى على كل راحتها، وأخذت تلهث بأنفاس متلاحقة للغاية، محملقة في اللاشي، صدرها يعلو ويهبط في جنون من ضربات قلبها المتسارعة، الواجفة … عيناها ذائغة في أرجاء الزنزانة 
_ كفاكِ صُراخًا أصبتِني بالصم. 
قالها الحارس الخاص بحراستها في تجهم وهو يرمقها في غضب، فلم تلتفت إليه ولم تستمع إليه اصلًا. 
تبًا لذاك الكابوس الذي قضى على ثباتها! 
كابوس!  هل كان كابوس حقًا؟ 
شرعت تتحسس عنقها بيد مرتشعة قبل أن تنفجر في البكاء وهي تهمس: 
-أنا كويسة انا كويسة كان حلم، حلم وحش وحش اوي يا رب، يا رب خليك معايا، الحمد لله كان حلم احمدك يا رب احمدك يا رب. 
جرت الدموع تغرق وجهها وهي تخر ساجدة ولم تلبث أن دنت إلى الباب تستأنس بالحارس الجالس على مقعد غريب مرتكن الرأس على الجدار ناعسًا في ثبات عميق، من الرعب تقسم أنها ستموت والوقت يمضي كأنه دهرًا؛ أسندت رأسها على أعمدة الباب الحديدية وبذراعيها أحاطط قدميها المضمُمتين على بعضهما، تناهى لها هسيس شيء فنظرت من فتحات الأعمدة باحثة فإذا بها تبصر صُهيب الذي غمز لها، فضحكت باكية لا تدري لماذا البكاء ولماذا الضحك وتراقص قلبها فرحًا مسرورًا و وثبت واقفة بأعيُن تتلألأ و وجهًا ضاحك مشرق. 
هل جربت شعور الحُرية؟ 
أن تفقد التمسك بزمام أمورلك وتظلم الحياة فجاة في وجهك ثم على حين بغتة منك تضيء وتشرق وتتوهج وتعود لتحيا. 
لا غرو شعور بأنك على قيد الحياة وفي أفضل حال لا يُعادله ألف شعور. 
إذن هل صادف وأن وقعت في مأذق وتُركت وحيدًا دون رفيق؟ 
ثُم يأتي من لم يكن في الحسبان كأنه ذورق نجاة فينتشلك من قاع بؤسك ويهديك الحياة. 

سار صهيب ببطئ نحو الحارس حتى جاء من خلفة وبيده قماشة صغيرة جدًا كمم بها فمه حتى تراخى جسده فـ ترك جسده أرضً وفش جيب بنطاله حتى أخرج عدت مفاتيح وراح يحاول يفتح باب الزنزانة في عجل حتى فلح فبادر قائلًا وهو يشمل دارين بنظرة متفحصة  : 
- أنتِ بخير؟ أم بكِ شيء؟ 
اومأت دارين برأسها  : 
- بخير بخير يا إلهي لا اصدق إنك هُنا. 
تبسم صهيب وهو يمسك كفها قائلًا  : 
- هلُمِ معي لنخرج من هذا المكان. 
سحبها خلفه وكان في انتظارهما شابٌ مصحوبًا بشعلة مشتعلة تضيء لهم الطريق الحالك السواد وهم يسيروا في ممر موازيًا للأعلى، فوقفت فجأة دارين مفلتة كف صُهيب الذي نظر لها في دهش فقالت  : 
- جعفر، أين جعفر لماذا لم تجلبه قبلًا؟! 
فضيق صُهيب عينيه متسائلًا  : 
- جعفر هُنا أيضّا؟ 
اومأت دارين فصاح في إنفعال  : 
- يا الله لا أصدق. 
بعد ردحًا من الزمن نظر للشاب الذي برفقته وقال محدثًا إياه  : 
- خُذ دارين وأخرجها من هُنا، إذ تأخرت فعليكَ بمملكة ميليا ولا تنتظر. 
أومأ الشاب دون أن ينبس بينما ربت صهيب على منكبها ناظرًا إلى عينيها الناظرة إليه في قلق وقال يطمئنها  : 
-لا تقلقِ سأحضر جعفر وأعود هو بالتأكيد مع الملكة بوفارديا سأجده وسنرحل من هنا معّا، هيا هلُمِ مع هذا الشاب  . 
أومأت برأسها وهي تتبع خُطى الشاب الذي همس لها  : 
- لحسن الحظ إننا لسنا وحدنا هُنا. 
نظرت له دون فهم ولم تعقب! 
ماذا يقصد بكلامه المبهم ذاك لا تدري لكن آثرت الصمت فـ هي لم تعد تأمن للغرباء. 

_ الوقت يمضِ صُهيب لا أثر له ولا وجود، ما الذي حصل له لا أحد يعلم، هل سيعود أم لم يعود؟ لا أحد يدرك من المُحال أن تذهب من دونه هو والصغير لم تبرح مكانها رغم ألحاح الشاب لها أن يذهبوا. 
القلق ينهش في خاطرها ماذا لو لم يعود صُهيب، ماذا إذ لو كان واقع في مأذق والأدهى ماذا عن الصغير! يا ليته يكون في منأى عن كل هذا، ما زال صغير ليواجه كل تلك الصعاب. 
شاب غريب الأطوار يشاركها تلك النكبة وربما الطريق الوَعر أيضًا، يفغر فمه كأنه سيبوح بشيء ثُم يطبقهما لاذًا بالصمت، فتصمت بدورها وتبتعد عنه خطوات وهي تسترق النظر إليه فتقبض عليه يختلس نظرات غريبة عليها. 
صاح فيها فجأة مغمغمًا  : 
- هلُمِ لنذهب يا ابنتي قبل ان يعلم بوجودنا وهربك احد! 
فتصر على رفضها أصرار لا مرية فيه وتهز رأسها بجمود دون أن تنبس، غريبة مريبة هيَ لماذا تودُ الأنتظار؟ هل حياة ذاك الصغير اهم من حياتها؟ بلهاء لا تفكر تفكير سليم. 
تهيأ الشاب للأنصراف وقال  : 
- سأدخل للبحث عنه إذًا أم ان أجده او أعود خالي الوفاض. 
داهمها الخوف من فكرة أن تبقَ بمفردها مجددًا، فقالت حاسمة  : 
- إذن سأدخل معك لن ابقَ بمفردي! 
فهتف الشاب في إنفعال وهو يكاد يفقد عقله منها  : 
- لماذا تصرين على إصابتي بالجنون يا فتاة، لقد اخرجناكِ من هذا المكان بصعوبة وحررناكِ فهل تودي الدخول مرة آخرى بملأ إرادتك هذه المرة؟ 
فهزت دارين كتفيها قائلة في تفكير: 
- إذن لن تدخل أنت وستبقَ معيّ نتنظر حضور صُهيب معًا. 
صك على اسنانه من شدة الغيظ، وكبح غضبه قائلًا في نبرة حاول جعلها هادئة قدر استطاعته  : 
- سننتظر ربع ساعة بعد، بعد هذا الوقت سنغادر، أنتِ امانة لدي يجب أن اردها. 
شوحت له دارين في اللامبالاة وهي تعقد ذراعيها وتنظر أمامها في سخط. 
أخيرًا تراءى صُهيب قادمًا وهو يحمل الصغير بين يديه فتهللت اسارير دارين وتراقص قلبها فرحًا وهي تقبل نحوه دون أنتظار فما ان لمحها الصغير حتى ضحك ضحكة بريئة جميلة وهو يمد كفيه لها بإشارة لتأخذه، لكنها لم تكن في انتظار إشارته إذ تناولته بين ذراعيها تضمه وتلثم وجهه. 
فـ سئل الشاب صُهيب في اهتمام  : 
- ما كل هذا التأخير؟ 
فرد صُهيب في ارهاق  : 
- كان جعفر برفقة الملكة بوفارديا لذلك أجبرت على التأنى حتى يستتب الوضع و تغفل عنه قليلًا. 
ثُم ربط على كتف دارين وهس  : 
- هيا يا دارين لم يعد لدينا وقت قبل أن يلاحظ احد غيابكما. 
وتابع مكملًا حديثه للشاب  : 
- ما زال لديك فرصة الأتيان معنا فكر جيدًا الأمير براء سيحميك ومن معك! 
ألا أن الشاب نفى قائلًا  : 
- لن أرحل دون صديقايّ وكُلي ثقة فيكَ وفي أميرك بأنكم ستنقذونا، هيا انطلقوا قبل فوات الآوان. 
إلتفت لـ دارين وقال  : 
- سنلتقي مجددًا. 
تبسمت له دارين دون أن تتبس وما لبثت ان اخذ منها الشاب جعفر وساعدها صهيب على امتطاء الجواد وامتطى هو آخر حاملّا الصغير في حجرة وانطلقا مودعين الشاب الذي لوح لهما ولم يختفى حتى تواروا عن بصره... 
ومضيا لا يلووا على شيء، حتى إذ ما تعبا الجوادين و وهنت أجسادهم قرروا الاستراحة لبعض الوقت، فترجلو عن الأحصنة واستظلوا اسفل إحدى الشجيرات، هُنالك سرح صُهيب وكسى الحزن وجهه، حزين متألم أشد ألم من قلب مكلوم مُفارق المحبوب وأن لم يكن له، وبدا غائبّا وإن كان موجودًا، غائبًا بقلبه وروحه وخُلده مسافرًا لأبعد مكان وأسند رأسه مسبل الجفنين على جذع النخلة، فسئلته دارين دون ان تدرِ إنها تنكأ جرحّا لم يلتئم بعد  : 
- صُهيب، لا تبدو بخير؟! كأنك حزين حُزن الفقد، من فقدت يا صُهيب. 

