رواية العوض
الفصل الأول والثاني
بقلم زيزى محمد
قبل أن يبني الإنسان حياته عليه أن يقاتل شعور الحقد والكراهية المنبعث حوله !!.
***
تعالت شهقاتها وهي تخبر صديقتها بمدى حزنها بسبب تعليق سخيف من أحد الأشخاص معدومي الرحمة على أحد وسائل التواصل الاجتماعي ذلك الفظ يتهمها بكل جرأه أنها تستخدم إعاقتها لكسب المال، وماذا يفعل المال في إعاقتها تلك!!، تسألت من بين شهقاتها ..
_ هو ليه الناس بقت معدومين الرحمة كده!!.
قالتها بحزن نابع من قلبها فهي تراهم يهاجمونها ويتهمونها بأشياء غير صحيحه نظرت لها صديقتها بحزن ثم قالت :
_ رهف صل على النبي بقي وسيبك من كلام السئيل ده، أنتي أقوى من كده، تلاقيه بس مضايق منك علشان كل الفولرز اللي عندك بيحبوكي..
ابتسمت بوجهها بسخرية وهي تقول :
_ وياريته كان هو بس يا بسمة، كنت هقول كده، بس ده معظم الكومنتات كده، أنا هقفل الزفت التيك توك ده ومش هفتحه تاني..
قطبت بسمة ما بين حاجبيها باستنكار وتحدثت هاتفه:
_نعم !!! ... يابنتي أنتي مجنونة، أولاً مصدر شغل ليكي حلو، وبتعرضي في حاجات حلوة وكمان محتواكي جميل..
صمتت ولم تتكلم بل أخرجت تنهيدة قوية من صدرها تنم عن مشاعر جمة تتضاخم بداخلها وليس بيدها سوي ان تصمت لذا هتفت بنبرة منفعله :
_بلا محتوى بلا زفت، لو هيجرحوني كده، أنا مش عاوزه ولا شغل ولا حتى حب الناس..
وجدت بسمة أن من الأفضل تغيير مجري الحديث حتي تخرجها من حاله الحزن التي غرقت فيها، فقالت بابتسامة لطيفة :
_ إيه رأيك أنزل تحت أجيب بيبسي وشكولاتة وارجع، الجو هنا حلو اوي والسما جميلة..
هزت رهف رأسها بالموافقة والتزمت الصمت التام بينما صرخ قلبها وجعًا وألمًا لما تعانيه من نظرات الناس بعدما فقدت إحدى عينيها بحادثة وهي بعمر السابع عشر ...حاولت كثيرًا تخطي حديثهم اللاذع وفضولهم حول ما حدث لها بدراستها وعملها ولكن عبث، انهم يعشقون كثرة الحديث والمواضيع الجديدة...
انتشلت من أعماق تفكيرها على صوته الحاد الصادح من خلفها ...
_ليكي حق تعيطي ، ما أنتي اللي جايبه الكلام لنفسك!.
وضعت يدها فوق قلبها الذي ينبض بعنف اثر سماعها صوته الذي اجفلها .. ثوانٍ استعادت انفاسها ثم تحدثت بصوت مرتجف :
_خضتني يا معاذ والله!.
لانت ملامحه قليلًا عندما رأي ملامحها المذعورة فقال بأسف :
_ معلش مقصدتش بس هو أنا سمعتك وأنتي...
بترت حديثه عندما أدركت ما قاله منذ قليل فقالت مستفهمة :
_أنت قولت جايبه الكلام لنفسي، أنت بتقولي أنا الكلام ده!.
تقدم بخطواته ليقف أمامها مبررًا حديثة السابق :
_ أنا مقصدتش، بس أنا ميه مرة أقولك بلاش يا رهف تنزلي حاجة عن عيونك، بلاش يا رهف فيدوهاتك دي، وبلاش أصلًا فيديوهات على التيك توك..
لم يعجبها مجرى حديثه بتاتاً وبالاخص نبرة الهجوم الواضحه بصوته لذا احتدت ملامحها وهتفت قائلة بضيق :
_ وأنت مالك!، أنزل ولا منزلش، وبعدين أنا بعمل حاجة مفيدة، أنا بقدم نصيحة لكل اللي فقدت عين زيي، بقولهم إزاي يركبوا عين صناعية وازاي يشلوها، بحكيلهم عن تجربتي، أنا مبأذيش حد!.
اقترب عده خطوات ، حتى أصبح قريب جدًا منها، ثم دنى بجذعه العلوي نحوها قائلًا بمكر :
_ ولما أنا مليش دعوة، أنتي بتبرري ليه!.
عندما رأت عيونه التي تشع شعاع غريب له سطوه على مشاعرها، دفعته بغيظ بعيدًا عنها قائلة بشيء من العصبية :
_ قولتلك مليون مرة متتخطاش حدودك معايا، ولا تقرب مني بالمنظر ده!
ضحك بداخله، التوى فمه متهكمًا وهو يقول :
_آه أنا مقربش، متكلمش، معملش، لكن كومنتات الولاد ليكي وعن جمالك دي عادي صح..
أنهى حديثه بعصبية مماثلة، لكن الأخرى لم تسمح له وأشارت له بيدها قائلة بتهديد : _بقولك إيه بطل بقي طريقتك دي، صوتك وأنت بتكلمني يبقي واطي ..
اقترب منها خطوه واحده ثم هتف بتحدً مماثل :
_وان مبطلتش هتعملي إيه ؟!!
