روايه هي من علمتني الحب
الفصل العشرون20
بقلم داليا السيد
تصالح
عاد إلى البيت ليجد جان تنتظره ولكن اليوم لم يكن الشراب يصاحبها فواجهته بقوة وهي تقول "تأخرت أمجد، لماذا لم تهاتفني؟"
تعلقت بأحضانه فلم يبعدها وقال "العمل جان هل تناولت العشاء أنا جائع، ماري"
أسرعت ماري إليه وهي تفهم نظراته وهو يقول "العشاء ماري، وأين كأسي؟"
قالت ماري "سأعد المائدة دكتور وعليها كأسك"
وابتعدت المرأة بينما ظلت هي ملتصقة به وهي تقول "أنت تتركني بالصباح دون أن توقظني وبالصباح لا أتذكر أي شيء مما كان بيننا، أمجد هل ننام سويا بغرفتك؟"
أبعدها عنه وقال وهو يخلع جاكته "بالتأكيد جان ألا تستيقظين بفراشي؟ هل اعتدت على تركك هكذا دون شيء؟"
جلس بعيدا وهو يدخن سيجارة فضحكت هي وقالت "لا حبيبي، ليس هناك رجل مثلك، أنت تعرف كيف تمتع أي امرأة خاصة أنا أليس كذلك؟"
رفع السيجارة أمام نظره وتأملها قبل أن يقول "هذا أكيد جان فأنت لست أي امرأة، أنت مجنونة"
ذهبت ابتسامتها ولكنه أكمل "مجنونة بحبي طبعا"
عادت تضحك بنفس الطريقة الهستيرية وهي تتجه لتجلس على ذراع مقعده وداعبت صدره من بين الأزرار وقالت "بالطبع حبيبي أنا لم ولن أحب سواك أمجد أنت كل حياتي ولا يمكنني أن أحيا بدونك لحظة واحدة"
قال ببرود "ولكنك تغضبيني بتصرفاتك"
فتحت أزرار قميصه وتسربت يداها لصدره ومع ذلك لم تثيره لمساتها وهي تقول "لأنك أخلفت وعدك معي وذهبت إليها"
أبعد يدها ونهض وهو يقول "أخبرتك أن ابني تعلق بها وكان لابد أن أصحبهم لأن العجوز تخلى عنهم"
أحاطته من الخلف وقالت "انتهينا أمجد لقد فعلت بي الكثير بسبب ذلك فلن نرتد إليه مرة أخرى وطالما أنت معي فلن أضرها مرة أخرى ولا رجال داد والأوراق التي يملكها داد ضدك ستظل بمكان دفين ولن تطفو على السطح أبدا"
لم يلتف إليها ولم يرد على كلماتها وماري تناديهم للعشاء ليتناولوه في صمت وتتناول مشروبها وبعد لحظات قليلة من انتهاء العشاء تترنح كالعادة فينادي رجاله ليحملوها إلى غرفته بينما سكن هو الغرفة التي كانت تأخذها زوجته قبل أن يأخذها لحياته وما زال عطرها بكل مكان وهو ما كان يمنحه السكينة والراحة والقدرة على فراقها..