من فقد؟  فقد من كان يتوجها على عرش قلبه ملكته. 
فقد! من كانت يُعناقها بين جفونه ويخبئها في قلبه. 
فقد حبًا لم يبوح بهِ ابدًا وظل أسيرًا هو وصاحبته داخل قلبه. 
حُبًا لطالما أحياه وأضاء دربه الحالك، حبًا فعل لأجله الكثير وضحى بالكثير ولم يلتفت له أحد او يلاحظه. 
أقسم أن يكون حارسها وملائكها وفعل المُحال ليبقَ بجانبها قريبًا منها مذ رآها ورغم فعله ماتت قتيله. 
يا آسفاءي على كل صنيعه، يا حسرتا على حبه الذي دفنه في مهده وها هو يُدفن قبل بلوغه. 
هي الأميرة البعيدة التي كالنجم الذي لن تطوله الأيدي مهما سما، توغل حبها بصدره حتى صار يتنفسه، ويدق قلبه به، نجمته البعيدة كل البعد القريبة كل القرب إذ نظر لها تبسم وازهر قلبه وأن رآها حزينه كلح وجهه وتكدر قلبه يا ليتها من فتاة استولت عليه دون جهد. 
طال صمته، صمت ثقيل عميق أعرب عن حزن صاحبه الدفين وقال اخيرًا بصوت كأنه يخرج من بأر قلبه  : 
- لقد ماتت اخت الأمير يا دارين وذُبح ابنها الصغير الجميل! 
شهقت دارين وهي تكتم فمها باناملها واغروقت عينيها تلقائيّا بالدموع، لم يُبالي صُهيب واستأنف قائلّا في شرود  : 
- والله إن الموت أشهى إليّ من ذاك خبر أمات قلبي معه وتوارت روحي تحت الثرى ترافقها كما رافقتها في الحياة.. 
سكت لـ هنيهة رافعًا ركبتيه راكنًا عليهما بمرفقيه ورفع بصره إلى السماء متابعًا وقد حسم أمره أن يبوح بما يدفنه في قلبه مذ سنين طوال، آن الآوان أن يبوء لـ أحد قد يشاركه حبه الأسير  : 
- حين رأيتها رأيت بدرٌ هل مكتملّا في ليالي الدادي، بدرًا وهاجًا وهجه أخترق شغاف قلبي فشغفها حبًا وتخلله دون إرادة مني، لا تسئلين كيف احببتها! فوالله إني لا أعرف غير أنها باتت النفس الذي أتنفسه ومن دونه أرتد قتيلّا لا حياة ليّ، لم أعهدها غير روحي التي تسكننيّ لم يكن جمالها والله هو من اسرني فإن الجمال زائل وما هذا أبغي، لكن جمال روحها استحوذ على روحي كـ روح ألتقت بروحها فـ أبت أن تفارق إلا عند الموت، الحب غريب يا دارين يجعلنا نفعل اي شيء لمن نحبه حتى أن كان في هذا الشيء وجعنا  . 
صمت مليًا متنهدًا كمن يتذكر شيئًا جميلًا واثناء هيامه كانت دارين تنظر له في حزن ولا غرو قد أغروقت الدموع وجهها ولم تقاطعه، كيف تقاطع صوتًا بالحب يُناجي؟  
صوت حزين ما صدق ان يبوح دون توقف وهي ستصغى مهما طال حديثه وذاد وغزر ليتدفق ذاك الحب آن له الخروج إلى النور وحان ظهوره لها، من يقتنع الآن ان صُهيب ذو الصوت الحاد الأجش يتحدث بكل تلك الوداعة، من يصدق أن قلب كقلبه يحوى كل ذاك الحزن، من يعتقد ان ثمة حبًا مدفون لم ينجلى أبدًا ولم يحس به أحد؟  لم يخطر على بال أن رجلٌ مُقدام جرئ يُعاني من الحب حد الموت! 
أفتر ثغرُه عن بسمة مشرقة وقال بصوتٍ كالندى وهو يرمقها بنظرة سعيدة  :
- كانت جميلة يا دارين  .. جميلة للغاية، جمالٌ يأخُذ لُب أعتى الرجال، رغم ذلك كانت رقيقة القلب حنونة الطباع بريئة براءة الأطفال، اول مرة رأتها عينايّ كنت صغيرًا ما زلت فتى وكانت هيَ تلهو وسط رفيقاتها حينها سرقت قلبي، ونقشت صورتها على جدران روحي وإذ بعيني لا ترى غيرها، جميلة فاتنة ذات ضحكة آسره خصلاتها كأمواجُ البحر تموج وراءها إذ ركضت، وعينها مدهمتين بياض بشرتها يُضاهي نقاء قلبها، كلامتها لو تحدثت قُلتِ أنها طفلة لا ترتدي إلا اللون الأحمر فما تدرِ هل كان يذيدها جميلًا ام هيَ تذيد اللون جمالًا. 
صمت لبرهة كأنه كأن الحدث يُعرض امامه وضحك قائلًا  : 
- أول لقاء عدت منه إلى البيت مجفيني النوم ولا تفكير ليّ غيرها، وكنت شاب يحبُ المبارزة بل لعلي كنت المتفوق فيها وسط الجميع، وفي اللقاء الثاني يا له من لقاء، لقاء لا يُصدق فقد كان أخيها البراء غير موجود في المملكة وبينما هي خارج القصر كادوا ان يغتلوها فـ أنقذتها يوم ذاك أقسمت أن احميها دائمًا وبذلت كل جهدي كي أكون حارس لدى الأمير من طليعة الجيش، وانظري لحسن حظي أصبحت انا القائد لجيوش ميليا ورفيق ملك المملكة وذراعه الإيمن والملاك الحارس للأميرة، لم اتصور قط أني سأنال كل هذا فلا يعلم الغيب إلا الله. 
قاطعته دارين متسائلة  : 
-  وهل كانت تحبك الأميرة؟ لماذا لم تتزوج بها؟ 
غشى الحزن مقلتيه، وقال كالحُ الوجه  : 
- كيف لمن مثلي أن يليق بـ أميرة مثل ميليا أميرة مملكة ميليا؟ 
لم تستطع دارين تمالك نفسها فقالت منفعلة وهي تحرك ذراعيها كمن سيخوض حرب  : 
- وهو عود الأسنان جوزها  دا يعني اللي حلو ويليق؟ دا اي الفقر ده يا بني أنت مش شايف نفسك دا انا شوية وهقوم اكلك من حلوتك! 
ندت عن الصغير حركة منزعجة وهو نائم إثر صوتها، بينما قطب صُهيب دون فهم ناظرًا لها في بلاهة ولم يعقب، فضحكت هي بغباء مرددة: 
- الحمد لله إنك مش فاهمني وإلا كنت فكرت إني بتحرش بيك علني.
- لا أفهم عليكِ ماذا تقولين؟ تحدثِ جيدًا ما بكِ! 
- ابدًا يا خويا بقولك كمل كمل اشجيني القعدة مطوله شكلها وانا بحب قصص الحب المأسوية. 
ادركت ما تقوله من تعابير وجهه المتجهمة فقالت ضاحكة  : 
- لا تشغل بالك بما أقوله، هيَ أكمل لن أنقاطعك مجددًا وعد. 
تبسم صُهيب لها وتنهد متابعًا  : 
- مرت سنين وكبرت امام عيني وغدت بيننا أُلفة عميقة وصداقة متينة لكني لم اصرح يومًا بحبي لها، وجأ أمير مملكة أولمان متقدمّا لخطبتها و وافق البراء عليه حين ألتمس الفرحة والموافقة من أخته، وعاهده الأمير إنه سيحافظ عليها وإنه أحبها منذُ فترة قد رآها فيها، وأظلمت حياتي ودعست قلبي المكلوم و والله كانت سعادتها من سعادتي واعلم اني غير جدير بها، ولم نسمع عن مملكة الأولمان إلا كل خير بالطبع هذا ما اردوا ان نعرفُه، وتزوجت الأميرة وغادرت.. 
يا ليتني ما سمحت لهذه الزيجة أن تحدث، يا ليتني سئلت قبلًا عن هذه المملكة الجاهلة، يا ليتني حميتها وحميت ابنها. 
لم افي بوعدي لها ان أظل احميها حتى الرمقُ الأخير، والنتيجة ذبحوا ابنها يا دارين، قوم جهلة متخلفون يذبحون الأطفال ويصفون دماءهم ليصنعوا منها فطائر لملكهم حتى يطيل عمره، إنهم كفرة كيف استغلونا بتلك الطريقة؟ 
كيف ذبحوا ابنها أمامها. 
ضرب بقبضته صدره مسترسلًا  : 
- أشعر بنار تتأجج تأجيجًا شديدًا ملتهبًا بداخلي، انا لا اقو على تحمل الفكرة، كانت تُناديني يا دارين عقب موتها ولم ألبي، لم ألبي نداء قلبها ولم انقذها ورحلت يا ليتها كانت تعلم كم أكن لها من حب يا ليتني كنت أعلم لاضحى بروحي لأجلها، حسبتها ستكون سعيدة وكنت أنعي قلبي بهذا، حبيبتك، اميرتك سعيدة يا صُهيب فلما الوجع لكانها كانت وحيدة تُصارع الموت،  لقد فارقت الحياة، حياتي يا دارين ذهبت، يضيقُ صدري وأقتُلع قلبي. 
كانت دارين فاغرة فاه متسعت العينين و دموعٍ جارية تنبئ بتأثرها العظيم بحبه المطوِ بداخله. 
هل يوجد مثل هذا حب؟  أم هاته هو الحب الحقيقي الذي اندثر مع مرور الزمن وغدا ضئيلًا. 
كيف للأميرة أن لا تشعر بقلبًا يحيا بحبها، كيف لها أن لا ترَ نفسها في عينيه؟ 
يا إلهي قد ماتت ميليا تُرى كيف سيكون حال براء. 
إنه ينتظر عودتها على أحر من الجمر فماذا أن تعود إليه ميتة! 
ذبح اطفال لصنع فطائر؟ رباه أين هيَ هل حق ما سمعته أذنيها أم إنه لم يتفوه بذلك؟ 
يصنعون فطائر من دماء الأطفال ليطول عمر الملك ويا حبذا لو كانت إبن أمير وأميرة. 
غير أبهين بآبناء الأطفال فـ مصلحة انفسهم أهم! 
تبًا لهم ولأفكارهم ولمعتقداتهم ومبادئهم وخزعبلاتهم كيف اخترقت تلك الفكرة على اذهانهم! 
هل هؤلاء بشر حقًا ذو قلوب مثل الجميع؟ 
_ربتت دارين على كتف صُهيب التي أحست بإن كاهليه يُحملان حمل جبال من الهم والحزن، فـنظر لها ببسمة حزينة خفيفة وقال بـ أعيُن رغم الدمع المترقرق فيها مصرة متحدية  : 
- أقسم بالله بأني لآخر نفس سأمتلكه لن أضيع حقها وحق طفلها وكل الصغار هباءً، بحنق أستنجادها بيّ رغم بعدي بأني لن أخذلها، هذه المملكة ستكون نهايتها على يدي إذ شاء الله سأموت فداءً لذلك.
تنهد مطرق الرأس وقال  : 
- لن أستطيع أن اخبر مثل هذا الخبر للأمير، بالله كيف اخبره وهو ينتظر عودة اخته بخير! لا يمكنني! ساعديني! 
قالها في رجاء ناظرًا لها في عمق فـ اومأت تبتلع غصة محملة بالحيرة وقالت: 
- سأساعدك يا صهيب سنخبره سويًا وسنكون معه لنواسيه.. لن نتركه فريسة للأحزان أبدًا. 
وتابعا طريقهما إلى مملكة ميليا حتى دخلوها متوجهان إلى القصر.. 