كادت أن تمطره بسيل من الكلمات اللاذعة ولكن تراجعت في آخر لحظة مقررة أن تلجأ للهروب كحال كل ليله يشتبكان بها فـابتعدت عنه بسرعة، حاول هو اثناء ذلك ان يوقفها وقد نجح عندما سارعت يده ان تمسك بمرفقها وهنا نظرت له بحده ولكن الاخر لم يبالي فقط تكلم بصوتٍ هادئ:
_معندكيش الجرأة أبدًا إنك تكملي كلامك معايا ليه؟!، تقدري تجاوبيني!..
أغلقت عينيها لثوانٍ تحاول فيها استعادة قوتها وردودها العنيفة ولكن ذلك القلب السخيف سيطر عليها كلياً، فقدت السيطرة حتى على حواسها، سطوته عليها بهذا الشكل، جعلتها كورقة خريف ضائعة بين عواصف عشقه، حتى أنفاسه الساخنة فرضت نفسها ولفحت جانب وجهها بعنفوان فبعثرت بقايا القوة والشجاعة بداخلها، قربه منها بهذا الشكل يجعلها هشه ضعيفة تستسلم بسرعة لمشاعره، تجمدت أطرافها عندما شعرت به يهتف بصوت حنون :
_ أنا بحبك يا رهف ومهما تعملي أنا مش هيأس ، وهفضل وراكي لغاية ما توافقي!..
عقلها يحثها على الابتعاد وقلبها يصر برأيه على البقاء، دقات قلبها كانت تقرع كطبول الحرب عندما أخبرها بحبه، خرجت الكلمات منها متقطعة وكأنها طفل صغير يتعلم للتو النطق :
_ لو، سمحت...ابعد!.
ضغط بيده أكثر فوق مرفقها قائلًا بتحدً عاشق :
_ لا يا رهف مش هبعد وهفضل وراكي، اديني سبب واحد علشان تبعدي عني بالشكل ده، أنا بشوف الحب في عينك، ليه تبعدي عني، بلاش تضيعي فرصه زي دي...
بترت حديثه وهي تنظر له بقهر قائلة بصوت مرتجف يغلبه البكاء :
_بلاش أضيع فرصه إنك ممكن تاخد واحدة زيي صح، أنا بقي مش عاوزه الفرصة دي...أبعد عني وسيبني في حالي !.
ابتعد عنها بصدمة قائلًا :
_ أنتي غبية!! صح!، ما هو مينفعش بعد كل اللي قولته تقولي كده..
مسحت عبرتها بقوة قائلة بنبرة عنيفة تعجب هو انها خرجت منها بهذا الشكل فتلك الجميلة كماسه فلورنتين رقيقة جِدًّا، تملك صفاء وجمال بداخلها لا يقدر بأي شيء
__ آه أنا غبيه علشان بديك حجم أكبر من حجمك !!..
أنهت حديثها بأنف مرفوع ثم رفعت طرف "إسدالها" وقررت الهرب منه، أما هو فحاول كظم غيظه قائلًا :
_ يعني مش هاتبطلي اللي أنتي بتعمليه ده!!.
استدارت قائلة بضيق يشوبه تَحَدً :
_ أبطل إيه، إن أبعد عنك!!، فـ لا مش هبطل وأنت آخر واحد ممكن اتجوزه، لو بقي على فيدوهاتي، فـ لا بردو مش هابطل، طلعني من دماغك يا معاذ علشان ترتاح !!!
كور يده بغضب، حاول كبح جماح غضبه حتى لا ينهال عليها بلسانه السليط ولكن في آخر لحظة فقد أعصابه ليرتفع صوته :
_ آه تبقي أنتي فعلًا واخداها تجاره !.
وقبل أن تخرج من باب السطح وصل لها حديثه فالتفتت له ترمقه بصدمة، توهجت مشاعرها الغاضبة منه كشعلة نار ان اقترب منها ستحرقه، اختارت الهرب بعيدًا عنه قبل أن تنفجر به..
هبط الدرج خلفها يحاول ملاحقتها ولكن استوقفته أخته قائلة بعدم فهم :
_ هو في إيه، هي نازله بسرعة ليه كده، أنت عملت حاجة ..؟!
حاول أن يبعدها عنه حتى يستطيع اللحاق بمن اختارت الهرب كوسيلة لتربيته عما تفوه به ولكن الأخرى تشبثت به تمنعه من الحركة : _والله شكلك عكتها يا معاذ زي عادتك، يابني اهمد بقي واهبط الله يهديك!.
ارتفع صوته قائلاً بغيظ :
_ اهبط إيه، ما تحترميني وتكلميني باحترام أنا أخوكي الكبير!.
تركت يده قائلة باستهجان :
_طب يا أخويا يا كبير ياللي كل مرة بتعكها، متعرفش تتحكم في نفسك شوية، احسن من الفضايح اللي على السلم، واحنا سكان جداد، مش عاوزين حد يشتكي مننا!.
ود أن يقتلع رأسها بوجهها اللعين، ونظراتها الألعن حتى تنتهي من مضايقته وتوجيهاتها الغير منصفه برأيه!..
*******
دلفت كالإعصار إلى داخل شقتها ، ومنها إلى غرفتها مباشرةً دون أن تتفوه بأي حديث، وبماذا يفيد حديثها في هذه الحالة، فالبداية غير مبشرة بالمرة، راقبتها والدتها بعينيها الحزينة على حال ابنتها وبما أصابها، ولكن لا اعتراض في قضاء الله، حتمًا سيعوضها الله عما فقدته، نهضت خلفها تحاول التخفيف عنها رغم جهلها بسبب حزنها ...
دلفت الغرفة وجدت رهف ترقد باكية، اقتربت منها قائلة بهدوء :
_مالك بس يا بنتي، إيه مزعلك!.
هتفت رهف من بين شهقاتها :
_ كل حاجة، كل حاجة مزعلاني.
نظرت لها والدتها بقلق ثم تحدثت قائلة :
_هي بسمة زعلتك ؟!