بدل ملابسه وكاد يدخل الفراش حتى طلبه نزيه فأجاب على الفور فقال "دكتور عبد الرحمن طلب الاتصال بك دكتور"
ضاقت عيونه فتراجع إلى النافذة وظل صامتا لحظة وهو يتذكر كلماتها ثم قال "هل أخبرك السبب؟"
قال نزيه "لا دكتور"
قال "اجعله يفعل نزيه، امنحه رقمي الآخر"
أغلق وظل واقفا وهو لا يفهم، سنوات كثيرة مضت قلت فيها اتصالاتهم حتى توقفت تماما ولم يعد أحدهم يبحث عن الآخر فما الجدوى؟
رن هاتف آخر كان يبقيه بالبيت فاتجه إليه وأجاب وهو يرى اسم أبيه "أهلا يا دكتور"
قال الرجل بهدوء "أنا والدك يا أمجد، أريد رؤيتك"
ضاقت عيون أمجد من رد الرجل وطلبه وسمعه يناديه فقال "هل هناك شيء؟ أميرة وآدم بخير؟"
قال الرجل بنفس الهدوء "نعم، أنا أطلبك من أجلي، متى يمكنني أن أراك؟"
صمت ثم تحرك مرة أخرى بدون هدى وقد شعر باختلاف صوت الرجل فقال "لا أعلم وجودي بمصر هذه الأيام صعب"
قال الأب "إذن أنا قادم إليك سأحجز بأول طائرة"
انتبه وقال "لا بابا سأرسل لك طائرتي غدا"
انتبه لنفسه وقد نطق بكلمة لم ينطقها من سنوات فابتسم عبد الرحمن وتنهد وقال "حسنا حبيبي وأنا جاهز"
جلس بمجرد إنهاء المكالمة، هل يمكن أن يكون الابن ما زال موجود داخله؟
*****
عادت متأخّرة من عند أهلها فرأت العم يجلس وحده، تناولت أمينة آدم منها وقالت هي "مساء الخير عمي"
نظر الرجل إليها وقال "مساء الخير يا ابنتي كيف حال من كنت عندهم؟"
جلست أمامه وقالت "بخير والحمد لله، هل أنت بخير؟"
هز رأسه ثم صمت قليلا قبل أن يقول "أنا ذاهب لندن غدا"
ارتجف قلبها من ذكر البلد وشحب وجهها وقالت بوهن "أمجد بخير؟"
ابتسم وقال "هو أيضا سأل عنك؟"
لم تفهم فقال بجدية "أنا اتصلت به وطلبت لقائه وسيرسل طائرته بالغد لتأخذني"
ظلت صامتة منتظرة أن يكمل وقد فعل "أعلم أنك لا تفهمين شيء ولكن بك شيء غريب يا ابنتي، كلماتك بسيطة وسهلة لكنها تؤلم وتؤلم بشدة وقد تألمت بالأيام السابقة من كلماتك الأخيرة ولكن اكتشفت فجأة أنك على حق فاعترفت بخطئي وأدركت كما أخبرتني أنني الأكبر ولابد أن أقوم بتصحيح الخطأ"
ابتسمت، نهض الأب وقال "ومع ذلك أخاف"
رفعت عيونها إليه بدهشة فقال "نعم، هذه المرة أخاف فأنا لا أريد أن أخسره بكل مرة كنت أتراجع من قسوته ويأخذني العناد والكبرياء لذا لا أريد أن يحدث ذلك، ولا أعلم ماذا سأفعل لو رفضني ككل مرة ولم يمنحني إلا القسوة"
نهضت لتقف أمام الرجل وقالت "حتى لو فعل لا تستسلم عمي وواجه قسوته بحنان وتراجع أمام ذكرياته ولا تعارض أحزانه ولا تبرر أي أخطاء مضت"
ابتسم وقال "هل يعقل أن رجل مثلي ثلاث أضعاف عمرك ويتلقى النصيحة منك؟"
أسرعت تقول "أنا آسفة عمي لم أقصد"
