رواية حب طاهر الجزء الثاني2من عشقت بودي جارد الفستان الابيض الفصل الاول1بقلم صفاء حسني
(هاتف رحمة يرن في صمت الغرفة. ترد على المكالمة وتطلع كلمة اسم المتصلة على الشاشة.)
رحمة: ألو؟
ملك (بصوت مرح وحنين): اسفه يا قلبي انا لسه شايف الاتصال يا رحمة حبيبتي! إزيك؟ وحشتيني. انتي رجعتِ من السفر؟ ومامتك عملت العملية؟
تنهدت رحمة بصوت رقيق فيه وجع خفي، وحروفها بتتكسر: آه... الحمد لله. العملية عدّت، بس أنا محتاجة احجز فى بيت الطالبات. كنت عاوزة أسأل لو ممكن تحجزيلي في بيت الطالبة عندكم يا ملك؟ محتاجة أهرب شوية.
صمت قصير من الطرف التاني، وبعده صوت ملك مستغرب ومبسوط في نفس الوقت: إيه الكلام الحلو ده؟!بس أنا سمعت إنك اتجوزتي يا رحمة —و مش أي حد — انتي اتجوزتي طاهر، صاحب أكبر سلسلة فنادق في البلد! دي إشاعة ولا حقيقة؟
خنقا في صدر رحمة وكأن الكلام ده زي سهم جديد، لترد ببرودة محاكية ضعفها وتنهدت رحمة:
لما أشوفك يا ملك احكيلك كل حاجة. إنتِ فين دلوقتي؟
كانت ملك على الطرف التاني شبه مصدّقتش طلب رحمة :
أنا روحت البيت يا رحمة، وقلت أقعد مع أهلي شوية... وبعد كده فكرت أجي ألحقك في الجامعة ونقعد سوا.
استغربت رحمة وسألتها باستغراب:
"ليه؟ و الامتحانات اللي قربت؟ انتي مش حابة ترجعي القاهرة؟ والا نقلت خلاص؟"
ضحكت ملك بخفة وردّت:
"واضح يا ستي إن علامات الجواز بدأت تظهر عليك من دلوقتي! انتى نسيت أن احنا امتحن وانتى أجلت عشان تعب امك وقلت هتمتحن بعد رمضان فى كرس سمر فى الإجازة
تنهدت رحمة، لما افتكرت وكأن التعب والخوف بيرقصوا في صوتها:
"اه صح رمضان بكرة ... كل سنة وانتي طيبة يا ملك."
ملك سكتت لحظة، بس قلبها اتشد لنبرة صوت رحمة. حسّت إن ضحكتها مش كاملة، وإن الكلمات طالعة من روح تايهة، زي واحدة ماشية في سكة مش عارفة نهايتها.
شعرت ملك بصوت رحمة وكأنه مش مجرد صوت، ده صرخة ضياع مكتومة، وكأنها بتستغيث من حاجة أكبر من اللي بتحكيه.
اقترحت ملك بحماس:
"طيب ما تيجي عندي شوية يا رحمة، تغيّري جو وتبعدي عن الدوشة والزحمة. عندنا الجو هادية، يمكن ترتاحي."وتجربة رمضان عندنا
رحمة سكتت ثواني، قلبها بيشدها للتردد. كانت عارفة إن أي خطوة ليها معناها هروب، بس في نفس الوقت حسّت إنها محتاجة تتنفس بعيد عن الكل. عن ضغط فريدة اللي مش سايبالها فرصة، وعن إلحاح نوال أمها اللي عايزة تشوفها مستقرة، وحتى عن طاهر اللي قربه منها بقى أصعب من بعدها عنه.
شافت إن الفكرة دي ممكن تبقى مخرج مؤقت. مكان هادئ، بعيد عن العيون والعتاب، يمكن تقدر ترتّب فيه أفكارها وتشوف هتعمل إيه في حياتها.
هزّت راسها بالموافقة وهي بتحاول تخفي ارتباكها:
"ماشي يا ملك... يمكن أكون محتاجة ده فعلاً."