نفت رهف برأسها والتزمت الصمت، فعادت والدتها تحدثها بهدوء :
_طب تحبي أسيبك شوية لغاية ما تهدي!.
أومأت الأخرى بصمت، فنهضت والدتها تهمس ببعض الأدعية، وفور خروجها نهضت رهف تجلس فوق الفراش تجذب هاتفها مقررة إرسال رسالة له توبخه عما قاله بحقها، ولكن تراجعت عدة مرات، زفرت بحنق بسبب ذلك الصراع القوي بداخلها ما بين عقلها وقلبها، ضغطت بيدها بقوة على جانبي رأسها قائلة بغيظ : _اخرج من دماغي بقي!.
أغلقت عينيها محاولة استرجاع هدوئها، تلك الميزة التي كانت تتربع فوق عرش صفاتها، تفقدها بسهولة بكلمة منه أو تصرف طائش يصدر منه، وكحال كل ليله ينطلق عقلها بسيل من الذكريات بينهما منذ بداية لقائهما الأول، ذلك اللقاء الذي وشم فوق قلبها وجعلها عاشقة لرجل عنيد لا يعرف اليأس طريقة.....
********
ضحكت بسمة بقوة وهي تقول :
_ لا بس بجد البنت دي أمورة وفيدوهاتها بتضحكني!.
نظرت لها رهف باستنكار ثم رفعت إحدى حاجبيها قائلة بتعجب :
_ انتي عبيطة يا بسمة، أنا عكسك بشفق عليهم!
كادت ان تستكمل حديثها ولكن التقطت أنفها رائحة غريبة فقالت مسرعة :
_ الحقي شكل الكيكة اللي بتعمليها اتحرقت
فزعت بسمة قائلة برعب :
يا لهوي ماما هاتفضحني، ثواني أشوفها ...
انطلقت بسمة في مهمتها القومية في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا الكيك، أما رهف فانشغلت في حسابتها الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي...تتابع أخر الأخبار بتركيز حتى إنها انشغلت عن الذي فتح الباب خلفها فقالت بمزاح :
_إيه يا كتكوته لحقتي الكيكة!.
لم تجد رد منها فالتفتت برأسها وجدت شاب في العقد الثالث يقف أمامها متسمرًا، ينظر لها بغرابة او يصطنع ذلك!، نهضت بخفه قائلة بتوتر :
_ أنا رهف صاحبة بسمة و...!!.
أشار لها بيده أن تهدأ فدخوله بتلك الطريقة افزعها :
_أسف بس يعني كنت بحسب بسمة موجودة، خدي راحتك هشوفها فين!!.
ذلك اللعين يكذب، كان مخططًا لتلك المقابلة حتى تراه، فالأميرة تخرج وتعود للبناية وعيناها لا تقع عليه أبدًا، جذبته بملامحها الطفولية الرقيقة ورقتها التي ذابت قناعته بشأن الزواج، دخل غرفته مبتسمًا بسعادة بعدما تم أول لقاء بينهما مثلما خطط، منذ أن وقعت عينيه عليها وهي تدخل البناية وتمازح الحارس، وجد نفسه يبتسم كالأبله وهو يراقبها، بدأت تحرياته المبطنة عنها بأسئلته لأخته ووالدته، شاهد جميع فيدوهاتها مرارًا وتكرارًا يركز في كل تفصيله، لا شك أنه تأثر قليلًا بعدما علم بشأن فقدانها لإحدى عينيها بسبب حادثة، ولكن شعور غريب نحوها بدأ يتزايد دون إرادة منه وبدأ يعشق وجهها حتى مع وجود تلك اللاصقة التي تغطى عيناها المفقودة...
أما هي فظلت تفرك يدها بتوتر منذ خروجه من الغرفة، رغم مجيئهم منذ فترة واستأجرهم إحدى الشقق في البناية إلا أنها لم تره أبدًا، ورغم حديث بسمة عنه، وعن وسامته ووظيفته كضابط جيش إلا أن فضولها لم يجذبها بشأنه، ولكن بعد تلك المقابلة بينهما وبعدما رأته حتمًا سيشهد حالها هذه الفترة على اندلاع ثورة من الحب والغرام، نهرت نفسها على تفكيرها به وخاصه بملامحه الوسيمة، متذكرة دومًا ما حدث لها..
دلفت بسمة مبتسمة :
_الحمد لله أنقذتها
لاحظت بسمة انشغال رهف بالتفكير، فقررت مشاكستها داعبت خصرها بخفه، فانتفضت رهف صارخة :
_ بس يا بسمة..
ارتفعت ضحكاتهما معًا ووصلت لذلك العاشق الذي أصبح مراهقًا بتصرفاته ويقف كالأطفال يستمع لحديثهما...التقطت أذنه حديثها الموبخ...
_ أنتي إزاي يا هانم متقوليلش أن اخوكي جه وموجود هنا!.
_ إيه ده أنتي شوفتي معاذ، هو صحي من النوم!
رمقتها رهف بعصبيه مزيفة وهي تقول :
_يا باردة وكمان كان نايم، يابنتي بعد كده لو موجود تعالي أنتي عندنا!.
امتعض وجهه من حديثها ليقول بهمس:
_ بقي أنا أخطط ده كله وأنتي تقولي كده!
جلست بسمة أمامها لتقول بحماس :
_ بس أنتي إيه رأيك في أخويا، قمر صح..
ابتسم بسعادة وود أن يدخل للغرفة عليهما ويحتضن، أما هي فتوترت من حديث صديقتها ثم تحدثت بصوت منخفض :
_ عادي يعني يالا أنا همشي!.