قال وهو يربت على ذراعها "لا تعتذري يا أميرة فأنت لم تخطئي كل كلماتك صحيحة أمجد ليس بحاجة للوم ولا العتاب وإنما كما كنت دائما تقولين، الحنان"
ابتسمت فتحرك ولكنه توقف وقال "هل أخبرتك أنه ناداني بابا اليوم؟ إنه لم يفعل منذ أكثر من خمسة عشر عاما وأنا سمعتها وكأني أسمعها لأول مرة وكنت أسعد إنسان بالدنيا"
ضحكت برقة وقالت "هذا يعني أنك اجتزت نصف المشوار لقلبه عمي وغدا النصف الثاني"
لم تذهب ابتسامته ولا بريق عيونه قبل أن يهز رأسه ليذهب ولكنها قالت "عمي هل تسمح لي أن أطلب منك شيئين؟"
عاد إليها وقال "بالطبع حبيبتي تحدثي"
قالت "لا تربط عودة أمجد إليك بعودته هنا، أقصد لا تجعل مصر محور حديثكم، أمجد يحب سنواته العشر الأخيرة هناك ويحب أيضا تلك الشخصية التي كونها لنفسه ونجاحه وشركاته وكل ما كونه هناك ولن يمكنه التنازل عن كل ذلك لذا لا تضع نفسك أمامه بكفة وكل ما أخبرتك به بكفة لأنك تصعب اختياره وسيختار ما صنعه ونجح به"
لمعت عيون الرجل أكثر وقال "ألا أستحق أن يكون ابني بجواري بأيامي الأخيرة؟"
قالت "أطال الله عمرك عمي ولكن اترك له الاختيار ولنكتفي بالزيارات أفضل من لا شيء"
طالت نظرته ثم قال "هل ستفعلين معه المثل؟"
أخفضت وجهها لتخفي ما بداخلها وقالت "ألا تلاحظ أني بالفعل أفعل عمي؟ أنا لم أطالبه بالبقاء"
قال وهو يبتعد "ولو طالبك هو بالذهاب معه؟"
لم ترفع وجهها وقالت "لن يفعل، آدم يرتبط بي كما تعلم وحضرتك مرتبط بآدم لذا هو لن يحرمك من حفيدك"
رفع الرجل وجهها ليرى دموعها وقال "والطلب الثاني؟"
قالت وهي تنظر بعيونه "لا تخبره بالحمل، أريد أن أفعل أنا عندما يأتي"
قال بجدية "أنت تمزحين أميرة؟ أنت لم تخبريه بالغردقة؟"
ابتعدت من أمامه وقالت بصدق "كنت على وشك أن أفعل لولا قرار سفره المفاجئ، من فضلك عمي لا تخبره"
هز رأسه وقال "حسنا يا ابنتي كما تشائين ولو أني أرى أن من حقه وحق جنينك أن يعرف ليفكر بوضعكم بالمستقبل أنت بحاجة لاهتمامه بتلك المرحلة يا ابنتي ألا تنظرين لنفسك بالمرآة؟ من حقك وحقه أن تتشاركان تلك اللحظات"
زادت دموعها وهي تدرك صحة كلماته ولكنها لا تعرف لماذا تتراجع بكل مرة، عندما لم ترد تحرك تجاهها وقبل رأسها وقال "أتمنى أن يمنحك الله الصواب ويسعد قلبك يا ابنتي كما تسعدين قلوب من حولك وتتحملين الكثير من أجلهم"
وتركها وذهب وهي ما بين أفكارها ودموعها وذكرياتها ومستقبلها ومستقبل طفلها..
خرجت مع أختها لاختيار فساتين الخطوبة وانتقوا ما ناسبهم منها وبالطبع رفضت وجود كريم من أجل زوجها ولا تعلم لماذا انتقت له بدلة أعجبتها وقميص وربطة عنق حتى أنها انتقت حذاء أعجبها له، لم تكن تظن أنه سيأتي ولكنها تمنت أن يكون معها كما شعرت بشعور رائع وهي تنتقي له ملابسه لأول مرة.
