روايه هي من علمتني الحب الفصل الحادي عشر والثاني عشر بقلم داليا السيد


 
روايه هي من علمتني الحب
 الفصل الحادي عشر والثاني عشر
بقلم داليا السيد

خوف
تحرك السائق بالسيارة وأجاب الهاتف وقد كان طون فتبادل معه الحديث عن العمل وأخبره أن يقابله بالمكتب حتى وصل هو مكتبه وبالطبع لم يتواجد أحد، جلس خلف مكتبه وفتح اللاب وبدأ يشغل نفسه بالعمل حتى وجد طون يدخل عليه فجأة ويقول 
“أمجد زوجتك بخطر"
أغلق اللاب ونهض وتحرك تجاه طون وهو يقول "ماذا؟" 
قال طون "الرجال الذين يراقبون جان" 
لم ينتظره أن يكمل واندفع خارجا وطون خلفه، لم يسمح للسائق بأن يقود وقاد هو وطون يجلس بجواره وهو ينطلق بجنون بالطريق الذي بدى طويلا أمامه ولم يسمع لأي كلمة من كلمات طون وهو يضغط على دواسة البنزين دون أي اعتبارات للسرعة أو الإشارات
وصل الفيلا ففتح الباب واندفع للداخل وسط دهشة رجاله فقد طالبهم بعدم الدخول 
سقط الرجل فوقها بثقله وقوته ووضع شريط لاصق على فمها وهي حاولت أن تقاوم أو تبعده عنها ولكنه كان أقوى خاصة مع إصابتها التي بدأت تفقدها قوتها وهو يحاول أن يمزق ملابسها وعندما غرزت أظافرها بوجهه بقوة صرخ بها بقوة 
“أيتها اللعينة"
صفعها مرة أخرى بقوة فشعرت بسائل دافئ من أنفها ودوار يصيبها وما زال الرجل يقتحم جسدها بيديه وهي تحاول أن تستعيد نفسها وتدفعه بذراعيها ولكن قوارها خارت وهو يقحم رأسه بعنقها ويكتم أنفاسها وشعرت بأنها تفقد الهواء.. 
أدركت أنها انتهت أو أنه سينال منها والدموع تنهار من عيونها ولكن فجأة شعرت بالرجل يبتعد عنها وتسمع صوت ارتطام قوي فتحت عيونها وهي تقاوم الألم فلم تر أي شيء ولكن سرعان ما اعتادت الظلام ورأت رجلا ينقض على الآخر فضمت ملابسها عليها وحاولت أن تعتدل وهي تقاوم الدوار ولكنها لم تستطع، زحفت بصعوبة حتى وصلت لحافة الفراش وجذبت الغطاء والتفت به عندما أضاء النور وأدركت أن أمجد هو الرجل الذي طرح الرجل الآخر أرضا وجلس فوقه وهو يشبعه ضربا حتى دخل انطونيو ورجلان معه وأبعد انطونيو أمجد بصعوبة وأمجد يقول بغضب واضح
"لن أرحمك يا كلب" 
أغمضت هي عيونها من بين الدموع والألم ونزيف الدماء فلم يمكنها النهوض من على الأرض ولكن طون صرخ بأمجد "أمجد كفى، زوجتك" 
انتبه هو لها من بين غضبه فبحث عنها وأسرع إليها ورجاله تأخذ الرجل للخارج 
انحنى عليها ولاحظ الدماء التي لطخت وجهها وكتفها فكشف عنه فأدرك إصابتها فهتف "أميرة هل أنت بخير، أميرة لا تذهبي" 
حاولت أن ترد ولكنها لم تستطع، حملها ووضعها بالفراش وقال "طون حقيبتي بالغرفة أحضرها بسرعة واطلب ماري لهنا" 
لم تعد تشعر بأي شيء وقد حل الظلام محل كل شيء حولها حتى أنها لم تعد تشعر بأي ألم. 
فتحت عيونها وهي تسمع صوت يناديها كصوت حماها، كان ضوء النهار ضعيف وكأنه راحل ليحل الظلام محله، كادت تتحرك ولكنها شعرت بألم بكتفها وذراعها الأخرى حيث رأته متصل بالمحلول
سمعته يقول "لحظات وينتهي وسأبعده، لن تحتاجي المزيد" 
تأملته وهو يقف أمامها بقميصه دون ربطة عنق أو جاكيت وملامحه متعبه وشعر ذقنه طويل على غير عادته، قالت بضعف "ماذا حدث؟" 
تحرك للمحلول وقد انتهى فأوقفه وأبعده ثم أزال الكانيولا من يدها ووضع لاصق طبي عليها ثم جلس على طرف الفراش وقال "فقدت الوعي نتيجة الدماء التي فقدتها، وأنفك سبب لك دوار بالطبع ولكنه لم يكسر وكتفك احتاج خمس غرز داخلية وخمس خارجية" 
أبعدت وجهها وقالت "لماذا؟" 
نهض مبتعدا وهو يشعل سيجارة فعاد ألم صدره فنفخ الدخان وقال "تصفية حساب وأنت الثمن" 
نظرت إليه واندهشت لبساطة الأمر بالنسبة له وكأنها لا تعني شيء له فقالت "هكذا ببساطة؟ وكأنك تتحدث عن شيء لا قيمة له" 
حدق بها قبل أن يقول "هو بالفعل لا قيمة له" 
علت الدموع عيونها وقالت "أعلم أني كذلك بالنسبة لك فهل تعيدني المشفى؟ اريد رؤية عمي" 
تراجع وقد فهم ما فهمته فاقترب من الفراش واستند على ظهر الفراش الخشبي وقال "أنا قصدت أن ذلك الرجل لا قيمة له وليس أنت" 
لم تنظر له فجلس مرة أخرى على حافة الفراش وقال "لو ليس لك قيمة لما تركت صفقة بخمس مليون دولا تضييع كي أعود وأنقذك، ولا أشبع ذلك الجبان ضربا حتى كاد يموت بيدي ولم يخلصه مني سوى طون وسلمه للشرطة ليرحمه مني" 
رفعت عيونها إليه من بين الدموع فشعر بنفس الانجذاب الذي يقوده إليها بجنون فنهض مبتعدا وقال "عودي للنوم أنا منحتك مسكن ومنوم وبالصباح ستكونين بخير" 
تحرك للباب ولكنه عاد وقال "إلى أي حد تطاول ذلك الكلب عليك؟" 
لم تواجه نظراته وقالت "ليس أكثر مما رأيت أنت" 
هز رأسه وتحرك مرة أخرى ولكنها نادته "دكتور أمجد" 
توقف والتفت إليها فقالت "هل من الطبيعي أن أظل خائفة؟" 
كاد يعود إليها ولكنه توقف وقال "لا، رجالي تحرس غرفتك وأنا بغرفتي ولن تتركك الرجال حتى وأنا موجود" 
تحرك إلى الباب ثم توقف دون أن ينظر إليها وقال "أمجد أفضل من دكتور" 
وفتح الباب وخرج دون أن يزيد فابتسمت وهي تمسح عيونها وقد كانت سعيدة بأشياء صغيرة ربما تكون مفتاح الأشياء الكبيرة.. 