اتجهت للباب بسرعة تفتحه تهرب من حديث بسمة، فوجدته يقف أمامها بطولة الفارع، تراجعت عدة خطوات ترمقه بخجل ووجنة متوردة، أما هو فأنقذ الوضع سريعًا ببلاهة :
_ بقولك كنت عاوز كيكة..
تقدمت بسمة منها :
_ ما تقعدي تاكلي معانا الكيك!..
نفت برأسها ثم تحدثت بتلعثم :
_لا شكرًا عن اذنكوا..
فرت هاربة من نظراته التي تحاول الإمساك بعينيها، فرت ولم يستطع القلب الفرار من مصير موسوم بـ لعنه العشق...
عادت من شرودها باكية تلعن تلك اللحظة التي سمحت لنفسها بالانغماس في ملذات الحب ..تنهدت بألم تحاول تهدأه عقلها من كثرة التفكير..أنار هاتفها برسالة نصية، وقعت عيناها على اسمه قرأت بهمس :
_وربنا ماهسيبك وهاتجوزك وهخليكي تبطلي فيدوهاتك دي.
ضيقت عينيها غير مصدقه ما أرسله، فقررت إغاظته أكثر، نهضت وأبدلت ثيابها ثم رفعت هاتفها أمامها وتحدثت بغنج :
_ بنات أنا هكون موجودة في محل ***** وأتمنى اشوفكوا، واللي حابب يتعرف عليا يتفضل يجي، المحل ده عامل خصومات هايلة على اللبس، هاستناكوا..
أغلقت الهاتف بعدها بسعادة قائلة بِتَحَدٍّ :
_ أنا هخليك تبعد عني بطريقتي!..
أما الآخر فتحرك بغير هدى في أرجاء غرفته وهو يراها تتحدث بهذه الطريقة، ألقى هاتفه بغيظ فوق الفراش قائلًا :
_ دي عاوزه تجنني ولا إيه، أولع في المحل علشان تتبسط!!.
أخذ نفس طويل ثم استطرد حديثه :
_ أنا أولع فيها هي أحسن وارتاح من الحب ده!.
الراحة والعشق في قانون الغرام مترادفان، أما في قصتهما تلك متناقضان، كُتب عليه الركض كالمجنون في رحلتهم ليصل قلب معذبته ويتمم عشقهما برباط قوي ألا وهو الزواج!.
******
صباحًا.. دلفت المحل بابتسامتها الرائعة وما هي إلا دقائق حتى جلست وأمامها كوب القهوة الساخن وتحادث صاحب المحل بلطف، أحيانًا تضحك وأحيانًا تتحدث بجدية، أما هو فيجلس في سيارته يراقبها باهتمام، لم يغفل عن تفصيله واحدة وخاصه من ذلك المستفز الذي يجلس أمامها...ارتفع حاجباه عندما وجدها تنهض تتحرك بين الثياب وذلك المعتوه خلفها مباشرةً، لم تعجبه أبدًا نظراته لها، ومن يفهم الرجال إلا أنفسهم، بدأت نيران الغيرة تلتهم صدره والبلهاء غير مدركة لما يحدث خلفها، خرج من سيارته كالثور الذي يود أن يقتلع رأس أحدهم، اندفع للمحل بكل همجية ممسكًا بذلك الشاب :
_ تصدق أنك راجل مش مضبوط..
انتفضت بفزع قائلة :
_معاذ!..
رواية العوض
الفصل الثاني
بقلم زيزى محمد
وقف يناظرهما من بعيد فرأي ذلك القذر ينظر لها نظرات
يعرفها جيداً ولذلك .. بدأت نيران الغيرة تلتهم صدره و البلهاء
غير مدركة لِمَ يحدث خلفها، خرج من سيارته كالثور الذي يود
أن يقتلع رأس أحدهم، اندفع داخل المكان بكل همجية ممسكًا بذلك الشاب :
_تصدق إنك راجل مش مضبوط..
انتفضت الأخرى بفزع قائلة :
_معاذ !!
اشتد الغضب بداخله وبان عليه علامات الغضب وذلك ظهر جليلاً بنبرة صوته فخرجت حروفه غليظة رغماً عنه آمرًا إياها بحده :
_اطلعي بره يالا..
هتفت برفض قاطع وهي تقول بحده مماثلة :
_ لا طبعًا، ابعد إيدك عنه.
تحدث الأخر بصعوبة وذلك بسبب يد معاذ القابضة على عنقه:
_ أنا مش راضي أتكلم والله وعاملك خاطر يا رهف..
استشاط غضباً وقام بالضغط أكثر بيده فوق عنقه وصاح قائلًا في وقاحة :
_ لا يا شيخ، بتعمل خاطر للستات صح بتحب أنت تعمل كده!!، بس أنا بقي عاوزك تتكلم وتقول اللي نفسك فيه.
أنهى حديثه بنظرة مرعبه، فأثار ريبه الأخر ليقول متوترًا :
_ أنا معرفش أنت بتتهجم عليا ليه ؟!
قطعت حديثهما رهف وهي تتحدث بغيظ :
_رد ولا معندكش رد علشان أنت همجي!!.
خفف من قبضه يده ثم التفت بوجهه نحوها وقد ظهر عليه إمارات الصدمة :
_ أنا همجي علشان بدافع عنك!، ما أنتي لو تعرفي المعفن ده كان بيبصلك إزاي مكنتيش تقوليلي كده، كنتي بوستي إيدي وشكرتيني، بس أقول إيه والبعيدة عامية!..
تبدلت ملامحها فجأة، اهتزت مشاعرها لحديثه الأخير، منعت نفسها من البكاء حتى لا تثير شفقته، رسمت على وجهها برود غريب بينما داخلها كان يغلى كحمم البركان، رغم ذلك اكتفت بأخذ حقيبتها والهروب بعيدًا عنه، ترك الرجل عندما أدرك حديثه واندفع خلفها يحاول تلطيف حديثه اللاذع :
_ رهف استني، استني بس أنا مقصدتش ..
