CMP: AIE: رواية مملكة سفيد الفصل السادس6بقلم رحمه نبيل
أخر الاخبار

رواية مملكة سفيد الفصل السادس6بقلم رحمه نبيل


 رواية مملكة سفيد الفصل السادس6بقلم رحمه نبيل

بافل


قبل القراءة :


هناك بعض النقاط التي تسرع البعض منها في الحكم عليها واهمها، أن البعض يظن " تبارك " غبية لأجل تصرفاتها المرتابة، لكن اعزائي ببساطة تبارك شخص منطقي لأبعد الحدود، تخيلوا أن تستيقظوا لتجدوا رجلًا يخبركم نفس ما قاله سالار لها، واضطررتم لخوض مغامرة ابعد ما تكون عن حياتكم العادية، بالطبع ستجهلون كل شيء يمر عليكم مثلها، وتخطئون وترتابون وتخافون من كل شيء مجهول، فهذه المرة الأولى لها التي تتعامل مع مثل هذه الأشياء، وهي فتاة وحيدة منغلقة بالطبع يجب أن تكون ردات فعلها كما رأيتم، فأنا وضعت نقاط كثير في شخصية تبارك واهمها ( خوف تبارك الدائم من الموت والحرص على حياتها باعتبارها وحيدة لا سند لها، ومنطقيتها بعيدًا عن الخيال ) فهي لن تركض وتلبي النداء وهي سعيدة دون رفض، وفجأة تجد نفسها ماهرة في التأقلم على كل ذلك، هذا غير منطقي...وقريبا تنكشف باقي نقاط شخصيتها التي ستذهلكم .


ثانيا شخصية كهرمان، البعض وصفها بالغباء وصدقوني كهرمان عقليًا ابعد ما يكون عن الغباء، هي شخصية ماهرة ذكية وحكيمة لأبعد حد وظهر ذلك في موقف عدة، عيبها الوحيد هو التسرع والتهور والحكم بعاطفة .


 البعض منذ الآن يعترض ويقول ( لا اريد سالار لتبارك / لا اريد إيفان لتبارك / لا اريد فلان لفلانة ) اعزائي ظننت أننا تخطينا هذه الأمور سابقًا، فللأسف ما قررته في هذه الرواية هو ما سيحدث بغض النظر عن أي اعتراضات، حبكة الرواية قوية، وكل ما شهدتموه اصنفه أنا مجرد بداية لا أكثر، تمهيد لملاحم قوية واحداث شديدة، فقط اصبروا ومهما كانت النتيجة تأكدوا أنه هو الصحيح ونحن جربنا هذا سابقًا .


واخيرًا ليس هناك بطلٌ محدد الأربعة ابطال بنفس المقدار ونفس الحجم، فلا يأتي أحدهم ويظن أن دور إيفان دور مساعد، دعوني اخيب ظنكم واخبركم أن إيفان داهية وملك كبير كما سالار متجبر وقائد جيوش عظيم، ودانيار قائد رماة ماهر، وتميم صانع أسلحة خبير، وقريبا ينضم لنا مهيار الطبيب الملكي ....


والآن نصيحة من رحرح، استمتعوا بالاحداث وتأكدوا أن ما يحدث الآن هي قشرة بسيطة تخفي خلفها الكثير والكثير فلا تتسرعوا بالحكم، هذه الرواية كما وعدتكم ستخطف انفاسكم .


والآن قراءة ممتعة .


صلوا على نبي الرحمة 


______________________


تأففه يعلو كل ثانية خمس مرات أو أكثر، لا يطيق وجودهم داخل مكتبته العزيزة، أو بالأحرى هو لا يطيق وجود أي كائن حي داخل مكتبته..


" أشعر أن العريف لا يحب وجودنا داخل مكانه الحبيب "


أردف تميم بهدوء شديد وهو يحمل بين يديه ورقة وقلم يحاول أن يتذكر جميع مكونات البارود ليعيد نفس التجربة بشكل أفضل، بينما جواره يجلس دانيار الذي عاد لتوه من الخارج.


ابتسم العريف يتحسس بومته الخاصة ثم قال :


" نعم صدقت، أنا لا أحب وجودكم داخل مكتبتي، أو في محيطي الخاص، بل ...أنا لا احبكم بتاتًا "


ابتسم دانيار يجيب بهدوء شديد وهو يضجع على مقعده بكل استرخاء فقد أصبحت مكتبة القصر والتي يعتبرها العريف ملكية خاصة، هي مكان تجمعهم لحين الانتهاء من ترميم معمل تميم :


" وكذلك نحن لا نحبك، لكن هل وجدتنا نشكو ذلك ؟؟ لا صحيح ؟؟ إذن اسمعنا صوت هدوئك  ."


ارتفعت أصوات من البومة التي تعلو كتف العريف وكأنها تعترض تمامًا على كلمات دانيار، ليبتسم لها دانيار حاملًا السهام الخاصة به يوجه سهمًا صوبها قائلًا :


" صوت اضافي واجعل منكِ طبقًا لعشائي يا ثرثارة "


وكأن البومة قد فهمت ما يريد إذ تراجعت مرة أخرى بخنوع على كتف العريف تصمت، بينما العريف قال :


" بالله ما الذي يجبرني على تحمل وجودكم هنا ؟! ألا يكفيني مرجان بكل حماقاته وضوضائه ؟؟"


رفع مرجان والذي كان يجلس ارضًا بين العديد من الكتب رأسه قائلًا بعدم فهم :


" وماذا فعلت الآن يا عريف ؟؟"


تجاهله العريف يكمل :


'ارجو أن يتم الانتهاء من المعمل قبل عودة سالار فلن أتحمل أن يأتي هو الآخر لمكتبتي العزيزة، فتملئ أصواته الصاخبة جدرانها الحساسة "


قال تميم بجدية بعدما رفع رأسه عن الاوراق أمامه :


" صحيح على ذكر سالار، ألا تعلم متى سيعود ؟! مرت اسابيع منذ غادر لذلك العالم المخيف"


تمتم العريف بصوت منخفض وهو يتحرك صوب أرفف بعض الكتب :


" عسى ألا يفعل، لقد سئمت منكم حقًا ومن قائدكم ذلك، صرت أترقب الحروب بفارغ الصبر فهي ما يبعدكم عني "


وعلى ذكر الحرب شرد دانيار يقول بصوت خافت :


" إذن أيها العريف من برأيك قد يساعد المنبوذين لدخول مشكى ؟؟ أنت لمحت أن الأمر لم يكن محض صدفة، هل تعلم شيئًا لا نعلمه ؟!"


نظر له العريف بطرف عينه، ثم عاد ينتبه لما يفعل، لا تعنيه إجابة في الوقت الحالي، بينما دانيار تأكد من شكوكه، ذلك العجوز المخيف والذي يعلم أكثر مما يظهر، يخفي عنهم سرًا قد يغير مجرى الحكاية بأكملها..


وبعد صمت لدقائق قال العريف بنبرة غامضة أبعد ما تكون عن نبرته الحانقة والمتهكمة والكارهه، يقول بصوت أجش خافت وهو يحمل كتاب ويسير صوبهم بتؤدة :


" أحيانًا لكي تسير مركبك المحطمة، عليك بأخذ شراع غيرك، ولتفعل ذلك تحتاج لمساعدة ممن يحترفون الأخذ والسرقة ..."


صمت ثواني ثم قال بخبث :


" كالقراصنة مثلًا "


وها هو ذلك العجوز يعود لالغازه التي تخفي خلفها حقائق مخيفة، حقائق يستغرقون ربما أشهر طويلة لحلها، فقط لأن العريف يحب لعب دور مقدم الفوازير، ويهوى فقرة السحر والالغاز .


كان تميم ينظر له ببلاهة وفم مفتوح يحاول أن يفهم ما يقصد العريف، وفي النهاية قال وهو ينفخ بغيظ :


" أنت أيها العجوز الخرف، لو أنك قلت كلماتك دون الغازك الغبية تلك ستصيبك لعنة؟! هل هناك من يهددك لعدم كشف الحقيقة ؟؟"


شاركه دانيار الغيظ والغضب لتلك اللعبة التي يخوضها معهم العريف :


" كانت نصف مشاكل المملكة لتنتهي في وقتها، لو أنك أخبرتنا بما تعلم دون لعب دور الغامض الذي لا يليق بك، صدقني أنت بهيئتك المخيفة تلك أبعد ما يكون عن الخبث والغموض، هيئتك تصلح لتكون مشعوذ "


ابتسم العريف بسمة جانبية يقترب من دانيار فجأة بشكل جعل الاخير يتراجع بنصف جسده العلوي بصدمة، لكن العريف ابتسم بسمة جانبية يقول :


" وأين التشويق يا فتى؟؟ أين الغموض ؟؟ لولا الغموض لأصبحت جميع القصص بلا لون، ولاضحت جميع الحكايات بسيطة لدرجة الممل"


صمت ثم ابتسم بسمة مخيفة يهمس بصوت كالفحيح :


" تمامًا كقصتك دانيار، لو أنك أدركت من البداية أن لا مفر لك من الوقوع في قبضة القراصنة، وأن ما يحوم حولك هو ما تنفر منه، لانتهت قصتك قبل بدئها، لنبذت قدرك المحتوم، لكنه القدر يا فتى، كُتب عليك وانتهى "


ابتعد عن دانيار الذي كان وجهه لا يُفسر وفي رأسه تدور كلمات العريف والذي يدرك جيدًا أنه يعني كل كلمة يقصدها، ذلك الرجل ليس ساحرًا أو مشعوذًا لكنه كان من هؤلاء الأشخاص الذي يرون رؤى وتتحقق بمشيئة الله ..


