
رواية اشتد قيد الهوى الفصل الثاني والعشرون22 بقلم دهب عطيه
منذ الصباح الباكر كان يصفّ سيارته على بُعد مسافة قريبة من المدرسة...
يُظلّل عينيه الخضراوين الغاضبتين بنظارة سوداء تُخفي خلفها ملامح متجهّمة ونظرة حانقة...
كلّ يومٍ يأتي إلى هنا ولمدة أسبوع دون أن يصل إلى شيء. قد توقفت ابنتها عن الذهاب إلى المدرسة... أو ربما هي من تمنعها لأسباب غير واضحة.
نفس تلك الأسباب التي جعلتها تبتعد عنه دون سابق إنذار...
وكأن معرفته لم تعد تُشكّل فارقًا لديها !...
قبض بيديه على عجلة القيادة بعصبية وعيناه تلتقطانها من بعيد آتيةً برفقة ابنتها... ظهرت أخيرًا بعد صبرٍ عظيم منه...
كانت ترتدي طقماً بسيطًا يليق بها... هل توقفت عن ارتداء العباءات؟.....
لماذا تبدو مختلفة أم أنه الشوق ذاك الذي يُحرّك فؤاده ويُشعل قلبه نحوها...
بلع ريقه والغضب يتصاعد بداخله يراها تبتسم ابتسامتها الفاتنة إلى( الفراش) وهي تُسلّم ابنتها أمام البوابة الكبيرة ثم تُحيّيه وتذهب...
وضع صالح يده على مقبض السيارة كان ينوي اللحاق بها في الشارع وأمام الناس لكنه تعقّل وتريّث في تصرفاته ريثما يعرف وجهتها القادمة...
فقد اكتشف خلال هذا الأسبوع أنها لم تَعُد تعمل لدى السيدة كوثر وتركت العمل عندها وبالطبع فعلت ذلك لتُصعب عليه مهمة العثور عليها...
لكن كان من الصعب عليها إخراج ابنتها من المدرسة خصوصًا مع اقتراب موعد الاختبارات...
لم تكن لتُجازف بسنةٍ كاملة ولذلك لم يملّ هو فكان كل يوم ينزل بعد الفجر كي ينتظر بالقرب من المدرسة وأخيرًا رُحمت انتظاراته وظهرت... ولهذا لن يُضيّع الفرصة ويجب أن يعرف مكان سكنها وعملها.
بعد فترة من المراقبة وجدها تترجل من سيارة الأجرة (السبعة راكب) لتقف أمام محلّ ملابس... توقّفت قليلًا أمامه ثم دلفت إليه
بعد ثوانٍ...
عقد صالح حاجبيه وهو يُدقق النظر في ذلك المحل التابع له ضمن سلسلة محلات خاصة بمصنع (الأبرار)...
كلّ الطرق توصلك إليّ..وما زلتِ تُنكرين الأمر.
يبحث عنها منذ سبعة أيام ويتصل بها كل دقيقتين على أمل أن تُجيب على اتصالاته... وفي النهاية تعمل هنا في أحد المحلات التابعة له... مِلكٌ له !....
"شروق..... في حد برّا عايزك..."
اقتربت منها زميلتها في العمل قائلة تلك العبارة... نظرت إليها شروق بحيرة ثم نظرت إلى الزبونة التي كانت تساعدها على انتقاء ما يناسبها....
"مقالش مين؟... "
هزّت الأخرى رأسها وهي تتولى العمل عنها
"لا.... روحي شوفيه... وأنا هقف مكانك."
تركت شروق ما بيدها وخرجت من المحل تتقدم خطوة وتتراجع أخرى نحو سيارة سوداء فارهة مألوفة جدًا لها...
تسارع نبض قلبها حين رأته يفتح زجاج النافذة ويطلّ عليها بنظرات قاتمة تكاد
تبتلعها....
حرّكت أهدابها بتوتر مضطربة غير مصدّقة وجوده أمامها. ظلّت مكانها متيبسة وقد جفّ حلقها وهربت الكلمات منها وهي تتبادل معه النظرات بصمتٍ مشحون.
"اركبي...."
كلمة واحدة لفظها بأمر خشن مهيب.
قالت شروق بصعوبة هاربة من عينيه...
"مش هينفع... صاحب الشغل ممكن يخصملي وأنا ما بقاليش غير يومين هنا."
أطبق على أسنانه بقوة وأعاد الكلمة بأمرٍ قاطع...
"اركبي..."
رفضت شروق بعناد...
"بعد الشغل هنتكلم... بالله عليك متقطعش عيشي...."
زمجر صالح مشددًا على كلماته بغيرة..
"عيشك كده كده مقطوع من هنا... مفيش شغل في أي حتة... وإحنا متفقين على كده."
وخزها قلبها بينما لسانها يخرج كالمشرط يقطع الوصال...
"اتفقنا انتهى.... ولا انت مش واخد بالك؟"
أطال النظر إلى عينيها الهاربة منه وقد أوغر صدره بالغيظ منها ومن جفائها نحوه....
"لا واخد بالي...أمال أنا هنا ليه؟.... اركبي."
قارعته شروق بعناد وتحدٍ...
"لا.... أنا مش هخسر شغلي. نتكلم بعد ما أخلص.... أنا هخلص على الساعة أربعة...
ده اللي عندي... أنا مش حمل خصم... "
ثم غادرت من أمام عينيه المندهشتين إلى الداخل بينما ظل هو جالسًا مكانه بوجهٍ مكفهر وصدرٍ يموج بحنقٍ مكتوم....
وقبل أن ينطق بكلمة قد يندم عليها لجأ إلى هذه الجملة لعلّه يهدأ من ثورته العارمة...
سحب ياسين نفسًا طويلًا وقال بحذق...
"مش عارف... بس دلوقتي مش هينفع أتكلم معاه في حاجة لازم يرجع اللي يخصّه الأول... ساعتها باله هيروق وهعرف أتكلم معاه."
قالت دون تعبير واضح....
"قصدك شروق؟... "
أكد ياسين قائلًا....
"أكيد خدتي بالك الأيام اللي فاتت كان عامل إزاي..."
شردت بنظراتها الحزينة متذكرة الأيام الماضية والتغيّرات التي طرأت على الجميع وكان والدها أولهم.....
"ومين ماخدش باله... قلّة أكله... عصبيته الزيادة عن حدها وهو بيدوّر على أي حاجة تخصّه...قلّة قعدته معانا وإنه أغلب الوقت بيكون برا...بابا اتغيّر أوي... "
رد ياسين بنبرة ذات مغزى يعنيها بكلماته....
"معذور... إن غاب الحبيب عن العين..."
رفعت عينيها إليه سائلة بلؤم...
"وإنت كنت كده بقى؟"
رد بصوتٍ فاض منه العشق...
"أنا طول ما أنا بعيد عنك... واحد تاني معرفوش...."
أفصحت عن مشاعرها بعفوية...
