رواية نذير شؤم الفصل الثالث3 بقلم ناهد خالد

رواية نذير شؤم الفصل الثالث3 بقلم ناهد خالد


 هوريكِ الشقه .


كانت الجمله الأخيره التى قالها ولم يدرى ماذا حدث بعدها , صوتها العالى ووجهها المحتقن بالغضب وحديثها جعله يقف مبهوتًا , لا يدرى ماذا قال ليستمع لكل هذا !


- شقة ايه الى هتوريهالى ! أنت مش قولت امبارح أنك هتبعت معايا حد يورينى الشقه !, ثم لما الناس تشوفنى داخله معاك البيت ده هيقول عليا ايه ..بقولك ايه يا أستاذ أنت إن كانت فاكر عشان محتاجه لمساعدتك هقبل أنك تتجاوز حدودك معايا تبقى غلطان , ومش عشان أنت كبير المنطقه هسكتلك , الى خلق منطقتكوا دى يا أخويا خلق ألف غيرها وأرض الله واسعه , وأنا الى غلطانه أنى طلبت مساعدتك أصلاً ..بالإذن .




لم يحرك ساكنًا حتى وهو يراها تذهب من أمامه فهو لم يستعب ردة فعلها بعد , وجاء الحديث من والده الذى استمع لِمَ حدث أثناء خروجه من المنزل فهتف ضاحكًا :




- تعالى بس رايحه فين ؟




توقفت على صوته والتفت بوجه متهجم غاضب تنظر له لكن لانت ملامحها حين وجدته رجل كبير فى السن , نظر " منتصر " ليوسف الذى مازالت الصدمه على وجهه فضحك عليهِ وهو يقول :




- ايه يا دكتور خلتك مش عارف ترد عليها ؟




انتبه " يوسف " لحديث والده فنظر له بنظراته المصدوم وهو يقول :




- والله ياحاج الصدمه بس الى مخلايانى مش مستوعب الحوار الى عملته ده .




نظر " منتصر "لها وقال :




- ايه يابت ده هو أنتِ ماصدقتى الواد يقول كلمه عشان تطلعى فيه كده !




قطبت حاجبيها بضيق وهى تقول :




- معلش ياعم الحاج بس أنا مش مرتاحاله من وقت ماعرفت أنه ابنك .




نظر لها منتصر بصدمه ثم نظر ليوسف وقال :




- ايه البت دى ؟ أنتِ يابنتى مبتعرفيش تنقى ألفاظك ! ايه الى مش مرتحاله عشان ابنى أنتِ سمعتى عنى أيه يعنى !؟




تنحنحت بحرج حين استوعبت ما قالته فهتفت بتبرير :




- لا مقصدش ياحاج , أنا بس مكنتش أعرف أنه ابن كبير المنطقه , بعدين لما عرفت قولت يعنى أنه مش هيساعدنى لله وللوطن !




- أنتِ من العزايزى ؟




رفعت نظرها له متفاجئه فأكمل موضحًا :




- يوسف حكالى عنك لما جه امبارح وقالى أنك عاوزه شقه , والشقه الى كان بيقولك عليها دى تبقى بتاعتنا يعنى متشليش هم الإيجار .




نظرت ليوسف بغضب وقالت :




- شوفت بقى يا حاج أن ابنك مش مظبوط , أهو امبارح فهمنى إن الشقه دى مش بتاعته وأنه هيتوسطلى عند صاحبها قال ..




رد يوسف بضيق منها :




- ايه مش مظبوط دى ! مش الحاج قالك نقى ألفاظك يابنى آدمه أنتِ !




اتسعت عيناها بغضب وكأنه سبها ؟ وهى تشير لنفسها مردده :




- أنا بنى آدمه ؟




رد ببرود :




- اومال ايه حيوانه ؟!




شهقت بحده وهى تستعد لإلقاء قصيده طويله من الردح المصرى الأصيل , ولكن قطعها " منتصر " الذى قال بحده :




- يوسف ! خلاص بقى احترم وقفتى .




رد " يوسف " بتبرير :




- ياحاج ماهى ...