شاع في القصر خبر عودة دارين وصهيب فهب آجار إليها والأمير واستقبلوهما استقبالًا حافل، الآن فقط استكانت قلوبهم على الغائيبين، الآن فقط يمكنهم أن يرتاحوا ويريحوا قلوبهم المجهدة من القلق، الآن فقط يمكنهما إغلاق أعيناهما التي أرهقها السهد، أدمعت أعيُن دارين متفاجئة بحضن آجار الذي اعتصرها بين ذراعيه وقال مما جعل عينيها تتسع صدمة  : 
- الحمد لله إنك بخير، قلبي كان هيوقف لو مطمنش عليكِ، أنتِ بخير حصل لكِ حاجة..... 
قالت دارين وهي تبتعد عنه في بهت  : 
- يخرب بيتك أنت بتتكلم مصري زيي وكنت بتضحك عليَّ طول الوقت، يا ادي النيلة دا انا كنت بشتمك ليل نهار يا فقري، طب اديني إشارة طب، غمزة حتى، اخص عليك لا بجد اخص بقا تخبي عليَّ حاجة زي دي؟ يا اخي انا متوحشة حد اتكلم معاه براحتي واهزائه. 
بدا عليه الملل وهو يضرب وجهه في غلب مغمغمًا في مقت  : 
- وها بدأت تثرثر يا الله رحمتك. 
زمت دارين شفتيها وقالت في تذمر  : 
- اعدل بقك وكلمني حلو عيب عليك و.... 
ابتلعت ما بقى من حروفها حين جذب آجار براء من كتفه وقال: 
- الم تكن تموت عليها ها هي تعال خذ نصيبك من الثرثرة والصداع. 
ثم رحل وهو يتمتم: 
- يا ليتهم كانوا قطعوا لسانها وارحونا. 
ثُم أطبق جفنيه بشدة كابحًا دموعًا ودت لو تهطل من شدة الفرح، اراد فقط ان يختفى حتى يوارى دموع قلبه التي لا تصدق إنها بخير... 

         🥀 ربِ اشرح ليّ صدري 🥀

علم براء بموت أخته، علم برحيلها، إذًا حديث رفيقتها كان صادقًا، رفيقتها التي فقدت حياتها ايضًا كأنها تأبى حياة هي غير موجودة فيها! 
لكنه بالله كيف يُنهي حياته؟ 
كيف له أن يجعلها تعود للموت ليطلب السماح؟ 
السماح على خذلانه لها! 
مات  الصغير أول فرحة تدخل قلبه، كانت اول يد تتلقاه يديه، ذُبح، والأدهى أخذُ دماءه الطاهرة ولماذا؟ ليعدوا فطائر يتناولوها؟ 
والله إذ اخبره احد اخر بهذا الأمر غير صُهيب فمَ صدق! 
مُوضوع لا يُدخل البال! 
آه يا لوعة قلبه الذي يتلظى، ويصرخ صراخًا لا ينفك أبدًا. 
لقد خاب وخسر يا ليته كان يعلم، ليته أنقذها، ويا ليته لم يزوجها وجعلها تبقَ بقربة. 
صغيرته التي رباها على يديه ماتت مكلومة على طفلها وهو بعيدًا لم يصنع شيئا! 
بحق كل نقطة دمع، وبحق كل نقطة دم من صغيره، سيجعلهم يدفعوا الثمن غالي سينفذ وصية أختة و لن تضيع أرواح الأطفال هباءً إن كانت حرب فلتكن لكنه لن يجعل ذاك الملك وإبنه ينجون مهما كلفة الأمر، حتى لو حياته. 
منذُ أن علم، منذُ طعنه الخبر في مقتل، منذُ إن غيم الحزن حياته، وهو يلزم حجرته لا يُبرحها ولا تبرحه، جدران القصر بقت موحشة تنعي موت اميرتها التي كانت تنشر البهجة في الأرجاء، وضحكتها المجلجلة تنعش الجدران، ستصبح ذكرى! 
أيا حزن أبتعد لماذا لا تمل منا كما يمل كل شيء! 