"وأنا كنت هموت في الفترة اللي بعدت فيها عني... ولما شوفتك مع غيري كان هاين عليّا أضربكوا إنتوا الاتنين بالنار."
كان يبتسم وهو يستمع إليها حتى آخر جملة تراجع للخلف مدّعيًا الخوف قائلًا....
"عنيفة إنتي أوي.... "
ابتسمت أبرار له فاعتذر منها بتأنيب ضمير كان يلازمه طوال تلك الفترة منذ أن تعمّد إيذاءها مرة تلو الأخرى...
"حقك عليا يا أبراري... في كل كلمة قولتها."
نمت الغصّة في حلقها فجأة وهي تواجه نفسها أمام مرآة الحقيقة قائلة...
"رغم إن كلامك وجعني... بس هي دي حقيقتي... أنا فعلًا أنانية وفكرت في نفسي طول الوقت..."
لاح الندم في صوته وهو يخبرها...
"مش حقيقة... إنتي كنتي بتتصرفي بدافع الحب...."
قالت أبرار بتهكم...
"حب أناني... المهم إني أكون مبسوطة ومش مهم اللي حواليّا..."
ثم نظرت إليه وتحشرج صوتها وهي تصل إلى ذروة الشجاعة متقبّلة الوضع قبل أن يُفرض عليها....
"بس زي ما قولتلك... مش هزعل لو بابا اتجوز بالعكس...زي ما أنا فكرت في حياتي معاك من حقه هو كمان يفكر يعمل لنفسه حياة وعيلة... ويارب أكون أنا فيها... "
شعر ياسين بوخزة شديدة في قلبه فور تفوهها بتلك الكلمات فهو من دفعها لهذا اليقين لكن بقسوة هي أرقّ من أن تتحمّلها
"يا هبلة... مين يقدر ينساكي؟!...
ده أبوكي وإنتي بنته الوحيدة... وحتى لو
ربنا كرم وخلف انتي هتبقي أختهم الدكتورة اللي هيتباهوا بيها قدام الناس وفي كل حتة...
بلاش تفكري بالطريقة دي..."
ثم استرسل بصوتٍ دافئ حاني....
"والعيلة اللي هو هيعملها... إنتي فرد أساسي فيها.... وأنا وإنتي هنعمل عيلة صغننة كده جنبه..... وكلنا هنكون في بيت واحد... مش هاخدك وأهرب أنا..."
ثم مد يده يقرص وجنتها قائلاً بتسلية...
"بس ممكن آخدك وأهرب... لو أبوكي ركّز معايا وعمل عليّا حما...ما أنا عارفه مش بلعني... "
استطاع بعدة كلمات أن يخرجها من قوقعة حزنها وهي تدافع عن والدها بحب...
"حرام عليك... ده بابا بيحبك أوي..."
ضاقت عيناه بشك قائلًا...
"بيحبني عشان أنا ابن أخوه... لو بقيت جوز بنته الوضع هيختلف... "
تدللت في امتناعها....
"مفيش جواز غير لما أخلص الجامعة يا ياسين..."
نظر إليها وهي تنهض من أمامه وقال
بقنوط...
"ومين عنده صبر يستنى خمس سنين؟!"
مسك يدها مجددًا قبل أن تفلت منه...
"استني... مفيش حاجة تحت الحساب بمناسبة إنك وقعتي في دباديبي أخيرًا..."
نزعت يدها عنه بصعوبة قائلة بتغنّج...
"لمّا نبقى نتجوز..."
زمّ فمه متذمرًا معترضًا....
"اللي هو كمان خمس سنين؟!... اعملي حسابك أنا مش بتاع خطوبة هكتب عليكي وابقى استنى الخمس سنين.. "
تورّدت وجنتاها بخجلا بعيدًا عن عينيه
ثم ادعت الحنق قائلة....
"آه يا قليل الأدب... عشان تاخد راحتك... "
غمز لها بشقاوة...
"أحبك وإنتي معايا على الخط..."
ثم ضحك ياسين ضحكة مفعمة بالسعادة والحياة أشرق معها وجهه وتلألأت عيناه مجددًا بالحب...
بينما هي خرجت راكضة من أمامه بوجهٍ متورّد وقلبٍ يخفق بين أضلعها بنشوة
الحب...
..............................................................
تشعر أن ساقيها رخوتان لا تحملانها بالقدر الكافي فتستند على سور السلم بيدين ترتجفان رجفة تشبه رجفة قلبها وهي
تذرف الدموع بلا صوت....
الرؤية ضبابية أمامها والدرج ممتد إلى ما لا نهاية.... صدرها يضيق وأنفاسها تتقلص بين رئتيها بقسوة وكأن جسدها يحتضر... يناجي الموت حتى يأتي ويخلّصها من عذابه...
يصبح الموت رصاصة الرحمة التي نتمناها حين تضيق بنا الدنيا ونواجه ما لا نقدر على احتماله.....
وصلت إلى باب الشقة ووقفت أمامه قليلًا بأكتاف متهدّلة بالخيبات وعينين تحملان نظرة مأساوية في حزنهما تعكس كسرة قلبها وغصّة الخزي التي تجرح جوفها....
دخلت بالمفتاح ووصلت إلى غرفتها التي تتشاركها مع أختها...
ألقت حقيبتها جانبًا ونزعت حجابها بعنف غير مبرر هكذا رأتها ندى التي كانت منشغلة في رسمتها الجديدة
عن رجلٌ ينتزع قلب امرأة عنوةً عنها ويحدّق فيها بظفرٍ لعين بينما هي على وشك الموت بملامح تستغيث بالرحمة....
لمحت نهاد الرسمة جيدًا وهي تنزع ملابسها بنفس العصبية...
"مالك يا نهاد؟... "
سألتها ندى وهي ترى شحوب وجه أختها وعينيها الحمراوين المتورمتين وكأنها تبكي منذ ان خرجت قبل ساعتين....
"مفيش..."
قالتها نهاد وهي تنهي ارتداء المنامة ثم توجهت نحو فراشها تندس أسفل الغطاء وتخفي وجهها عنها....
زمت ندى شفتيها بضيق ولم يُرِح الرد قلبها فعادت إلى الرسم الذي اكتشفت أنها أبدعت فيه أكثر من أي وقت مضى حتى تعابير وجهيهما بدت معبّرة لدرجة تنبض بالألم...
نظرت مجددًا إلى أختها لترى جسدها يهتز أسفل الغطاء فتأكد حدسها أن الرسمة ما هي إلا انعكاس لشعور متصل بينهما منذ الصغر.
تركت ندى ما بيديها ثم اقتربت من أختها تنزع عنها الغطاء برفق قائلة بمرح....
"مفيش حد بيتغطى في عز الحر خصوصًا
إنك بترفسي الغطا في عز الشتا...وكل شوية بصحى أغطيكي خوفًا تبردي وتعديني."
نظرت إليها نهاد وهي تستلقي على ظهرها رافضة أن تتحرك بينما استرسلت ندى في حديثها وعيناها تتفحصانها مليًا...