فزعت من صوت الباب ففتحت عيونها لترى ماري تدخل بالطعام ونهار اليوم الثالث لها قد وصل بشمس ضعيفة تكاد لا ترى، فقد نامت يوم ونصف متواصل من المسكنات وفقدان الدم وكانت تشعر به وهو يرى الجرح ويبتعد وهي تعود للنوم وبالأمس مساء أخبرها أن الجرح يلتئم بسرعة ولن يؤلمها إلا قليلا 
دخلت ماري وهي تقول "صباح الخير مسز مرتضى، كيف حالك اليوم؟" 
وضعت ماري الطعام بعيدا وأسرعت تساعدها في الاعتدال وسقط شعرها على كتفها فقالت ماري "إنه جميل مدام، كيف حال كتفك؟" 
ساعدتها في رفع شعرها ووضعت الطعام أمامها وقالت هي "بخير ماري، هل ذهب دكتور أمجد؟" 
قالت ماري وهي تصب القهوة "لا مدام، بمكتبه بالأسفل فقد وصل منذ قليل ولم يصعد لغرفته، العمل والنساء كل حياته و" 
ارتبكت ماري وقالت "آسفة مدام لم أقصد" 
هزت رأسها وقال بهدوء "لا داعي للأسف ماري فأنا أفهم الوضع جيدا، هل كان يحضرهم هنا؟" 
قالت المرأة "لا مدام، أبدا، هو يرفض ذلك تماما، ورغم أن الكل يعرف قسوته مع النساء إلا أنه لا توجد امرأة يمكنها أن ترفضه كما أنه هو يجيد الإيقاع بأي امرأة، ومع ذلك لم يمنحهم أكثر من بعض المال كثمن للعلاقة، هي فقط مدام جانيت, الوحيدة التي اختلفت والتي كانت تأتي ولكن رغما عنه وكثيرا ما ثار غاضبا عليها لذلك ويأخذها ويخرج بها" 
قالت "وما الذي يميز جانيت عن سواها؟" 
منحتها الطعام وقالت "هي التي تميز نفسها بأنها تحبه وهي امرأته الأولى يسقط الجميع من حياته من لقاء أو اثنين أما هي فلم يفعل وقد ظن الجميع أنه سيتزوجها" 
حدقت بماري التي احمر وجهها وعادت تقول "ولكنه لم يفعل مدام خمس سنوات وهي تنتظره حتى تزوجك أنت ولم يهمه أمرها" 
لم تخبرها أنه أجبر على الزواج بها وبالنهاية لن يكمل معها وسيعود لامرأته الأولى، دق الباب ورأته يدخل بملابسه الأنيقة وشعره المبلل فتراجعت ماري وهو يتقدم وقال "صباح الخير، كيف حالك اليوم؟" 
أبعدت عيونها عنه وقالت "بخير" 
أبعدت ماري الطعام وخرجت بينما أمسك هو معصمها وبدأ يقيس نبضها فتأملت ملامحه وقلبها يدق بقوة فانتهى وقال "ضربات القلب سريعة هل ما زلت تخافين من شيء أم وجودي يزعجك؟" 
كان يتحدث بجدية فقالت "ربما ما زلت أخاف" 
هز رأسه وقال "أريد أن أرى الجرح" 
لم ترد وهو يتابع جرحها بهدوء وكشف على أنفها ثم ابتعد وقال "الجرح جيد ولن يترك أثر كما أخبرتك وأنفك أيضا بخير" 
لم تمنع نفسها من أن تسأله "أنت من ضمد جرحي؟" 
جلس أمامها وقال "نعم" 
قالت "متى سنذهب لعمي؟" 
قال "اليوم لو شئت ما زال الوقت مبكرا، أنت أصبحت بخير ويمكنك الحركة" 
قالت "حقا؟" 
هز رأسه فلم تنتظر وأبعدت الغطاء عنها وتحركت ولكنها شعرت بألم بذراعها فقال "لا تتحاملي عليه ما زال الجرح ببدايته" 
هزت رأسها ونهضت وهو ينهض معها وكأنه يعرف ما سيصيبها من ذلك الدوار الذي تملكها وكادت تسقط ولكنه تلقاها بين ذراعيه وهي أمسكت بذراعه بقوة كي لا تسقط، أعادها على ساقيها ويديه تحيط خصرها بقوة حتى استعادت نفسها وذهب الدوار لتستوعب وضعها وترفع وجهها لتصطدم بعيونه التي كانت تنتظر نظراتها 
لم تترك ذراعه وكأنها تخشى أن تسقط أو ربما نست أنها تتشبث به أو ربما قربه جعلها لا تشعر إلا بأنفاسه تضرب وجهها ثم يزداد قربا حتى لمس وجهها حيث أعجبه قربها ونظراتها البريئة الجميلة ولكنها أخفضت وجهها وقد تذكرت كلمات ماري عن النساء فقالت
“أنا بخير اتركني من فضلك"
تملكه الغضب واعتصر جسدها بيده وكاد يأخذها غصبا ولكنه تراجع وكأن شيئا يبعده عنها ويمنعه من أن يؤلمها أو يضايقها فتركها وابتعد مشعلا سيجارة فقالت وهي تحاول إيقاف دقات قلبها الذي يفضحها
“أنا استعملت تلك الملابس و"
قاطعها بضيق وغضب "وهل لابد أن أخبرك أنها لك؟ ماذا أميرة؟ أنت هنا ببيتي وكل ما به ملكي فماذا تعنين؟" 
قالت بضيق هي الأخرى "لا أعني شيء ولكني أيضا أعلم أن لك نساء كثيرة وربما تلك الملابس استفادت بها تلك النساء من قبلي فأنا لا أريد ذلك لأني لست مثلهم" 
اقترب منها وقال بغضب "بالفعل لي نساء كثيرة ولكن هن مختلفات ولسن بحاجة لملابس أنت فقط من كانت بحاجة لإعادة تأهيلها لتصبح مناسبة لزوجة أمجد مرتضى فما كنت ترتديه من خرق لم أكن لأسمح بها فهل تذكرت الآن الفارق؟" 
تراجعت من كلماته والغضب يتفجر من عيونه وهي لا تبعد عيونها عنه حتى قالت بدون أن تسمح له بأن يفرح بإهانتها "بالتأكيد أذكر وكيف أنسى وأنت بكل لحظة تذكرني بأني تلك النكرة التي أتيت بها من الشارع، الفقيرة التي تطمع بكل ما تملك نعم أذكر ولكن تذكر أنت أيضا أني كانت لي أسبابي لأفعل ما فعلت ولو عاد بي الزمن فسأفعله مرة أخرى، لم أكن لأترك أمي لتموت لأني لا أملك تكاليف المشفى ولا أرى أبي يسجن رغم براءته لأني لا أعرف كيف أثبت براءته ولا ابنك الذي كان يحتاج لأم، وتذكر يا دكتور أني لم أحصل منك أو من والدك على شيء أكثر مما رغبتم أنتم بمنحي إياه فلا تصورني كسارقة أو انتهازية لأني لم أفعل" 
قال بنفس الغضب "ليس مبرر لأن تبيعي نفسك لرجل بعمر جدك" 
قالت بدموع "وما المبرر إذن؟ إن لم تكن الأهل هي من نلقي بأنفسنا بالنار من أجلهم فمن أحق سواهم؟ أنا لست مثلك يا دكتور أهلي هم كل حياتي لم ألقيهم خلفي وأتجاهلهم وأقسو عليهم و" 
قطعت كلماتها وقد أدركت أنها تجاوزت لمنطقة محرمة خاصة عندما تبدلت ملامحه وأكمل هو "أكملي، ولكن قبل أن تصدري أحكامك اسأليه لماذا تجاهلته والقيته خلفي واتخذت القسوة طريق ولم أندم ولن أتراجع هل تسمعين؟ هو لا يستحق ولا أحد يستحق اهتمامي سوى نفسي أنا فقط والباقي لا يهم" 
ثم تحرك خارجا وهو يصفع الباب خلفه بقوة وقد أدركت أنها أثارت الماضي داخله ولم تكن تعرف أنها أثارت الماضي داخله منذ أول يوم رآها فيه والآن هي ألقت بماء النار على الجرح فزادته ألما فوق ألمه.. 