_كانت تبكي فوق فراشها كأنها تواسي الأمير الذي لأول مرة ترآه ضعيفًا خارًا القوة، منع عنه الجميع ويا ليته يدرِ كم تتعذب وهي لا تشاركه حزنه، أبصرت آجار الذي راح كل دقائق قلائل آتيان يطمئن على وجودها ويرحل، ابتعدت من فوق فراشها ونزلت إلى الحديقة، هُنالك رأت صُهيب يقف يأمر بعد الجنود الكُثر بـ أشياء عدة لم تدركها، فدنت منه فلانت ملامحه ما ان وقعت عيناه عليها، و سئلته  : 
- ماذا تفعلون؟ 
فـ رد وهو يشير إليها ان يسيرو  : 
- هلُمِ نسير.. العدل يجب ان يُقام يا دارين و أمير أولمان سُعاقب وحكمه صدر اليوم. 
دق قلب دارين خوفًا وهمست  : 
- وما حكمه؟ 
اجاب صُهيب وهو يقف ناظرًا لها  : 
- برأيك أنتِ ما الحكم المناسب لمن وافق على ذبح طفلة أمام عينة؟ 
اتسعت عينا دارين وهي تهمس  : 
- الذبح؟! 
لم ينبس صُهيب وهو يُعود يسير وهي بجانبة وغير مجرى الحديث قائلًا  : 
- ألم يخرج الأمير منذُ البارحة! 
- لا، لم يخرج. 
فقال صُهيب بنبرة جامدة فجأة وأعيُن قاتمة   : 
- سيخرج بعد قليل حان الوقت. 
لم تعقب دارين على قوله ولم تتطرق للحديث معه اكثر في هذا الأمر، وسئلته مترددة  : 
- صُهيب سأسئلك سؤالًا ولا تخذلني، فقد بتنا اصدقاء، أليس كذلك؟ 
تبسم صُهيب هزًا رأسه بالإيجاب وأردف في بساطة  : 
- اسئلي ما بدا لكِ يا صغيرة! 
فبادلته دارين البسمة وسئلت مطرقة  : 
- ثمة سؤال يقلق منامي، بالله عليك يا صُهيب كيف جاءتك القدرة ان ترآها وهي تُزف لغيرك؟ 
ثبت مكانة فور سؤالها، وبسط كفة وتكور، وغشى الحزن مقلتاه وقال بصوت ينبع من منبع حزنة الأليم  : 
- لم اقدر يا دارين، والله لم استطع، كان السير على الجمر أحبُ إليّ أن ارآه في أحضان آخر. 
سكت لـ هنيهة وتابع سيره وهي بجواره تسمعه بقلبها لا بـ أذنيها وقال بصوت عميق خرج عن قلب مكلوم نُكأ جرحه الذي لم يلتئم  : 
- كنت أعرف إنها مُحال ان تكون ليّ، فـ دعست قلبي بداخلي، وكنت سعيدًا حقًا كنت سعيدًا لسعادتها رغم كل ما ألَم بقلبي حينها، كنت كالميت الذي يُشاهد روحه تغادر عنه ولا بأستطاعته فعل شيء لأسترجعها فكنت مستسلمًا كاتمًا دموعي بقهر، ولكن كان هذا يبكي. 
أشار لقلبه فنظرت دارين حيثُ شاور، كم يحمل هذا الرجل من الأحزان في قلبه!  
لمعت عيناه بدمع الحزن، وقال وهما ما زالوا يسييروا على العشب الأخضر  الذي يُغطي حديقة القصر  : 
- دارين، نحنُ السائرون في درب الحياة لا يمكن ان نحلم بما هو مستحيل وهيَ كانت مستحيلة مثل نجوم السماء صعب و محال الوصول إليها. 
وقف فجأة ناظرًا لنقطةً ما وأشار بأعين مبتسمة نحو طفل وبيده قوس  : 
- لم تسنح ليّ الفرصة أن اعرفك، هذا إبني! 
وأشار لها بعينينه فـ نظرت دارين إلى الطفل وتلألأت عينيها من شدة جماله وهمست في صدمة  : 
- فتى يا رجل ليس طفل ! أنت متزوج! وهل تحبُ زوجتك؟ 
- بيننا مودة وهذا يكفي. 
صوت خيول تلاه صوت جندي يرتفع صوته قائلًا  : 
-لقد وصل الملك سيحون ملك مملكة الأولمان! 
هُنا وشعت عينا صُهيب بنظرة مخيفة أخافة دارين وهي تتقهقر وتبسم بسمعة مرعبة وهمس لها بحسم  : 
- دارين، هيَ إلى غرفتك ولا تنظري لأي سبب من نافذة جنحاحك وألا اقطع رأسك يا فتاة إياكِ أن تقع عيناكِ على الساحة.. 
نهى عبارته وتحرك من أمامها، فـ اندفعت لداخل القصر لا تلوى على شيء، حتى اصتدمت بـ الأمير قُرب جناحه و وقفا قبالة بعضهما، بدا لها حزينّا وأن عيناه الحمراء لم تذق طعم النوم ولم ترقأ من دمع، رغم ذلك كان ثابثًا صلبًا صامدًا صمود الجبال، ذو أنفٍ شامخ، تلاقت عيناهما ولم تحيد، وبغتة ركضت دارين إليه تضمة بقوة، لا غرو لقد أحبت هذا الأمير الذي كاد يُضحى بروحه لأجلها وهو يصارع ألمان. 
بل ذابت في قلبه عشقًا، ولم تلتمس الأمان إلا من عينيه. 
هل حدث وأن شعرت ان عينا احدهم تحضنك وتخبئك بين اجفانها، هل حدث لك وشعرت بـ الأمان فقط بالنظر إلى عينا احدهم؟ 
هل صادف وأن رأيت نفسك في أعيُن احد؟ 
هل لك و وجدت من يفهمك دون حروف، من يحتويك دون ان تطلب، من يسمعك بقلبه قبل اذنيه ويضم أوجاعك. 
هلا شعرت بالسند بوجود احد، سند يتلاشى مع غيابه! 
هل تمكن احد من إخراج ضحكة صادقة من قلبك ومحو تلك الزائفة المرتسمة دائمًا فوق شفتيك! 
ضمته وبكت بكاءً صامتًا فتفاجا من ضمها له، تفاجؤ جميل لا أروع منه، تلك الصغيرة تفلح في زعزعة ثباتة تجاهها، لم تدرك كيف بدرَ منها هذا كل ما احسته أن ثمة طعنة غُرزت في قلبها بقوة من جم الحزن في عينية وأحست بالخوف من وجود ذلك الملك فلم تجد غير حضنة موئِلًا. 
فتح براء عينية المسبلتين في راحة وربت على ظهرها برفق، و همس  : 
- لا تخافِ يا اميرتِ أنا هُنا لا يمكن لأحد أن يأخذك او يأذيكِ بعد الآن!. 
دهشة! دهشة هي كل ما احتلت كيانها وهي تبتعد عنه خِجلة محمرة الوجة تنظر للأرض، كيف علم بخوفها؟ 
فرفع ذقنها بسبابته وهمس بصوتٍ ناعم كأنه يعلم ما يدور في ذهنها :
- لا تندهشي، لنا حديثٌ طويل عندما أنتهي، فهلا انتظرتِ في غرفتي حتى أعود ولا تخرجِ منها، حسنًا؟ 
واختار غرفته لأنه لا يود لها أن ترى اعدام إبن سيحون وجناحه الوحيد الذي لا يطل على الساحة وهو لا يود لها ان ترَ مشهد كهذا يمكن ان يترك بفؤادها أثر موجع، قلبها الرهيف لا يستطع التحمل. 
فـ اومأت دارين منصاعة وتابع هو طريقة بينما دخلت هي جناحه تتأمله بـ انبهار وفي إحدى زوياه رأت مكان مُخصص للصلاة، إذ كانت مُصلية ومصاحف عدة، كان جميل مكان يبثُ الراحة في القلب ولوهلة طرأ خاطر في ذهنه إنه قضى يومه يُصلي ويقرأ القرآن. 
دارين الوحيدة في عائلته التي لا تشبه أحد، هي غير بنات العائلة، فـ الصلاة لا تُقربها إلا لُمامة إذ كسلة لا تُقربها، لا تهتم بملابس فضفاضة رغم إصرار خديجة ومحاولتها هي والفتيات معها، ولم ترتدي يومًا حجاب، تُرى لو كانت قد وافتها المنية، كيف كانت ستقابل ربها؟!. 
لا والله ما ان تعود لن يكون احب إليها من قربة، ستقترب من الفتيات ليعلموها ليأخذُ بـ يدها للجنة، هي تريد وبشدة أن ترافقهم فيها وستفلح إذ شاء الله بهدايتها، ستفلح طالما هُناك خديجة معها. 