"أصل معروفة... مسافة ما بتتعبي أنا باخد الدور وراكي على طول... ولما بتزعلي ببقى أول واحدة ملاحظة ده عليكي مهما خبيتي... فبلاش تقولي مفيش حاجة.... عشان فيه ودموعك اكبر دليل على ده..."
اعتدلت نهاد في نومتها جالسة رافضة التحدث لكن عينيها كانتا تحكيان الكثير.
سألتها ندى بشك....
"انتوا شديتوا مع بعض؟... انتي قولتي إنك خارجة معاه... إيه اللي حصل الخطوبة كان دمها تقيل؟... أحرجك قدام حد؟"
أسدلت نهاد عينيها تحدق في رسمة الغطاء التي لم تدقق في تفاصيلها يومًا....
سألتها ندى بإلحاح وقلق....
"يا نهاد ردي... أنا أختك توأمك يا هبلة... لو مش هتفتحي قلبك ليا.... هتفتحي لمين؟"
تجمعت الدموع في عيني نهاد حتى تشوشت الرؤية أمامها وهي تقول بتلعثم....
"سلامة سبني يا ندى...قال إنه مش عايز
يكمل معايا..."
اتسعت عينا ندى بصدمة بينما ألقت أختها نفسها بين ذراعيها باكية بحرقة......
أطلقت ندى صيحة مستنكرة...
"هو اللي سابك؟!.. بعد كل اللي عملتيه
عشانه ده إنتي كنتي ناوية تقطعينا كلنا لو
حد اعترض عليه وأنا أول واحدة كنتي هتعملي معاها كده.... هو اتجنن؟! هو اللي
بقى شايف نفسه دلوقتي؟! لما ضمن حبك..."
زاد نحيب نهاد حدة فربتت ندى عليها تقول بحمائية....
"ممكن تهدي... بطلي عياط... هتموتي نفسك عشانه؟!.... "
قالت نهاد بصوت مختنق بالبكاء....
"أنا مش عارفة ليه عمل كده... أنا وافقت على كل حاجة... قال هتقدملك قولت موافقة وهقف قصاد أهلي والناس عشانك... قالي
مش هتعلم بعد ما وعدني قلت خلاص... قال هشتغل وهحاول أجيب شقة نتجوز فيها ما اعترضتش مع إني كان نفسي يكمل تعليمه ويبقى إنسان تاني... بس طالما هو مش عايز خلاص..."
سالت الدموع من عينيها بغزارة وهي تقول بتهدج....
"إيه اللي غلط فيه... عشان حضرنا فرح ناس صحابي سوا..... أنا كنت عايزة أبقى معاه والناس تشوفنا سوا... مكنتش عايزة أحرجه ولا كان في ضميري حاجة..."
همست بأنين يعتصر أحشاءها....
"اتهمني إني جايباه هنا عشان أفرّجه على صحابي وأفرحهم... وأجرحه قدامهم ظلمني وأنا والله مفيش في ضميري حاجة..."
همست وسط شهقات تكاد تمزق نياط
قلبها...
"ليه أعمل كده..... اتخلى عني ليه في أول خلاف بينا؟... "
هتفت ندى بغيظ...
"كنتي قولتيله طالما هو غبي وبيحكم وخلاص..."
قالت نهاد بصوت ضعيف....
"قولت كل حاجة ينفع تتقال... صمم إنه مش عايز يكمل... ومن الأول مكنش ينفع نبقى مع بعض..."
انفجر الغضب في صدر ندى وهي تصيح بكراهية....
"يا سلام !...وهو اللعب بالمشاعر وببنات الناس سهل عنده؟!.... شوية بحبك وعايزك... وشوية مش عايز أكمل ومينفعش نكون مع بعض..."
ثم أضافت بمقت...
"هو من الأول مين اللي انسحب من لسانه واعترف إنه بيحب التانية مش هو.... جاي دلوقتي لما اتأكد من حبك ليه وضمن وجودك يشتري ويبيع فيكي ده عايز وقفة..."
ابتعدت نهاد عن أختها تواجهها بنظرة محتدة محذرة....
"إياكي تعملي حاجة يا ندى... إياكي..."
فغرت ندى فمها مصعوقة من ردة فعلها الساذج لذلك صبت جم غضبها عليها قائلة
"لسه خايفة على مشاعره؟!.... بالله عليكي
هو قدّر مشاعرك ولا اهتم بيها... إزاي يسيبك تمشي وإنتي في الحالة دي... وليه يكسر قلبك وفرحتك...ده إنتي كنتي خارجة من هنا طايرة من الفرح إنك هتكوني معاه..."
ثم حدجتها بحيرة متعجبة من تعلقها المريض
"نهاد انتي بعد كل ده مقتنعة إنه يستاهلك؟! والله لا يستاهلك ولا يعرف قيمتك... والحب فيه خسارة....لأنه مش جدير بيكي..."
ثم حركت شفتيها بشراسة مشددة على الحروف....
"الراجل اللي يفش غلّه وخيبته في واحدة ست... بتحبه يبقى نطع وخسارة فيه الحب ونظرة العطف حتى..."
هزت رأسها وهي تقول باستهجان...
"حقيقي مستغرباكي... أوعي تقوليلي إنك هترجعي ليه بعد اللي حصل؟!"
هربت نهاد من السؤال وهي تلقي نفسها بتعب بين ذراعي أختها هامسة بلسان ثقيل وكأن الحديث صار مجهودًا كبيرًا عليها في تلك اللحظة تحديدًا...
"ندى بالله عليكي كفاية... سبيني أنام في حضنك لو سمحتي... عايزة أنسى..."
تلقفتها ندى بين ذراعيها بصبر وحب وهي تقول بعطف....
"هتنسي يا نهاد... لو حبيتي نفسك أكتر وقدرتيها.... هتنسيه والله... حاولي..."
وكل محاولاتي في نسيان حبك انتهت بفشلٍ ذريع فكيف لي أن أنسى جرحك؟...
الأمر أشبه بالمستحيل...
أغمضت عينيها بتعب وانسابت دمعتان على وجنتيها قبل أن تستكين في أحضان أختها كمن وجد أخيرًا ملاذه....
...............................................................
تتحرك هنا وهناك كالفراشة بينما عطرها ينتشر حوله كوردة تتفتح في موسم الربيع....
خطواتها الأنيقة تشع أنوثة لا تُقاوَم يشعر بأنها تسير على حافة قلبه يتفاعل معها بخفقات عالية وكأنها الموت والحياة في آنٍ واحد.
تشبه الحب في كماله...
امرأة يبدأ معها كل شيء.... ودونها يصعب تخطي أي شيء !....
ينتابه الخوف من ضياعها في غمرة عنادها وتكبرها تقسو عليه وتطرده من جنتها.
يخشى على هذا الحب... ويخشى عليها من نفسها....
عاد إلى الرسمة التي لم تكتمل بعد كقصة بدأت لتوّها معالمها مبهمة لكن كاتبها شغوف بالوصول إلى نهايتها.