- خلاص يا يوسف قلت , وأنتِ يابنتى يوسف هيوريكِ الشقه بس متقلقيش ومحدش يقدر يتكلم لأنهم كلهم عارفين يوسف كويس وعارفين تربيته , وكمان البيت الى الشقه فيه , فيه عيادة يوسف فطبيعى يروح هناك .




تنهدت باستسلام ثم قالت :




- ماشى يا حاج الى تشوفه.




نظر " منتصر " ليوسف وقال :




- خدها يا يوسف يلا وريها الشقه وخدوا بليه معاكوا .




قالها مشيرًا للصبى الواقف جوارهم , فهو مهما كان يثق فى أخلاق ولده ولكن الأصول يجب إتباعها ..




________(ناهد خالد )_____




نظرت للشقه بتفحص,  كانت شقه كبيره بالنسبه لشخص واحد سيقطن بها , ثلاث غرف ومطبخ ومرحاض وصاله كبيره , نظرت ل " يوسف " الذى يتابعها بنظره وقالت :




- بس دى كبيره عليا وأنا هسكن فيها لوحدى .




نظر لها باستغراب وقال :




- هو أنتِ هتسكنى لوحدك ؟ أنا فكرت والدتك ولاحد هييجى بعد ما تشوفى الشقه وتنقلى حاجتك .




نفت برأسها وهى تقول بحزن :




- لا محدش هييجى أنا أهلى متوفيين ومليش حد .




تركته ودلفت للداخل كى ترى الغرف ووقف هو ينظر لذهابها بشرود , يتذكر كيف قضى ليلته أمس بعدما عاد من مقابلتها ونظرة عيناها وملامحها لا تفارق مخيلته , ظل يتقلب ليلاً على فراشه دون أن يأتيه النوم وهو يتذكر حديثها ونظراتها , لم تشغله فتاه كما فعلت هى , لا يعرف ماذا دهاه منذُ رآها , لا يجد تفسير منطقى لِمَ يحدث معه واهتمامه بها , لدرجة أنه نزل لوالده فى الحادية عشر مساءً ليخبره بقدومها , و استيقظ اليوم فى السادسه صباحًا وبعث للصبى " بليه " ليخبره أن يكون فى استقبالها حين تأتى , وفكر الآن فى جعلها تعمل معه فى عيادته لا يعلم أيريد مساعدتها حقًا أم يريدها أمامه !




خرجت من الداخل وهى تهتف بحيره :




- مش عارفه بس الشقه كبيره عليا فعلاً .




تنهد خارجًا من أفكاره وهو يقول :




- مش مهم , أصل الشقه التانيه نفس الحجم , وعشان أدرولك على مكان تانى هنحتاج وقت .




فركت كفيها بقلق وتوتر وهى تسأله :




- طب بالنسبه للأيجار , يعنى الشقه كبيره وأكيد الإيجار هيبقى كبير ..




ابتسم لها باطمئنان وقال :




- مش الحاج قالك شقتنا وأنا امبارح قولتلك هتوسطلك فى الإيجار عاوزه ايه تانى ؟




ردت بجديه :




- ايوه بس مش هقبل يكون الإيجار أقل بكتير من الى الشقه تستاهله , عشان محسش أنى عايشه فيها شفقه .




قطب حاجبيهِ بانزعاج مصطنع :




- يوووه , هو أنتِ يابنتى نكد ليه ! , وعمومًا متخافيش هناخد إيجار معقول , 300 جنيه كويس ؟




رفعت حاجبيها باستنكار وقالت :




- 300 جنيه ايه ! , أنا ال 300 دول كنت بدفعهم فى الشقه القديمه عشان عقد الإيجار كان قديم من 4 سنين وكمان الشقه نفسها حالها ميسرش , لكن دى كبيره وحالتها كويسه تقولى 300 !




أومئ برأسه وقال :




- تمام بلاش 300 , ايه رأيك فى 500 حلو ؟




ردت بسخريه :




- هو أنت بتستأذنى ! , ماتخلص يا دكتور وتقول رقم .