            🌈 ربِ يسر ليّ أمري 🌈

ارتقى الأمير براء الدرج و وراءه الملك سيحون وخرجا إلى شرفة القصر العالية التي تشرف على الساحة. 
قبل أن يرَ الملك سيحون ما يحدث بالأسفل، إلتفت إليه الأمير براء و قال بصوتٍ صلب ويمناه وراء ظهره ويسراه موضوعة على حافة السور  : 
- بالله هلا اخبرتني كيف جاءتك الجراءة على الأقدام لدي؟! 
فـ ارتبك الملك سيحون وكان جبانًا  إذ كان دون حراسة فـ استرسل براء قائلّا  : 
- كيف لك عين بعد ان خدعتني؟  
راق له ارتعاشه وتحمحم وهو يقول بصوت متهدج متخوفًا  : 
- يا أمير بمَ خدعتك، أُختك بخير. 
يا ليته ما نطق فقد تحولت فجأة اعيُن براء وهو يزمجر وكفه يضغط على السور في عنف لكنه لم يتفوه بحرف، فـ استرد سيحون رباطة جآشة وتلى  : 
- جئت لك لأعلم لمَ إبني أسيرًا لديك؟ ماذا فعل؟ 
رفع براء حاجبة ولم يعقب بينما تابع سيحون  : 
- وصلني خطابك ولم أفهم منه شيء؟ لماذا قد اخطف إبنك وحبيبتك، انا حتى لا اعلم من حبيبتك، أما إنك تقصد زوجتك؟ 
وأيضًا لم يتلق ردًا، فقال متنهدًا  : 
- إذا لم تصدقني يمكنك  أن تذهب لمملكتي وتفتش فيها شبرًا شبرًا وتقلبها رأسٍ على عقب حتى تجدها. 
رفع نظره إليه وسئل متعجبًا  : 
- لماذا لا تتفوه بـ اي شيء؟ 
لم ينبس براء بل مال رأسه متأملًا إياه مشدوهًا من جرائته على الكذب بتلك الطريقة؟ يا لَهُ من داهية هذا المخادع لكنه ليس ادهى منه، سيريه الآن سيعذبه عذابًا شديدًا ويكوي قلبه والبادئ أظلم. 
" سمو الأمير الصغير يريدك"
نطقت بها إحدى مربيات الصغير وهي تقترب تعطيه جعفر كما امرها بفعل هذا في حضور سيحون ونفذت ما أُملى عليها مخافةً غضب الأمير، بكل تعمد كان يحمل براء إبنه يظهره لـ سيحون الذي بهت وشحب لونة وامتقع وهو يرمش بعينينه على جعفر غير مصدقًا، وبسمة ظافرة ارتسمت على ثُغر البراء وهو ينظر له في زهو. 
تلجلج صدر الملك سيحون وكاد يسقط صريعًا من شدة الرعب الذي سرى في جسده، 
إذًا براء يعلم علم اليقين إنه هو خاطف إبنه؟ 
وهو الذي فكر في خداعة! 
لقد ظن ان هرب الفتاة بفعل فاعل من مملكته وما زالت بداخلها وقد أخذت الصغير فـ يا للعجب هُما لدى الأمير، حسنًا سيتحلى بالقوة حتى يأخذ فلذة كبدة ويرحل. 
قال متلعثمًا والأحرف تهرب منه  : 
- أ...  أين ابني يا جلالة الأمير أريد ان آخذه واذهب لمملكتي فـ لدي اشغال. 
في خبث أشار له براء بعينيه إلى الأسفل وبكفه ايضًا  : 
- ها هو إبنك  خذه! 
لم يفهم سيحون ما يرمي إليه الملك ولا لما يشير للأسفل وهو يلتفت ناظرًا للأسفل ويخفي وجه إبنه في صدره، لكنه تقدم بقدمين ثقِلتين سُرعان ما اتسعت عينيه وهو يرَ ظهور صُهيب بـ إبنه مُغطى الوجه بقماشة سوداء ويديه مقيدتين أمامه وتدفعه الأكفُف صائحون إلى ساحة رحبة وفي أخرها مقعد ومن فوقه يتدلى حبل دائري فرمش بـ عينيه غير قادر على النطق، ترنُح إبنه نبئه إنه تلقَ ضربًا مبرحًا، في دقائق كان صُهيب ينفذ الأعدام أذ اشتد الحبل حول عنق إبن سيحون وبينما هو يُرفث بقدميه سقط الكرسي وما هي إلا دقائق وكان جسده يسكن عن الحركة ضعيفًا يدور في الهواء وهو معلق. 
لم يشعر سيحون بصراخه الذي زلزل القصر، صرخة ملتاعة صدرت عنه وهو ينهار أيضًا وبراء يقهقه بجواره. 
رغم عيناه التي التمعت بالدمع تأثرًا. 
صرخة سيحون جعلت الجميع يتمركز يشاهدونه حتى دارين خرجت إثر صوته بينما حضر آجار لاهثًا متنفسًا في راحة وهو يدرك أن دارين لم تشاهد كل ما تم آنفًا. 

اشار براء لإحداهن وناولها إبنه ومال على سيحون الذي يتنفس في سرعة بجسد خائر وهمس بصوت كالفحيح بعث له الرعب ونبئه بأن القادم اسوأ  : 
- اوجعت قلبي يا سيحون، صدقًا اوجعته لكني غير نادم من قتل يُقتل ولو بعد حين، واحمد الله بأني لم  أنفذ غير الحق وسرت بالقانون، لذلك يا رجل تحلى بالصبر فأن كنت ستنهار من إذًا سيدافع عن مملكتك. 
هب سيحون واقفًا متحليًا بالشجاعة كأنه لم يصرخ توًا، وكأن إبنه لم يُعدم وقال بقلب جاف بارد  : 
- افعل ما بدا لك يا امير اعدام ابني لن امرره. 
- أوه يا رجل ما هذه القوة لقد اذهلتني حقًا ظننتك لن تنهض من مكانك وحسبتك ستبكي حزنًا، أليس لك قلب يا هذا! 
لقد سار العدل الآن انا مطمئن. 
حدجة سيحون بغل ولم ينبس بل أستدار ينوي المغادرة لكنه توقف على سؤال براء  : 
- اخبرني كيف طعم فطائر دماء إبن اختي وجميع الأطفال. 
أظلمت عيني سيحون رعبًا وخشى على نفسه من بطش براء وكاد يهرول فارًا من امامه لكنه تصلب حين أضاف براء  : 
- يُحزنني إنك في القريب لن تتذوق هذه الفطائر مرة اخرى. 
واقترب منه هامسًا جوار أذنه  : 
-اذهب ولا تفكر إلا في نفسك وكيف تنجو مني لأني قادم إلى مملكتك. 
وعلا صوته مرتفعًا يرج القلوب رجًا  : 
- عد جيشك وجهزه بكل ما تملك من آلآت حرب فـ مملكة ميليا  قادمة للثائر لارواح الأبرياء عد العتاد أو فر هاربًا لكنك ستموت وسآخذ روحك أما الأستسلام أو الـ..... 
قهقه وهو يرَ سيحون ينتفض مرتجفًا ويسرع الخطى لكنه تصنم مجددًا على مرأى دارين التي تشع نارًا وكادت تهجم عليه إلا ان آجار حال دون ذلك وهو يقبض على خصرها مغمغمًا  : 
- اهدي يخرب بيتك هتودينا في داهية الله يحرقك. 
فصرخت  وهي تضرب ذرعاه بعنف   : 
- سيبني يا آجار والله هاخد حقي انت مش عارف الرجل ده عمل إيه فيا. 
رغم الحديث الغير مفهموم إلا ان براء صاح في آجار  : 
- خل سبيلها يا آجار. 
فخلى آجار سبيلها وحدق فيها وهي تندفع كـ السهم الى سيحون الذي نظر إلى الخلف في خوف وكاد يركض هربًا وفورًا تلقى لطمة قوية أُدعت فيها دارين كل قوتها وهي تلهث. 
لم تُتح لها أن تقرأ شيئًا على وجه الملك سيحون ولا الغضب الذي اتقد في عينيه إذ حال البراء بينهما واقفًا في وجهه يخبئها خلف ظهره، فكتم سيحون غضبة وجز على اسنانة فتبسم براء قائلًا  : 
- صدقني هذا افضل لك فـ لا اظن أن كفها الصغير يوازي كفيّ إذا لم تغرب عن وجهي الآن. 
أنطلق سيحون غاضبًا مغادرًا، وتراخت ملامح براء وهو يلتفت إلى دارين التي قالت  : 
- لقد ضربني وأخذت حقي فـ أنا لم اكن لـ امرره. 
فكتف ذراعيه وهو يقول في عبث  : 
- وهل كنتِ فعلتها إن لم أكن موجودًا؟! 
فتبسمت دارين ناكسة الرأس تهز رأسها وهمست  :
- أنا استمد شجاعتي منك لأني اعلم ان لا احد يمكنه المساس بيّ في وجودك. 
قالتها وفرت من امامه فتبسم بسمةً واسعة لم تكن إزاء بسمة فؤاده. 