أشارت لإحدى سيارات الأجرة المصطفة بجانب الرصيف فتقدمت منها واحدة وقبل أن تضع يدها فوق باب السيارة كان يمنعها بيده قائلًا :
_ أنا أقصد إنك عامية القلب..
رفعت بصرها له وعيناها تمتلئ بالدموع، حاولت أن يخرج صوتها ثابتًا دون اهتزاز، أشارت بيدها على تلك اللاصقة التي تحيط عينيها :
_شايف دي، عمرك ما هاتقدر تتخطاها، مهما مثلت عليا، أنت شايفني حاجة غريبة عنك وعاوزني بأي شكل، وأنا مش عبيطة علشان أنجرف ورآك!.
حاولت أن تفتح باب السيارة مرة أخرى ولكنه هتف بصوت يحمل مشاعر الحب :
_ لا أنا بحبك بجد، وأنتي فعلًا عامية القلب يا رهف علشان مبتحسيش بحبي ليكي..
دق قلبها تلك الدقة التي لو سمعها لطار فرحاً، توترت إثر اعترافه بحبه لها بهذا الشكل وصوته الذي داعب مشاعرها في لطف، ظهر التوتر عليها كعادتها فقالت بتلعثم خفيف :
_ أنا همشي، اتأخرت عن إذنك، وبطل تراقبني علشان مشتكيش لمامتك..
فغر فمه بصدمة ونظر لها لثوانٍ يحاول تدارك ما قالت للتو وعندما وجد انها تهدده مثل الطفل الصغير تحدث قائلاً بتهكم :
_ مامتي!!، أنتي بتكلمي ابن أختك!!.
لم تبالي بحديثة ، فتحت باب السيارة بعنف وانطلقت بعيدًا عنه...هز رأسه بيأس منها ومن تفكيرها الغريب باتجاهه، تنهد بحرارة تملكت من صدره، التفت بوجهه نحو ذلك الوقح الذي كان يختلس النظرات من خلف زجاج محله، قرر تأديبه حتى لا يتعرض لها مرة أخرى، تقدم بخطوات واثقة نحوه، فتراجع الأخر سريعًا وتظاهر بالانشغال بالعمل..اقترب معاذ منه ثم دنى بجذعه العلوي نحوه قائلًا بنبرة تحمل الوعيد الصارم :
_ لو شوفتك مرة تانيه جنبها، وربي وما أعبد مش هاتردد ثانية وأولع فيك.
رفع الأخر نظره يرمقه مشدوهًا منه ، ومن عنفوان حديثة ليقول :
_تولع فيا أنا، انت مين أصلًا أنا عمري ما شوفتك مع رهف...
جذبه معاذ بعنف من ياقة قميصه هاتفًا بغضب :
_ أنا أبقى خطيبها وجوزها مستقبلًا، تحب تعرف أنا بشتغل إيه، بشتغل ظابط، وبتليفون صغير هقفلك محلك اللي فرحان بيه!.
تراجع الآخر في ثباته، قائلًا بتلعثم :
_ لا أنا بعتبرها زي أختي، وبينا شغل، رهف موديل، وبتعرض لبس المحجبات عندها على الاكونتات وأكيد حضرتك فاهم شغلها كويس...
رسم ابتسامه مميته فوق محياه :
_ بطلنا ... !!.
ضيق الأخر عيناه بعدم فهم ثم تحدث مستفسراً :
_ نعم؟!.
أكد حديثه حتى لا يضطر لان يعيده مرة ثانية
_ بطلنا يا حلو مفيش شغل من كده تاني، لو هي قالتلك قولها بح مبقتش عاوزك موديل، فاهم ..
أومأ إيماءة صغيرة بالموافقة وعيناه تستقبل نظرات الآخر المحملة بالوعيد والتهديد
ردد خلفه :
_فـفـ..فاهم
*****
وضعت المفاتيح بباب الشقة وقبل أن تفتح وجدت والدتها "منال" تفتح الباب بعجالة هاتفه بصوت خافت :
_رهف، الحمد لله أنك جيتي، يالا بسرعة ادخلي أوضتك وغيري هدومك.
قطبت رهف ما بين حاجبيها باستغراب ، تحدثت قائلة :
_ ليه في إيه لكل ده!!.
زفرت منال بحنق من اسألتها الكثيرة لتقول :
_في عريس جوه واياكي تقوليلي مش هطلع.
رفعت إحدى حاجبيها قائلة بتهكم ولكن بداخلها نار نشبت ولن يطفئها أحد :
_ عريس جوه من غير ما ترجعيلي، طب قوليلي طيب!.
تبدلت ملامح منال لحزن وهتفت برجاء : _علشان خاطري اطلعي، أنا مكنتش اعرف أنه جاي، وبعدين مرضتش ازعل طنطك ديدي، وبعدين متخافيش عارفين بموضوع عينك..
ضغطت فوق شفتيها وهي تحاول بيأس كظم غيظها :
_ لا فعلًا مكنتيش تعرفي خالص، أنا هدخل أغير هدومي واطلعلهم بس علشان محرجكيش، بس أنا مش موافقة ماشي.
وقبل أن ترد والدتها كان صوته يظهر مازحًا : _واقفين بتتكلموا على السلم ليه، قفشتكوا.
رمقته بنظرة تعالى ثم هتفت قائلة لوالدتها :
_أنا داخله..
راقب دخولها بعين فاقده للأمل وذلك رأته والدتها جيدًا ولكن فسرته انه تضايق فقط لفعل ابنتها ولذلك تحدثت بأسف :
_ معلش يا معاذ أصلها مضايقة مني..