نظر العريف بطرف عينه لتميم الذي تراجع بمقعده للخلف ونظر له بريبة كبيرة، يضيق عيونه  :


" إياك، سمعت إياك وقول كلمة أيها العجوز، فأنت لم يسبق لك وبشرتني بخبر مفرح، طوال الوقت تنبأني بمصائب "


ابتسم له العريف يقول :


" لا تقلق مصيبتك أهون من مصيبة رفيقك، أو ربما لا تكون، من يدري  "


همس له تميم بقلق :


" الله يريحني منك يا عجوز يا جالب المصائب "


استقام العريف ثم تحرك بعيدًا عنهم وهو يردد بصوت مرتفع يرفع يده في الهواء  وضحكات عالية ترن في المكان  :


" كله مقدر ...كله مقدر وسيحدث رغم انوفكم أجمعين"


أخرج دانيار سهمًا يضعه داخل القوس وهو ينظر لظهر العريف بشر وقد شعر برغبة عارمة في قتله يهمس بغل وغضب :


" سأقتله لهذا الحقير النحس "


لكن تميم قفز عليه يجذب يده بعيدًا عن العريف يحاول منعه من قتله، ودانيار ينظر له بغضب وكلماته ما تزال ترن في أذنه..


لكن العريف لم يكن يهتم لشيء وهو يردد بلا توقف يختفي داخل المكتبة ومن بين ضحكاته :


" لا شيء أكيد، ولا شيء حتمي، لكن الأكيد والحتمي هو أن مصير مملكتنا على وشك أن يتغير كليًا، ومستقبل سفيد على اعتاب التحول وكل ذلك سيكون على يده هو، هو فقط من سيفعل، سيفعل ويغيرها ويغير خارطة هذا العالم ......."


___________________ 


قاعة كبيرة تتميز باللون الاسود، العديد من المقاعد ترتص على جانبي القاعة وفي المنتصف ممر كبير فارغ إلا من سجاد ثمين باللون الاحمر ...


وفي المقدمة يقبع عرش ضخم مرصع بكل الاحجار الكريمة ذات اللون الاسود، وعليه يجلس رجل بجسد ضخم وملامح شرسة ونصف وجه مشوه بالكامل، وأيدي مليئة بالجروح والتشققات وكأنها تخبرك عن مدى الكفاح الذي خاضه ذلك الرجل ليصل لعرشه، لكن أحيانًا تخدعك الادلة وتضللك الحقائق، فتلك الجروح ليست نتيجة كفاحه، بل نتيجة بطشه وجبروته، تلك الخدوش والتشوهات شاهد عيان على كل الفساد الذي عاثه ذلك الرجل خلال سنوات عمره السبع والثلاثين ...


ارتسمت بسمة على وجهه المقيت والمقزز وهو يراقب تمايل إحدى نساءه الكثيرات امامه وأمام أعوانه، تتمايل على موسيقى صاخبة بكل فجور وكأن لا غد ولا موت .


تحرك خصرها الواضح من ثوبها المكشوف يمينًا ويسارًا، فقط كي تنال شرف إعجاب ذلك الطاغية " بافل" والذي نصب نفسه قائدًا ورئيسًا للمنبوذين، منصبًا أخذه وراثة من والده بعد مقتله على يد إحدى زوجاته الكثيرات ..


وحينما انتهت رقصة تلك الفتاة مالت تحيي جميع الرجال في القاعة، ثم نظرت لبافل تنتظر منه إشارة رضى واحدة، لكنه فقط ابتسم يشير لها أن تتحرك بعيدًا.


علت الخيبة وجهها وشعرت بالحسرة وهي تتحرك خارج قاعة القصر، بالطبع ليس قصر بافل أو رجاله، فهم كانوا ومازالوا جماعة من الخنازير البرية لا مسكن لهم سوى الوحل ولا طعام لهم سوى القمامة، لكن تدور الحياة ويحصل هؤلاء الخنازير على مسكن لهم لا حق لهم به، ولا علاقة لهم فيه ...


هم فقط ذهبوا وجلسوا داخل ذلك المسكن ثم اشهروا أسلحتهم بكل تبجح في وجه قاطينه، فقد كان ذلك القصر الشاهق هو نفسه قصر مشكى الذي نهبه بافل مع جماعته بعدما هدر دماء جميع العائلة الملكية وفرض سيطرته على المكان بالقوة .


" إذن سيدي ما الخطوة القادمة ؟؟"


سؤال جيد كان ينتظره بافل، ما الخطوة القادمة يا ترى، وبأي مملكة يبدأ ؟؟ سفيد أم سنز أم آبى ؟؟ 


ابتسم بسمة جانبية يقول بصوت هادئ مرعب :


" الخطوة القادمة هي الاستمتاع بلحظات النصر، الاستمتاع قبل العودة لساحة المعركة مرة أخرى، لا بد أن خبر سقوط مشكى وصل لجميع الممالك، وهم الآن يفكرون في طريقة لرجوع المملكة مرة أخرى "


نظر الرجال لبعضهم البعض قبل أن يتساءل أحدهم :


" إذن هل نبدأ بتجهيز الجيوش ؟؟"


" بل ابدأ بتجهيز الاحتفالات يا عزيزي، نحن سنقيم احتفالًا في مملكتي لتنصيب نفسي قائدًا وملكًا عليها "


لم يفهم أحد ما يفكر به بافل، ولن يفعلوا، لكنهم يثقون بعقله وبأنه سيقودهم للنصر يومًا ما .


لذلك صمتوا وبدأوا يفكرون بطموح كبير أن القادم سيكون لهم، وأن القدر سيكون حليفهم ...


________________________


تسير وهي تتمسك بأحزمة حقيبتها تنفخ بسخرية شديدة مما يحدث في حياتها العجيبة المريبة تلك، يظنها ستخاف تلك الأمور الغريبة حولها وتخشى ذلك الظلام الدامس، وتلك الغابة المخيفة، وترتعد لسماعها تلك الأصوات المرعبة ؟! وتركض له تستغيث به منهم ؟؟ 


نفخت بسخرية لاذعة على تلك الأفكار الغبية وهي تنظر لظهر سالار وتردد بتسائل :


" هو احنا قدامنا قد ايه ونوصل ؟؟"


أمسكت حقيبة ظهرها بقوة وهي تركض خلف سالار الذي كانت خطواته سريعة وواسعة، وخاصة باقدامه الطويلة تلك...


هي الآن تسير مع الثلاثة بين الادغال كما في الأفلام الأجنبية، تتحرك بحذر مخافة أن يلتف ثعبان على قدمها دون شعورها، أو أن يهبط صقر أعلى رأسها، أو أن يهجم عليها أحد الحيوانات المفترسة من خلف الأشجار، هي تعلم كل الالاعيب تلك .


نظر لها سالار ثواني قبل أن يعود للنظر أمامه قائلًا بجدية :


" لقد تخطيتها في طريق الذهاب في يوم وبضعة ساعات، لكن معكِ لا أدري ربما اسابيع أو شهور، إن كنا محظوظين سنصل قبل أن أبلغ الاربعين من عمري " 


" هانت يعني،  أنت كام يوم وتتم الاربعين  ؟؟"


نظر لها يجيب ببسمة صغيرة ساخرة مستفزة :


" ليس كثيرًا، ربما سبع سنوات تقريبًا "


نظرت تبارك لظهره وهي تحسب بكل جدية ما ستستغرقه الرحلة، وتوقفت فجأة متسعة الأعين:


" سـ..سبع سنوات ؟؟ ليه بنلف طريق رأس الرجاء الصالح ولا ايه؟؟ ده لو هنلفه زحف مش هياخد مننا سبع سنوات ؟؟"


كانت تتحدث وهي تركض خلفه بسرعة كبيرة تتمسك بحقيبتها، وفي الامام يسير صامد وصمود بحذر لتبين ما قد يعيق رحلتهما..


وسالار يسير وهو ينظر حوله بأعين حادة، يتجاهل كلماتها وثرثرتها، هو ليس من ذلك النوع الذي يتحدث كثيرًا وإذا تحدث لا يطيل الحديث، وإذا فعل واطال فسيندم ذلك الذي اضطره للخروج عن صمته، ليس معنى ذلك أنه شخص انطوائي لا يحب التحدث، هو يحب التحدث كثيرًا لكن باستخدام سيفه ويده ..


سالار يضمر عكس ما يخفي، داخله شخص مبتسم، حنون و عفوي، لكن ذلك الشخص لا يظهر سوى في سهراته القليلة مع رفاقه وجيشه، قليلًا ...


ابتسمت تبارك وهي تركض بصعوبة بين تلك الأغصان والاعشاب، لا تدري أي جنون جعل حالها ينتهي بها لمثل تلك المغامرة، هي حتى لا تصدق بوجود تلك المملكة التي يتحدث، لكنها تسايره، فقط تفعل بمبدأ ( وماذا حملت لكِ حياتك المملة تبارك لتتمسكي بها بهذا الشكل ؟؟ ما الضير في خوض مغامرة قد تنتهي بموتك ؟؟)


" صحيح يا قائد هو أنا أول ما اوصل المملكة هبقى ملكة على طول ؟؟ يعني هتعملوا مراسم وابقى الملكة بتاعتكم "


أزاح سالار الاغصان يتحدث بكلمات قليلة :


" ربما "


" يعني هلبس تاج ولبس حرير ودهب "


" نعم " 


صمتت ثم قالت بخجل من نطق تلك الكلمات :


" وهتجوز ملك ؟؟"


" صحيح "


ابتسمت تبارك لتلك الأفكار الغبية، هي تتزوج ملك وتصبح ملكة وتعيش حياة مليئة بالرفاهية بعدما تجرعت الفقر كاسات دون أي رحمة ؟؟ الأمر جنوني بقدر جنون تلك المغامرة، ستتظاهر أنها تصدق كل ذلك وتفرح. 


" وأنت على كده شغال ايه؟ مساعد الملك ؟!"


لم يجب سالار عليها وهو يدفع بقدمه أحد الأغصان بقوة كاسرًا إياها، ثم انتزعه من الشجرة يتجاهل صوت ثرثرة تبارك خلفه والتي ركضت تحاول اللحاق به وهو ما يزال يحمل ذلك الغصن بين يديه :


" يعني حاجة كده زي البودي جارد ؟؟ اصلك ماشاء الله عندك جتة، أنت بتروح جيم ؟؟ "


وفجأة وأثناء حديثها لم تنتبه تبارك لبعض الفروع الملتحمة أسفل قدمها لتتعرقل بقوة وتسقط ارضًا، ثم شعرت فجأة بجسدها يُسحب للأعلى بسرعة مهولة تصرخ بجنون ورعب :


" يا قـــــائـــد ..."