لم يشعر بنفسه وهو يطلق تنهيدة طويلة وصلت إلى مسامعها فتوقفت عمّا تفعل وهي تستدير إليه....
تتمعن في النظر إليه يبدو مهمومًا يرهق نفسه في العمل والتفكير... وفي كثير من الأوقات يصبح بعيدًا عنها بفكره ومشاعره. ماذا يحدث معه؟
"مالك يا أيوب؟... "
انطلق لسانها بهذا السؤال بحاجب معقود وهي تقترب منه بخطوات هادئة ثم جلست على مقعد أمام طاولة الاجتماعات بالقرب منه.
كانا يعملان في قاعة الاجتماع أغلب الأوقات بعيدًا عن مكتبها والموظفين...
طال أيوب النظر إلى وجهها وعينيها قليلًا وكأن هناك ما يود قوله وعاجز عنه.
"إنت مخبي عني حاجة؟"
ألقت السؤال بعينين حائرتين فساد الصمت أمام تأمّله القوي لها أربكها وخفق قلبها هاتفًا باستنكار مع ابتسامة خجولة...
"بتبصلي كده ليه؟.... أول مرة تشوفني؟"
هتف أيوب دون مقدمات....
"لسه بتجيلك رسايل؟"
هزّت رأسها نافية وقد سقطت ابتسامتها الناعمة وهي تتساءل....
"لا... وصلت لحاجة؟"
ردّ عابسًا مفكّرًا....
"مش بالضبط بس مصيرنا نعرف مين ورا الرسايل..."
ثم لمعت عيناه العابثتان بالفطرة قائلًا...
"صفصف بتسلم عليكي وبتقولك مش ناوية تيجي تزورينا تاني؟"
زمت فمها بدلال رافضة....
"المروحة بتاعتكم وجعت ضهري."
التوى فكه متهكمًا....
"ده على كده التكييف مريح للعَضْم؟"
أومأت برأسها بتغنج تشاكسه بعينيها...
"جدًا.... لما تجيب تكييف هتعرف."
قال أيوب بعد تنهيدة حارة....
"ربنا يدينا أجيب بس الشقة وبعدين التكييف."
سألته وهي تحرك القلم الذهبي بين أصابعها بخفة....
"وبالنسبة للعروسة؟"
زاد ألق عينيه العابثة وهو يقول بمناكفة...
"دي على صفصف... هي بتدور ليا متقلقيش."
اغتاظت من رده المستفز...
"والله؟... وحضرتك صغير عشان حد يدور لك؟"
بنظرة مداعبة أخبرها بصوت أجش...
"ما هو إنتي مش فاهمة يا حلاوة أنا ناوي أتجوز أربعة واحدة أمي تختارها ليا وواحدة إخواتي البنات ودي غالبًا هتكون واحدة صاحبتهم... وواحدة كيرفي.... وواحدة اختيار قلبي."
أشار على صدره بابتسامة متفاخر فجزّت على أسنانها بغضب والغيرة تنهش صدرها.....
"جاك وجع في قلبك."
قالتها نغم وهي توجه له لكمة في صدره ثم أضافت بضجر...
"ركز في التلاتة وسيب قلبك على جنب
مش لازم تراضيه."
رفض أيوب وعيناه تكتسحانها ككلماته...
"مقدرش ده أهم حاجة قلبي... ولا إيه يا قلبي؟.... "
رمقته شزرًا معقّبة بسخط...
"أنا مش قلب حد...ركز في رضا أمك وإخواتك البنات و... إنت قولت التالتة إيه؟"
أجابها بغمزة وقحة....
"كيرفي... أصل ده نوعي المفضل."
سحبت نفسًا حادًا وهي تشيح بعينيها عنه ناظرةً إلى الملف أمامها...
مال أيوب عليها قائلًا ببراءة...
"إنتي قفشتي ليه؟..... الكلام أخد وعطا."
أمرته بسطوة أنثى....
"بُصّ في ورقتك."
قطّب جبينه عابسًا وهزّ رأسه وهو ينظر
حوله...
"بُصّ في ورقتك؟!.... هما هيلموا الورق إمتى؟ إنت يا كل الحب.... رد عليا."
خبط كتفه بكتفها وعيناه لا تبتعدان عنها ولو لثانية حتى ردّت عليه متاففة...
"عايز إيه؟"
نظر إلى الورقة ثم لعينيها الهائجة بالغضب وقال بمزاح....
"السؤال رقم أربعة كله اختيارات... أختار إيه؟... "
ردّت واجمة...
"اختار الكيرفي."
شملها بنظرة غير بريئة وهو يقول بمناغشة..
"ما يبقاش قلبك أسود... طب ما إنتي كيرفي برضه.... بس على خفيف."
رفعت حاجبها بضجر...
"والله؟"
أومأ قائلًا بمشاكسة....
"وبعدين إنتي محتاجة حلة محشي كل يوم والدنيا هتظبط معاكي."
زمت فمها معترضة وهي تقول....
"بس أنا بعمل حِمية وماشية على نظام."
ظهر الإزعاج على وجهه وهو يقترح عليها بلؤم.....
"ما هو ده اللي جايبك ورا... أقولك تعالي اتغدي عندنا كل يوم...أنا أمي حبتك وإخواتي... يبقى كده فاضل نوصل للمرحلة التالتة وتبقي بالأربعة."
انتفخ أنفها تلقائيًا مع ارتفاع وجهها بعزة نفس وهي تقول بثبات...
"أنا بالأربعة من غير ما أوصل لحاجة... ولو مش عاجبك.... الباب يفوت قطيع."
ارتفع حاجباه بصدمة جافلًا ثم ظهر الغيظ عليه وهو يعقّب بغضب مكتوم...
"قطيع؟!.... الكلمة دي بتنرفزني أوي... هي أصلا إسمها الباب يفوت جمل. جبتي قطيع
دي منين؟"
ردّت نغم بلا مبالاة....
"ده باعتبار إن الباب كبير أوي... وبعدين ما تلعبش بالنار وترجع تشتكي أنا بعرف أرد."
ردّ ساخرًا...
"تصدقي كنت فاكرِك خرسة.... "
مد أيوب يده وأعاد خصلة من شعرها خلف أذنها ومع تلك اللمسة ارتجف قلبها وسرت قشعريرة في كامل جسدها وهي تنظر إلى عينيه التي تحتويها بدفء العالم....
"مروحتنا وجعت ضهرك بجد؟"
سألها باهتمام أذاب غضبها منه وأشعل قلبها نحوه أكثر....
قالت نغم بجزع....
"هي مش بتجيب هوا أصلًا."
سألها وعيناه تُغرقانها في أمواج عالية وكأنها تحلّق بين كلماته ونظراته....
"عشان كده جيتي وقفتي معايا في البلكونة؟"
ابتسمت برقة وأكدت دون مناورة...
"تقريبًا كنت بتلكك عشان أبقى معاك."