نظر لها بعدم فهم ، هتف بتساؤل :
_ ليه في إيه؟!.
التفتت والدتها تنظر بداخل الشقة قائلة في همس :
_في عريس جوه، وجه من غير ما تعرف، وأنا أصريت تطلعله..
حاول كبح جماح الغضب بداخله، فكر لثوان في إيجاد حل مناسب لافساد تلك المقابله... فقال بصوت ثابت إلى حد ما :
_ طب تحبي ادخل أحضر معاكي، يعني مفيش راجل معاكوا، وأنتي زي أمي!.
تجاهل أنها مثل أخته، فـ والله لن يكذب بهذه النقطة، منذ أن وقعت عيناه عليها تمناها زوجه وأم لأولاده رغم رفضه الدائم لفكرة الزواج، الجميلة الرقيقة حولته كُليًا، وهو سعيد جِدًا بذلك التحول، وخاصةً إن كان بسببها!!، غريبة المشاعر تتوغل بداخلك فجأة فتجعلك مسلوب الارداه تقع تحت سطوة العشق، تقذفك بين عواصف الحب بلا رحمه، تتلقى مشاعر جديدة ومختلفه عن ما قد شعرت به من قبل، مشاعر لها سكون مختلف يسيطر على قلبك المسكين ويجعله راضخ لعشق كُتب عليه الجهاد !!.
استفاق من شروده على يد والدتها قائلة :
_ آه أنت جتلي من السماء، أنا متوترة أوي أصلًا أول عريس رسمي يجي لرهف، كلهم الهانم بطفشهم من بره، ادخل..
دلف خلفها متمتمًا بمكر :
_ وأخر عريس إن شاء الله..
توالت الأحاديث الخفيفة، منتظرين خروج العروس..خرجت رهف أخيرًا، ترتدى جيب واسع من الون الأسود وستره بيضاء تزينها فراشات من اللون النبيذي، وحجاب وحذاء من نفس اللون.. توسعت عيناها بصدمة عندما وجدته يجلس بينهم، كادت أن تفقد وعيها بسببه، يحاوطها في كل مكان، كادت تقسم أنها ستراه في أحلامها بعد ذلك، وليست الوحيدة في المكان التي كادت أن تفقد وعيها، فوالدتها أيضًا أصابها اليأس منها، عندما وجدتها مازالت تضع اللاصقة الطبية فوق عينيها، ضغطت فوق شفتيها السفلية بغيظ، نهضت سريعًا تجذبها نحو المطبخ ..
_ تعالي يا رهف جيبي الشربات من جوه!.
دلفت خلف والدتها قائلة :
_ شربات إيه!!، أنتي بتجري وراكي جموسه!..
_ والله ما عاوزه أشتمك لتزعلي، أنتي هبله، حاطه الاذقه دي ليه، اخلعيها أنتي مش حاطه العين الصناعية!.
نظرت لها بأستنكار وهي تقول
_ وأنتي عاوزني أشيلها ليه؟!.
رفعت بصرها للأعلى تشتكي ربها، لتقول بعدها:
_ أنتي عاوزة تجنني، هو اللي بره ده جاي ليه، مش عريس!.
ابتسمت باستهجان :
_ عريس!، آه، وأنا مش هتجمل واطلع قدامه من غيرها علشان ينبهروا أن مفيش فرق، لا لو عاوزني بجد لازم يتعود عليا بالازقة دي، ومتخلنيش أطلع من غيرها ومن غير العين الصناعية كمان.
تأففت والدتها بنفاذ صبر :
_ماش يا رهف اطلعي قدامي مـ نشوف أخرتها!.
خرجت مع والدتها تحمل صينية المشروبات..وضعتها برفق فوق الطاولة ثم جلست بجانب والدتها، بدأت مشاعر القلق والتوتر تسيطر عليها ليست من نظراتهم ولكن من نظرات ذلك المتطفل الجالس
أمامها..انتبهت على حديث والده العريس قائلة :
_ قمر يا رهف مخلصه كليه ايه؟!.
خرج صوتها متوترًا قليلًا :
_آداب حضرتك!.
هزت والدته رأسها عده مرات وهي ترمقها من الاسفل للأعلى، ركزت ببصرها على تلك اللاصقه، فأخذها فضولها قائلة :
_ وانتي حاطه الازقه ليه على عينك!.
رفع معاذ احدى حاجبيه من قولها، ليقول : يعني حضرتك متعرفيش ليه..!.
حاولت ديدي انقاذ الموقف فتحدثت بأستدراك :
_ الله، هو انتي مش عارفه...
قبضت رهف فوق سترتها تحاول التمسك بآخر ذرة هدوء لديها، حاولت والدته أن توضح حديثها :
_ أنا أسفه والله، بس ديدي قالتلي إنك مركبة عين صناعية وزيها زي الطبيعي ....
ابتلعت رهف ريقها لتقول بجمود :
_ آه هي بتتركب وبتتشال يا طنط مش حاجة دايمة، وكمان لازم أحط اللازقة دي علشان عيني أنسجتها مش متقبلاها، فـ أي نور أو شمس أو عفار بيئذيها!.
خرج العريس أخيرًا عن صمته قائلًا بتعجب : امال لابسها ليه!.
اجابته رهف بضيق :
_ علشان عيني متتقفلش خالص.
صاح معاذ هاتفاً بنفاذ صبر :
_ لا كده كتير!..
هتف العريس باستغراب :
_ في إيه يا أخ!
نهض معاذ قائلًا بعصبيه :
_معندناش بنات للجواز..
