رواية بهجت الفصل الاول1 بقلم ساره عاصم


رواية بهجت 

 الفصل الأول 

بقلم ساره عاصم


-"أقولكم وجهة نظري اللي شايفاها واللي مش هتكون متواضعة إطلاقًا؟

أنا من أحسن الناس اللي بتكتب على السوشيال ميديا إذا ما 


كنت أحسنهم فعلاً، ودي الحقيقة أصل أكيد مش هتقارن 


واحدة قرت كل الكتب والروايات دي بواحدة ضربت معاها 



حظ .. وتطور الأسلوب نفسه بيفرق يا جماعة يعني أنا واحدة 



عندها قوة في الألفاظ وبعرف ألعب بالأسلوب يبقى كاتبة متمكنة ولا لأ؟!



والحمد لله متابعيني أعدادهم بيزيدوا  كل يوم عن اللي قابله ، 



أما بالنسبة للمتابعين في صمت دول  هفلترهم من  عندي يا تقري وتقول رأيك يا بلاش!!"


كتبت تلك الجُمل المتراصة بجانب بعضها بشيء من الثقة 



والغرور ، ثم نشرتها على صفحتها لتتوالى عليها التعليقات بين مؤيدٍ ومعارض ،مُهللٍ وساخط ..

كيف لها أن تكون بكل هذا الغرور والنرّجسية  فقط لأنها مشهورة ، يتابعها الكثير وينتظرون قصصها والتي تنتهي معظمها بنهايات سعـيدة وردية تحلم بها كل فتاة في سنها الثاني والعشرين ...


أمعنت النظر جيدًا في التعليقات لتجد ما يغذي غرورها ،تراقبها بابتسامة واثقة وهناك شيء من داخلها ينمو ويزدهر لا تعرفه لكنها سعيدة 

-"عزيزتي مينفعش تكتبي كده حتى لو حسيتِ بده ، لأن ده يُعتبر غرور وتكبـُر وهتخسري ناس بسبب ده .. كلنا زي بعض رغم الاختلافات عادي "

ىجدت تعليقًا من كاتبة كانت مُقربة لها يومًا ، تكرهها والأخرى تفعل لكن في نهاية المطاف  تبقى الرسميات والتعليقات المجاملة أمام الناس

-" طب ما تردي الأول على المسدچات اللي شوفتيها، ولا البوست الأخير بتاعك إنك عديتي ناس كتير كانوا سابقينك  ..ولا الكلام ليّا بس؟؟

مرضى نفسيين يتحدثون بالتعليقات ..

لم تتفاجيء بالحظر الذي قامت به الكاتبة ،فبالتأكيـد لن تُدين نفسها وترد مما سيستدعي طول المناقشة 

الجميع شياطين إلا عندما يجدوا خطأ في غيرهم .. لن تستطيع الجلوس بجانبهم بسبب أجنحتهم 

-"في داهية والله فضيتي مكان"

ابتسمت ابتسامتها الماكرة لتغلق هاتفها وتتجه نحو الشرفة المطلة على الحي الفقير الذي تعيش فيه وحدها بشقة صغيرة تكفي غرفة ومطبخًا وحمام .. وطاولة مستديرة تجلس لتشرب عليها الشاي بينما تكتب  ،أما طعامها فتتناوله في أي مكان 


يومٌ آخر دون أن يسخر أحدٌ منها، تنسى اسمها ومن تكون ..

-"يا بهجت "

-"إزيك يا بهجت .. انتِ كويسة يا بهجت؟؟"

اللعنة على هؤلاء الأطفال الأشقياء ، كم تتمنى أن تمسك رؤوسهم التي يتباهون بها وتدكها في الأرض وبالحائط حتى تُشفي غليلها الذي ما يلبث في النضوب حتى يتجدد

-"امشي يلا من هنا " ثم عادت تستطرد بنبرة شامتة

-"وإنت ياض يابو سنة خد الأحول أخوك وامشي من هنا" 

لم تكد تنتهي من جملتها حتى تفاجئت بمن يقذفها بحجارة من هؤلاء الذين تنمرت عليهم ثم فروا هاربين 

-"يا ولاد ال..."

قالتها بينما تتفحص زجاج النافذة الذي تهشم ،ويبدو أنها ستفك كيسها وتبتاع آخر حتى يحميها برد الشتاء القارص الذي تكرهه

"عيب يا آنسة بهجة اللي عملتيه مع العيال ده حتى لو قالوا حاجة كده ولا كده كان لازم تقولي لأمهم وهي تتصرف" 

رمقته بإزدراء قبل أن تنهال عليه بالكلام اللاذع هو الأخر 

"ياريت يسطا محمد تخليك في شغل الميكانيكيّة بتاعك وبلاش تتحشر في اللي ملكش فيه ،أنا بعرف أتعامل مع اللي يضايقني 

كويس قوي .. خليك في حالك"