بصوت عميق متلهّف اعترف لها...
"وأنا كنت مستنيكي في البلكونة وعارف إنك هتيجي.... "
شردت بعينيها قليلًا وهي تتذكر منذ أيام
حين ذهبت معه إلى البيت واستقبلتها عائلته قضت معهم بعض الوقت ثم نامت في غرفة الفتيات على سرير ندى بينما التوأم ناما في السرير الآخر بجوار بعضهما...
وقتها كانت مروحة السقف بالكاد تأتي بنسمة هواء ناهيك عن صوتها العالي وكأنها صرخات لامرأة تستغيث. كانت متعجبة من أن التوأمين قد ذهبا في ثبات عميق وسط هذا الضجيج العالي المزعج والمرعب...
بالطبع مرعب فعندما فتحت عينيها بملامح منزعجة تنظر إلى السقف رأت المروحة تتراقص يمينًا ويسارًا كمن أصابه مسّ وكأنها ستسقط محطّمة رأسها هي والتوأم....
شعرت بالاختناق في هذا الجو الشوب وعقلها بدأ ينسج لها أبشع التخيلات عن مقتلها بسبب مروحة راقصة....
أبعدت الغطاء عنها وخرجت من الغرفة وهي ترتدي منامة خاصة بنهاد تلك التي تحوي رسمة كرتونية لشخصية (مارد وشوشني)
تعجبت من أن نهاد أعطتها نفس المنامة بحكم أنها جديدة كما أخبرتها المرة السابقة وهذه المرة أيضًا...
لم تُتح لها الفرصة للتفكير وهي تخرج معه يدها بيده يهربان من العالم والمشاكل التي تحيط بها إلى منزله الآمن الدافئ حيث عائلته وهو.
فتحت الثلاجة وأخرجت زجاجة ماء شربت منها ثم أخذتها معها وتحرّكت إلى الشرفة التي تعرف مكانها جيدًا....
وكأنها صاحبة البيت تسير بأريحية ولو رأتها صفية لكانت دقّت عنقها في الباب... هكذا فكّرت وهي تفتح باب الشرفة وتدلف إليها.
توقفت مكانها شاهقة وهي تلاحظ من يقف مستندًا على السور....
عقد أيوب حاجبيه متعجبًا وهو يراها أمامه...
رغم أنه كان ينتظرها ويراهن على قلبه أنها ستأتي إلا أن رؤيتها أدهشته فعلًا فعلق عينيه عليها لبرهة ثم قال....
(إيه اللي مصحيكي دلوقتي؟ الساعة لسه خمسة ونص...)
بعد أن ذابت الصدمة عنها اقتربت منه مسندة على السور مثله وهي تقول...
(أنا مش عارفة أنام من الحر...)
سألها أيوب....
(ليه المروحة مش شغّالة؟!..)
مطّت شفتيها باستياء....
(هي تقريبًا مشكلتها إنها شغالة...)
استغرب ردها وسأل....
(مش فاهم...)
قالت نغم بوجوم...
(يعني محتاجة تتصلح... أو تترمي ويتجاب غيرها... لأن بصراحة حرام تفضل في أوضة البنات...)
عقّب أيوب باستنكار...
(بس البنات عمرهم ما اشتكوا منه دي عندهم من زمان...)
قالت نغم ببساطة...
(ده سبب كافي تغيرها... على فكرة الأحسن تجيب تكييف...)
التوى فمه هازئًا وتجلى السخط في نبرته وهو يقول بمزاح ثقيل...
(والله أنا ونص الشعب المصري نفسنا نجيب تكييف بس خايفين ناخد برد في عضمنا فبنشغّل المراوح... أهي حاجة من ريحة
الزمن الجميل.)
رمقته شزرًا...
(إنت بتتريق عليّا؟!...)
نظر أيوب إلى الشارع متمتمًا...
(اللي مش بيشوف من الغربال بيبقى أعمى...)
سألته بعدم فهم...
يعني إيه؟...)
"لا.... ولا حاجة... هاتي أما أشرب..."
مد أيوب يده ليتناول منها زجاجة الماء التي شربت منها للتو لكنها رفضت قائلة...
(لا مش هينفع..... أنا شربت منها...)
سألها عابسًا...
(وأي المشكلة؟...... إنتي عندك برد؟)
فغرت فمها مستنكرة...
(هو ده السبب الوحيد اللي يخليك متشربش مكان حد؟!...)
أومأ أيوب مؤكدًا....
(أيوه... كله إلا البرد....)
فقالت نغم بأنفة...
وبالنسبة للمكروبات والفيروسات الخفية اللي ممكن ننقلها من بقّ بعض؟...)
برقت عينا أيوب فجأة وهو يسحب الزجاجة منها قائلًا بتلذذ وهو يشرب من فوهتها مباشرة...
(إيه ده مكروبات وفيروسات خفية.. ده
نوعي المفضل.....)
أنزل الزجاجة عن فمه بعد أن شرب متمتمًا بوقاحة...
(حلوة حلاوة...)
احمر وجهها خجلًا وقالت بضيق...
(إنت وقح... وقليل الأدب...)
دافع عن نفسه بخشونة...
(فين الوقاحة؟!... أنا كنت عطشان على فكرة...)
تبرمت قائلة...
(بجد... وشربت !...)
هز رأسه وبنظرة ذات مغزى مال عليها
قائلًا....
(لسه... مش ناوية تبلي ريقي يا حلاوة؟)
تراجعت نغم خطوة للخلف قائلة بتهديد...
(ممكن أنادي طنط... هي اللي تبل ريقك.)
تراجع أيوب عما كان ينوي فعله قائلًا..
(لا.... وعلى إيه... الطيب أحسن...)
ضحكت نغم وهي تستند على سور الشرفة بظهرها قائلة...
(بس واضح إن مامتك بتحبك قوي وبتغير عليك أوي....)
وقف مثلها وأعطاها نظرة عابثة وهو يغمز لها قائلًا...
(أنا أتحب وأستاهل الغيرة... ولا إنتي شايفة إيه؟...)
قالت نغم بقلق...
(شايفة إني أكيد هتعب مع مامتك..)
طمأنها أيوب بنظرة مداعبة...
(صفصف دي مفيش أطيب منها... إنتي بس راعي ابنها وهي هتراعيكي...)
سألته بسذاجة...
(وأراعيك إزاي بقى؟..)
ارتفع حاجبه بدهشة مع اهتزاز رأسه بعدم رضا....
(من قلبك بتسألي؟!... إنتي مش عجباني... محتاجة تاخدي كورس على إيد العبد لله يمكن تتلحلحي...)
سألته بلؤم...
(كورس لغات؟!..)
قال بملامح مستنكرة وبجدية...
(لغات؟!.... أيوه محتاجة تاخدي كورس في أهم لغة في العالم...)
سألته برقة....
(اللي هي؟...)
أجاب باختصار...
(الحب...)
ابتسمت نغم بدهشة جميلة بينما واصل هو بعذوبة...