عند الكاشير أخرجت نهلة المال لتدفع ما يخصها ولكنها نهرت أختها بعيونها وأخرجت كارت الائتمان وأنهت الأمر وما أن ركبا السيارة حتى قالت نهلة
“لماذا أميرة؟ أنت تعلمين أني أدخر المال لهذا اليوم"
ابتسمت وقالت "احتفظي به لشيء آخر واعتبريه هدية مني أو من زوجي لو شئت"
قالت نهلة "ولكن هذا كثير أختي وربما زوجك يغضب فالحساب كان كبير"
تأملتها بهدوء وقالت "لن يفعل، هو أراد أن أفعل أنا ذلك فلا تقلقي هذا حسابي الشخصي وليس هو ولن يعترض على إنفاقي منه كما أشاء"
تأملتها نهلة وقالت "أميرة أنت أعظم أخت بالدنيا، أنا أحبك جدا"
ابتسمت وقالت "وأنا أيضا، الصائغ سيأتي بالمساء هل أخبرت كريم؟"
قالت بسعادة "نعم، ولكن كريم حدد مبلغ معين للشبكة"
قالت "وأنا أبلغت نزيه وهو أبلغ الرجل"
صمتت نهلة لحظة ثم قالت "أميرة كيف تفعلين ذلك؟"
نظرت بدهشة لأختها وقالت "أفعل ماذا؟"
قالت نهلة "تبتسمين وتمارسين حياتك وتربين ابن ليس ابنك بحب وصدق وتخدمين حماك كوالدك وتساعدينا جميعا دون ملل أو شكوى، كيف تفعلين كل ذلك أختي؟"
عادت الابتسامة على وجهها وقالت "بالحب نهلة، كل شيء بالحب يصبح سهل وجميل وبمجرد مشاهدة الابتسامة على وجه من أحب أشعر بالسعادة والرضا"
عادت تسألها "وقلبك حبيبتي، كلنا لا نعرف أي شيء عن علاقتك بزوجك إننا حتى لا نعرفه هو شخصيا، ما هي علاقتكم أختي؟ كيف تعيشين وحدك بدونه ولماذا لا يأتي أو حتى يأخذكم معه؟"
ذهبت ابتسامتها وقالت "أمجد شخص اعتاد على الوحدة ولم يعرف معنى العائلة أو الارتباط الأسري، علاقته بوالده صعبة ومعقدة، علاقته بي الكل يعلم كيف بدأت ولكنها تطورت إلى الأفضل وهو يأتي كلما سمحت له الظروف"
تنهدت نهلة وقالت "هل أحببته أختي؟"
قالت وهي تفر من السؤال "وماذا تعرفين عن الحب يا نهلة؟"
احمر وجه نهلة وقالت "الكثير أميرة، ولكن فقط منذ عرفت كريم"
وأخذت تتحدث عنه وهي تتابعها ولكن قلبها مع حبيبها الذي سكن كل وجدانها وأصبح الحياة بالنسبة لها..
****
فتح طون الباب وقال دون أن يدخل "دكتور عبد الرحمن بالمصعد"
رفع وجهه إليه ولا يعلم لماذا اختلف الأمر هذه المرة وكأنه يستعد لإجراء مقابلة شخصية ستحدد مصيره، كاد ينهض عندما رن هاتفه برسالة ففتح ليجدها منها وقد كتبت كلمة واحدة كان بحاجة إليها
“أحبك"
ظل ينظر للهاتف حتى سمع والده يقول "افتقدتك كثيرا بني"
وكأن العالم يدور من حوله وهو يرفع عيونه لوالده الذي بدت ابتسامته مختلفة وحتى نبرة صوته بكلماته مختلفة، نهض واتجه إليه وقال "الحمد لله على سلامتك"
تحرك الرجل إليه هو الآخر وأغلق طون الباب ووقف الرجلان أمام بعضهما وكلاهما لا يعرف ماذا يفعل أو يقول ولكنه تدارك الأمر وقال "تفضل، أميرة تعلم بمجيئك؟"
تحرك للمقاعد الجلدية وجلس وهو يتأمل المكان وقال "نعم، شركتك رائعة، كل شيء دقيق ومنظم وعلى أحدث طراز تماما كالمشفى، ماذا تملك أيضا؟"
ضاقت عيونه وهو يقول "الكثير، ولكن لا أظن أنك أتيت من مصر وقطعت كل تلك الأميال لتسألني هذا السؤال"