سقطت على الفراش وسقطت معها دموعها وهي تلوم نفسها على ما قالت ولكن هو الذي أثار غضبها بإهاناته وكلماته الجارحة
غيرت ملابسها بيسر اليوم وقد هدأ ألم جرحها ثم خرجت لتبحث عنه فقد أرادت أن تذهب لحماها لن تبقى معه هنا أكثر من ذلك، رأت رجلان يقفان على باب الغرفة انتبها لها فقالت "أين دكتور أمجد؟" 
أجاب أحدهم باحترام "بالأسفل مدام" 
تحركت لتنزل وتبعها الرجلان ووقفت دون أن تعرف أين تذهب فالتفتت لأحدهم وقالت "أين؟" 
أشار الرجل لباب جانبي وقال "هذا مكتبه مدام" 
دق قلبها من مواجهته ولكن عليها أن تفعل فتحركت ودقت الباب فأذن بصوت قوي فدخلت لتراه يجلس على مقعد جلدي ويحدق في اللا شيء وبيده كأس به مشروب لا تعرفه، أغلقت الباب وقالت 
“هل يمكن أن أذهب المشفى؟"
لم ينظر إليها وابتلع ما تبقى بالكأس وقال بنبرة جافة "نعم أخبرتك أننا سنذهب" 
أخفضت وجهها وقد أدركت طريقته، نهض وكاد يخرج عندما رن هاتفه فعاد لمكتبه وأجاب طون الذي قال "جان اختفت يا أمجد لا أحد يجدها من رجالنا" 
نظر إليها وهي تواجه نظراته وقوتها هذه تزيده غضب على غضبه، قال "هذا شيء متوقع، لا توقف البحث ستظهر مرة أخرى فما بدأته لابد أن تنهيه" 
أجابه طون "تعني زوجتك؟" 
أبعد عيونه عنها وقال "بالتأكيد، أنا بطريقي للمشفى لن أذهب الشركة اليوم" 
أجاب طون "اليوم عطلة يا كبير هل نسيت؟" 
قال وقد تذكر "وهل هناك فارق بالنسبة لي طون؟" 
رد الرجل "نعم أعلم ولكن بوجود زوجتك لابد أن يكون هناك فارق يا رجل" 
نظر إليها وابتسم بسخرية وقال "هذا لو لم تكن هي من تتحدث عنها، هيا اذهب واقضي عطلة سعيدة" 
ضحك طون رغما عنه وأغلق وتحرك هو مبتعدا قبل أن يقول "أين تقضون العطلات ببلدكم؟" 
كان قد وقف أمامها بنظرات ساخرة واجهتها ببرود وقالت "بلدنا هذه التي هي مصر بلدك؟ أظن أنك تعرفها أكثر مني" 
تلاشت الابتسامة الساخرة من على شفتيه وقال وهو يتحرك للخارج "هيا دعينا نذهب كي لا نتأخر" 
أدركت أنه يرفض الحديث عن الماضي ولا تعلم هي لماذا تصر على نبش ذكرياته.. 
وصلا المشفى في صمت قاتل فهو لن يسمح لها بتجاوز خط المسموح لغير المسموح، الغضب يفقده التركيز وهو ما لا يتحمله لذا لن يمنحها ما تريد. 
عرفت أن العم خرج لغرفة عادية أسرعت خطاها إلى الغرفة ولم يتبعها هو وهو يتجه لمكتب المدير، دخلت غرفة العجوز الذي واجها بعيون متسائلة ولكنها أسرعت إليه بلهفة وكأن كل مخاوفها أتت الآن لتختفي خلف ذلك الرجل الذي تحتمي خلفه، ألقت نفسها بين أحضانه وهتفت
“عمي الحمد لله على سلامتك، آسفة لغيابي عنك، كان غصبا عني صدقني"
شد عليها بذراعيه بحنان وقال "أعلم يا ابنتي، كيف حال كتفك؟" 
ابتعدت وهي تمسح دموعها "بخير عمي" 
ذهبت ابتسامته وقال "تبدين شاحبة ألم يهتم بك خلال مرضك؟" 
جلست على طرف الفراش وقالت "بلى فعل وهو من ضمد الجرح، عمي لا تجعله يأخذني من هنا مرة أخرى أنا أريد البقاء معك" 
أمسك الرجل يدها فرفعت عيونها الباكية إليه وقال "ماذا فعل بك؟" 
قالت "لا شيء، فقط، فقط لا أشعر بالراحة وهو، هو" 
أكمل العجوز بحزن "يهينك ويجرحك؟" 
رأت الحزن والألم بعيون الرجل فتراجعت عما كانت تريد وقالت "لا عمي فقط أشعر أني عبأ عليه لذا أفضل البقاء معك ثم أنا لا أعرف هنا سواك وهو لديه حياته وعمله ولن يتفرغ لي" 
كانت قد ابتعدت وهي تعلم أن ما بداخلها غير ذلك ولكنها لم تكن لتؤلم الرجل أو تجرح قلبه وقد قال "ولكنه يهتم بك وضمد جراحك، أميرة أنت الأمل في عودة أمجد لي بأخلاقك ودينك ومحبتك، بالتأكيد سيتغير ويغفر لي وأجد ابني بعد كل تلك السنوات من الحرمان، أميرة أنا أعيش على هذا الأمل" 
عادت دموعها وهي تنظر إليه هل كتب عليها التضحية بسعادتها بكل مرة من أجل الآخرين؟ هل عليها أن تتحمل إهاناته وقسوته ونساؤه وكرامتها التي تسحق بسببهم من أجل ذلك الرجل الذي عرفته من شهور قليلة؟ 
نظرت للرجل وقالت "بالتأكيد عمي الأمل موجود وأنا واثقة أنه سيعود طالما أنك تجعله يشعر برغبتك بعودته" 
قال بأمل "وأنت لن تتركيه وستساعدينني أليس كذلك؟" 
هزت رأسها والحزن يملأ عيونها من المصير الذي حكمت به على نفسها، دق الباب ودخل فابتعدت لتمسح عيونها لا تحب أن تبدو ضعيفة أمامه، ليس الآن
قال وهو يمنحها نظرة خاطفة سقطت على ظهرها "مساء الخير، كيف حالك اليوم؟" 
وقف أمام الفراش وقال العجوز "الحمد لله، بخير يا بني، هم يجيدون الاعتناء بي فأنت تحسن اختيار رجالك" 
هز رأسه وقال وما زال يدرك أن ما يفعله مع والده من أجل المظاهر وليس لأنه والده "الأشعة تظهر نجاح الجراحة وبانتهاء الشهر سيمكننا تحديد جراحة المفصل من عدمه، بالطبع غير مسموح لك بوضع قدمك بالأرض" 
هز الرجل رأسه وقال "نعم أعلم، وماذا عن تلك الفتاة؟ هل يمكن أن تصاب بضرر مرة أخرى؟" 
جلس على المقعد القريب وقال وهو يوجه نظره إليها وقد التفتت هي للعجوز ولكنها اصطدمت بنظراته وهو يقول "لا، لديها من الحراسة ما يؤمنها هذا بخلاف وجودي معها" 