(تيجي أديكي دروس في الحب... وأعلمك...)
سألته بنظرة أنثوية ناعمة..
(وإنت شاطر على كده ؟...)
هتف دون تفكير..
(اسألي عني أي حد....)
انقلبت ملامحها فجأة مائة وثمانون درجة سائلة بضجر...
(والله... وعلمت الحب لمين يا أستاذ؟..)
ابتسم أيوب وهو يرى شرارات الغيرة تشع من رماديتيها فقال معترفًا....
(إنتي أول واحدة....)
قالت بسطوة أنثى...
(وآخر واحدة ولا لسه بتفكر؟...)
رضخ لأمرها قائلًا بمداهنة...
(لا براءة.. هو حد يشوف الحب ويدوّر على بديل؟...)
(بقولك إيه... تيجي ننزل نفطر؟..)
سألته باستغراب...
(نفطر فين دلوقتي؟..)
قال أيوب بابتسامة جذابة...
(هقولك... تيجي معايا؟...)
أومأت نغم برأسها
(مش محتاجة سؤال... معاك...)
نظر أيوب إلى الطبعة الموجود على منامتها وقال بمزاح...
(طب روحي غيري... وشوشني ده وتعالي...)
نظرت نغم مثله وقالت بقرف...
(شكله بايخ أوي...)
استفزها قائلًا...
(تصدقي فيكم ملامح من بعض؟...)
تصدق إنك قليل الذوق... شوف مين هينزل يفطر معاك...)
لكمته نغم في صدره بضيق ثم غادرت الشرفة بينما هو بقي مكانه يضحك بملء شدقيه عليها...
كانا يقفان بجوار بعضهما أمام عربة الفول في الشارع وضع أيوب اللقمة في فمه وهو ينظر إلى نغم قائلاً بمزاح...
(يعجبني فيكي شخصيتك القوية... كلمتك مش بتنزل الأرض أبدًا... لا بجد أنا أمي داعيالـي...)
احمر وجهها بالحرج وهي تبرر موقفها قائلة..
(على فكرة أنا مكنتش هنزل ولا هعبرك... بس ده عشان جعانة مش أكتر...)
ابتسم أيوب بسمة جانبية ثم على صوته إلى صاحب عربة الفول قائلاً...
(ونبي يا عمنا كتر من الزيت الحار...)
مالت عليه نغم هامسة...
(خليه يجيب مخلل...)
أومأ أيوب موافقًا بصوت مسموع...
(مخلل وبصل أخضر يا عمنا... عايزين نتعمي على الصبح...)
ضحكت نغم وهي تضع في فمها اللقمة المغموسة بالفول مستمتعة بطعمها الغني...
(أنا أول مرة آكل على عربية فول...)
رد عليها أيوب بغرور....
(عشان تعرفي إني مش حارمك من حاجة... إيه رأيك؟..)
وضعت لقمة أخرى وهي تنظر إلى رغيفها مصدومة...
(الفطار طعمه حلو أوي ويفتح النفس... ده أنا قربت أخلص الرغيف...)
تبرم أيوب ساخرًا معقبًا...
(أنا إخواتي البنات بياكلوا الرغيف ده وهما بيحضروا الفطار... كلي يا نـغـم وارحمي أمي العيانة...)
قالت بفتور....
(أنا أصلاً مش بحب أفطر...)
أردف أيوب بخشونة...
(معايا لازم تحبي كل حاجة... تحبي الحياة والناس... وأهم حاجة تحبيني...)
رفعت عينيها إليه بدهشة...
(يا سلام .... وانت عندك شك؟...)
هز رأسه وهو يحتويها بنظرة خاصة...
(لا.... بس أحب أسمعها على طول...)
تنهدت نغم بنعومة وهي تقول بعينين تنبضان بالعشق...
(والله بحبك يا أيوب...)
(ألف مبروك يا أيوب..... الفرح إمتى؟...)
جفل الاثنان بعيون متسعة وهما ينظران إلى المرأة الواقفة خلفهما وكانت إحدى الجارات التي يعرفها أيوب منذ الصغر....
"أم سماح؟!........ خير؟!"
برقت عينا المرأة بسعادة لا توصف وكأنها حصلت على كنز ستحكي عنه لمائة عام قادمة....
بدأت توزع عليهما النظرات القوية بسعادة عارمة تثير القلق وهي تجيب...
(كل خير... البنية قالتلك بحبك... الشبكة إمتى؟..)
توجست نغم وهي تتبادل مع أيوب النظرات
(الشبكة إمتى؟!)
وقبل أن يرد أيوب اندفعت المرأة قائلة بتطفل.....
(شكلك جديدة هنا... بصي بقى أيوب ده الحيلة بتاعتنا آه... عايزين نحضر فرحكم قريب...)
هتف الاثنان معًا في نفس واحد....
(فرحنا؟!....)
أومأت السيدة وهي تقول بعجالة...
(وتشدي حيلك كده... عايزين نشوف عيالكم...)
اختنقت الكلمة في حلق نغم وهي تخرجها بصعوبة....
(عيالنا؟!....)
هتف أيوب معترضًا وهو يمسك نغم من
يدها....
(شوية وهتقولك اتأخرتي ليه في الخلفة... الحياة سريعة عندها... يلا بينا...)
سألته السيدة جافلة بنظرة فضولية وهي تراه ينوي المغادرة بعد أن دفع ثمن الفطار....
(رايح فين يا أيوب؟!...)
(رايح أشتري هدوم البيبي...) قالها وهو يسرع الخطى هو ونغم في شارع نهايته البحر مباشرة....
ارتفع حاجب المرأة مصدومة (هو خلف؟!..)
ضحكت نغم بقوة حتى دمعت عيناها وهي تجلس بجواره على صخرة أمام البحر...
(بجد ست فظيعة...)
رفع أيوب زجاجة المياه الغازية على فمه وأخذ منها القليل ثم أنزلها وهو يرد عليها....
(لا.... أم سماح دماغها مهوية... بس طيبة...)
أخذت نغم رشفة كذلك من مشروبها الغازي وهي تتأمل زرقة البحر والشمس الساطعة فوقه بدفء ينتشر في المكان مع نسمة
الهواء المنعشة...
(حلو البحر أوي النهاردة...)
رد أيوب وهو ينقل عينيه بين البحر وعينيها قائلاً بصوت عذب...
(البحر مع عينيكي حاجة تانية...)
توردت وجنتاها بحياء ثم تنهدت بحيرة قائلة ما يعتمل في صدرها..
(تعرف إنك تركيبة غريبة... ملغبطاني...)
سألها أيوب....(إزاي يعني؟...)
نظرت إلى البحر وهي تقول بنظرة حالمة وكأنها ترسم لوحة..
(يعني أوقات دمك خفيف... وأوقات بداري غضبك بنفس الطريقة بخفة دم وسخرية... أحيانًا جد... وكتير بتبقى ضارب الدنيا طناش ومش فارق معاك حاجة...