زمت ديدي شفتيها بضيق قائلة لوالدة رهف : _هو في إيه يا أبله منال..ماله أستاذ معاذ !.
نهض العريس بغضب جاذبًا والدته خلفه : _شكرًا على المقابلة.
خرجت ديدي خلفهما غير راضية عن تصرف معاذ الأهوج، وضعت منال يدها فوق رأسها بحزن ... حزنًا على ما مرت به ابنتها اليوم، لم تتخيل قط أن تسير المقابلة بذلك الشكل، ولكن فضول الناس يجعلهم غير مدركين لمشاعر البشر، أشارت رهف على باب شقتهم قائلة باقتضاب :
_ أتفضل اطلع ومتشكرين على اللي أنت عملته!!.
جلس مكانه دون أن يعيرها أي انتباه موجهًا حديثه لوالدتها :
_ أنا غلطت يا طنط، أنا كنت شايف أن حضرتك مضايقه من اللي بيحصل زي ما أنا كنت مضايق!.
هتفت به رهف قائله بغيظ :
_ وأنت مالك، إيه دخلك أصلًا..
نهض بعصبيه وقد تناسي وجود والدتها :
_لا أنا مالي ونص، أنتي مبتفهميش حاجة..
رفعت منال بصرها تراقب الوضع بينهم وحولها العديد من الاستفهامات لما تراه أمامها..
دبدبت رهف قدمها أرضًا قائلة بعصبية :
_ مبفهمش إيه يا أستاذ يا محترم، هما مغلطوش عريس ولازم يستفهم عن كل حاجة وده من حقه وأنا كنت موافقة إيه دخلك أنت!!.
كاذبة أيتها الحمقاء، عيناك تفضحك، وملامح وجهك تعبر عن جميع ما شعرتي بيه أثناء وجودهم، اعترفي أنك وددت أن تقتلعي رؤوسهم عما يفعلونه وفوقهم ديدي !!.
ارتفعت ضحكاته باستهزاء من حديثها :
_ أنتي عبيطه يابنتي على أساس أني معرفكيش ، أنتي عامله ده كله عند فيا!..
توسعت أعين منال وباتت تراقب بتركيز أكثر، أما رهف فزادها حديثه جنونًا وأصبحت إنسانه أخرى غير التي تعرفها ، تقدمت منه تشير بسبابتها بوجهه :
_ والله لو ما بعدت عني لأقول لامك..
اقترب هو الآخر ناظرًا لها بتحَدٍ :
هو إيه اللي كل ما تشوفيني هاقول لامك، أنتي بتكلمي عيل..
هزت رأسها بهستيرية وصاحت قائلة :
_آه، عيل بدام اتصرفت بالطريقة دي، يابني أنت طردت الناس من بيت مش بيتك!.
جز فوق أسنانه قائلًا بتحذير :
_ بلاش طوله لسان علشان مزعلكيش مني، وبعدين مين قالك أن ده مش بيتي.
التفت بوجهه نحو والدتها التي تراقب الوضع عن كثب ليقول :
_ مش بيتي يا طنط بردو، وأنتي بتعتبريني ابنك.
هزت منال رأسها بالموافقة قائلة :
_ طبعًا يا حبيبي!!.
ضحكت رهف بسخرية لتقول :
_ حبيبك!!، ماما أنتي أي حد ماشي في الشارع ابنك...
التفتت له وأكملت حديثها :
_وأنت بلاش عشمك ده، انتوا مبقالكوش سنه ونص ساكنين هنا.
انتصب واقفاً ثم هددها قائلًا :
مش بعدد السنين يا جاهله، بأصل الناس،...ها بأصل الناس ركزي واحنا أصلنا طيب...
رمقها بنظرات غامضة، جهلت والدتها تفسيرها، وجدته يبتسم لها قائلًا :
_ هتعوزي مني حاجة يا طنط.
حركت رأسها بنفي دون أن تتحدث، فالمسكينة غرقت في بحر من التفكير في تلك العلاقة الغريبة بينه وبين ابنتها، راقبت خروجه وهو يشد على جسده بسعادة غريبة، خرج كالمنتصر محققًا ما أرداه، ألا وهو إفساد تلك الزيجة عليها!!.
دبدبت بقدمها أَرضًا من ذلك المستفز ثم اتجهت نحو غرفتها تنزوي بها تبكي على ما حدث لها اليوم...
ضيقت والدتها عينيها قائلة :
_اقطع دراعي أن ما كان فيه إن في الموضوع!
*******
نظرت منال للساعة بملل، ابنتها ترفض الخروج من الغرفة، وترفض حتى التحدث معها، أخرجت تنهيدة قوية من صدرها ثم نهضت وهي تحاول استجماع هدوئها للدخول في مرحلة تأنيب الضمير وذلك من خلال إلقاء اللوم عليها بسبب ما حدث اليوم..دلفت للغرفة دون أن تطرق الباب وجدتها تجلس فوق الفراش تتكئ بمرفقها فوق الوسادة تتابع شيئًا ما على هاتفها...اقتربت والدتها قائلة بعتاب :
_طب ما أنتي صاحية أهو، أمال رافضة تتكلمي معايا ليه!..
ابتعدت بنظرها بعيدًا عن والدتها حتى لا تمسك بها وتفضح ما تخبئه لمده عام كامل، ردت باقتضاب :
_ مفيش!.
هزت والدتها رأسها بتفهم ثم تحدثت قائله :
_آه أنتي زعلانه مني بقي، من اللي حصل طب والله ما كنت أعرف أن ده هيحصل...
قاطعتها رهف بنبرة أشبه للبكاء :
_ وليه يا ماما، ليه تحرجيني وتحطيني في وضع زي كده، فرحتي يعني بيا لما كنت قاعدة زي التلميذة بتجاوب وأتحرج قدام معاذ..