ابتسم العجوز ونظرت هي لعمها الذي قال "نعم من الأفضل وجودها معك حتى يذهب الخطر" 
بالطبع لم ترد على ذلك فأسرعت تقول "ولكني لا أستطيع تركك وحدك عمي" 
أسند وجهه على يده وهو ينظر إليها بينما قال العم "وأنا لا أحتاج إليك، ابني يعتني بي جيدا ويوفر لي أفضل رعاية أنت من يحتاج للرعاية والاهتمام" 
كادت ترد ولكن توقفت الكلمات على فمها فأغلقته والتقت بنظراته الصامتة دون معنى، دق الباب ودخلت الممرضة وهي تقول "موعد الدواء يا دكتور" 
كانت الفتاة جميلة بعيون عسلية وشعر أصفر قصير ولكن جميل وقد كانت معظم البنات بنفس لون الشعر، لاحظت أن الفتاة تنظر لأمجد بابتسامة مثيرة ونظرة ذات معنى ولكنه هز رأسه وقال بهدوء 
“افعلي يا.."
لم تذهب ابتسامة الفتاة ولا نظرتها له وهي تقول "ماريان دكتور، رئيسة الممرضات بالقسم، يسعدني تقديم خدماتي لك دكتور أمجد ولوالدك" 
احمر وجهها هي وتملكها الغيظ من الفتاة وتمنت لو تصفعها على وجهها ولكنها نظرت له لتجد عيونه تلمع وهو يتابع الفتاة بعد أن احنى رأسه لها لتبدأ عملها وقد بدا أنها تعمدت ارتداء القصير والمبالغة في الميك اب لتلفت انتباهه بهم وبكلماتها، كادت هي تفقد صبرها وتنتقد الفتاة ولكنها تذكرت نفسها وقارنت أين هي من أولئك النساء فهي لن تضاهيهم جمال ولن تفعل أصلا مثلهم فهي تأبى ذلك ليس من دينها ولا أخلاقها ولن تجعل أحد ينتقد تصرفاتها ولكن كرامتها كزوجة أبت أن تجعلها تصمت
تحركت لفراش العم ونظرت للفتاة التي قالت "لا داعي لوجود أحد هنا سأعطيه الحقنة" 
ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت "أنا لست أحد، أكملي عملك فأنا زوجة ابنه وأطمئن على أدائك لعملك" 
اصفر وجه الفتاة بينما ظل هو يتابعهم وربما أعجبته طريقتها، أما العم فلم يبدي أي تعبير بينما قالت الفتاة "الدكتور له ابن آخر غير دكتور أمجد؟" 
أجابت ببرود "لا" 
حدقت بها الفتاة بنفس الوجه الشاحب وقد فهمت أنها زوجة ذلك الرجل الذي تحاول لفت انتباهه، بينما رفعت أميرة وجهها تواجه نظراتها عندما قالت "أه، أهلا مسز مرتضى لم أكن أعرف حضرتك" 
قالت ببرود "وقد عرفت فلتكملي عملك فأنت تجيديه" 
احمر وجه الفتاة ونهض هو مبتعدا إلى النافذة عندما رن هاتفه حتى انتهت ماريان وخرجت فانتهى هو الآخر ونظر إليها وقال "أظن أنه سينام الآن ونحن سنذهب؟" 
أجابت دون تفكير "إلى أين؟ لتذهب أنت أنا باقية" 
ضاقت عيونه بينما قال الأب "أنا سأنام يا أميرة ولن تبقي هنا وحدك فلتذهبي معه" 
قالت بعناد "لا لن أعود معه" 
تحرك تجاهها حتى وقف أمامها وقال "ستفعلين ما أقوله أنا وليس هو" 
كانت نظرته قوية بينما قال الأب "أمجد" 
رفع يده ليوقفه دون أن ينظر إليه وقال "لا أظن أنه من الصواب التدخل بين رجل وامرأته أنا لم أسمح لك بذلك أو بأي تدخل بحياتي من أي نوع، وأنت ستخرجين معي الآن بهدوء ودون أي تصرفات قد تقلل من شأنك أمام أحد" 
تراجعت أمامه ونظرت للعم الذي شحب وجهه فقالت بغضب "أنت ماذا؟ ألا تعرف عن البر بالوالدين شيء؟" 
وتحركت إلى الرجل وقالت "عمي أنت بخير؟" 
هز رأسه ونظر لابنه الذي لم ينظر إليه وقال "لم أتخيل أن تصل القسوة بك لهذا الحد" 
التفت إليه بغضب وقال "بل وصلت يا دكتور، وصلت لأكثر مما يمكنك أن تتصور، ماذا ظننت؟ أن ما أفعله هنا يعني أني غفرت وسامحت؟ لا لن أفعل مع من كان" 
تحركت لتقف أمامه وقالت تقاطعه "كفى، إلى هنا وكفى" 
حدق بها قبل أن يقول "لن تخبريني أنت متى أتوقف هل تفهمين؟" 
لم تتراجع أمام غضبه وقالت "بلى علي أن أفعل عندما لا تدرك أنت متى يمكنك أن تفعل، إنه والدك وما زلت تحمل اسمه ولن تخلعه عنك مهما فعلت، بالضبط مثل ابنك الذي يحمل اسمك ولن يخلعه عنه وكما تحاسب والدك اليوم سيحاسبك هو غدا فتوقف قبل أن تندم، مهما بلغت قسوة والدك بك فلا يمكنك أن تحاسبه لم يمنحك الله الحق بذلك؟" 
أمسكها من ذراعها بقوة وغضب وقال بعيون تنضج بألوان مختلفة "ومنحه هو الحق بأن يأتي بي الدنيا ويرميني بين براثن الحياة وحيدا بدون مرشد؟ منحه الحق بأن يؤلمني بسكين بارد يمزق قلبي ليوقفه عن العمل؟ منحه الحق بأن يقتل داخلي أي بنوة له؟ أي حق الذي تتحدثين عنه؟ ليس له عندي أكثر مما أقدمه له ولن أقدم أكثر من ذلك" 
توقف وهو يلهث من الغضب وهي تحدق بعيونه وقد أخرجت كل شياطينه بينما قال الأب "أنت على حق" 
ترك ذراعها وابتعد فأكمل الرجل "ولكني ندمت، صدقني يا أمجد ندمت ولم أعد أريد سوى أن تسامحني وتعود ابني الذي حرمت نفسي منه" 
نظر إليه ولم يهدأ غضبه "للأسف لا أعرف كيف أسامح، يا دكتور أنت لم تعلمني سوى شيء واحد القسوة" 
أخفض الرجل عيونه وقال "فقط لننسى ما كان ونبدأ من جديد، امنحني الفرصة لأعوضك عما كان دعنا نقيم أسرة جديدة تمتلئ بالحب والحنان الذي حرمنا منه جميعا، أنا أحبك يا أمجد أنت ابني لم ولن أكرهك أبدا" 