🌿 ربِ اغفر ليّ ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب🌿

" وماذا تعرفين عن الصحابة؟ "
همس بها الأمير براء وهو ينظر إلى دارين على مائدة الطعام التي تحوي آجار وصهيب الساهم. 
فتنهدت دارين وهي تعتدل في جلستها كأنها ستقص امرًا لا يعلمه غيرها وهي تحمد الله انها ما زالت تذكر بعضًا عنهم من خديجة. 
قالت بصوت مزهو جعل براء يكتم ضحكته  : 
- إليكَ مثلّا البراء بن مالك الأنصاري، الشابُ المغوار الذي كان يخشاه الفاروق من ان يُهلك الجيش ليس لشجاعته في القتال ولكنه كان يعلم أن البراء مغوارًا من المغاوير لا يُهاب الموت إنما يبحث عنه، يُلقي بنفسه في اتون الحرب غير آبهٍ بنفسه. 
صمتت تسترد انفاسها وقد أخذت جم اهتمام الأمير وآجار وصهيب الذي اسند ذقنة على كفه ينصت في اهتمام ولم يكن يدرك براعة دارين في السرد ولم يكن يدرك أنها كلمات خديجة التي قصت عليها تلك القصة لا هيَ. 
راحت دارين تقول وهي تتذكر  : 
- قاتل البراء بن مالك مائة من المشركين مبارزةً وحده، عدا الذين قتلهم خضم المعارك مع المسلمين. 
هُنا والتمعت عينيها بالدموع وشردت وهي تتابع  : 
- براء وما يدريك من البراء والله لتتحير من قصته وتعجب وحرى لك ان تعجب، في معركة "تستر"  تحصن الفُرس في قلعة فحاصروهم المسلمين، وهنالك عمدوا اعداء الله على سلاسل من نار جعلوا يدلونها من فوق اسوار القلعة عُلقت بها كلاليب من فولاذ من نار فكانت تُصيب من تصيب من المسلمين فيرفعونهم إليهم موتى او على وشك الموت، وعلق أحدى الكلاليب في انس بن مالك خادم رسولنا الحبيب وأخو بطلنا البراء فما كان منه إلا ان يثب على جدار الحصن وجعل يخلص اخاه من الكلاليب المشعة بالنار غير مدركًا، ولا شاعرًا بكفيه الذين احترقوا، لم يأبه بنفسه ولا ادري كيف فعل؟ 
يجب ان نتعجب حقًا، كيف لا نتعجب؟ 
لم تشعر دارين بدموعها التي طفقت وهي تتابع  : 
- والله أن هذا المشهد يجب ان يعلق في ذهن كل مسلم ليتعلم كيف ان الأخ انقذ أخاه غير آبهًا بنفسه، وان تسئل عن بطولات إبن ام الرميصاء لتعجب، فـ في معركة اليمامة وحين احتمى اعداء الله مسيلمة وحزبة في حديقة الموت واغلقوا الأبواب وتحصنوا داخلها وجعلوا يمطرون المسلمين بنبالهم من داخلها فتتساقط عليهم كالمطر، هنا وتقدم الفتى المغوار الذي يرجوا الموت وقال لهم ان يضعوه على الترس ويقذفوه داخل حديقة الموت. 
وفي دقائق كان يقذف جسده بداخلها، وتصور هذا المشهد الذي تعجز الاقلام كتابته، ويعجز السرد وصفة، تخيل النبال الممطرة وقلعة بداخلها الآلف المؤلفة من جنود مسيلمة ولكنه لم يبالي بكل هذا ونزل عليهم نزول الصاعقة وظل يقاتلهم حتى فتح الباب لاخوته المسلمين وحُمل بعد ذلك جريحًا وقام خالد بن الوليد سيف الله المسلول على مداوته شهرًا حتى أذن الله له بالشفاء. 
انفجرت دارين باكية ولم يعلم احد لما البكاء، لكنها كانت تُصارع حنينًا فاق الحد، والزكريات كالمطر تتدافق على روعها وصورة خديجة تحيطها وصوتها وهي تقول باكية بعد سرد قصة البطل  : 
- والله لو موت وكنت من اهل الجنة لأذهب إلى البراء واسئله كيف بالله أُحرقت كفيه حتى انصهر اللحم ولم يبق غير عظمتين متفحمتين في سبيل انقاذ اخية، كيف لم يشعر وكيف تحمل لن أبرحه حتى يخبرني كيف فعل ذلك ثُم اخبره كيف اصبحنا في زمن يقتل الاخ أخيه. 






وبعدها اسئله كيف طاوعتة نفسه ان يُلقى داخل حديقة الموت والنبال تتدافق من داخلها والجنود المؤلفة بداخلها، كيف كان حنينه للموت واستهانته بالحياة. 
علا بكاء دارين بالبكاء وهي تنهض راكضة من امامهم فنهض الأمير وخطى خطوة وتراجع جالسًا وقلب عينيه في الشابين الناظران إليه في دهش مما حصل. 

☘️ اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه ☘️

الأيام تمُر، وصُهيب يعدُ الجيش، صوت صليل السيوف بات كل يوم أمر لا بُد منه، عصبة تبارز، وأخرى تتمرن على السهام والنبال، وبين هذا وذاك وصُهيب يُهلك حاله دون كلل او ملل. 
وذات يوم دعاها الأمير الذي كان يبتعد عنها قدر الامكان حتى لا يتعلق بها أكثر رغم تأرجحة على نار الشوق وما اسوأ تلك المواقف التي نُرغم فيها على البعُد والشوق يقتلنا والحبيب قريب ورغم قربه لا يمكنك أن ترآه.. وكأن بينكما جدار يحجب رؤيتكما رغم سهولة كسره. 
وما أن اختلا بها في جناحه والباب مفتوحّا على مصرعية، يوليها ظهره ناظرًا من النافذة وهو يسند كفه على الجدار، وقفت دارين وراءه دون همس حتى لا تدرك ما ذاك الجفاء الذي اعتراه فجأة رغم طيفه  المحيط بها من كل جانب، تبًا لضربات قلبها التي توترها في حضرته، ما به هل يطمع عليها ان ترَ ملامحه التي تشتاقها؟ 
لكن لا تثريب عليها فما تدرك بصعوبة الأمر عليه وهو يعصر جفنيه ألمًا وقال فجأة يُلقي الطامة على قلبها  : 
- لقد علمت كيف ستذهبون وتغادرون المملكة متى شاءتم يمكنكم المغادرة. 
اغروقت عينيها بالدموع وما هي إلا لحظات وكانت تنتحب والدموع تسرى من عينيها وهرولت راكضة مع إلتفته بهمسة بـ إسمها وهو يمد كفه سرعان ما تصلب مكانه مانعًا نفسه عنها. 
ارتمت فوق الفراش تبكي كيف بالله لن تراه مجددًا؟ 
كيف يمكن لمن اعطى الأمان ان يسحبه ويغادر. 
كيف استقر هذا العابر بين ثنايا قلبها فـ أصبحت تهواه. 
أيا هوى لِمَ الوجع ففراق الأحبة مؤلم! 
يا هوى ترفق فـ القلوب ضعيفة لا تتحمل البعد بل الوداع! 
نعم وداع دون لقاء! 
كفى يا دموع لا تنهمري فهذا هو المكتوب. 
ويا قلب كفاك نزفًا فما عاد للفؤاد طاقة. 
أمسك ببعض دمك فـ انت تحتاجه لتحيا. 
لتحيا دون مسكنك فما الضير في هذا الم تكن وحيدًا ابدًا، لماذا فتحت بيبانك لمن سيرحل، لماذا؟ 
بكت بكاءً يُمزق القلوب، حتى صومعت في حجرتها لفترة، كأنها تحاول ان تعتاد الوحدة من الآن وقد عاقبت نفسها بحرمان الصغير، رغم بكاءه الذي يصلها، عيناها جم الوقت لا ترقأ من دمع. 
وقد علمت أن آجار كان له رأي آخر وأبى أن يرحل دون ان يساعدهم في هذه الحرب ويعرف إلى ما ستؤول. 
رغم ذلك فـ الرحيل رحيل سواء الآن أو بعد ايام، فأنه يبقى رحيل. 
يا لهامن رحيل يُشق القلب كمدًا. 
وعلى مرأى من النجوم الساهرة والقمر يتوسط كبد السماء التي بدت صافية منيرة كانت تسير دارين وقد حررت نفسها من قوقعتها، تعقد ذراعيها تتأمل الحديقة بأعيُن لامعة بالدمع وفي كل ركن تكمن ذكرى، ذكرى رائعة ولا أروع منها، ذكرى تجعل قلبها يتراقص فرحًا وروحها ترفرف في سماء السعادة، تارة مع الأمير الغالي، وتارة مع صغيره، وتارة مع صهيب.. 