انفجرت بالبكاء تخرج ما تكنه من فيضان مشاعر القهر والحزن والغضب :
_ أنا بحاول أتخطى اللي حصلي والناس بردوا مش سايبني، بيحاربوني في شغلي، وكمان في حياتي، طب اعمل إيه، أفضل حابسه نفسي بين أربع حيطان علشان يتبسطوا، أنا مش زعلانه والله من اللي حصل، وعارفه انه قضاء وقدر، وكل يوم ربنا يعوضني بحاجات حلوة كتير، بس نظرات الناس بتدبحني وبالذات لو كانت شفقة منهم.
مسحت منال دموعها التي هبطت فوق صفحات وجهها تحمل حرقه رهيبة على ما تعانيه ابنتها...لم تستطع السيطرة على مشاعرها فأجهشت بالبكاء، انفطر قلب رهف على منظر والدتها، فاقتربت منها تربت فوق رأسها بحنو :
_ أنا أسفه يا قلبي متزعليش، أنا مش زعلانه منك والله...حقك عليا يا ماما..
رفعت منال وجهها قائلة بنبرة خافتة :
_ حقك عليا أنتي، والله ما تحصل تاني، أنا بس عاوزه أطمن عليكي يابنتي، خايفة أموت واسيبك لوحدك زي ما ابوكي سابنا لوحدنا.
أغلقت عينيها بألم عندما افتقدت الحبيب والصديق والأب في حياتها، افتقدت السند والحماية، تذكرت عندما مرت بتلك الحادثة المشؤومة وما فقدته بسببها، هون والدها عليها الكثير، وساعدها بتخطي تلك المرحلة، تذكرت عندما علم بأمر العين الصناعية، وعندما ارتدتها لأول مرة، مرت أمام عينيها فرحته بها، وحديثه لها عن العوض، تلك الكلمة التي استوقفتها كثيرًا وقتها، ظنت أنها فقدت ولا مقابل لمَ فقدته، ردد والدها أمامها كثيرًا أن الله سيعوضك حتمًا، حينها وجعها عن ما فقدته جعلها تتغاضى عن حديثه، ولكن عوض ربها لا يتوقف أبدًا منذ ذلك الوقت، اشتاق القلب لروح كانت تنبثق منها الأمان والطيبة، تنهيدة حارة خرجت من صدرها علها تهدأ تلك العاصفة التي بدأت بداخلها... انتبهت على حديث والدتها...
_ ياعني مسألتنيش عملت إيه مع رؤوف انهارده!!.
وضعت يدها فوق رأسها مرتبكة من نظرات والدتها وكيف لها أن تنسي رؤوف وما فعله بهم، ذلك الخسيس أمنت له وسلمته أرضها تحت مسمى الطيبة، ولكن لا مكان للطيبة بعالمنا ، فقالت بارتباك : عملتي إيه، نسيت خالص أسألك.
_روحت واتخانقت معاه وقولتله على اللي قاله ليا الحاج أحمد، قعد ينكر وبعدين الجبان بجح وفضل يزعقلي وكأنها أرضه هو مش أرضنا، ويقولي أنا اللي اهتميت بيها ومن حقي، وان مش بعدت عنه...
صمتت لبرهة تستجمع أعصابها، فكلما تذكرت كلماته يدب الرعب بقلبها : هايكب مياه نار عليكي..
التوى فمها بتهكم : مستنيه إيه منه، قولتلك سيبني أنا أتصرف..
هتفت والدتها بإصرار : لا أنتي ابعدي، وأنا هكلم المحامي وربنا يعديها على خير، ويهده رؤوف الكلب.
ضاق صدرها من كل شيء، لم تفشل الحياة أبدًا في إقحامها بالمصائب، نظرت حولها تبحث عن الهواء، ذلك الاختناق يلتف حول عنقها يعتصرها ببطء، اندفعت هاتفه:
_ أنا هنزل أجيب لزقه من الصيدلية اللي عندي خلصوا.
رفعت والدتها بصرها نحوها قائلة بقلق :
_ دلوقتي دي الساعة ١٠، اطلبي يجبوها هما، أو سالم البواب يجبهالك.
التقطت الأخرى حجابها وارتدته ثم التقطت حقيبتها الصغيرة :
_سالم مش شغال عندي يا ماما وأنا بتحرج اطلب منه، وبعدين لسه بدري الناس في الشوارع وأنا بقي بصراحة محتاجه أشم هوا..
خرجت والدتها خلفها هاتفه بإرشادات وتنبيهات أي أم مصرية تخبر ابنتها بها عند الخروج ليلًا، أما الأخرى فكانت تسرع للخروج تبحث عن الهواء الطلق، تريد استنشاق أكبر كمية من الهواء لتساعدها على العودة لصفائها الداخلي، ذلك الصفاء الذي بدأ تعكيره بمشاعرها المتناقضة منذ أن أحبت ، ولكن ما باليد حيله نحن لا نختار العشق بل ننصهر به كالحمقى...استفاقت من شرودها على صوت غليظ من خلفها..
_ لو القمر عاوزه حاجة، أنا ممكن أساعدك!.
استدارت بسرعة وقلبها ينتفض فزع وجدت شاب أسمر الوجه حاد الملامح ينظر لها بخبث وكأنه أسد جائع ينتظر التهام فريسته، ركضت عيناها فوق ملامحه وخاصه ابتسامته الخبيثة ..مررت ببصرها حولها، وجدت نفسها في شارع خالي من المارة، دب الرعب أنحاء صدرها وعلمت أنها ستقع بكارثة، حاول عقلها إسعافها بأي فكره للخروج من ذلك المأزق ولكن توترها كان المسيطر الأقوى على ذهنها...