احمر وجهه من الغضب وما زال صدره يعلو ويهبط من كثرة ما يحمله من غضب وهو يحدق بالأب وقال "أخبرتك أنك تأخرت وتأخرت كثيرا وكلماتك هذه لم تعد تجدي معي أي نفع لأني لا أعرف ماذا يعني الحب الذي تتحدث عنه، فاتركني كما أنا هذه حياتي ولا أريد تغييرها" 
تحرك إلى الباب ثم التفت إليها وقال "انتظرك بالسيارة" 
تابعه وهو يخرج ثم نظرت للعجوز وتحركت إليه بحزن وأمسكت يده وقالت "أنا آسفة يا عمي" 
كانت عيونه تلمع بالدموع والألم وقال "قسوته فاقت كل الحدود يا أميرة إنه يقسو حتى على نفسه ولا يرحمها" 
هزت رأسها بالإيجاب وقالت "نعم ولكن أرجوك لا تغضب منه فهو" 
قاطعها "ابني، هو ابني وأنا أسامحه على كل شيء اطمئني حبيبتي لا يكره أب ابنه مهما حدث، هيا اذهبي إليه هو بحاجة إليك فلا تتركيه" 
قالت "أمجد ليس بحاجة لأحد عمي، هو فقط يريد إثبات أنه الأقوى" 
ابتسم بحزن وقال "وأنت لست ضعيفة حبيبتي أنت واجهتيه بقوة وشجاعة وأتمنى أن تكملي للنهاية، هيا أنا أريد أن أرتاح" 
قبلت جبينه ويده ثم تركته وخرجت يتبعها الحرس الخاص حتى خرجت لتراه يجلس خلف المقود دون السائق، فتح لها الرجل الباب بجواره فركبت وهو ينفخ دخان السيجارة وانطلق بالسيارة بقوة أخافتها وقد بدا أن الخوف سيكون شريكهم اليوم.. 



الفصل الثاني عشر
هدوء
ظلت صامتة وهي لا ترى أي شيء من حولها بسبب سرعته المتهورة ولاحظت أنه يخرج من المدينة والضوضاء والزحام إلى الخلاء وبانتهاء الساعة كانا قد دخلا منطقة قرأت اسمها بلاك بارك كانت رائعة حقا من حيث جمال البيوت الصغيرة النظيفة وانتشرت المساحات الخضراء أمامها تريح عيونها وسرعان ما رأت بحيرة كبيرة وتناثرت نفس البيوت علي جانبيها وبدا أنها لا تحوي الكثير من السكان 
توقف بالسيارة أمام أحد البيوت وقال "سنمضي اليوم هنا ونعود غدا" 
نزل وهي تعود للخوف، هل ستمضي يوم وليلة وحدها معه، نزل وفتح حقيبة السيارة وأخرج منها حقيبة أخرى ونظر إليها وقال "هل تنتظرين أحد؟" 
عادت من الذهول وفتحت الباب بأيادي مرتجفة وتبعته وقد ابتعد جمال المكان من أمامها وحل مكانه أسئلة كثيرة لا إجابة لها.. 
صعدت على الدرج الخشبي ثم تحركت للباب ودخلت البيت وقد كان نظيفا وجميلا، عمل المكيف بمجرد الدخول رغم أن الجو كان مشمس وجميل بشمس الظهيرة، اختفى بالأعلى وهي تنظر من النافذة على منظر البحيرة الرائع الذي يتصل بالبيت بجسر خشبي يمتد لباب جانبي للبيت
سمعته ينزل ويقول "المكان آمن، غرفتك الباب الأول، هناك حراسة بالخارج ولكن لن تريهم إلا قليلا، الرجال ستحضر الطعام"
وقف أمامها بشموخ تعرفه جيدا وقال "لن أتحدث عما كان بالمشفى لأني لا أريد ولكن عليك معرفة شيء واحد، أنا لا أتلقى أوامر من أحد أنا ألقي أوامر فقط والجميع يطيع وأولهم أنت فلا تثيري غضبي مرة أخرى وقد عرفت ما يغضبني وأنا أتيت هنا ألتمس بعض الهدوء" 
لم ترد وقد كانت ترغب هي الأخرى في ذلك الهدوء، تحرك إلى المطبخ المفتوح ليعد قهوة لنفسه وهو يكمل "يمكنك استبدال ملابسك لو شئت تصرفي على راحتك" 
ظلت تنظر إليه لحظة ثم تحركت لأعلى ولم يتابعها هو وهي ترى المكان ذو الرائحة العطرة برائحة الريحان
كانت غرفتها صغيرة ودافئة ولكنها جميلة حقا وتبدو كطراز الريف كما هو المكان كله، رأت الحقيبة بجوار الفراش تحركت للنافذة وتأملت المنظر الذي يبعث على الراحة ويهدأ الأعصاب 
عندما نزلت كانت قد ارتدت زيا رياضيا أسود اللون بخطوط بيضاء محكم على جسدها وازدانت رأسها بطرحة وردية ربطتها للخلف بشكل رقيق بدل ملامحها، لم تجده فخرجت أمام البيت لتجد كراسي خشبية من تلك التي كانت تشاهدها بالأفلام جلست على أحدها ومنظر المياه تتلألأ مع أشعة الشمس تنسمت رائحة الريحان وهي تغلق عيونها عندما سمعته يقول 
“الريحان نباتي المفضل"
فزعت من صوته وعندما فتحت عيونها وجدته رجل آخر يرتدي شورت رياضي رصاصي اللون وتي شيرت أبيض ونظارة شمس فبدا أجمل وأكثر جاذبية وهو يجلس بجوارها ويمنحها قدح قهوة ذا رائحة ذكية 
قالت وهي بحيرة من تبدل مزاجه "من أنت؟" 
لم يحول نظره عن البحيرة وهو يشعل السيجارة ويقول "آتي هنا عندما أشك أني قد أفقد التركيز لأن مسؤولياتي لا تتحمل فقدان التركيز لحظة" 
عادت تسأله "من أنت؟" 
نظر إليها وهو يخفي عيونه خلف منظاره ثم قال "هل يعني لك شيء معرفة من أنا؟" 
هزت رأسها وقالت "بالتأكيد وإلا ما سألت" 
نهض ليقف على حافة الدرج الخشبي وهو ينظر للفضاء أمامه وقال "هل تعلمين أني كدت أسألك نفس السؤال؟" 
نهضت وتحركت لتقف بجواره ونظرت له وقالت "سأجيب بنفس إجابتك" 
نظر إليها وقال "رجالي منحوني تقرير كامل عنك وعن حياتك كلها وتعاملنا سويا كثيرا خاصة بالأيام الماضية ومع ذلك أجد أني بكل يوم أواجه بك شخص جديد فمن أنت؟" 
اندهشت وقالت "بالتأكيد لا تعني أني أتلون فأنا لست كذلك" 
ابتسم وقال "بالعكس تبدين كذلك" 
ظلت تنظر إليه وقد شعرت بالضيق فتحركت لتبتعد ولكنه أمسكها من ذراعها برفق وأوقفها بجواره وقال "لم آت هنا لإثارة جدال لا نهاية له" 