هُنا لم تشعر بالغربة هُنا لن يبقَ موجودًا.. 
كانت شاردة شرود جميل غافلة عن اعيُن الأمير التي تتأملها من شرفة حجرته... 

وها أوآن الحرب قد آن وها هو الجيش يتجهز، وها صُهيب يودعهما ثُم ينطلق في مقدمة الجيش الذي امره الأمير بالتحرك وهو سيلحق بهم، الغبار هاج، والأرض ترتاج اسفل الاقدام وتدُك دكًا ، والهتاف يُزلزل الأرجاء بـ " الله أكبر "
شيع الأمير جيشه بفخر، الهيبة التي يمتلكها والعدد وصُهيب وحده يجعله مطمئن، لقد ترك معهم قائد لا يُضام، فارسٌ مقدام وبطلٌ مغوار، تحرك إلى جناح دارين وطرق مستأذن قبل الدخول  ، فما ان راته وقفت ساكنة لا يرف لها جفن وهي تنظر إليه، فـ تقدم حتى وقف على بعد خطوات قلائل منها، وتبسم رغمًا عنه بسمة حزينة وهو يرآها تصارع دموعها فقال  : 
- سأذهب الآن واريد منك طلبٌ، اعرف إنك لن ترديه ولن تخيبِ ظنِ فيكِ. 
بصوت باهت همست دارين  : 
- اطلب ما شئت! 
- سأذهب للحاق الجيش الآن لادركه، إذ لم أعُد خذِ جعفر معك يا دارين لا تتركيه وإلا قتلوه هُنا.. اجعليه يكبر في حضنك المتدفق بالحنان، واجعليه ينهل من طيبة قلبك، واحبيه وتذكريني فيه.. وإذ كنت على قيد الحياة فسيكن لنا لقاء آخر. 
سرت الدموع على وجنتيها فـ كبح مشاعره معتصرًا جفنيه على مقلتيه وقال بعد هنيهة  : 
- أُحبك يا فتاة، ولم احب احد قبلك! 
رغمًا عنها شهقت ضاحكة وهي تهمس في غيرة: 
- لم تحب قبلي؟! وزوجتك؟  والساحرة التي فرت هاربة! 
فـ أنطلقت ضحكاته وقال  : 
- زوجتي زوجني إياها ابي قبل موته رغمًا عني لأمور بين المملكتين، والساحرة فها إن ذا قُلتِ ساحرة لكني بالفعل وقعت في عشق ساحرة. 
أقبل ممسكًا بكفيها بين راحتيه ناظرًا إلى عينيها بنظرة جميلة مُحبة وأردف  : 
- ساحرة سحرت قلبي وروحي واحتلتني كما يحتل الغرباء الوطن. 
لكنها لم تكن غريبة كانت الوطن الذي كنت أبحث عنه. 
كانت وطن أعاد لرئتي انفاسه! 
وطن سكنت فيه فوجدت مأمني وسكينتي. 
لمعت عيناه بالدمع مع صمته لبرهة ثُم تابع بصوت يكاد يبكي  : 
- كانت اجمل رياح تلك التي ألقت بكِ في قلبي! 
شكرًا على تلك المشاعر الجميلة التي حييتها لأول مرة! 
كوني بخير عديني ان تكوني بخير حتى يظل قلبي بخير. 
وعديني ان لا تنسيني ولا تنسى قلبًا أغرم بكِ وروحًا والله في سبيل ان تكوني بخير كانت فداءً، لا تنسى أن امير مملكة ميليا ذاب غرامًا فيكِ. 
عديني أن تحتفظي بذكرياتنا حتى نلتقي مجددًا مهما طال العمر ربما يكون لقاء في جنتة الرحمن يا جنتي. 
ارتمت دارين في احضانة باكية وهي تُردد في جنون  : 
- لا تتركني يا هذا لا ترحل ليس بعد ان وجدت من يحبني ويخاف عليّ ليس بعد ان وجدت اماني، اهتمامك بيّ احسسني أنك أبي الذي فقدته وانا طفلة، فلا ترحل، لقد أحببتك بل أنا اعشقك. 






قبل رأسها قبلة حانية اودع فيها كامل مشاعره ثُم ابعدها عنه وأولاه ظهره بكل ألم  وابتعد إلى حيثُ آجار الذي يُلاعب طفله فـ عانقه بشدة واوصاه بهما وحضن إبنه ولثمه وتركه راحلًا دون قلب وروح بجسد فاقد لكل شيء امتطى صهوة جواده وهو يلقي آخر نظرة على دارين الباكية في الشرفة، بل منهارة، ورفع كفه ملوحًا ودار بالجواد دورة كاملة يحتفظ فيها بصور لقصره الحبيب قبل ان يصهل الجواد في حماس كأنه يعلم إنه سيخوض حربًا وانطلق البراء لا يلوى على شيء، مخلفًا وراءه من انهارت ارضً ترجوه بفؤادها ان يُلبى النداء ويعود. 

_ إلتقى الجيشان في صحراءٍ واسعة، الشمس وضُحاها تغشى عليهم بلفحتها المحرقة، وخطى البراء في مقدمة جيشه يُطالع سيحون في غضبٍ جم، لا يدرِ ما الذي مخططًا له هذا الملك الغادر الذي لا يؤمن له، وفي قرارة نفسه يعلم ان قوة مملكة سيحون لا تضاهي قوة جيشه فـ قوته تكمن في إيمانه والحق دائمًا ينتصر، وهو منتصرًا مهزومًا فائزًا فاما النصر إما الشهادة. 
تعالى هتاف جيشه بـ " الله اكبر"تهز قلوب الاعداء وهي لحظة كان يرفع كفه مشيرًا بالهجوم وهو يشهر سيفه صائحًا  : 
-اما النصر وإما الشهادة، الله اكبر. 
وانطلقت الحناجر تهتف مقولته في بسالة جمة ودارت رحي الحرب وارتفع صليل السيوف وتساقط جنود سيحون كالاوراق الزائلة.