استدار سالار بسرعة يبحث عنها لكنه لم يبصر سوى فراغ فقط، وفجأة شعر بشيء يسقط فوق رأسه، ولم يكن ذلك الشيء إلا حقيبة تبارك التي كانت معلقة كالخروف وقت سلخه في أحد الافخاخ التي يصنعها بعض الصيادين البرية، أو المختلين..


ابتسمت تبارك وهي ما تزال معلقة من قدمها رأسًا على عقب :


" شوية مساعدة ...ارجوك "


" أوه نسيت أخبارك أن هذه الغابة تحتوي افخاخ، هذا خطأي "


" لا ولا يهمك أنا عرفت اهو بنفسي، نزلني الله يكرمك " 


مسح سالار وجهه بغيظ شديد وهو يتمتم ببعض الكلمات الغير واضحة، يتبع الفخ يعيونه حتى وصل لمربطه، وبقوة شديدة انتزع الحبل من حول الشجرة لينفك وينفك معه الفخ وتسقط تبارك بقوة ارضًا وتعلو صرخاتها للمرة الثانية وقد بدأت تأوهاتها تزداد، تشعر بعظامها وقد تحطمت بالكامل، مال سالار قليلًا يستند على ركبته متحدثًا بملامح جامدة وبصوت أجش:


" أنتِ بخير ؟؟"


كان وجه تبارك ما يزال مدفونًا في الأرض أسفلها، لكن رغم ذلك رفعت ابهامها تقول بصوت مكتوم وهي تبصق الوحل من فمها :


" زي الفل ..."


تنهد سالار بصوت مرتفع يمد لها الفرع كي تمسكه،  ليرفعها عن بركة الوحل، ثم ساعدها لتقف متجاهلًا الوحل الذي يمنع عنها الرؤية بسبب اغماضها لعيونها، إذ رفعت يديها تحاول تحسس الطريق أمامها وهو يقول ناظرًا حوله :


" بما أن لا شيء حدث، لنكمل الطريق قبل حلول الظلام "


وبعد هذه الكلمات ساد صمت طويل جعل تبارك تتعجب، فهي تنتظر هنا أن يمد لها زجاجة مياه أو قطعة قماشية تمسح وجهها، مدت يدها أمامها تقول :


" يا قائد ...يا قائد، مين هنا ؟؟ حد هنا ؟؟ أنا... أنا مش شايفة "


انحنت ارضًا تتحسس المكان بحثًا عن الحقيبة الخاصة بها، وبمجرد أن لمستها شعرت بمن يجذبها بقوة منها وصوت سالار يردد بحسرة :


" الآن فقط اتمنى أن أصل لمملكتي قبل الشيخوخة، حلمي أن أخوض حربًا أخيرة قبل التقاعد "


كانت تبارك تضم الحقيبة لصدرها وهي تسير خلفه مغمضة العين، تعتمد على جذبه لها من الحقيبة وكأنها فأر صغير، لكنها حقًا لا تستاء، فهي ومنذ ابتعدت عنهم في بداية الغابة وكادت تصبح طعامًا للحيوانات، أخذت قرار أن تخوض تلك المغامرة وتستمتع بها، وها هي تفعل.


 هل هناك اجمل من السقوط في الوحل والسير مجروره مع ثلاثة رجال لا تعلم عنهم شيئًا في غابة مخيفة ؟!


يالها من متعة !


____________________


انتهى من تفقد الجيش يعود لجناحه للحصول على بعض الراحة، جذب لثام وجهه يخفي خلفه نصف ملامحه، ليس لشيء سوى للحصول على بعض الدفء بعدما كادت أنفه تتجمد من برودة الجو في مثل تلك اللحظات .


كانت ثيابه سوداء اللون كلثامه وخلفه يرفف معطف من الجلد الذي يُصنع خصيصًا لأبناء الطبقة النبيلة والتي لا ينتمي لها ولو بمقدار شعرة، فهو ابن لمزارع بسيط، لكن بفضل الله ومساعدة سالار أصبح ما هو عليه اليوم، القائد دانيار والرامي الأول في جيش مملكة سفيد، مكانة لم يحلم يومًا أن يحتلها .


ابتسم وهو يبعد خصلاته السوداء عن عيونه، لكن فجأة تجمدت عيونه حينما أبصر من بعيد جسد يركض في الظلام، جسد يبدو كالاشباح يتحرك بخفة مثيرة للاعجاب، لكن الوضع لن يكن مناسبًا ليبدي إعجابه بشخص ربما يكون متسلل. 


تحرك دانيار بسرعة كبيرة خلف ذلك الجسد، لكن بخفة تمنحه فرصة التلصص دون أن يشعر به أحد، وجد الجسد يسير  صوب الجزء الخلفي من القصر، حيث مساكن الجنود ..


اشتعلت عيونه وركض خلفه وهو يخرج سهم من حاملة السهام بسرعة ويتجهز لأي قتال محتمل ...


وخلف القصر، وعلى مقربة من مساكن الجنود، كانت زمرد تقف في ظلام الليل ترفع سيفها الذي هربته بكل ذكاء معها للقصر، تحركه في الهواء بقوة مرعبة، تقفز وتقاتل اشباحًا، وهذه كانت عادتها اليومية كي لا تضعف أو تنسى ما تعلمته سابقًا..


كل يوم مساءً وفي نفس المكان تأتي لتتمرن وتقوي نفسها تحسبًا لأي شيء، لكن فجأة ارتعدت أوصالها لسماع صوت خطوات يقترب من مكان تدربها المعتاد، ركضت بسرعة واختبئت خلف إحدى الأشجار لتجد اجساد متشحة بالسواد تقترب من المكان حيث كانت تتدرب وصوت أحدهم يقول بنبرة ولهجة تعلمها تمام العلم :


" أنتهي من إحراق ذلك المبنى بمن فيه وتخلص من الجنود وحينها تسهل مهمة الاقتحام "


اتسعت أعين زمرد بقوة وهي تهمس بخفوت :


" آهٍ من هؤلاء الخنازير، ألن يتوقفو عما يفعلون ؟؟" 


تحركت بخفة من خلف الأشجار وهي تتلتحف بالليل وتندمج بسوداه مبتسمة بسمة واسعة وقد وجدت خصمًا حقيقيًا لها اليوم...


رفعت السيف وهي تسير ببطء تقترب من أحد الرجال الذي كان يراقب الطريق للآخرين حتى ينتهون من إحراق مساكن الجنود، ودون أن يشعر بأحد كانت زمرد تكتم فمه بقوة وهي تضع السيف على رقبته هامسة :


" مرحبًا بالخنزير الصغير، مالكم تركتم الوحل واصبحتم تلعبون بمصائر البشر ؟؟" 


اتسعت عين الرجل بقوة وشعر بتصلب جسده من ذلك الصوت، أضحى قلبه ينبض بجنون وهو يهمهم أسفل يد زمرد يحاول التحدث، لكنها لم تمنحه ما يريد إذ سحبت السيف بقوة تقطع له رقبته تاركة إياه يسقط ارضًا وهي راقبته ببسمة تقول بكل شر :


" سلامي لابا بافل، وأخبره أنني قريبًا سأرسل له ابنه الحبيب "


ختمت حديثها تخطو أعلى جثته تتحرك صوب مبنى الجنود، لكن في طريقها أبصرت جسدًا يقترب من المبنى كبيرة يشهر سهمًا أمامه وهو يشير لها بشر :


" سيفك ارضًا، ويدك لفوق ..."


ابتلعت زمرد ريقها برعب من تهديد ذلك الجندي لها، والذي تعلمه جيدًا وتجهل اسمه، لا تدري إلا أنه أحد رماة الجيش وفقط ..


ابتسمت بتوتر تقول :


" هييه ما بك، أنا لا انتوي لكم شرًا اقسم، جئت في سلام "


نظر لها دانيار بشر يقترب منها، لكن فجأة أبصر سيفها المضجر في الدماء والجثة الملقية ارضًا، عاد بنظره لها لتكمل ببسمة صغيرة :


" حسنًا هذا ..امممم....لنتفق أنه كان يعوق رحلة السلام الخاصة بي "


في تلك اللحظة ارتفعت أصوات داخل سكن الجنود لتتحفز جميع حواس دانيار، وتنظر زمرد له وتضيف :


" أوه ونعم هناك رفاق له، دخلوا لهذا المبنى بغية إحراقه بمن فيه من الجنود، اعتقد أنهم لا يحبونكم "


ابتسم دانيار بسمة انعكست في عيونه وهو يقول بصوت خافت وقد تعرف عليها بالطبع من صوتها وعيونها، تلك الكارثة التي لا تنفك تسقط في طريقه بطرق غريبة :


" إذن تحملين السيوف كالرجال، وتتسللين كاللصوص، هل تستطيعين التصرف كالنساء لمرة واحدة ؟؟"


نظرت له بعدم فهم ليبتسم بسمة سرعان ما تلاشت وهو يسحب منها سيفها بقوة آمرًا إياها دون أي تردد وبأعين مرعبة وصراخ :


" اسمعيني صراخكِ يا امرأة."


وهكذا فعلت زمرد التي ركضت بسرعة مهولة صوب القصر وهي تصرخ كأي امرأة طبيعية وبصوت زلزل الجدران وايقظ النائمين _ تمامًا كما أمر دانيار _ تتحرك بين الممرات تصرخ بجنون تتظاهر بالرعب والهلع :


" النجـــدة ...هنــاك متمردين داخل القصر...هناك هجوم على القصر جهة الغرب...استيقظوا ...هناك من يحاول إحراق القصر جهة مساكن الجنود  "


وقبل أن تكمل زمرد صراخ أطلقت شهقة عالية وهي تلتصق في الجدار خلفها تتفادى ذلك الهجوم المرعب من الرجال الذين اندفعوا بجنون صوب الخارج، يتقدمهم الملك الذي حمل سيفه وركض بثياب نومه، وكأنه كان ينتظر اشارتها يصرخ في الجنود :


" الجميع صوب الجهة الغربية وليبق عشرة رجال هنا لحماية النساء، احملوا اسلحتكم جميعًا، لا تتركوا منهم سوى من يستسلم "


وقف في النافذة يصرخ بصوت جهوري وهو يلمح الجنود الساهرين يركضون صوب الجهة الغربية، ويرى الرماة قد وقفوا بحالة استنفار، ثم تحرك هو بسرعة كبيرة يحرك السيف بين أصابعه ..