قالت الأخيره بحده فنظر لها يوسف بضيق وقال :




- أنتِ لو تقصى لسانك ده هتبقى عسل , لكن لسانك مش لايق على شكلك والله .




وضعت يدها فى خصرها وهى ترد بهجوم :




- ماله شكلى يادلعادى .




تصلب وجهه بجديه وهو يرفع حاجبه بتحذير وقال :




- أنتِ هتردحيلى ! بعدين اتظبطى فى وقفتك .




وجدت نفسها تمتثل لحديثه فأنزلت يدها واعتدلت فى وقفتها تطالعه بقلق فيبدو أنه لا يمزح الآن !




كبح ابتسامته بصعوبه وهو ينظر لها باستمتاع لإستماعها لحديثه , وتنحنح يهتف بجديه :




- الإيجار 500 جنيه , وده آخر كلام .




قال الأخيره بتحذير حين أوشكت على الأعتراض فصمتت بتذمر وأكمل هو بجديه مماثله :




- واعملى حسابك هتشتغلى معايا فى العياده تحت .




نظرت له باستغراب وقالت :




- هشتغل ايه ؟




- هتقطعى كشوفات وتدخليلى الناس .




- هو مفيش حد بيقطعلك الكشف ؟




- كانت سمر أختى بس هتبدأ امتحانات الأسبوع الجاى , وأنتِ عارفه المنطقه هنا معظمهم مش متعلم .




رفعت حاجبها وهى تسأله :




- وأنت ايش عرفك أنى متعلمه ؟




ذم شفتيهِ بتفكير ثم قال بتوتر :




- بصراحه معرفش , بس يعنى حتى لو مش متعلمه مش لازم تكتبى اسماء أنتِ اعرفى ترتيبهم ودخليهم , أكيد يعنى هتحتاجى شغل ولا ايه ؟




أومأت بإيجاب :




- بصراحه آه , أنا كنت بشتغل هناك بس اضطريت أسيبه عشان المشوار بعيد بين هنا والعزايزى  , و عمومًا أنا معايا ثانويه .




قالت الأخيره بحرج وصوت خافت , فسألها باستغراب :




- واللى يخليكِ تكملى لحد الثانوى مكملتيش بعده ليه ؟




- ظروف .




غمغمت بها كعادته دومًا حين يسألها عن شئ , فاحترم رغبتها وقرر عدم الضغط عليها , وأنهى حديثه قائلاً :




- بليه هينزل يجيب الرجاله ويطلعوا العفش , وده مفتاح الشقه وكل النسخ الى معاه ....




قالها وهو يعطيها المفاتيح وأكمل :




- وارتاحى النهارده وبكره تقدرى تنزلى العياده مواعيدها من 3 العصر ل 9 بليل , وأوقات بيبقى فى طوارئ , عمومًا بكره هعرفك على كل حاجه .




أومأت موافقه وقالت :




- ماشى إن شاء الله .




_____( ناهد خالد )______




مساءً...




ارتمت فوق فراشها بإرهاق بعدما أنتهت من وضع أمتعتها وتنظيمها , تنهدت بعمق وهى تنظر لسقف الغرفه , تتذكر أحداث اليوم بأكمله , مابهِ هذا الطبيب يتعامل معها وكأنها تقربه ! , يخطط لها حياتها , وما بها استمعت لحديثه حين أخبرها أن تتحدث بأدب ! , لا تنكر أنه وسيم وله هيبه خاصه بهِ لم ترى أحد يشبهه من قبل , لا فى منطقتها ولا فى المناطق المجاوره , وعيناه البُنيه تحمل سحرًا خاص و ....انتفضت جالسه وهى تتحدث لنفسها بصوت :




- ايه العبط ده ! أنا بهبب ايه بس , استغفر الله العظيم أما أنام أحسن .




ارتمت على الفراش ثانيةً جاذبه الغطاء فوقها ...




________( ناهد خالد )__________




كانوا يتناولون طعام العشاء جميعًا , حين هتف   " يوسف " ل "سمر " :




- بقلك يا سموره , أعقدى بقى عشان تذاكرى عشان امتحاناتك وبلاش تيجى العياده تانى .