 
أما جيش ميليا الذي حفزه القائد الباسل صُهيب واعلمهم بما يفعل هؤلاء بالأطفال فكانوا كالأسود لا يشبعوا من لحومهم ولا يرتوا من دماؤهم، إلتقى البراء بـ سيحون وهجم عليه وهو يصيح  : 
- انظر لجيشك يا سيحون كيف يتساقط، كيف صورة لك نفسك يا ابله على مجابهتي؟ 
لكن سيحون ضحك وهو يصيح باشياء غريبة، وشعر البراء بان احد كاد يغدر به فـ التفت ليجد صهيب قد لاذ عنه فرفع سيفه غامدة في جندي سيحون وهو يركله بقدمه وهكذا بقا الحال السيوف تعمل في الرقاب حتى اسفرت الحرب عن نصر مملكة ميليا، وانقضت الساعات ولكن فجاة حدث ما لم يتوقع احد وإذ وحوش الأولمان تحضر تقطع من تقطع من اجساد جنود البراء الذي غطى ظهره صُهيب وراحوا يقاتلون وفجأة تكاثر عليهم الأولمان واوقعوا من أيديهم السيوف وانقضوا عليهما ينهشوا في لحومهم لكن البراء استطاع ان يفلت رغم ما به من جراح وجذب سيفٌ من فوق الأرض وفي حركة واحدة كان يطير السيف غارزًا في جسد سيحون الذي كان يبتسم في انتصار في منتصف بطنة فخر ساقطًا على ركبتيه قبل ان يهوى على وجهه، هُنا وتقهقر جيش سيحون ولاذ بالانسحاب وابتعدت وحوش الأولمان فزحف صُهيب إلى البراء الذي كان يلتقط أنفاسه وأمسك بكفه وبسمة تعلو تغرة ورفع بصره إلى السماء فـ إذ بصورة حبيبته ميليا تطلُ عليه مرتسمة عليها، ضاحكةً، سعيدة، مرتاحة فتبسم بإتساع وهو يهمس في شوق  : 
- أنا آتٍ ميليا، حبيبك آتٍ إليكِ، أشهدُ ان لا إله إلا الله واشهد أن محمدٍ رسول الله. 
إلقى نظرة على الأمير الميت جواره وشد على كفه وهو يلفظ انفاسه الأخيرة باسمًا. 
ولولا وحوش أولمان لكان النصر حليفهم، لكن كيف وقد كانت اتون الحرب الناشبة مع ملك مخادع لا يعرف إلا الغدر. 

🌾 سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته🌾

"الأمير قُتل" 
" مات الأمير براء وصُهيب، لقد خسرتِ اولادك يا مملكة ميليا "
" يا ويلنا مات ابننا الأمير "
" والله لنأخذ بحقه "
"كيف مات؟ هل مات الأمير براء، الأمير الذي لا يتكرر" 
كانت هذه صيحات نسوة مملكة ميليا في جزع، مات الأمير  … الأمير الذي كان ابنًا واخ واب، رحل! 
كان الهتف يُدمى قلب دارين التي راحت تهز رأسها في جنون وهي تكتم أذنيها كلا تسمع الصراخ القائم في الخارج والدموع تجري على وجنتيها والكلمات كالصاعقة تهوى على فؤادها جذبها فجأة آجار مصدومًا إليه. 
مات؟ كيف مات؟ هل كان الوداع الأخير؟ 
والنظرة الأخيرة، آه تلك النظرة لن ترآه مجددًا! 
لا يمكن كيف لحبيبها أن يموت! 
كيف له أن يغيب عنها، لا يمكن أن يكون الوداع الأخير. 
الهمس الأخير، الحضن الأخير  . 
ألم تسمع صوته مجددًا، ولن تشعر بالأمان، يا قلب لا تهوى صريعًا او أهوى فما فائدة وجودك وسكنك قُتل. 
أبكي يا عين تباكِ كثيرًا فلن تجدي العين التي كانت تضمك مرة آخرى، حرى بكِ ان تبكي فقد خسرتِ عينين لطالما بعثت فيكِ الأمان، ورأيتِ بهما نفسك، عينين لطالما طمئنتك واحتوتك في حضنهما الدفء؟ 
فـ لتصابِ بالصم يا أذن فـ لن تسمعي نداء الحبيب مرة أخرى، وسلامًا لكل الأصوات إذ لم يكن صوته الحاني المطعم بالحب والرقة. 
" يا سيد آجار يا سيد آجار "
ابتعد آجار كابحًا دمعًا على هتاف يآتيه، فنظر مبصرًا شابٌ صغيرٌ يلهث ممسك بسيف وقال لاهثًا  : 
- اميرنا بخير، اليس كذلك؟ 
رفعت دارين عينيها الغارقة بالدمع تنظر له في استنجاد تحسب إن براء بخير، يكفيها ان يكون بخير وان غادرت دون عودة، لكن خاب أملها حين استطرد الصبي والذي علمت من يكون، إنه ابن صهيب الذي أراها إياه  : 
- اميرنا جعفر بخير. 
قبل الصغير وصاح فيهما  : 
يجب ان ارحل بكما الآن قبل ان يأتي الأبن الأكبر لـ سيحون فقد رايتهم قادمون. 
نفى آجار قائلًا وهو يلتقط سيفًا اعطاه له صُهيب وقد علمه المبارزة  :  لن اذهب قبل ان ادافع عن المملكة. 
فـ احتدت نظرات الشاب وهو يهتف فيه  : 
-ولمَ برايك تركك الأمير تاركًا إياك تحرس امانته، الم يدعه امانة عندك وقال لك احميه في غيابِ والآن الأمير مات وابي اوصاني إذ حصل لهما شيء اخرجكم من هنا. 
قالت دارين فجأة بتوهان لينتبه لها الجميع  : 
- انا لن أرحل. 
- هل جُننتِ أميرنا أمانة في رقبتك إذ وصلت جيوش اولمان وتم قتله لن يحمل احد ذنبه غيرك. 
فكر آجار سريعًا، قبل ان يميل على دارين هامسًا  :  
- معه حق يا دارين أمير مملكة ميليا أمانة لدينا يجب ان نحميه وحتى نحميه يجب أن نرحل، لذا لنرحل. 
رفعت دارين عينيها إليه وقالت  : 
- كيف ارحل وقلبي تحت الثرى! دُفن حال موت حبيبه! 
مسد آجار على شعرها وتمتم  : 
- دارين، رحل حبيبك وترك لكِ امانة ان لم تحافظِ عليها لن يكون مرتاحًا، ترك لكِ قطعة منه ألا يكفي؟ 
- كنت اريده كله يا آجار. 
بعد دقائق كانت الأحصنة الثلاث تشق طريقها في صحراء واسعة يتقدمهم حصان إبن صُهيب الذي كان يركض بجواده في بسالة وينطلق في سرعة رغم صغر سنه، وفجأة كانوا يركضون وسط أشجار غزيرة منتشرة في المكان وطال الطريق حتى توقفت الأحصنة تلهث بركبيها وقد حل الليل، أخرج إبن صُهيب خنجر وراح يتمتم عدت اشياء غريبة قبل أن يُلقى بالخنجر في حجر دارين التي تلقته مجفلة وفي ثوان كانت أمامهما دوامة مياه وإبن صُهيب يُردد مغمض العينين: 
- فـ لتوصلهما بالسلامة ودون أذى. 
في لحظة كانت تختفى الدوامة حتى ظنا إنها كانت من محض خيالهم وكانت تظهر دوامة رمليه سرعان ما تلقفت دارين وراءها آجار لتعلو صرخاتهم ويتمم إبن صُهيب  : 
- مع السلامة يا أميرةً اميرنا حافظِ على اميرنا الصغير حتى يعود لنا سالمًا، نحن في انتظارك وسنحافظ على امانة اميرنا. "يقصد المملكة" 
ألقتهم الدوامة فاقدي الوعي قُرب شط البحر ما عدا جعفر الذي راح يضحك في براءة مستمتعًا وهو يضرب وجه دارين. 

بعد فترة لم يدرك احد مقدرها، فتح آجار عينيه ناظرًا حوله، وإلى الرجال الذين يحيطون بهما انتفض فجأة وما هم بالبحث عن دارين بعينية حتى وجدها على قُرب منه بجوارها رجل يحاول إفاقتها ويحمل الصغير بين يديه، ضيق عينيه وهو يركض لكنه تعثر ساقطًا ونهض و وصل إليها  في لهفة يلطم وجهها ونظرات الرجل تحرقه حتى شرعت تأن في صمت وترمش باهدابها حتى انقشعت الغشاوة عن عينيها ونظرت حولها قبل ان تهتف في لهفة غير مُصدقة  : 
-خالوا عثمان، خالوا، خالوا دا انت صح؟ 
جذبها عثمان إلى حضنة دون كلمة........ 

الآن نقول وداعًا لمملكة ميليا، تلك المملكة التي عشنا معها فترة وجيزة، بكينا معهم وضحكنا معهم وترقبنا معهم لكن الحق يُقال تلك مملكة لا تُنسى وامير لا يُنسى... 

لقراة باقي الفصول اضغط هنا


تعليقات