في تلك اللحظة رأت زمرد اندفاع جسد تميم للخارج بشكل مرعب وهو يركض كالقذيفة يتحرك صوب الجهة الغربية وبين يديه يحمل سيف وسلسلة حديدية لا تدري سبب حمله لها، لكن هي فعلت ما أُمرت والآن ستتحرك لتراقب ما يحدث وتستمتع برؤية هؤلاء الخنازير يُبادون على بكرة أبيهم ...


كان دانيار قد هجم بالفعل على مساكن الجنود ليجد أنهم سبقوه واستيقظوا من نومهم وانتفضوا لتشتعل الحرب بينهم وبين هؤلاء المتمردين _ إن كانوا كذلك من الأساس_ ابتسم يراقب الجنود وصحوتهم السريعة يهمس بينه وبين نفسه وهو يرفع سيفه :


" كان القائد ليفتخر بتلاميذه وبشدة "


في تلك اللحظة سمع دانيار صوت أبواق الانذار تنطلق ليبتسم وقد علم أن تلك الخائنة الشرسة قد أبلغتهم رسالته، رفع سيفها الذي انتزعه منها وهو ينطلق به للقتال، لكن بعد لحظات شعر بالملل من المحاربة بهذه الطريقة .


وضع السيف داخل حاملة السهام الخاصة به، وسحب ثلاث سهام دفعة واحدة وضعهم في القوس ثم نظر لهم يبتسم مرددًا بصوت مرعب :


" نعم هذه هي المتعة "


وفي ثواني ترك السهام الثلاثة لتستقر في ثلاث أجساد أمامه، ويطلق هو صفيرًا مبتسمًا :


" نعم ها أنا استطعت واخيرًا اتقان الأمر، المرة القادمة سأجرب أربعة سهام "


سمع صوتًا خلفه يقول بلهاث بسبب ركضه :


" رقم قياسي جديد ها ؟؟"


ابتسم دانيار وهو يحدق بوجع تميم الذي اعتدل في وقفته، ثم حرك السلسلة في الهواء بشكل مرعب وصوت دانيار يهمس له :


" نعم يا عزيزي، أرني كيف ستتخطاه "


نظر له تميم غامزًا :


" راقب وسترى ...."


وقبل أن يتحرك أحدهم وجودا إيفان يندفع بشكل مرعب يجز الرؤوس دون أن يرى أحدهم وهو يصرخ في جنوده، ليبتسم الإثنان وينطلقا للقتال .

______________________


كانت ساحة مملكة مشكى تشبه حانة للرقص والفواحش، الساحة التي لم تشهد تجمعًا كهذا التجمع سوى وقت الصلاة أو الاحتفالات بالاعياد أو غيرها ..


ها هي تستقبل أفواج من السكارى والراقصات اللواتي يتمايلن بأجسادهن في منتصف الساحة في محاولة يائسة لجذب انتباه بافل والحصول على امتيازات مرافقته ..


لكن الأخير كان يجلس على أحد المقاعد يراقب بأعين ضبابية شاردة ما يحدث، لحظات ونظر جواره ليرى أحد الرجال يقترب منه هامسًا :


" ذهب الرجال لمملكة سفيد كما طلبت سيدي، ساعات ونسمع عن قتل جنود إيفان "


ابتسم بافل وهو يشرد بعيونه أمامه، ثم صرف بيده ذلك الرجل، يستند على سيفه :


" وكأن مملكة بحجم سفيد ستنخدع بهؤلاء الحمقى الذين ارسلتهم، هم فقط كانوا مجرد هدية صغيرة للملك الصغير، هدية ليستمتع بها مع جنوده ويعلم أن لي مئات الطرق للوصول له في عقر داره وايضًا ليعلم أن الحرب قد بدأت" 


رفع بافل عيونه صوب الفتاة التي كانت تتمايل بحركات راقصة قوية عكس حركات الأخريات التي كانت تتسم بالدلال ..


ابتسم وهو يشرد بها وقد ذكرته قوتها وملامحها الحادة تلك بملامح أخرى، ملامح أكثر فتاة شرسة رآها في حياته، تحسس نصف وجهه المشوه وهو يهمس ببسنة مخيفة سرعان ما تحولت لنظرات سوداء :


" حتى إن عدتي لرحم والدتك الفاسقة سأجدك وحينها ستتمنين لو أنكِ لم تخرجي منه يومًا، ستتمنين لو أن والدتك فقدتك قبل ولادتك، ستتمنين لو أنكِ قُتلتي مع والدتك ذلك اليوم....ستندمين يا سافلة، ستفعيلن وهذا وعدي "


_____________________


يجلس داخل القاعة الخاص به وحوله العديد من جنوده ومستشاريه وما يزال بثوب نومه الذي كان مؤلف من بنطال وسترة قماشية ذات خامة سميكة تناسب الشتاء .


يجلس أعلى عرشه وعلى يمينه يقف تميم الذي كان جسده ملئ بالدماء، ويساره يقف دانيار الذي كان يحمل سهمًا يقطر دمًا ..


وعلى جانبي القاعة يصطف رجال المملكة ومستشاريه وكذلك العريف ومرجان، وفي منتصف القاعة يجلس من نجى من المتمردين مقنعي رؤوسهم متهدلين الاكتاف وقد أصابهم ما أصابهم من الجروح .


" إذن أردتم حرق جنودي أحياءً؟؟ "


لم يجيبه أحدهم ليبتسم إيفان ويقول بصوت هادئ :


" صدقوني أنا أبحث عن حجج للعفو عنكم "


رفع رجلٌ منهم رأسه وهمس بصوت كاره من بين أنفاسه وقد نجح بافل في زرع الحقد داخل نفوس أتباعه تجاه كافة الممالك :


" ومن قال أننا نأمل عفواً منك يا سليل القذرين ؟؟ "


وبقوله لتلك الكلمات تلقى الرجل ضربة قوية على رأسه من أحد جنود الملك الذين يحيطون بهم، ضربة جعلت رأسه تلتصق ارضًا ويطلق تأوه مرتفعًا جعل رفاقه يرتعدون بخوف وجبن شديد...


همس الرجل الساقط ارضًا :


" غدًا لن نحرق فقط سكن جنودك، بل مملكتك بأكملها قبل أن تصبح لنا ويحكمها سيدي بافل، ستصبح لنا كما أصبحت مشكى، جميع تلك الممالك التي نبذتنا ستصبح تحت أمرتنا وتكون موطنًا لنا "


ابتسم العريف بسمة جانبية وهو يستمع لتلك الكلمات ومرجان جواره يراقب كل ذلك بنظرات كاره ..


ارتفع صوت تميم يقول بقوة :


" ومنذ متى كان لكم موطنًا؟؟ تالله ما عهدنا لكم من وطنٍ، وقائدك الذي جعلك تحفظ تلك الشعارات، سيكون غدًا مكانك، أسفل أقدامنا "


أطلق الرجل ضحكات مجلجلة هزت القاعة من قوتها، وقد جعلت جميع الأجساد تستنفر وتتحفز لأي حركة منه، لكنه فقط اعتدل بنصف جسده يهمس بسخرية كبيرة وتشفي اكبر:


" ومن سيفعل ذلك ؟! الممالك التي تتصارع لأجل مصالحها، ام تلك المملكة التي تصارع الحياة لتحيا ؟؟ أم مملكتكم ستتكفل بالقتال وحدها ؟؟ تصفوننا بالشرذمة والخنازير وأنتم كالاغصان المتناثرة كسركم أسهل من فرقعة إصبع "


اشتعلت أعين إيفان بشكل مخيف، ولم يتحدث أحد بكلمة واحدة، الجميع التزم الصمت بعد تلك الكلمات في انتظار كلمات إيفان الذي نطق بهدوء شديد :


" خذوهم للسجن حتى أصدر حكمًا "


وبالفعل تحرك الجنود يسحبون أجسادهم تحت نظرات الجميع التي تحلق حول إيفان، يدركون أن صمت إيفان على ما قاله ذلك الرجل أكثر خطورة من حديثه الذي كان سيجيب به .


نظر إيفان للجميع يقول بهدوء يسبق العاصفة :


" غدًا يتجمع الجميع، وارسلوا لملوك آبى وسنز لاجتماع طارئ، انتهت الليلة وليعد كلٌ لمسكنه "


وبهذه الكلمات أنهى إيفان تجمعهم لينفضوا من حوله صوب مخادعهم، وكذلك تميم الذي اقترب من دانيار يسير معه صوب الحجرات الخاصة بهم يستمع لكلام دانيار :


" إذن ما الذي سيحدث لاحقًا ؟؟"


شرد تميم أمامه يقول بجدية كبيرة :


" لا أعلم، لكن أيًا ما سيحدث، لن يكون جيدًا .."


__________________


تسير خلفه بصمت وهي تراه يزيح الأغصان والأوراق الخضراء من أمامهم باستخدام عصاه، ابتلعت ريقها تحاول أن تتمالك نفسها وألا تنهي جميع ما أحضرت من طعام كي لا تتضور جوعًا، لكنها لم تتحمل، إذ انزلت حقيبة ظهرها وأخرجت منها كيس بلاستيكي صغير ملئ برقائق البطاطس المقلية، ثم وضعت الكيس داخل فمها تحمل حقيبتها مرة أخرى، وبمجرد أن استقامت اتسعت عيونه بصدمة حينما وجدت الجميع غاب عن نظرها ..


نظرت الكيس من فمها تقول بصدمة :


" سابوني ومشيوا عادي ؟؟ محدش استغيبني ولا بص وراه حتى ؟؟ "


صرخت برعب وهي تضم التسالي الخاصة بها لصدرها تهرول وهي تنادي كالعادة بلقبه إذ كانت تجهل كيفية نطق اسمه :


" يا قائد ...يا قائد، أنتم نسيتوني، كل ده وملكة اومال أو كنت جارية كنت اتعاملت ازاي ؟؟"


توقف سالار وهو ينظر خلفه بصدمة بعدما فقد أثرها ولم يشعر بها، تنهد بصوت مرتفع يفرك خصلات شعره الكثيف وهو يشير لصامد :


  " اذهب وابحث عن تلك الكارثة ..."