لم تترك عيونه التي لم تراها من خلف النظارة وأعجبتها نبرة صوته الهادئة فعادت لهدوءها وقالت "إذن اخلع نظارتك وشاهدني جيدا يا دكتور فأنا أبسط مما تظن بكثير" 
خلع نظارته وما زال ينظر بعيونها وقال "إذن كلميني عن بساطتك وأي واحدة أنت فيمن عرفت؟" 
ليتها ما طلبت منه أن يفعل فعيونه الجميلة تثير داخلها مشاعر لا تعرفها، ارتبكت من قربه أكثر فأخفضت عيونها هاربة وقالت "ومن عرفت أنت؟" 
لم يترك ذراعها وقد أعجبه عطرها الذي احتفظت به وفضلته على الأخرى التي جلبها رجاله لها، قال "الفتاة النكرة التي ترتدي ملابس بالية عفى عليها الزمن، أم تلك التي تتخذ المبادئ والدين واجهة لها، أو ربما تلك العنيدة التي تتسم بالقوة وتناطحني الشجاعة دون اهتمام بغضبي، أو تلك التي تحب ذلك العجوز لدرجة جعلتني أشك بذلك الحب ومدى براءته وصدقه، أيهم أنت يا ذات العيون الزمردية؟" 
رفعت عيونها إليه بضعف غير طبيعي وهي لم تعد تدري أي امرأة هي وكيف لها أن تعرف وهي تتيه بسحر عيونه ودفء أنفاسه، صوت العصافير أعادها للواقع فقالت
“فتاة بسيطة من أسرة فقيرة أقصى أحلامها أن تجد عمل بمدرسة خاصة بمرتب جيد وعمل مسائي لمساعدة والدي بمصاريف إخوتي، وأن أرى أختي زوجة لرجل جيد وأخي طبيب ناجح"
ابتسم وقال "وباقي الشخصيات من خيالي؟" 
ابتسمت رغما عنها وقالت وهي تشعر بخجل يجتاحها ولكنها قالت "أحب ديني جدا ولي مبادئ لا أتراجع عنها ووالدك أحبه حب الابنة لوالدها ليس أكثر ولا أقل ولكن صدقني لست انتهازية فقط الظروف" 
ولم تكمل فلم تذهب ابتسامته وهو يترك ذراعها ويرفع يده ليمررها على وجنتها فتتراجع مبتعدة ولكنه تبعها ووقف خلفها وقال "وتلك الغاضبة العنيدة؟" 
التفتت لتراه خلفها فحدقت به وقالت "أنت تتعمد إثارة غضبي وإهانتي" 
ظل صامتا وقال "لن أتوقف" 
تراجعت بدهشة فابتسم وأكمل "تبدين جميلة وأنت غاضبة، وتزداد عيونك عمقا وشفافية، عيونك هذه سبب غضبي الدائم منك" 
اندهشت وقالت "لا أفهم" 
ابتعد من أمامها وقال "ما رأيك لو نسبح قليلا؟ لي سنوات طويلة لم أفعل" 
أدركت أنه يرفض البوح بم داخله، نظر إليها فهزت رأسها وقالت "ولكن جرح كتفي" 
قال "سأجلب لك كريم سيخدر لك الألم هناك ملابس سباحة تلائمك بالأعلى" 
هزت رأسها ثم ابتعدت من أمامه وهي لا تفهم ذلك الرجل الذي كان بالصباح بقمة ثورته معها ومع والده والآن تبدل لشخص آخر يبعث على الراحة والهدوء.. 
كان الماء رائع والأجمل هو وقد بدا جسده واضحا بعضلات أخذت مجهود من صاحبها لتبدو كذلك، كان يسبح بقوة ويسر بذات الوقت، انتهوا إلى وسط البحيرة الهادئة ونفض الماء عن شعره وقال 
“تجيدين السباحة"
قالت بابتسامة جميلة "أحب البحر وبابا كان يأخذنا إليه كل اسبوع بالصيف وهو من علمني" 
كان قريب منها فقالت "وأنت؟" 
قال "الغرق، الغرق هو من علمني" 
تبدلت ملامحها وهي لا تفهم شيء فابتسم وقال "كان أول درس لي هنا ألا أخاف وقتها كنت ما زلت أعبث بحياتي ولم اهتم حتى سقط بيد بعض المجرمين تعرضوا لي ليسرقوا ما كان معي وقتها خفت وتراجعت حتى سقطت بالنهر وبالطبع كان عميق ولأني أريد الحياة صارعت المياه حتى استعدت نفسي ومنذ ذلك اليوم قررت ألا أخاف وألا أخسر أي معركة، تدربت كثيرا وما زلت أفعل وتعلمت فنون القتال لأن هنا إما قاتل أو مقتول لا مجال للضعف فالقوي يأكل الضعيف وانتشلني صديق للدكتور من الفشل لطريق العمل بمساعدة مالية من الدكتور لأصبح ما أنا عليه" 
قالت "تبدو حكاية بسيطة" 
حدق بها فقالت "أقصد أنك" 
ولم تكمل فقال "هذا هو الجانب الجيد من أمجد مرتضي فأنا أتحكم بأكثر من نصف السوق بالمنتجات الطبية واسم المصحات الخاصة بي معروف بكل انجلترا تقريبا، مجموعة كبيرة مترابطة تأخذ كل وقتي تقريبا" 
قالت بتأني "ولكنك تمتع نفسك جيدا" 
ضحك بقوة وقد فهم كلماتها وهي تتابعه بغيظ ثم عاد إليها وقال "هذا صحيح، من بين كل التعب لابد من بعض الراحة وهذا بالنسبة لك الجانب السيء طبعا" 
احمر وجهها وقالت "كثيرات هن؟" 
قال بمرارة "الخائنين؟ أم من لهم ثمن أم من يبغون إلصاق اسمهم باسم أمجد مرتضى؟ أم الذين يلهون بدون اعتبارات لأزواجهم؟" 
قالت وهي تريد إخراج أحزانه "من تختارهم أنت" 
أجاب وهو يتذكر دون أن يتحدث عن الذكرى "هن يتسابقن أمامي يا عزيزتي، وبالطبع بالفراش لا فارق بينهم كلهن سواء وهن يعلمن أني آخذهم للمتعة فقط وبمجرد تركي للفراش تنتهي صلتي بهم لأني أترك لهم ما جاءوا من أجله" 
احمر وجهها وتمنت لو تذهب من أمامه وهي تبعد عيونها ابتسم وقال "لم أرى هذا الخجل بواحدة منهن وهي بين ذراعي وأراه بوجهك لمجرد سماع كلمات" 
كادت تذهب لكنه كان أسرع وطوقها بذراعيه ورغم الماء إلا أن عطره ما زال عالقا بجسده جعلها تتوقف عن مقاومته وهي تقول "من فضلك اتركني" 
ما زال يبتسم وهو يرى نظراتها الغاضبة وقال "وإن لم أفعل!" 