ذهبت ابتسامة الرجل وقال وهو يخفض عيونه "لا، أتيت من أجلك"
ظل هادئا ولم يتحرك فقط أسند ذقنه على أصابعه وهو ينظر للرجل دون أن يرد بينما أكمل الأب "أعلم أني لو خضت بالحديث ستخبرني نفس الرد من أني تأخرت وأني صنعت رجل قاسي لا قلب له لذا لن أفعل"
صمت ثقيل مر على الاثنان قطعه الأب بحزم "ولكني أتيت لأخبرك أني لن أطالبك بأن تسامح أو تغفر ما فات لأنه فات ولن يجدي غفرانك شيء، فقط أخبرك أنك ظننت بيوم ما أنك لا تصلح لأن تكون أب وابتعدت وهجرت ابنك لكن ما أن منحتك الحياة فرصة لتتعلم كيف تكون ووجدت من يساعدك ويأخذ بيدك نجحت وخرج الأب من داخلك لكن لابد أن تعلم أن تلك الفرصة لم أنالها لم أجد الزوجة الصالحة التي تأخذ بيدي للطريق الصواب مع ابني حتى جدتك لم توجهني أو تساعدني وضعت بين غضبي وغبائي ولم أدرك أنك ضعت مني إلا بعد فوات الأوان"
نهض أمجد وابتعد وقد ضاق صدره بالحديث فاتجه لمكتبه وأشعل سيجارة وقال "بالطبع ستتناول قهوتك"
دخلت السكرتيرة وطلب قهوة له وللأب وظل واقفا لم يجلس وإنما استند على حافة المكتب ونظر للأب وقال "ألا تظن أن الأمر لا يستحق مجيئك من هناك إلى هنا؟"
نهض الأب وتحرك حتى وقف أمام ابنه ونظر بعيونه وقال "بل يستحق أمجد، عندما ندرك أخطائنا ونحن بهذا العمر يصبح من الصعب علينا الاعتذار ولكني لم أجد صعوبة في أن آت هنا واعتذر منك بني، أمجد أنا"
تحرك مبتعدا وقاطعه بحدة "لا تفعل من فضلك فالاعتذار لا فائدة له، يا دكتور أنت لآخر وقت كنت تلوم وتعاتب وترفع يدك لتعاقب، قسوتك تسكن قلبك وقلبي فلا داع لتنازلات قد تندم عليها ككل مرة وتلقي باللوم على قسوتي وتمردي ثم تتراجع لنعود لنقطة البداية"
أخفض الرجل رأسه وتذكر كلمات زوجة ابنه لا لوم ولا عتاب ولا تراجع فرفع رأسه وقال "لا يا أمجد، أنا لن أندم هذه المرة ولن أتراجع أو ألقى اللوم على قسوتك فأنت لست قاسي"
التفت بعيون غاضبة لمواجهته ولكن ابتسامة الأب امتصت غضبه وهو يتجه إليه مرة أخرى ويقول "نعم أمجد، أنت لست قاسي، أنت غاضب وغضبك يسكن كل وجدانك غضب ثلاثين عاما تشبع بها قلبك وبنيانك حتى أسر قلبك ودفعه لركن حبيس ذلك الغضب لكن حتى الغضب ينسل من داخلنا بالحب، نعم يا أمجد تلك الأيام ومنذ كنا بالغردقة وتصلب ذراعي بالهواء لا يقوى على صفعك جعلني أدرك أني لا أقدر على أن أفعل أو أن أمسك بأي ضرر لأني أحبك أنا لا أقول ذلك لأني أريد استعادتك لا أنا أقولها لأني أشعر بها حقا أنا أحبك بني"
زاد غضبه فابتعد من أمامه ولكن الأب أكمل "نعم أحبك انت ابني جزء مني أعلم أني لم أمتعك بحبي وحناني لغبائي أو جهلي أو سمها ما شئت ولكني أفقت وأدركت ما يدور حولي وكان لابد أن آت هنا وأخبرك أنه مهما ابتعدت أنت فأنا سأقترب ومهما رفضتني فلن أيأس ومهما رفضت أن تسمعني فسأظل أخبرك أني أحبك وسأحبك حتى نهاية أنفاسي"