وقبل أن يتحرك صامد خطوة واحدة وجدوها تخرج من خلف الأشجار وهي تتناول بعض الاشياء الفاسدة وتبتسم لهم بسمة واسعة :


" متقلقوش يا جماعة أنا بخير، أنا ميتخافش عليا، متقلقوش  "


رمش سالار قبل أن يقول بهدوء :


" لم نفعل "


توقفت تبارك عن تناول رقائق البطاطس وهي تنظر لصمود بعدم فهم  :


" يعني ايه ؟! "


ابتسم لها صمود بسمة صغيرة يشير لها أن تتحرك أمامهم هذه المرة :


" من بعدك مولاتي "


هزت تبارك رأسها تسير بهدوء شديد أمامهم، وهي تتنهد بتعب شديد تخرج زجاجتها تشرب منها في الوقت الذي تسير خلف سالار تتحدث مع صامد وصمود بكل جدية :


" يعني هو مش بودي جارد للملك وبيمشي معاه في كل مكان ؟!"


" لا مولاتي هو قائد الجيوش، ما تتحدثين عنهم هم جنود وحراس الملك وليس القائد، هو لا يحمي شخصًا بعينه بل يحمي وطننا "


هزت تبارك رأسها تنظر بانبهار شديد صوب سالار، ثم قالت ببسمة :


" ربنا يديله الصحة يارب، تلاقيه بيتعب في شغله، على كده مرتباتهم حلوة في الجيش ده ؟؟"


نظر لها صامد بعدم فهم لتبتلع ما بفمها :


" هو يعني شغله ايه ؟! بيشرف عليهم بس ولا بيشتغل بايده ؟!"


ابتسم صمود يميل عليها هامسًا :


" القائد يحارب بنفسه في الحروب، يمكنك القول أنه يصبح مرعبًا داخل ساحة الحرب ."


نظرت تبارك لظهر سالار الذي كان يتجاهل كل ما يفعلونه، ويترفع عن الحديث معهم أو الرد او إجابة اسئلتها الفضولية .


" قال يعني هو مش مرعب برة ساحة الحرب "


وفجأة توقف سالار بشكل جعل صمود يرتطم بظهره وهي تصطدم بظهر صمود مطلقة تأوه مرتفع، لكن لم يهتم بها أحد إذ قال سالار وهو ينظر للمكان حوله :


" وصلنا حافة الغابة الشرقية .."


وبعد هذه الكلمات تحرك صامد وصمود بسرعة صوب شجرة عملاقة بشكل آلي، ثم أخذوا يحفرون الأرض تحت نظرات تبارك الفضولية، وبعد دقائق استخرجوا سيوف وخناجر وسهام جعلت عيونها تتسع، كانت تراقب ما يحدث بانبهار،  وسالار يحمل سيفه وسهامه مبتسمًا أخيرًا وكأنه التقى بحبيبة غائبة منذ سنوات عجاف ..


تنفس براحة وهو يقول :


" وصولنا هذه النقطة يعني أننا كدنا ننتهي من الغابة "


اتسعت بسمة تبارك :


" باقي كام ساعة كده ونخرج ؟!" 


" عشر ساعات تقريبًا "


شهقت تبارك بصدمة ولم يمنحها أحدهم فرصة لتعرب عن صدمتها إذ تحركوا مجددًا وهي تسير خلفهم وقد بدأ التعب ينال منها، لا تدري حقًا كم من الوقت استغرقت رحلتهم منذ بدأوا في تلك الغابة، ربما ساعات طويلة، كل ما تدركه أنها الآن في حاجة ماسة للنوم والشرب و...المرحاض .


سارت خلفهم تبارك ومازالت نظراتها تدور على سالار بانبهار شديد، ليس لملامحه الغريبة الوسيمة والصهباء والمميزة، فهي سبق واعربت عن انبهارها على تلك الملامح قبل أن تغض البصر مستغفرة، هي فقط ...منبهرة بشكل كبير بهيبته وذلك السيف يقبع بيده والأسهم المعلقة على ظهره، يشبه ...يشبه هؤلاء الفرسان الذين كانت تراهم في افلام الحروب القديمة .


استغفرت ربها من كل ذلك تحاول غض الطرف عن أي انجذاب له، تدرك الآن أنه لهذا السبب حرّم الله الاختلاط، فالنفس الإمارة بالسوء لن تمنعك عن التأمل وأخذ نظرة ستتحول لنظرات وإعجاب، ربنا هي حديثة العهد بالتقرب من الله، إذ انقطعت عن أي شيء سييء منذ سنتين، لكنها ما تزال تحارب لأجل الوصول لنجاتها قرب ربها، وهذا لم يكن بالهين وسط عالم ملئ بالمفاسد .


فجأة استدار سالار للخلف بسرعة كبيرة جعلت تبارك  تبعد عيونها عنه، وهي تحمل زجاجة المياه الخاصة بها ترتشف منها ما يسد عطشها ويخفف وطأة الموقف بأكمله .


وسالار ضيق عيونه، ثم مال برأسه قليلًا يقول :


" ربما تحتاجين للاقتصاد في استخدام المياه، فلن نجد مصدرًا له في هذا المكان "


أغلقت الزجاجة وهي تقول باحراج :


" أنا ...أنا ..عايز تشرب ؟؟"


نظر لها ثواني ثم عاد للسير بهدوء :


" لا اشكرك يمكنني تحمل الجوع والعطش لأيام، لا بأس "


" أيام ؟؟"


هكذا تحدثت تبارك بصدمة وهي تزيد من سرعتها تلحق به وقد ألقى لها سالار كلمة تغذي بها فضولها، هي بالفعل علمت من قبل أن هناك من يستطيعون العيش لأيام بدون طعام، لكن ماء هذا صعب. 


" أيام ازاي ؟؟ مش بتشرب لأيام ؟؟"


ابتسم سالار بسمة جانبية صغيرة تكاد ترى، ثم أجاب بنبرة غامضة مقتضبة وهو ينظر لها :


" لا تدرين اين قد تقرع طبول الحرب"


" يعني ايه ؟؟"


" يعني أنه ربما تدعوكِ الحرب لخوضها داخل صحراء قاحلة وتستمر لأيام، ربما تخوضين حربًا في منتصف المحيط، وربما في فوهة بركان، لا يهم أين ستكون الحرب المهم أن تنتصري بها "


كانت تبارك تزداد فضولًا وانبهارًا بسالار وحكاياته :


" وأنت بتنتصر في حروبك ؟!"


توقف سالار ونظر لها ببسمة صغيرة يقول بثقة كبيرة وفخر أكبر بذاته وما حققه وهو بالكاد بلغ الثالثة والثلاثين من عمره  :


" لم أخسر حربًا في سنوات عمري الثالثة والثلاثين"


" ولا واحدة ؟؟"


" ولا واحدة"


نظرت لعيونه بقوة ثم همست دون وعي تفكر في عقلية ذلك الرجل الذي يستطيع خوض حروبًا ضارية في ظروف قاتلة دون خسارة واحدة حتى :


" ولو حصل وخسرت في يوم حرب، هيحصل ايه ؟؟ يعني ممكن تعيدوا الحرب تاني ولا كده خلاص ؟؟"


حدق بها سالار ثواني قبل أن يطلق ضحكات صاخبة جعلت أعين تبارك تتسع فهذه هي المرة الأولى التي تراه يضحك بهذه الطريقة، هو فقط كان يمن عليها ببسمات محسوبة جامدة أو ساخرة ..


" حسنًا، لا يوجد شيء يُسمى إعادة حرب، هي ليست باللعبة، لكن إن حدث وخسرت حربًا ..."


نظر لعيونها بجدية وقال :


" سأقف بكل شجاعة أمام عدوي وانظر لعيونه و أحييه على مهاراته العالية التي حطمت عزيمتي، سأمنحه سيفي والذي هو شرفي وكبريائي وأخبره أنه كان الأول الذي هزمني، ثم انهض واحارب مرة أخرى، أنا رجل واواجه خسارتي بكل جسارة ولا يضيرني هزيمة مفردة، فبعده نصر بأمر الله سبحانه وتعالى "


وحين انتهاءه من جملته تلك نزع عيونه عن تبارك التي خرج من فمها أكثر سؤال مريب غريب قد يفكر به شخص بعد كلماته الحماسية تلك :


" هو أنت مسلم ؟؟؟"


انقبضت ملامح سالار يردد بعدم فهم :


" ماذا ؟؟"


" أنت... أنت مسلم ؟؟ أنا... أنا معرفش أنت ايه؟؟ أنا مش قصدي حاجة والله، أنا بس ...يعني طريقة كلامك و..."


صمتت لا تعلم كيف خرجت بذلك السؤال له، كان غبيًا، منذ متى كانت تتدخل في تلك الأمور ويقودها فضولها لتلك النقطة مع شخص تكاد لا تعلم عنه الكثير .


" نحن جميعًا مسلمين، تجمعنا راية الله أكبر ودستورنا القرآن..."


نظرت له ببسمة واسعة، ليكمل هو طريقه بهدوء :


" هيا، تحدثنا كثيرًا، لنكمل الطريق كي لا نتأخر على الوصول ..."


ابتسمت تبارك وسارت خلفه بسرعة تضم حقيبتها لها، تقول بصوت مرتفع :


" على فكرة أنت شبه الناس اللي في فيلم وااسلماه .."


وسالار كعادته لم يعلق أو يهتم بما تقوله هي، بل سار بهدوء شديد وهي لحقت به دون كلمة واحدة وبهدوء تحاول ألا تضل عنهم أو تتسبب في مشاكل، وهكذا كانت هي في العادة، تبارك الفتاة الهادئة الرقيقة والذكية، كانت طوال الوقت تتجنب المشاكل، إلا أن استدعت الحاجة لتدخل غضبها، لكنها وبشهادة الجميع هادئة لطيفة ورقيقة وذكية وتستطيع استخدام الإبر الطبية وقياس الضغط والسكر وسحب عينات الدم، والمشاركة في بعض العمليات الجراحية البسيطة.....


أوليست تلك الصفات كافية لتصبح ملكة؟؟

أو هذا ما تتمناه هي ....