قالت بغضب "سأصرخ وأطلب النجدة" 
ضحك بصوت مرتفع وقال "هيا افعلي ولن يجيبك إلا صدى صوتك، كل البيوت من حولك ملكي وهي فارغة وليس هناك سوى رجالي ولا أظن أنك ترغبين في أن يشاركونا خلوتنا" 
ارتبكت وقد أدركت المصيدة التي وقعت بها ليس فقط بالبحيرة وإنما بالمنزل أيضا حاولت أن تبعده مرة أخرى بيديها بقوة أكبر وهو يضحك ولكن كتفها تألم فتألمت فجأة فخفف قبضته وتحول للجدية وقال 
“ماذا حدث؟"
قالت بألم واضح "كتفي يؤلمني" 
لم يتركها وهو يقول "حسنا لنخرج لأراه، لا أفضل أي مضاعفات تعالي" 
لم يتركها وهو يحيط خصرها بيده ويسبح بها للخارج حتى خرجا وقد أعجبها اهتمامه بها بتلك الطريقة، وضعت مناشف لم تعلم من أين أتت، جذب واحدة ولفها بها وقال "ادخلي" 
تحركت للداخل وهو يتبعها وقد جفف جسده هو الآخر وارتدى تي شيرت لم تعرف أيضا من أين أتى؟ 
ما زال الألم يضايقها وهو يقول "هل أرى الجرح؟" 
التفتت إليه وهي تحكم المنشفة حولها وتنظر إليه ففهم نظرتها وقال بجدية "أميرة أنا لا أمزح أبعدي المنشفة أنا طبيب ومن ضمد الجرح أصلا وفوق كل ذلك زوجك" 
احمر وجهها وهي تبعد المنشفة وهي تعلم أنه على حق، فتحت جرار المايوه حتى كشف كتفها وضاقت عيونه وهو يرى دماء تنساب فقال "حركتك كانت عنيفة سأحضر حقيبتي" 
أعاد تضميد الجرح بمهارة ولم تشعر بشيء وما أن وضع الشريط اللاصق حتى جذبت المايوه فأبعد وجهه وقال "لا تضعي ماء عليه الآن سيحتاج يومين ليطيب وسأرسل بإحضار دواء أقوى مما تأخذيه" 
هزت رأسها وهو يبتعد ولكنها نادته "شكرا دكتور" 
التفت إليها وعاد ليواجها ووقف أمامها ونظر بعيونها وقال "أنا تجاوزت حقيقة أنك أصبحت زوجتي وتقبلت وجودك من أجل آدم ومنحتك ما يجعلك زوجتي أمام الجميع ألا يمكنك أنت استيعاب فكرة ذلك؟" 
لم تجرؤ على مواجهته وقالت "أنت لا تساعدني"
تراجع لحظة ثم قال "هذا عندما يثيرني جنانك وعنادك، فيما عدا ذلك" 
وأشار للمكان مما يجعلها تدرك أنها بالفعل هنا معه ويعاملها معاملة مختلفة لا تنكرها رفعت وجهها إليه فعاد يقول "هيا اصعدي وغيري ملابسك لنرى أمر الطعام فأنا جائع" 
قالت "يمكنني أن أطهو الغداء لو هناك إمكانيات" 
التفت إليها وقال "وماذا يفعل الذين يحصلون على أموالي؟" 
لم ترد وهي تصعد للأعلى وهو يتابعها ويندهش من نفسه ومما يفعل لقد أتى بها هنا ليثبت لها أنها كغيرها من النساء يمكنه أن يحصل عليها بسهولة ولكن ما أن تنظر إليه بتلك العيون حتى توقفه بقوة وتجعله يرفض إلا أن يعاملها بشكل مختلف، برقة تليق برقتها المختفية خلف شجاعتها التي تعجبه.. 
عندما نزلت كانت قد ارتدت زيا رياضيا آخر أحمر اللون أعجبها بخطوطه البيضاء أيضا وبدت فاتنة حقا به وطرحة بيضاء لفتها بنفس الطريقة لتبدو عيونها أكثر جمالا، لم تجده وإنما وجدت علب الطعام وقد وضعت على المائدة فاتجهت إليها وفتحتها وأعجبتها رائحة الطعام فأفرغت العلب ورتبتها عندما تسرب عطره لأنفها وقبل أن تبحث عنه وجدته خلفها لتنتفض فزعة وهو يحجزها بينه وبين المائدة فتتراجع وتستند على المائدة بذراعيها ولكنه يلتقطها بين ذراعيه ليعيدها أمامه فتلقي يديها على صدره الذي تحجرت عضلاته تحت قميصه الشفاف ناعم الملمس وتلاقت نظراتها الفزعة بعيونه الجريئة وهو يضمها إليه ويقول 
“كم مرة لابد أن أنقذك؟"
احمر وجهها كالعادة وارتجف جسدها الطري بين يديه وقالت "وكم مرة سأطلب منك أن تتركني؟" 
أحنى رأسه ليقترب من وجهها وقال "وكم مرة سأخبرك أني لن أفعل" 
زاد اقترابه وهو يهمس "ذلك الزي يجعلك فاتنة بلونه الناري" 
أنفاسه أخافتها أكثر وقربه أضعفها وكلماته أوقفت دفاعاتها وما زال يقترب وعيونه تتوقف على شفتيها "لديك جمال غريب حتى وأنت بدون تجميل" 
انتفض القلب متسارعا بدقاته ليحاول إيقاف خوفها وضعفها أو مجاراة أنفاسها التي لا تكفيها لم تجرؤ على النظر بعيونه فأغلقت عيونها وقبلته تعلن عن نفسها وأخيرا نالها وتذوق جمالا لم يتذوقه من قبل، رقة وبراءة وحلاوة ما بعدها حلاوة، لم تستطع أن توقفه فقد استولى عليها برقة غريبة واستحوذ على قوتها بطريقة لم تعرفها حتى أنها تستمتع بتلك القبلة التي لم تكن تعرفها بل وكانت تخفي عيونها عندما تشاهدها بين أبطال الأفلام واحتارت من نفسها ماذا فعل بها ذلك الرجل؟ 
لم يشأ أن يتوقف ولكنه شعر بها ترتجف أكثر بين ذراعيه فأبعد شفتيه دون أن يبعدها وما زالت تغمض عيونها وهي تستعيد أنفاسها المتسارعة وهو يهمس "حتى قبلتك مختلفة" 
أخفت نظراتها بصدره وقالت بصعوبة "هل تتركني؟" 
تركها على مضض فهي ليس المرأة التي تؤخذ غصبا فلن تكون متعته منها بالغصب وهو لا يريد ذلك.. 