التفت إليه وقال "انتهيت يا دكتور؟ محاضرة رائعة من محاضراتك الشهيرة ولكني لست ذلك الطالب النابغة الذي يطبق كلماتك ويكتبها حرفيا ليحصل على الامتياز، أنا طالب فاشل تعلم بأن يجلس بنهاية الصف كي يهرب من مواجهة الجميع، وحيد خائف من نظرات من حوله فلو أخطأ فلن يجد من يقف بظهره أو يعلمه كيف يأخذ حقه"
أخفض الرجل رأسه لحظة ثم عاد وقال "لم تكن جبان بأي يوم ولا فاشل يا أمجد كنت متفوق ودرجاتك كلها نهائية والطب يشهد"
صاح غاضبا "لذا لم تسمح لي بأن أكون ذلك الطبيب الذي تمنيته وأخبرتني أني فاشل هل نسيت كلماتك يا دكتور ألقيتني هنا وأنت تحاول أن تخفي عاري عن عيون الجميع وتركتني دون أن تحدد مصيري واليوم ماذا؟ تريد ماذا يا دكتور؟"
دمعت عيون الرجل وقال "لا أريد شيء يا أمجد، صدقني هذه المرة لا أريد شيء، ولابد أن تعرف أني لم آت بك هنا لأتخلص من عارك كما تظن وربما وقتها كانت لي أسبابي ولا يهمني أن تعرفها أو تعرف ما فعلته لأجلك لأنك بالنهاية من دفع الثمن وأنا أيضا دفعت"
ابتعد الأب وهو يمسح دمعته الفارة من عيونه وهدأت ثورة أمجد رغما عنه والدخان يحيطه حتى قال الأب "أمجد أنا لم آت لأتحدث عن أني أخطو إلى الشيخوخة وبيني وبين الموت أقدام ولن أطالبك بأن تترك عالمك وحياتك وتأتي لتكون معي فهذا ليس إنصاف لك ولا لم كونته هنا من نجاح، فقط سأخبرك أني بحاجة لسؤالك من وقت لآخر أو تجيب الهاتف عندما ترى اسمي ربما نتعلم أنا وأنت كيف تكون علاقة الأب بابنه، أنا بحاجة لك بني حقا أنا بحاجة لك"
وعادت الدموع تهاجم الرجل فاستدار ليبعد نظراته فأغمض أمجد عيونه وقد أغضبته دموع ذلك الرجل الذي لم يتنازل يوما عن كبرياؤه ولكنه يفعل اليوم
وتذكر كلماتها عندما كانا بالغردقة "هو فقط بحاجة لتصالح نفسي معك أنت، كلاكما يواجه الآخر ولكن دون تجريح وقتها ستلتئم الجراح التي لا معنى لها فالماضي مات وانتهى حبيبي وأنت تعيش الآن حاضر جديد فعليك إكماله، بالنهاية الآباء لا يتنازلون والأبناء هم من عليهم التراجع هكذا علمنا الدين رفقا بوالدينا وبرا بهما وبكبرهم"
فتح عيونه وقد أدرك أنها كانت على حق المواجهة دون تجريح لأن الماضي مات وانتهى والأبناء هم من عليهم التنازل ومع ذلك والده هو من يفعل الآن ورنت كلماتها بأذنه، رفقا بوالدينا وبرا بهما وبكبرهما
وأخيرا قال "هل يمكن أن ننتهي من كل ذلك؟"
أدرك الأب أن لا أمل ورغم اليأس إلا أنه مسح دموعه والتفت لابنه وقال "لا بني لابد أن تعلم أني متمسك بك لآخر وقت ولن أتراجع ولن أيأس"
تراجع أمجد من كلمات الرجل الذي اقترب من ابنه وبدا قصيرا رغم عدم قصره ونظر بعيون ابنه ورفع يده لأول مرة ولمس وجنته وقال "نعم حبيبي لن أيأس سأظل آتي لأراك كلما اشتقت إليك وسيكون كثيرا على فكرة وستتحمل أنت النفقات، وسأتصل بالهاتف كلما أردت أن أسمع صوتك حتى لو لم ترد، سأحاربك حتى تتراجع عن غضبك ولن أستسلم"
لم يبعد يد والده وهو يحدق بعيونه وقد أوقفت الكلمات غضبه وجعلته يراجع نفسه قبل أن يتحدث، أبعد الرجل يده وقال "على فكرة أنا لم أتناول أي طعام بالطائرة والقهوة لم تأتي تبدو بخيلا يا فتى"