__________________


يعتلي صهوة فرسه وهو يركض به بين جدران قلعته وعيونه بحر سواد لا بداية له، ولا نهاية متوقعة منه، قلبه مراجل تغلي، ما حدث مساء الأمس تحت سماء مملكته ليس اقتحام مقصود بقدر ما هو تهديد واضح .


على سالار أن يعود في أسرع وقت، فهو أكثر من يفهمه ويستطيع استشارته وأخذ منه نصيحة، فسالار فيما يخص الحروب،  تفوق حكمته الجميع حوله، وتفكيره يتخطى تفكير الكل باشواط، رجل يتخذ " خالد بن الوليد" قدوة له ويقرأ في كتب الحروب القديمة، لا بد وأن يمتلك عقلية حربية جبارة، حمدًا لله أن سالار بصفه وليس عدوًا له .


وإيفان اعتاد ألا يتخذ خطوة في أمور مملكته إلا بعدما يستشير أهل الخبرة بتلك الأمور " وشاورهم في الأمر "، مملكته لم تقم عليه وعلى عقله فقط، بل قامت على الشورى والحكمة وسواعد رجالها 


توقف خيل إيفان جوار أحد الأشجار على أطراف القلعة، قرب المزرعة تحديدًا، حيث يتنعم هناك بالمزروعات والطبيعية الجميلة.


 هبط وهو ينزع سيفه يلقيه ارضًا يتحرر من كل ما يقيده، يتحرر من السلطة ومن كل شيء، يود أن يعيش تلك اللحظات كإيفان الشاب المحب للحياة بعيدًا عن كونه الملك .


جلس أسفل الشجرة يستظل بها من حرارة شمس الظهيرة، يتنهد بصوت مرتفع وهو يمسح رأسه حتى فسدت خصلات شعره السوداء :


" يالله رحمتك بعبادك "


كان يحمل فوق أكتافه هموم شعب بأكمله وخوف من القادم، قوة المنبوذين تزداد شراسة ولا أحد يعلم ما يضمرونه أو ما يخفونه خلف قلوبهم السوداء .


فجأة رفع إيفان رأسه بانتباه شديد وهو يسمع صوت الحان يعلمها جيدًا فهي نفسها الحان الدف الذي يستخدمه عادة ( العم سفيان ) حارس الحظائر، فذلك العجوز يهوى العزف وطرق الطبول، لكن العجيب هو أن الصوت لم يكن صوت الدف فقط، بل كان هناك ترنيمات واناشيد فلكورية قديمة، ترنيمات واناشيد لم يسمعها قبلًا، كلمات غريبة وبصوت رقيق ..


نهض من مكانه ينتزع درعه يلقيه ارضًا وفي خاطره أنها ربما تكون نفسها الفتاة التي سمعها تنشد اغاني الحرب في إحدى الليالي، لكن ذلك الصوت الذي يغني في تلك اللحظة كان رقيقًا هادئًا، بينما الآخر كان قويًا كالرعد وكأنه صوت مقاتل في حرب..


توقفت أقدام إيفان على مقربة من حظيرة القلعة ليبصر بعيونه فتاة غريبة لا يعلم لها هوية، والغريب أنها كانت في تلك اللحظة تردد ترانيم وتدور وتحرك يديها بكل دلال .


ابتسم بسخرية يهمس من بين أنفاسه وعيونه لا تغادر تلك الفراشة الملونة بين حدائق قصره :


" مابال نساء القصر هذه الأيام ؟؟ أصبحن يتراقصن كلما حانت لهن فرصة لذلك "


نظر للفتاة يقترب خطوات أكثر وهو يراها تدور في مكانها بسرعة كبيرة، ثم تنخفض وهي تحرك يدها وكتفها بشكل ذكره برقصة سيدة في زفاف قديم رآه بالصدفة .


ابتسم دون وعي وهو يضحك على حركاتها ولا يدري ما حدث، لكنه ولثواني نسي كل ما يجري داخل المملكة، ونسي اجتماع الممالك الذي سيتم بعد ساعات قليلة .


وعند كهرمان منذ دقائق  ..


كانت تنظف الحظيرة كما أمرها الملك معاقبًا إياها، وقد شعرت بالقهر يكتنفها، بعدما كانت تتنعم في حياتها، وتعيش الرفاهية الوانًا أصبحت الآن خادمة لبعض المواشي .


هبطت دموعها بقهر شديد وهي تهمس أثناء تنظيف الأرضية:


" حسبي الله فيمن كان سبب ما يحدث لي، عسى أن يريني الله فيهم انتقامًا شديدًا، لعنة الله عليهم هؤلاء القذرين "


انتهت من تنظيف المكان تستقيم وهي تجفف دموعها، ثم ابتسمت بسمة صغيرة تشجع بها نفسها :


" لكن رغم كل شيء أنتِ فتاة شجاعة وقوية كهرمان، احسنتِ، ها هي حياتك تسير بشكل جيد كلما ابتسمتِ لها، لا شيء يقهرك " 


أخذت تصفق لنفسها بسعادة كبيرة، سرعان ما تلاشت حينما وجدت إحدى الأبقار تتغوط ارضًا بعدما نظفت هي المكان منذ ثواني، شحب وجهها واتسعت نظراتها لتلقي ادوات التنظيف ارضًا تصرخ بجنون :


" ما بالك أيتها الغبية ؟؟ للتو نظفت المكان ؟! ألم يحلو لكِ التغوط إلا حينما نظفت اسفلك؟؟ " 


وبانتهاء كلماتها وجدت المزيد والمزيد من المواشي تلوث المكان مرة أخرى، وهي تراقب ما يحدث لتلقي ادوات التنظيف صارخة :


" لن انظف المكان مرة أخرى، هيا افعلوا ما تريدون، أقسم لن انظف شبرًا واحدًا بهذه الحظيرة القذرة ولو تحول المكان بأكمله لكتلة كبيرة من العفن، سمعتم ؟؟"


أصدرت بقرة صوتًا وكأنها تعترض على حديث كهرمان التي رفعت كتفيها :


" هذا ما لدي يا آنسة، ولا اريد اعتراضًا عليه "


أمسكت طرف فستانها كأميرة نبيلة، ثم انحنت قليلًا تقول ببسمة صغيرة ونظرات رقيقة كما لو كانت ترحب بأمير :


" والآن آنساتي، اعذروني عليّ الرحيل لازيل عني رائحتكن القذرة، وداعًا "


اعتدلت في وقفتها واستدارت لترحل، لكن فجأة شعرت بشيء زلق أسفل قدمها، شيء تسبب في سقوطها بقوة على وجهها لتتلوث كامل ثيابها بالوحل ويعلو صوت الأبقار في المكان، وهي نهضت بسرعة تنظر صوب الابقار بشر :


" كفاكن شماتة يا نساء، أنا لا اهتم لدي العديد من الثياب النظيفة، بينما أنتن مضطرين للعيش بهذا الجلد العفن "


ارتفعت أصوات الأبقار لتصرخ كهرمان في المقابل وهي تمسك ثيابها :


" نعم عفن، ولا عزاء لكُنّ...حمقاوات "


نفخت بعدم اكتراث وهي تخرج وتغلق الحظير خلفها، ثم نفضت كفيها سويًا مبتسمة رغم كل ما حدث في الداخل وهي تتنفس بصوت مرتفع :


" ما اجمل الهواء دون رائحة الابقار !"


نظرت لثيابها تتحرك صوب جدول مياه تنظفه وهي تتمتم بحنق شديد وغضب :


" لا بأس كهرمان، غدًا تبتسم لكِ الحياة عزيزتي، ابتسمي لها الآن لترد لكِ بسمتك بالمثل "


وفجأة توقفت كهرمان عما تفعل حينما سمعت عزف على الدف عزف تعلمه جيدًا، عزف كذلك الذي كانت تجيده والدتها، ابتسمت دون وعي وهي تنهض وتركض صوب صوت العزف، وحينما وصلت له توقفت ترى من بعيد رجل عجوز يجلس أمام بحيرة صغيرة يحمل بين يديه دف ويطرق عليه بقوة .


ابتسمت دون شعور ثم رفعت يديها في الهواء تحركهما بتناغم مع الموسيقى، وأغلقت عيونها دون شعور وصوت ترنيمات والدتها يصلها بوضوح فتحت فمها تغني كما كانت تفعل والدتها وتحرك جسدها بحركات في غاية الرقة والدلال، فقط رغبة منها لعيش لحظات من الماضي، تنسلخ عن واقع أليم بماضي مشرق .


تحرك يديها وكتفها وخصرها وتميل تارة وتدور تارة، كل ذلك وهي ترى نفسها في قاعة الموسيقى الخاصة بوالدتها وهي تقف أمامها وتتمايل بدلال وتشاركها الغناء ...


ابتسمت كهرمان بسمة واسعة من بين دموعها وهي تغني نفس الكلمات بصوت تهدج شيئًا فشيء وقد ارتفعت وتيرة الغناء وأخذت تدور بقوة في المكان وهي ترى أمامها والدتها تصفق لها وتزيد من حماسة كلماتها والتي كانت تتردد في الواقع على لسان كهرمان، سقطت دموع كهرمان أكثر ترفع طرفي فستانها تدور في المكان وصوت والدتها يهمس لها :


" عزيزتي المدللة لكم أنتِ راقصة بارعة، ترقصين كالفراشات أعلى الزهور في فصل الربيع، محظوظٌ ذلك الرجل الذي سيحظى بفراشة رقيقة مثلك .."


" أمي أنا لستُ بهذه الرقة، أنا شرسة أيضًا لذلك احذروا مني جميعًا "


أطلقت والدتها ضحكات صاخبة تضم كهرمان لصدرها :


" نعم نعم أنتِ في غاية الشراسة، هذا ما نقوله نحن أمام شقيقك الاحمق الذي لا يستطيع الاقتناع بأنكِ فتاة ولستِ صبي ليعلمك القتال "


" لكن القتال ليس بالشيء السييء امي، لربما يومًا ما احتاجه "


" اتمنى ألا يأتي ذلك اليوم اميرتي الصغيرة "


سقطت دموع كهرمان وهي تقول بحسرة ووجع تتوقف عن الرقص :


" جاء ذلك اليوم أمي، جاء ورحل آخذًا إياكم جميعًا ..."