ردت " سمر " باستغراب :




- ايوه بس مين هيقعد مكانى ؟




تنحنح بخفوت وقال :




- جبت بنت تانيه هى هتبقى مكانك متقلقيش .




تسائل " منتصر " بمكر :




- البنت الى سكنت عندنا يا يوسف ؟




رد بإيجاب :




- ايوه هى يا حاج .




ردت " رحاب " باستفسار :




- هى مين دى ؟




رد عليها " منتصر " :




- دى بنت جت المنطقه جديد وسكنت فى الشقه الى فوق العياده , ألا هى اسمها ايه يا يوسف ؟




ذم " يوسف " شفتيه ِ بجهل وقال :




- والله ياحاج مسألتهاش .




ردت " رحاب " باستنكار :




- متعرفش اسمها ازاى وهى هتشتغل معاك!




- هو أنا هعمل ايه بأسمها ياحاجه , وعمومًا هعرفه بكره إن شاء الله .




هتف " منتصر " بخبث :




- لا بس البت ما شاء الله قمر ولا ايه رأيك يا يوسف ؟




نظر يوسف لوالده ليدرك مغزى حديثه فرد بمكر :




- بس لسانها طويل .




قال " منتصر " بجديه :




- طويل لما بتحس أن الى قدامها ممكن يكون بيستغلها وده حقها والزمن ده أصلاً عاوز كده ..




- هو أنتوا بتتكلموا عن ايه ؟




قالها " محمد " بعدم فهم لِمَ يتحدثوا عنه فقال " يوسف " :




- ولا حاجه .




أراد إنهاء الحديث , فلم يحب أن تكن هى موضع الحديث الدائر , ولا يهم لِمَ ....




_____( ناهد خالد )_____




نزلت فى العاشره صباحًا لتشترى ما سيلزمها من طعام , تلفتت حولها تبحث عن بائعين الخضار فهى لا تعرف شئ فى المنطقه , أخذت تسير حتى وجدت نفسها تمر على قهوه بلدى يجلس فيها فردان وربما ثلاث فمازال الوقت باكرًا , كانت ترتدى فستان أزرق غامق ووشاح أسود كالعاده , وتجذب الوشاح لتخفى نصف وجهها , ورغم هذا لم تسلم من المضايقات السخيفه , وجدت أحدهم يقف أمامها فجأه فتوقفت تنظر له بحده ووجدت صعوبه بالغه فى النظر له فكانت لا تصل سوى لأسفل صدره , هتفت بضيق :




- فى ايه يا جدع أنت حد يقف الوقفه دى ؟




مرر إبهامه على شفتيهِ بتفكير ثم قال :




- أنت غريبه عن المنطقه بتعملى ايه هنا ؟




ردت بضيق :




- وأنت مالك ؟ هو أنت كبير المنطقه ؟ !




احتدت ملامحه وهو يقول :




- جرا ايه يابت ماتتظبطى فى كلامك أنتِ مش عارفه أنتِ بتكلمى مين !




لوت فمها بسخريه وقالت :




- أكيد بلطجى الحته. 




ابتسم بسماجه وقال :




- أسم الله عليكِ ياحلوه , قوليلى بقى جايه لمين ؟




ردت ببرود :

- برضو ملكش دعوه , وأبعد عن وشي لأحسن واللى خلق الخلق أفرج عليك المنطقه .

نظر لها بتحدى وقال بتحذير :

- طب اعمليها كده ياروح أمك وأنا أوريكِ مين الى المنطقه هتتفرج عليه ....

تحداها وهو يقسم أنها ستخشى منه وتلتزم الصمت , لكن مالا يعرفه أنها حين تركت منطقة " العزايزى " تركت معها الصمت , وقررت أنها لن تعطى أحد الفرصه كى يكون له سطوه عليها , ومن يومها واتخذت منهجًا جديدًا وقموسًا بهِ كل الكلمات عن أخذ الحق ..ومُحي َ منه الصمت ..وما حدث تاليًا كان خير دليل 

يتبع 

                  الفصل الرابع من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا


تعليقات



<>