(ساعة حنين وساعة عصبي... كلامك في الحب حلو... وساعات كتير بترمي دبش وكأنك عمرك ما قولت كلمة حلوة...
(جدع وشهم وطيب... وبتحب أهلك وتفديهم بعينيك...تركيبة غريبة حلوة وفي نفس الوقت متعبة...)
اندمج معها بالحديث وهو يقول بصدق بينما عينيه تأسرها بالحب...
(ليكي حق تتلغبطي... أنا ذات نفسي ساعات بستغرب نفسي... الحقيقة إن أنا كل دول يا نغم... وزيدي عليهم إني بحبك وعيني مش شايفة غيرك...)
أسبلت جفنيها وقد داعبت شفتيها ابتسامة ناعمة وهي تهمس له بحرارة..
(وأنا كمان يا أيوب بحبك أوي... ومش شايفة حد غيرك...)
انتفضت نغم من شرودها جافلة على صوت أيوب الذي ضرب سطح الطاولة الاجتماع أمامها وهو يقول....
"يا عم السرحان... روحت فين؟"
قالت بجدية وهي تنظر إلى دفتر الرسم
أمامه....
"معاك... خلصت التصميم."
أغلق أيوب الدفتر قائلاً بإرهاق...
"على وشك... تيجي ناخد نص ساعة راحة؟"
سألته نغم....
"وهنعمل فيهم إيه؟"
أسند مرفقه إلى سطح المكتب وأراح ذقنه في كف يده هامسًا بنظرة ونبرة مداعبة...
"نحب في بعض..."
تخضبت وجنتاها ممتنعة بغنج....
"أيـوب..."
أقنعها أيوب بنظرة جذابة تلمع بالعبث الفطري الذي يصعب مقاومته....
"هنستريح وإحنا بنحب في بعض..."
ضحكت نغم برقة وهي تومئ برأسها موافقة..
"إذا كان كده..... ماشي..."
غمز لها قائلاً بغلاظة....
"معجب جدًا بشخصيتك القوية..."
امتقع وجهها وهي تقول بأمر....
"بطل غلاسة... وبص قدامك..."
لم تتحرك عيناه عن وجهها وعينيها مما جعلها تعود بعينيها إليه هامسة برجاء....
"إيييوب..."
ابتسم أيوب عيناه تكتسحانها ككلماته وهو يسألها بخبث....
"نفسي أعرف دي عنيكي ولا عدسات..."
تبرمت بملل قائلة....... "عدسات..."
زم فمه مدعيًا التجهم....
"مفيش فايدة يعني..."
أومأت برأسها وهي تهرب من عينيه القويتين القادرتين على إذابة عظامها عشقًا فما بالك بقلبها الذي انصهر وانتهى الأمر !
.................................................................
أوقف أيوب السيارة النصف نقل الخاصة به في منطقة راقية ثم ترجل منها ورفع عينيه نحو الطابق المنشود....
فبعد بحث دام أسبوعين تمكَّن من تحديد مكان رقم الهاتف الذي كان يرسل لنغم الرسائل بمساعدة صديق سلامة (الهاكر) الذي حدد الموقع واتضح أنه هنا....
وبما أن أيوب وسلامة يعرفان عنوان بيتها جيدًا من مراقبة سلامة السابقة لها فلم يكن أمامهما سوى ربطها بهذه الرسائل واحتفاظها برقم (آسر العزبي)... أو ربما يكون آسر نفسه حيًا ويقيم في شقتها متخفيًا عن رجال الشرطة....
الأسئلة كانت تدور في رأسه كزوابع لا تهدأ لكن كل ما يعرفه أنه يجب أن يواجه تلك المرأة ويعرف الحقيقة التي كلما اقترب
منها ابتعد عنها أكثر....
بعد قليل كان يضغط على جرس الباب
منتظرًا أن تفتح له بملامح جافية ونظرة جامدة متأهبة....
فتحت جيداء باب الشقة بملامح هادئة وبسمة خبيثة غير مطمئنة....
عقد أيوب حاجبيه إذ بدا له أنها لم تتفاجأ بوجوده وكأنها كانت بانتظاره !...
وبالفعل كانت جيداء بانتظاره على أحرّ من الجمر فهي ألقت الطُّعم وهو تلقفه مدعيًا الذكاء والدهاء...
ونسِي أنه يتعامل مع امرأة تتلون كالحرباء حتى تنال ما تريد....
ومنذ ظهور أيوب عبدالعظيم في الصورة وهو يفسد مخططاتها بشهامته الزائدة عن الحد
وقد أرجعها عشرات الخطوات للخلف بسبب حب نغم له.... فأصبح يشكل خطرًا عليها بعد أن وصل إلى (عدي) وسمع منه أشياء لم يكن يجب أن يعرفها....
كان لا بد أن تنتقم منه بالطريقة المناسبة والرسائل كانت الطُّعم الذي جاء به إلى هنا وعليها الآن أن تنفذ الجزء الأهم...
"أيوب؟!…إيه المفاجأة الحلوة دي.. تفضل..."
ابتعدت عن الباب تدعوه بلطف يزيد نفوره منها فدخل أيوب وهو يقول بصوت خشن..
"في كلام جاي عشان أقولهولِك..."
كانت جيداء ترتدي مئزرًا طويلًا يخفي جسدها وتربطه بإحكام حول خصرها فقالت بحبور زائف...
"طب اقعد استريح واشرب حاجة وبعدين اتكلم براحتك..."
هتف أيوب بشراسة وهو يلقي عليها نظرة قوية...
"انا مش جاي اضايف..... اسمعي يا جيداء... الرسايل والهبل اللي بتعمليه مع نغم ده
مش جـ..."
قاطعته جيداء بصدمة...
"رسائل إيه؟... "
استفزه ردها الماكر فقال بتهكم...
"الرسايل اللي بتبعتيها من رقم جوزك… قصدي طليقك آسر العزبي... أنا عرفت كل حاجة من صاحبه عدي... اللي كان شاهد على الجوازة العرفي اللي تمت بينكم في السر..."
مطَّت جيداء شفتيها بصفاقة ولم تهتز عضلة في وجهها وهي تقول ببرود...
"والله دي حاجة تخصني… جواز أو طلاق ملكش تحاسبني."
قال أيوب بنبرة ذات مغزى....
"أنا مش بحاسبك… بس كان واجب النيابة يكون ليها علم بده… ده واحد مات مقتول ولسه قضيته شغالة ومش راضية تتقفل..."
لاح التعجب عليها قائلة بخبث....
"بس أنا أعرف إن آسر مات منتحر مش مقتول..... "
هز أيوب رأسه متمعنًا بالنظر إليها بملامح مظلمة مكفهرة...
"الله أعلم… الحقيقة فين وانتي تعرفي إيه ومخبياه..."
هزت جيداء كتفيها بمسكنة وهي تقول بمكر الأفاعي...
"أنا معرفش أكتر من اللي سمعته… وبالنسبة لرقمه فهو مش معايا… ومعرفش حاجة عن أي رسايل..... إنت غلطان..."