تعجب إيفان الذي كان يراقب من بعيد ازدياد حدة الغناء والحركات وبكاء تلك الفتاة، رفع حاجبه لا يفهم ما يحدث، في اللحظة التي رفعت كهرمان عيونها تجففها، لكن فجأة صُدمت حينما رأت أمامها شابًا يراقبها من بعيد. .


انتفضت للخلف صارخة تتحسس غطاء الوجه الخاص بها تتأكد أنه موضوع، وهي ما تزال تعود للخلف .


وايفان اتسعت عيونه يراها تقترب من إحدى البحيرات الصناعية التي حفروها لأجل الحيوانات، رفع يده يقول بصوت مرتفع :


" انتبهي ...خلفك .."


لكن كهرمان لم تسمع ولم تنتبه لشيء وهي تسقط بكامل جسدها داخل تلك البحيرة بقوة تسببت في تناثر المياه حولها .


وايفان اتسعت عيونه بصدمة كبيرة، لكن فجأة انفجر في ضحكات مرتفعة وهو يراها تعافر لتخرج وكلما تمسكت بالحافة انزلقت وسقطت ..


زادت ضحكاته أكثر وهو يسمع سباتها له وصرخاتها به :


" أنت أيها المنحرف عديم المروءة، بدلًا من مد يد المساعدة تضحك ؟؟ "


أطلقت صوتًا حانقًا غاضبًا، بينما إيفان لم يتوقف عن الضحك مدركًا أنها لم تعلم بعد هويته، ربما لثيابه العادية أو ملامحه غير الواضحة بسبب المسافة بينهما ..


ورغم ذلك رفع يديه في الهواء وهو يقول بصوت مرتفع وسخرية لاذعة نفس كلمات الأغنية التي كانت ترددها :


" كالنيران المشتعلة أنا ها ؟؟"


ضربت كهرمان المياه بقوة صارخة خجلة من سماعه لها  :


" أيها الحقير، اقسم أنني شأشكوك للملك فقط انتظر "


ابتسم إيفان يعيد خصلات شعره للخلف متجاهلًا إياها بكل برود :


" نعم نعم، افعلي، اذهبي للملك واخبريه أن هناك منحرفًا كان يراقبك تغنين ومن ثم تكبر عن مساعدتك، وفي المقابل أنا سأخبره أنكِ اذيتي اذني بالإستماع لصوتك، واضررتي عيني برؤيتك ترقصين بهذا الشكل الغريب، ولنرى لمن سيستمع الملك "


صرخت كهرمان بغيظ وغضب:


" سأفعل وسترى، أقسم أن اشكوك واتأكد أن تنال عقابك من الملك فهذا المتجبر لا يترك أحدًا يفلت من عقابه، انظر إلي عاقبني بالعمل في الحظيرة لأجل اسباب تافهة، انتظر لترى ما سيفعل بك "


توقفت أقدام إيفان عن التحرك وهو ينظر أمامه بصدمة يدرك الآن هويتها لتلك الفتاة :


" متجبر ؟؟"


نظر لها ليراها تحاول الخروج بصعوبة :


" أنا متجبر ؟؟ تهاونت معها وتخبرني أنني متجبر ؟؟ بالله إن النساء لا يعجبهن شيئًا ولو احضرت لهن قطعة من السماء سيتذمرن أنك وصلت للسماء ولم تحضرها بأكملها "


نفخ باستهزاء يرتدي درعه ويحمل أسلحته، ثم وضع لثام وجهه يتحرك بفرسه بعيدًا عنها وهي تنظر لاثره بصدمة  مرددة :


" يا الله لقد رحل ...رحل دون أن يساعدني ؟؟" 


___________________


ساعة متبقية على بدء اجتماع الملك مع باقي ملوك الممالك المجاورة، الأمر الذي يستدعي منه طاقة كبيرة ليركز على كل ما سيصدر من الجميع، الأوضاع في الممالك أصبحت على شفا جرف من الانهيار، ممالك دامت لقرون ستُمحى بسبب بعض المنبوذين، منبوذين تهاونوا معهم واستهانوا بهم حتى اضحوا كالصخرة التي تعوق مجرى المياه. 


دخل تميم مكتبة القصر حيث العريف على أمل أن يجد دانيار هناك، سار بين أرفف الكتب يتتبع الصوت الذي يأتي من داخل المكتبة والذي كان للعريف المتأفف دائمًا .


" يا فتاة أخبرتك أنني لا أحب أن يعبث أحدهم بأشيائي "


ومن ثم صمت عم المكان جعل تميم يسرع من خطواته صوب العريف ليعلم أي فتاة تلك التي أثارت غضبه، لكن بالتفكير في الأمر فأي إنسان يقترب من العريف يثير غضبه ..


صوت اصطدام العديد من الكتب بالارضية الخشبية كان واضحًا في المكان، إذ توقفت أقدام تميم عن التقدم وهو يسمع صوت شهقات العريف العالية يصرخ بجنون :


" أيتها الفتاة الغبية، ما الذي فعلتيه بمكتبتي ؟؟"


مالت الفتاة ارضًا تلتقط الكتب بسرعة :


" ما بك يا عم عريف لقد سقطت مني الكتب سهوًا رجاءً لا تبالغ بردة فعلك "


" أيتها الصغيرة الغبية، أي عم عريف هذا ؟! أخبرتك مئات المرات أن اسمي ليس عريف، هذا لقبي وليس اسم لتسبقيه بعم، ثم أنا لست عمك، ولن اكون عمًا لفتاة بمثل حمقك "


التوى ثغر الفتاة بتشنج تضع الكتب في الارفف مكانها :


" وأنا أخبرتك أنني لا أستطيع التقليل من احترامك ومناداتك بالعريف دون لقب، لقد ربتني والدتي على احترام كبار السن "


انتفض جسد العريق بقوة يصرخ :


" أنتِ يا فتاة من هؤلاء كبار السن ؟! هل ترينني عجوز امامك ؟؟"


نظرت له الفتاة بتعجب من صراخه :


" ما بك ..الجميع يراك هكذا والجميع ينادونك بالعجوز، لِم غضبت مني بهذا الشكل ؟! "


تنهد العريف وهو يعلم أنه لن يصل مع تلك الفتاة _ التي تقفز له في المكتبة كل نهاية اسبوع _ لشيء، فهي هكذا منذ جاءت للعمل بالقصر وهي تعيش في عالمها العجيب المريب حيث هي وفارسها الذي تقص عليه حكاياته ..


" إذن يا عم ألم أخبرك بآخر اخبار فارسي ؟!"


" لا لم تخبريني، ولا اريد السماع "


" حسنًا هذا لئيم، ذكرني ألا اشاركك حكاياتي مع فارسي الشهم مجددًا، والآن أين أرفف الروايات لأخذ واحدة وارحل من هذا المكان الذي لا يرحب بي "


زفر العريف بصوت مرتفع وبغيظ مشتعل :


" يا الله يا معين على هؤلاء الحمقى، أي روايات تلك ؟؟ مكتبتي لا تحتوي أي روايات رومانسية لتساعدك على نسج حكايات غبية وتضعين بها فارسك الشهم ونفسك، هذه مكتبة علمية تضم كافة المجالات في هذا العالم "


نظرت له الفتاة قليلًا ثم تساءلت بخيبة أمل:


" إذن لا روايات رومانسية ؟؟"


" لا، لا روايات رومانسية وهذا ما أحاول قوله منذ سنوات حينما جئتِ للعمل هنا "


قالت ببساطة شديدة :


" إذن هذا يعني أن مكتبتك غير مكتملة وينقصها الكثير من الأمور كالروايات الرومانسية، ما رأيك أن تكتب البعض"


اجاب العريف وهو يرتشف بعض المياه ليهدأ :


" لا استطيع "


" ياا.. كتبت كل هذه الكتب وتعجز عن كتابة بعض الروايات الرومانسية ؟؟ هل حياتك بائسة لهذا الحد ؟!"


اتسعت أعين العريف وهو يرفع نظراته لها بتشنج، وقد علت نظراته البلاهة الشديد، هل تعتقد تلك الغبية أنه هو من كتب كل تلك الكتب ؟؟ حقًا ؟؟


" يا ابنتي من ذلك الأحمق الذي أخبرك أنني من كتب كل تلك الكتب ؟؟ كم تعتقدين عمري لأكتب كتب يتجاوز عددها المليون كتاب ؟؟"


" لا ادري ربما المائة ؟؟"


وفجأة انفجر العريف في وجهها مما جعلها تركض بسرعة من أمام وجهه تحتمي في أحد الارفف، وكل ذلك تحت نظرات تميم الذي أطلق ضحكات صاخبة رنّ صداها في المكان بأكمله، ليتوقف العريف عما يفعل وهو ينظر له بحنق، بينما الفتاة توقفت تنظر له بصدمة هامسة :


" المختل ؟؟"


لكن تميم كان غارقًا في الضحكات على تلك المعتوهة وحديثها وعقلها الصغير وردودها المريبة على العريف، حسنًا للمرة الأولى يجد مبررًا لتأفف العريف وحنقه من شخص ما .


" ماذا ؟؟ هل يضحكك ما ترى يا سيد ؟؟"


نظر تميم أمامه صوب برلنت يتنحنح بجدية دون معرفته بهويتها ثم قال :


" في الحقيقة نعم، هو يضحكني وبشدة "


ختم حديثه ثم أكمل ضحكه بصوت مرتفع لا يصدق ما تعيش به تلك الفتاة :


" أي فارس هذا يا ابنتي ؟؟ ثم كيف توقعتي أن تجدي تلك الروايات التي تبحثين عنها في مكتبة المملكة ؟؟"


شعرت برلنت بالخجل الشديد وقد احمر وجهها بقوة من خلف غطائها أن يطلع شخص لئيم كذلك الرجل على جزء خاص من داخلك كعشقها للروايات الخاصة بالمشاعر، وحلمها بفارس الاحلام الشهم، لهو أمر في غاية الاحراج ، عضت شفتيها وهي تحاول الحديث :


" هو ... الأمر هو أنني فقط اقرأ تلك الأشياء فقط لتمضية وقت لا أكثر، لكنني في الحقيقة لا اهتم بهم، أنا أنا ... أنا أقرأ كتب أخرى في مجالات عدة، حتى أنني قرأت تقريبًا مئات الكتب من هنا والتي اخذتها من العريف "


تحدث العريف وهو يعيد ترتيب كتبه :


" كاذبة "


نظرت له برلنت بغيظ شديد ثم قالت :


" لست كذلك، أنا جئت واخذت العديد من الكتب بنفسي وسلمني إياها مرجان، صحيح مرجان ؟؟"


رفع مرجان رأسه عن الكتاب الذي يقرأه ولا يدري ما يحدث حوله، لكنه قال على أية حال :


" ها ؟؟ نعم نعم صحيح "


ابتسمت برلنت باتساع ترفع رأسها عاليًا بتكبر :


" لست وحدك الخبير في صناعة الأسلحة يا سيد، فأنا ايضًا أعمل على تطوير سلاح خطير "


اندهش تميم من كلماتها يبتسم بعدم تصديق :


" اوه حقًا ؟؟ وما هذا السلاح يا ترى ؟؟"


" العقل، سلاح العقل يا سيد هو أخطر من جميع اسلحتك الفاشلة وقنابلك ذات الرائحة القذرة، أنا أعمل على تطوير سلاح عقلي عن طريق قراءة ..."