انتبه للأمر فتحرك لمكتبه وقال "حسنا يمكننا تناول الغداء هنا فلدي اجتماع بعد ساعة ولن يمكنني الرحيل"
جلس الرجل بينما دخل طون فقال أمجد بضيق "لماذا لم تأتي القهوة؟"
قال طون "جانيت أصيبت بالإغماء يبدو أنها حامل، كيف تريدها؟"
قال "لا داعي لها اطلب لنا غداء"
نظر لوالده وقال "تفضل طعام مصري أم انجليزي يا دكتور"
ابتسم الأب وقال "بابا كانت أفضل سأترك لك دكتور، مصري بالطبع فأنا أعشق بلدي وكل ما هو بلدي"
تحرك طون للخارج بينما ظل هو ينظر لوالده الذي تبدل لرجل آخر لم يعرفه
سمعه يقول "تعالى اجلس هنا قبل اجتماعك وأخبرني متى ستهتم بتلك الفتاة؟ ألا ترى أنها تستحق بعض الاهتمام؟"
أشعل سيجارة ولم يترك مكانه وقال "هي اشتكت؟"
ضحك الرجل وقال "أميرة تشتكي؟ يا إلهي لو فعل الصخر هي لن تفعل، هي تحبك ولن تحملك أكثر مما يمكنك تحمله"
صمت ولم يرد فنهض العجوز وتوجه إليه وقال "ألا تفكر بإنجاب طفل آخر منها؟"
رفع وجهه إليه ودق قلبه بقوة، رغم أنه لم يفكر بذلك من قبل إلا أنه نعم، نعم يريد ذلك، طفل منها سيكون شيء آخر طفل من المرأة التي علمته الحب، ابتسم الأب وقال "عيونك تفضحك يا ولد أنت تحبها، هيا اعترف لقد اقتحمت قلبك كما فعلت معي ومع كل من تعرفه، لديها قدرة غريبة على التسلل داخلنا وتخرج أحزاننا ومشاكلنا وتمنحنا الحلول ببساطة ويسر، يا لها من فتاة بل امرأة رائعة أنت تحبها أليس كذلك؟ هيا اعترف يا رجل، اعترف أن هي من علمتك الحب، هيا إنه أنا والدك لن أفشي سرك لأحد فقط لها هي"
وضحك الرجل وهو صامت لا يجيب، هو يتحدث عنها عن امرأته التي يحبها فقال أمجد "هل تحبها؟"
توقف الرجل عن الضحك وقال "بالتأكيد، كيف لا وهي ابنتي التي لم أنجبها، من أرشدتني للطريق الصواب، أميرة تستحق الحب والحنان حبيبي ولكن حبي لها هو حب الأب لابنته أما أنت فتختلف وأنا أكشفك وسأفتن لها"
قال بعصبية "كفى بابا لن نمزح بهذا الأمر"
احترق يا ماضي بنار الحب واندثر يا غضب فقد هزمك الحنان وتعالي يا ضحكات وافترشي أيامي بعد الضنى واليتم أصبحت أجد أحبائي
ابتسم الأب وقال "أنا لا أمزح حبيبي الفتاة بحاجة لسماعك فمتى ستمنحها أي شيء؟"
التفت له وقال "لماذا توحي إلي أنها ليست بخير؟ ماذا بها؟"
ربتت الأب على صدر ابنه بحنان "اطمئن حبيبي هي بخير صدقني وأكيد رجالك تطمئنك عليها لكن أنا فقط أشعر بها فالوحدة صعبة حبيبي وهي كامرأة لم تعش كأي زوجة ولم تنال أي حقوق، هي لم تشكو صدقني ولكن أنا فقط أريدك أن تمنحها المزيد لأنها تستحق"
ابتعد وقال "صعب، صدقني الظروف هي من توقفني، حياتها، عملي، آدم وأنت"
قال الرجل بتفهم "أعلم هي أخبرتني نفس الكلمات ولكني لا أعترض على أن تأتي بهم هنا ليكونوا معك وسآتي أنا من وقت لآخر كما أخبرتك لرؤيتكم فقط جمع شمل أسرتك حبيبي ولا تخطو خطواتي فتندم"
تأمله وقال "وآدم؟"
ابتسم الأب وقال "وجوده معك أفضل بكثير له، لن أكون أناني يا أمجد الطفل بحاجة لك وأنت بحاجة لزوجتك"