تحرك لأحد المقاعد وجلس وهو يقول "هل اتصلت بالقاهرة!" 
وضعت له الطعام فقال بجدية "اجلسي يمكنني أن أفعل بنفسي" 
هزت رأسها وجلست وهي تقول "لم لا تسألني مباشرة؟" 
نظر إليه بشدة وقال "لا أفهم" 
لم تنظر له وهي تضع الطعام لنفسها وقالت "عن آدم! لن ألومك لو فعلت بل العكس" 
عاد إلى الطعام وهو يندهش كيف تخترق أعماقه لتفهم ما بداخله فقالت "لقد اشتركت له بنادي ليمارس رياضة التايكوندو ونهلة أخبرتني أنه يجيدها والمدرب يتنبأ له بمستقبل رائع" 
لم يرد فنظرت إليه وقالت كي يستعيد هدوءه "وماما تحسنت كثيرا وأحمد قدم أوراقه بالتنسيق وكتب الطب أول رغبة ولكن طب المنصورة وظننت أنه قد يمكنه الانتقال العام القادم" 
قال دون أن ينظر إليها "لا، هذا العام، لا يمكن أن يترك أحمد والدك ووالدتك دعي الأمر لي" 
نظرت إليه بامتنان وقالت "حقا؟" 
رفع عيونه ليرى سعادة غريبة بعيونها فقال "كل تلك السعادة لأحمد؟" 
قالت بصدق "أعتبره ابني رغم أن الفارق بيننا ليس كبير ولكني اعتبرت نفسي مسؤولة عنه منذ أن كانت ماما تتركه معي وتذهب وأنا كنت أتولى كل أموره لذا كل ما يسعده يسعدني" 
أكمل تناول الطعام فعادت تقول "وهو أيضا كان يتشاجر مع الأولاد بالشارع عندما كانوا يقومون بمعاكستي ونحن صغار وما زال يفعل، أتعلم أنه قاطعني بعد أن عرف بزواجي" 
أنهى طعامه وتراجع بمقعده وهو يشعل سيجارة وقال "لماذا؟" 
أبعدت عيونها وقالت "ظننت أنه غاضب مني لأنه أخبرني أني بعت نفسي بالمال و.. ولكن بعد ظهور نتيجته أخبرني أنه كان يخجل من مواجهتي" 
دمعت عيونها فأخفضتها لتعود للطعام وقالت "أما نهلة فهي مختلفة تعشق القانون بشكل يدهشني وهي من اختارت الكلية" 
ضاع وسط دخانه فنظرت إليه فقال "تفتقدينهم بشدة؟" 
هزت رأسها وقالت "جدا" 
قال بتأني "يمكنني إعادتك لو شئت" 
قالت "لن أترك عمي ليس له سواي" 
نهض مبتعدا وهو يقول "ما رأيك نتناول شيئا يدفئنا الجو سيعلن عن نفسه" 
كان يتجه للثلاجة وأخرج زجاجة تعرفها فنهرت عيونها ما رأت ونهضت لتزيح الأطباق وهي تقول بضيق "فلتفعل أنت تعلم موقفي" 
توقف عن فتح الزجاجة وقال "دعي كل شيء أخبرتك ألا تفعلي، هناك من يفعل" 
توقفت وقالت "إذن سأصعد لارتاح قليلا و" 
وقف أمامها ليسد طريقها وقال "لم نأت لننام أميرة" 
قالت بعناد واضح "ولم نأتي لنسكر أمجد"
ابتسم واحمر وجهها عندما أدركت أنها نطقت اسمه، تحركت لتبتعد فأوقفها بيده وقال "لن نفعل فلتهدئي يا امرأة ولا داعي لهذا الجنون" 
نظرت إليه فوضع الزجاجة على المائدة فارتخى جسدها وهو يقول "لنتجول بالخارج هناك أماكن رائعة الجمال هنا، هيا" 
تحركت بجواره للخارج وبالفعل كان المكان غاية في الجمال ووصلا لتل صغير تنحدر من فوقه المياه لتسقط بمسار مبسوط حتى تتجمع بنهر صغير لم تعرف أين ينتهي وصخور ترتفع على جانبيه، ساعدها على المرور فوق التل من بين المياه التي تتدفق تحت أقدامهم لتنتهي عند حافته الصخرية وتسقط كالشلال على بعد أمتار كثيرة من النهر، لم يترك يدها وهي لم تبعدها ربما من الخوف ولكنها قالت 
"سبحان الذي خلق فأبدع ما أروع كل هذا" 
كانت كالفراشة أمامه وهي تتحدث بابتسامة رقيقة وبراءة لم يراها من قبل بأي امرأة ممن عرفهم.. كان يبتسم لها ولكلماتها عندما لمحت عيونه ظلا يخترق الأشجار البعيدة فتفاجأت هي به وهو يحيطها بذراعيها ويدفعها بقوة فيسقط كلاهما مع الشلال لتصطدم هي بالمياه بقوة وقد فلتت من بين ذراعيه وتغوص إلى الأعماق بفزع وهي تلوح بذراعيها لتقاوم جذب الأعماق لها وهي لم تأخذ أنفاسها، وبصعوبة قاومت المياه لتدفع جسدها إلى الأعلى حتى وجدت الهواء وشهقت لتتنفس وقد كادت تختنق تحت الماء
استعادت أنفاسها لتتفاجأ بأمجد يشتبك مع رجل لم تر ملامحه جيدا وكاد الرجل يهزم أمجد وهو يسدد له لكمة قوية صرخت هي باسمه "أمجد احذر" 
تفادى أمجد اللكمة بمهارة رغم المياه ولوي ذراع الرجل بقوة وهو يدفع برأس الرجل تحت الماء والرجل يقاوم ليصعد وأمجد يحكم قبضته لتأتي طلقة رصاص فجأة ويصرخ هو باسمها وهو يرى أن مطلقها يصوب تجاهها.
تعليقات



<>