" الروايات الرومانسية ؟؟"


هكذا قاطعها تميم ببسمة واسعة مستفزة ليشتد غضب برلنت وهي ترفع اصبعها في وجهها :


" تلك الروايات التي تسخر منها يا سيد لا قِبل لك ولا لامثالك على فهمها، وفهم ما بها من مشاعر، فأمثالك عديمي المشاعر لا يمكن أن يتفهموا ما بها، امثالك لا وظيفة لهم سوى السخرية من أمثالي المثقفين، امثالك يرتعبون من المرأة القارئة، فنحن كالأفاعي السامة "


ارتسمت ملامح الدهشة والإعجاب على وجه تميم الذي استطاع وبكل مهارة افتعال أكثر ردة فعل مندهشة قد يراها أحدهم وهو يقول :


" يا ويلي من الأفاعي السامة التي ستقهرني بقوة الصداقة وضربات الحب "


شعرت برلنت بغضبها يشتعل أكثر وأكثر، ورغم ذلك اكتفت فقط ببسمة انعكست داخل عيونها :


" هذه ردود الجاهلين امثالك يا سيد، أنت لا علم لك سوى بالأسلحة والبارود، لكنك جاهل بكل ما يخص المشاعر والكلمات العذبة اللبقة، لو أنك فقط قرأت كتاب واحد لاكتسبت اكوامًا من اللباقة، لكنك للاسف الشديد جاهل، والآن اعذرني، فوقتي الثمين لا يسمح لي بالوقوف معك واعطائك محاضرة عن اللباقة واسماعك المزيد من الكلمات التي ستقف أمامها عاجزًا عن الرد "


ختمت حديثها ترمقه بتحدي، ثم ركضت خارج المكتبة قبل أن يصمتها بكلمة لن تستطيع الرد عليها بشيء، وهو ظل واقفًا أمام العريف يبتسم بعدم تصديق لما حدث، تلك الفتاة تصفه بالجاهل الذي لا يعلم شيئًا سوى الأسلحة ؟؟ حسنًا هو كذلك لكنه لا يحب أن يصفه أحد بذلك .


فجأة انتفض على صوت العريف وهو يردد بتهكم :





" تلك الصغيرة لا استطيع التخلص منها، كل نهاية اسبوع تقفز لي وتفسد يومي ..."


فجأة سمع الجميع صوت أحد الجنود يقول بصوت جهوري :


" حضرة العريف، الملك يستدعيكِ لأجل اجتماع الممالك بشكل عاجل "


نهض العريف وقد طارت بومته لتستقر على كتفه وكأنها علمت أنهم على وشك الرحيل، والعريف يشير لمرجان أن يلحق به وهو يقول بغيظ :


" متى يترك هؤلاء القوم العريف ليعيش بسلام بعيدًا عن مشاكلهم الغبية التي لا تعنيني ؟؟ آه يا الله عسى أن تحترق البلاد بمن فيها واتخلص منكم "


اتسعت أعين تميم بصدمة من كلمات العريف وهو يسير خلفه صوب قاعة الاجتماع :


" عجبًا ذلك الرجل يكره الجميع حقًا، لم يكن مبالغة حين قالوا أنه يكره البشر أجمعين "


_____________________


حسنًا هي انسان، انسان طبيعي لديه احتياجات كثيرة، ليست كتلك الآلات التي تتحرك أمامها وقد غضت الطرف عن حاجاتها البيولوجية، ياالله هم لم يشتكوا عطشًا أو جوعًا أو حتى راحة .


يوم مر وهي تسير في تلك الغابة لا تنال من الراحة سوى لمامًا، خمس دقائق ثم يسحبونها خلفهم لإكمال الرحلة وصوت سالار يصدح في الخلفية حانقًا من أخذها اربع ثواني إضافية فوق الخمس دقائق..


" يكفي راحة، لن نقضي كامل النهار بالراحة "


وها هي الآن تسير خلفهم وقد بدأت تشعر أنها تحمل فوق ظهرها عمارة سكنية بسكانها، وليس مجرد حقيبة صغيرة بها اشياء في غاية الصغر، وكل ذلك بسبب إرهاق جسدها .


ابتلعت ريقها تحتاج وبشدة للذهاب للمرحاض، قاومت أن تخبرهم بذلك متجنبة حرج شديد، فهي اوقفتهم مرات عديدة لتفعل وتكاد تنصهر من الخجل، تشعر بأنها تعاني للتأقلم على كل هذا، لكن كل هذا دون إرادتها، نظرت حولها بدقة كأنها كانت تتنتظر بكل غباء أن تجد مرحاض عام داخل الغابة، لربما أحب بعض آكلي اللحوم أو الوحوش المفترسة قضاء حاجتهم .


نظرت لظهر سالار الذي كان ينظر للسماء تارة وللاشجار تارة ولا تعلم إن كان يتأمل الطبيعة أم يحاول معرفة أين هم، لكنها لم تعد قادرة على التحمل .


فتحت فمها بنية الحديث، لكن قاطعها صوت صامد الذي قال بجدية :


" تبقى ساعة تقريبًا ونخرج من الغابة، وبذلك نكون شبه وصلنا للحافة التي يليها المملكة سيدي "


هز سالار رأسه وهو يتحرك خلفه يقول بجدية :


" حسنًا إن اسرعنا سنصل في اقل من ساعة، هيا لا داعي للتراخي الآن، كدنا نصل يا رجال "


مدت تبارك يدها تحاول أن توقفه، يالله هي ستموت إن لم تقضي حاجتها الآن، هي تعاني من تلك المشكلة بسبب ظروفها الصحية، ابتلعت ريقها ونظرت لهم لتفكر بالذهاب خلف أحد الأشجار دون أن تضع نفسها في موقف محرج معهم، ثم تعود وتلحق بهم مجددًا بكل بساطة ...


وهكذا توقفت تبارك واختبئت خلف أحد الأشجار، بينما اكمل سالار طريقه بكل سلاسة، غير مدرك أنه لا يسير مع جنود يمكنهم الاعتماد على أنفسهم إن ضلوا الطريق، أو أنه يتعامل مع رجال أشداء يستطيعون تدبر أنفسهم، بل هو في الحقيقة يتعامل مع فتاة جاهلة لكل ما يحدث معهم .


بعد دقائق قليلة خرجت تبارك للطريق الذي يتحركون به مجددًا وركضت به بسرعة  تبحث عنهم تدرك أنها ستجدهم فهم يسيرون على طريق مستقيم لا يحيدون عنه، لكن الصادم أنها لم تفعل ...


توقفت تنظر حولها بعدم فهم :


" هما ...هما راحوا فين ؟؟ أنا...أنا غبت كتير ؟؟"


ابتلعت ريقها برعب وهي تستدير حولها تكمل السير في نفس الطريق تتذكر كلمات صامد أنهم اوشكوا على الوصول، هل يعقل أنهم ينتظرونها في نهاية الغابة ؟؟


فجأة لا تدري كيف اصبحت الغابة مظلمة ومخيفة وأضحت الاصوات عالية، وكأنها كانت تستأنس بوجود سالار والأخوين معها، حين غيابهم بدأت مخاوفها تطوف على سطح مشاعرها لتصيبها بالرعب ..


بدأ جسد تبارك يرتجف بقوة وقد شعرت بقرب سقوطها ارضًا تكمل سيرًا وهي تنادي بخوف :


" يا قائد ..صامد ...صمود "


نزلت دموعها بخوف تسير في الطريق وقد أضحت الأصوات التي كانت تتجاهلها أكثر حدة، أو ربما استفرد بها الخوف لتشعر بذلك ..


ازداد ارتجاف قلبها وسالت دموعها أكثر وأصبحت رجفاتها اقوى وهي تهتف بصوت أبح من البكاء :


" يا قائد ...ياقائد "


علت شهقاتها أكثر وأكثر وقد أصبحت جميع طرق الغابة متشابهة ولم تعد تميز أي طريق سلكت وأيهم هو الرئيسي  وأيهم الفرعي، أخذت تدور حول نفسها باكية بخوف وهي تهمس :


" ياقائد .."


فجأة شعرت بصوت خطوات خلفها جعل جسدها يتصنم برعب وهي تضم حقيبتها لصدرها وترتجف وقد أصبح تنفسها اقوى واقوى، لحظات حتى سمعت صوت يهمس بغضب وخوف شديد :


" بالله عليكِ أين ذهبتي أنتِ ؟؟؟"


في تلك اللحظة أنهار تماسك تبارك الوهمي وهي تستدير بلهفة وخوف شديد صوب سالار تنفجر في بكاء عنيف جعل سالار  يُصدم، لكن صدمته الأكبر كانت حين لمسته، مجددًا تجاوزت مساحته الشخصية وضمت ذراعه تخفي نفسها خلفه باكية .


اتسعت أعين سالار وشعر بجسده يتصنم كالصخرة و..........


________________________


ربما ظننت أنها مجرد صدف، لكنها يا عزيزي اسباب تقودك صوب نهايتك المحتومة، كل تلك لا يعقل أن تكون مجرد صدف عابرة، بل إشارات تخبرك بمصيرك .....



               الفصل السابع من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-