"طب وماله.... ما تيجي نتأكد..."
في الخطوة التالية أجرى أيوب اتصالًا بالرقم الذي ظل مفتوحًا منذ ثلاثة أيام كاملة ما دسهَّل عليه معرفة موقعه....
صدح الهاتف بالقرب منهما فاقتربت جيداء وتناولته بين يديها وأغلقت الاتصال بملامح واجمة.....
قال أيوب ساخطًا....
"ده نفس الرقم اللي متسجل عند نغم باسم آسر العزبي… يا ترى بيعمل إيه عندك..."
رفعت جيداء عينيها إليه فارتبك أيوب من اتساع ابتسامتها المفاجئة وكأن مسًّا هناك
أصابها لتقول بلؤم....
"برافو بجد… إنت فاكر نفسك كده ذكي
وأنا غبية وكشفت نفسي ليك بسهولة..."
عقد أيوب حاجبيه بعدم ارتياح من نبرتها وبسمتها الواثقة....
"تقصدِي إيه؟"
همست جيداء بكراهية....
"أقصد إنك زي ما خدت صاحبتي مني وقلبتها عليا.... أنا كمان عملت الفيلم ده كله عشان أجيبك لحد عندي… والباقي سيبه عليا."
رن جرس الباب مجددًا فتوسعت الابتسامة على ثغرها المطلي بالحمرة وعيناها تبرقان بظفر الانتقام...
"نغم جت… مواعيدها مظبوطة..."
شعر أيوب وكأن قلبه هوى أرضًا وهو يراها تنزع المئزر عنها كاشفة عن قميص نوم قصير لا يترك شيئًا للمخيلة....
ثم بدأت تعبث في شعرها وتلطخ حمرة شفتيها حول وجهها وهي تخبره بجنون...
"كنت متفقة معاها نشرب قهوة سوا ونتكلم ونتصافى… بس طبعًا إنت جيت في وقتك… وهي كمان جت في الوقت الصح..."
ظل أيوب جامدًا مكانه ملامحه فقدت تعبيرها وعيناه خاليتان وكأنه يتابع حدثًا خارج إطار حياته....
فتحت جيداء الباب بهذا المظهر المثير للشك وقالت...
"نغم… إنتي جيتي بسرعة دي!"
قطبت نغم جبينها بارتياب....
"مالك متوترة كده ليه... ومال شكلك متبهدل… إنتي في حد معاكي؟"
تمسكت جيداء بحافة الباب بميوعة وكأن ساقيها لا تقويان على حملها من شدة المشاعر التي ادعت عيشها بالداخل....
"تتوقعي كنت في حضن مين دلوقتي؟"
زمت نغم فمها بحيرة وحرج....
"معرفش… إنتي اتجوزتي؟"
"على وشك نتجوز.... مش كده يا أيوب؟… إنت وعدتني..."
قالتها بخبث وهي تنظر خلفها حيث يقف أيوب كالصنم....
رمشت نغم عدة مرات بتوتر وقالت بتحفز..
"أيوب؟!… إنتي بتقولي إيه يا جيداء؟… أيوب مين؟... "
أطلقت جيداء تنهيدة ناعمة ثم فتحت الباب أكثر ليظهر أيوب خلفها عينيه في عيني نغم.
"أيــوب… إنت بتعمل إيه هنا؟"
سألته نغم وهي تتحرك نحوه تمسك بذراعيه وكأنها تتأكد أنه حقيقي....
قالت جيداء من خلفهما بنبرة قميئة...
"هيكون بيعمل إيه؟… بيقضي معايا وقت لطيف..."
"اخــرسـي... "
صرخ أيوب فيها بوجه محتقن بالغضب وصدر
يشتعل كمرجل ناري بعد ان ذابت الصدمة عنه
وادرك انه وقع في فخها بمنتهى الغباء....
القى عليها نظرة قاتمة كسفاح يوشك على سفك دمائها.....
ظهر خط من الخوف في عيني جيداء لكنها تماسكت قائلة بميوعة...
"مش لازم نمثل أكتر من كده… معروفة إننا بنحب بعض… وبدليل دلوقتي..."
سألتها نغم بصدمة والدموع تتجمع في
عينيها رغم عنها....
"يعني جبتيني لحد هنا… عشان أشوفكم؟"
قالت جيداء بمسكنة...
"عشان أثبتلك إنه خاين وبيلعب عليا وعليكي..."
هزت نغم رأسها نافية وعادت بعينيها الدامعتين إلى أيوب تسأله بصوت
خافت مترجي...
"أيوب اتكلم… إنت جيت هنا ليه؟… والكلام ده صح؟… انطق..."
أمسك أيوب بذراعها يسحبها معه للخارج
معه
"خلينا ننزل دلوقتي ونتكلم تحت..."
"نتكلم تحت؟!"
سحبت ذراعها بعنف تحدجه باحتقار والغيرة والغضب يشتعلان بداخلها....
"خليك جنبها… كملوا اللي كنتوا بتعملوه… أنا اللي همشي... "
ثم غادرت كالإعصار ولحق بها أيوب مناديًا..
"نــغــم…...نــغــم..."
وقبل أن يتجاوز باب الشقة قالت جيداء بشماتة....
"تعيش وتاخد غيرها… يا أبو الشهامة..."
عاد إليها أيوب بخطوات سريعة ونظرة مرعبة جعلت الدماء تهرب من وجهها....
"ورحمة أبويا ما هرحمك… بإيديا دول هوصلك لحبل المشنقة..."
رفعت عينيها بثبات...
"وأنا مستنية أشوف ذكاءك هيوصلك لحد فين… أثبت إنه اتقتل.... مش انتحر..."
ثم استرسلت بنبرة لئيمة...
"وخد بالك من حبيبتك… عشان دورها قرب أوي..."
رفع أيوب إصبعه في وجهها محذرًا اياها والشرر يتطاير من عينيه....
"لو لمستيها… هقتلك... "
أرخَت حاجبيها للأسفل متصنعة الحزن فيما عيناها تفيضان بشرّ ومكر يكفيان لإغراق العالم....
"أنا برضو أعمل كده في صاحبة عمري… أخص عليك… شكري العزبي هو اللي هيقوم بالواجب.... متقلقش..."
اتكأ أيوب على أسنانه وعيناه تكادان تنفثان نارًا تحرقها وهو يقول بقتامة....
"هي دي الخطة من الأول… تخلصي منه بالموت وتنتقمي منها وتفضل طول عمرها فاكرة إنها السبب في موته...."
"هي فعلاً سبب موته...."
قالتها جيداء بجمود تام وكأنها تقر ببرود بما انتهى به الحال...
لم يجد أيوب فائدة من إضاعة ثانية واحدة أمامها.... فهي من نسل شيطاني والحديث معها دون فائدة.....
لذلك أسرع في خطاه خلف نغم لكن الأخيرة كانت قد استقلت سيارتها ورحلت دون ان تنظر خلفها....