أردفت بغل وهي تغلق النافذة في وجه الرجل البسيط الذي يعمل أمام منزلها ،أو لنقل حجرة .. قمقم يحميها من الشارع 

-"رجل قليل الذوق"

وتزامنًا مع كلمتها صدح صوت الرجل خلفها 

-" ده إنتِ إنسانة قليلة الذوق" 

كادت تعاود فتح الشيش لتُجيب عليه لكن شيئًا ما أوقفها وجعل النيران تستعر بحدقتيها 

-"ملقتش إلا بهيجة بهجت دي وتنصحها ،سيبك منها ياعم دي تربيـة رقاصات"

كزت على أسنانها بغل، ها هم يخوضون بسيرة والدتها المتوفاة وهي تقبع خلف نافذة ولا تستطيع أن تريهم وجهها الآن

-"وأصلاً هو حد عارف دي بتشتغل إيه..ربنا يستر على ولايانا"

صيدًا هنيئًا قُدِمَ له على طبقٍ من ذهب ليرهف السمع لما سيقوله الرجل 

-" أصلها لمؤاخذة يعني أخويا الصغير كان عايز يخطبها لكن لما لاقاها بترجع متأخر قال بلاها.. وإنت عارف راجعة متأخر ليه ! لا رقيب ولا حد موجود"

صرت أسنانها بغضب للمرة الألف تقريبًا وهي تسمع لما يودي بسمعتها وشرفها ..

ولكن كفاها.. هل يعتقدون أنها غير قادرة؟! .. لتريهم إذًا

صدرها يعلو ويهبط بسرعة وأنفاسها متلاحقة ...ثوانٍ قليلة وكانت تقف أمام شرفتها ممسكة بدلوٍ من الماء 

فتحت شرفتها وقبل أن يدري الرجلان بشيء كانت تسكب الدلو فوقفهما بحقد وهي تهدر بعنف

-" بقى إنتو رجالة إنتو لما تخوضوا في شرف واحدة ساكنة في منطقتكم .. أنا سمعتي هنا زي الجنية الدهب منك ليه،اتفو عليكم"

بصقت بكل غضب ، والغل ينخر شراينيها ويغزو خلاياها من يرى وجهها لن يعرف إلى أي سعير اُلقيت فيه من كثرة احمراره 

هي وهم .. وهكذا تسير قوانين الحارة!


جلست على الطاولة المستديرة ، وأمامها مرآة صغيرة .. قضمت شطيرتها بأسنانها الكبيرة ، يسير العنف والرد اللاذع مجرى دمها .. لم تستطع منع شفتيها من الابتسام وهي تتذكر منظرهما المصدوم ..

ولكن للحديث بقيـة ..وللدماء مثوى كالجثث !


وفي المرآة تنظر إليها امرأة بابتسامة خبيثة تظهر بها أسنانها الضخمة السوداء ، تقضم شطيرة هي الأخرى لكن خاصتها تسيل منها الدماء 

شعرها الأسود المعقود برباط بلاستيكي على شكل كعكة صغيرة ،لكن التي بالصورة شعرها أشعث ومن الجنون تحوّلَ للأبيض  في كل مرة تبرق بها عينا بهجة بالشر

......

لا تدري كم ساعة نامت فقط الذي تدركه الآن وتسمعه بوضوح هو صوت يهمس داخلها أو بأذنها لا تستطيع التحديد بأن أحدًا يحترق محطمًا فؤاده


كلمات متفرقة ليس لها معنى

.... 

فركت رقبتها التي تؤلمها إثر نومتها بشكلٍ خاطئ وقبل أن تتوجه للمرحاض سمعت صوت عويل ونواح يأتي من الخارج

عادة هي لا تخرج من الباب سوى للضرورة وكانت ستنظر من النافذة ،لكنها وجدت نفسها تفتح الباب وتهرول للخارج لترى رجالاً ونساءً يقفون أمام الرجل الذي كان يتحدث مع الميكانيكي

-"حصل ايه؟" 

-" لقوا الراجل ميت إنهاردة  محروق "

-"لا حول ول قوة الا بالله"

قالتها دون أي شفقة أو إحساس بالذنب ، تلبست شخصية أخرى غير نفسها لكن ما عساها تفعل وهو كان يتحدث عن عرضها أمس؟

-" بس يختي اللي يحيّر مكنش  فيه صوت لصريخ ولا حاجة ، ولما دخلنا لقينا الغاز وكل حاجة مقفولة مفيش أثار حريق غيره يعني "

قالت جملتها الأخيرة بارتباك لتهمهم الأخرى بعدم اكتراث بينما تتوجه لمنزلها 

خطوة 

تتبعها أخرى

عاد الهمس داخلها وبأذنها 

الحريق تم 

والقلب تبقى ..

ما الخطوة التالية؟

ودون أن تعي همست لنفسها 

-"الميكانيكي"

                    الجزء الثانى من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>