هز رأسه وقال "حسنا وأنا أعدك أن أفعل ولكن ليس الآن، هي تعلم أن وجودها هنا خطر على حياتها ستحكي لك هي القصة و"
وصل طون بالطعام فجلسا والأب يتحدث كثيرا حتى انجذب أمجد للحديث واندمج معه ووجد نفسه يضحك مع الرجل لأول مرة ويفك لسانه ليجيب عن أسئلته حتى دق الباب ووقف طون على عتبته يقول
“آسف يا دكتور ولكن الجميع بانتظارك أمجد"
نهض الرجل وقال "أين سأذهب أنا الآن؟"
نهض أمجد وقال بجدية "لن يمكنني استضافتك بالبيت فهناك من لن ترحب بوجوده ولكن يمكنني توفير بيت آخر لك، طون السائق يعرف بيت الأوبك؟"
أجاب طون "بالتأكيد"
التقط المفتاح من درج مكتبه وقذفه لطون وقال "ليقم بالأمر، بابا يمكنك البقاء بالبيت وبصراحة لا أعلم متى سأنتهي لكن ما أن أفعل سأمر عليك"
ابتسم الرجل وقال "أنا سأنام وأنت اهتم بعملك لأني سأعود غدا خطوبة نهلة بعد يومين ولن أترك زوجتك وحدها"
هز رأسه وقال "سنتحدث بذلك فيما بعد تفضل الآن لترتاح، طون السائق يبقى معه ويحضر له ما يشاء ويكون على اتصال بك شخصيا"
ابتسم طون وقال "تمام"
كاد الأب يتحرك ولكنه ارتد فجأة ليحيط أمجد بذراعيه وأمجد تسمر بمكانه وتصلب جسده بلا حراك ثم ابتعد الرجل وطون يغمز له بعينه ولكنه كان يحاول استيعاب ما يحدث وكأنه لا يعرف ذلك الرجل..
****
لم تعد للبيت وأقامت عند أهلها وجلست كثيرا بغرفة والدتها تحكي لها عن نهلة والفستان ووضعت الأشياء أمامها حتى انتهت فلم تتمكن الأم من إبداء سعادتها ولكنها رفعت يدها السليمة وأمسكت يد أميرة وشدت على دبلتها فاندهشت أميرة وقالت
“ماذا ماما؟"
شدت مرة أخرى عليها وظلت تشد عليها حتى قالت "أمجد؟"
هزت رأسها فقال "بخير ماما، لا أعلم إذا كان سيمكنه الحضور أم لا، والده سافر إليه"
أشارت بيدها ففهمت وقالت "أمجد يعاملني جيدا ماما ولا يبخل علي بأي شيء هي فقط ظروف عمله لا تقلقي"
رن هاتفها بمكالمة خارجية لتجد العم فنهضت وأجابت وحكى لها كل ما كان والسعادة تقطر من صوته وهي تسمعه في صمت حتى قال "أنت السبب أميرة لولا كلماتك ما حققت كل هذا كلما أصابني الغضب وأردت التراجع أسمعك فأعود وأبدأ من جديد حتى استجاب يا ابنتي وأصبح يناديني بابا وليس دكتور، أنا سعيد جدا يا أميرة"
مسحت دموعها وقالت "وأنا سعيدة من أجلكما عمي فقط أفتقدك"
ابتسم وقال "وهو لا؟"
لم ترد فقال "هو يحبك يا ابنتي، لقد رأيت الحب بعيونه تجاهك، صدقيني أميرة أمجد تبدل ولم يعد القاسي متحجر القلب، لقد امتلأ بالحب والحنان وأنت السبب حبك له وحنانك عليه جعله ينسى ويختار الحب طريق"
عادت دموعها ولكنها قالت "هذا لأن أمجد الحقيقي انتصر على الصورة الزائفة وفزت أنت عمي أخيرا"
قال "فزنا، أنا وأنت حبيبتي، سيعود لك متى انتهى من مهمته فهو يفتقدك وأنا أقسم على ذلك"
أغلقت الهاتف والسعادة تنازع الخوف داخلها ولا تعرف بماذا يمكنها أن تشعر وهو بعيد عنها وهي تحارب الخوف والوحدة والاشتياق..