---
ملك: طيب أوكي. أوصّفلك تركب من فين واول ما توصلي المحطة رن عليا ؟ أنا هظبط المكان. لو حابة تيجي دلوقتي أقولك أجيبك من عند محطّة القطر ولا تروحي بتاكسي؟
رحمة بصوت بارِد فيه حرارة دموع مكبوتة: أوصفلي ازاي أجي وبكرة هكون عندك
. (وهى ب تقفل الشنطة ببطء، عيونها على خاتم صغير فى ايديها وافتكرت لم لبسته عشان تحبك التمثيلة.) وبعد ما ملك وضّحت، قفلت رحمة التليفون ووقفت لحظة؛ قلبها يدق بسرعة، وذكريات ليلة واحدة مع طاهر بتتدافع في رأسها — لمسة، حضن، كلمه حب قالتها بصدقة لشخص بيكذب عليها — وكل مرة الفكرة تنزل دموعها أكتر: مش قادرة أسامحه.
من ناحية تانية في البيت، سمعت ملك صوت آخر في الخلفية — صوت شاب يضحك: معاذ، أخو ملك، كان بيمزح:
مش معقول! مين الا هربنا من جوزها ،انتى بدت شغل فى المحامها من قبل ما تتخرج
ضحكت ملك
ده رحمة صحبتي يا ابني أهدى
ابتسم بسخرية
أنتي صدعتيني سنتين كاملة "رحمة! رحمة!" —هى حلوة ضربته على كتفه بخفة وفكاهة تحاول تكسر أي جدية في الموقف.
ملك ضحكت وردّت عليه بخفة: بلاش يا معاذ، دي صاحبتي فعلاً. ومتجوزة (لكن في نبرة صوتها كانت قلقانة برضه على صديقتها.)
رحمة بعد ما قفلت، وقفت لحظة قدام المرآة — بتيجي صورة نفسها وهي بتفكر: أنا هسافر ازاي من غير ما حد يعرف مكانى ماما ؟ لازم تعرف أكتب لها خطاب بسيط: بدت تكتب
"ماما، محتاجة أمشي شوية... محتاجة أرجع لأفكاري." بس الدمعات بتجلجل في حلقها، ومش قادرة تكتب.
لكن جوا رحمة، كان في عاصفة متلخبطة.. مشاعر متناقضة بين فرحتها بنجاة أمها وكسرة قلبها من طاهر. بالليل، قعدت على مكتب صغير في أوضة وشدت ورقة وقلم، وبدأت تكتب:
*"ماما الحبيبة..
عارفة إنك دلوقتي بخير وإن ربنا رجعلك صحتك، وده اللي كان مخليني مستنية اللحظة دي عشان أطمن عليك. بس يا ماما، أنا مش قادرة أكمّل هنا، مش قادرة أنسى ولا أسامح. طاهر قرب مني وضحك عليا باسم الحب، وهو عارف إن لو عرفت السر ده هنسحب من حياته، ومع ذلك خبّى وكذب. أنا حاسة إني مش عايزة أعيش في الوهم ولا أضحك على نفسي.
ماما.. سامحيني على قراري. أنا مسافرة بعيد، محتاجة وقت أرتب قلبي وعقلي. مش قادرة أبص في وشه دلوقتي. كل اللي يهمني إنك بخير، وإلا مطمنى أن طنط فريده والعيلة حواليكي، فأنا مطمنة عليكي.
ادعيلي ألاقي نفسي وأعرف أعيش من غير وجع.
بنتك اللي بتحبك.. رحمة."*
قفلت الجواب وحطته على الكومود، وقبلت إيد أمها وهي نايمة. دموعها نزلت بهدوء وهي بتهمس:
ـ "سامحيني يا أمي."
وبخطوات هادية خرجت من البيت، شايلة شنطة صغيرة، ماشية ناحية طريق جديد، بعيد عن كل حاجة وجع قلبها.
رحمة خرجت من البيت وهي تحاول تمشي بسرعة، لكن إحساسها بعدم الأمان كان ملازمها. حسّت إن في حد بيتابعها، بس حاولت تتجاهل الشعور ده.
وطلعت في الشارع؛ تحسّس كأن في عين تراقبها من بعيد، لكن راحت تاكسي بسرعة وطلبت: "على عبود، بسرعة." في الطريق، عقلها مش سايبها — بس المشهد اللي كان بينه وبين طاهر لسه حار في صدرها: حضنه، نظرته، الكلمات اللي قالها وهو ناوي يثبتها. كل ما تفكّر في ده، دمعتها بتنزل من غير ما تمنعها — لأنها مش قادرة تسامحه بسهولة.
(
وصلت عبود، ونزلت من العربية، واقفة وسط الزحمة ومش عارفة تكمل الطريق.. سألت العربية الا بتروح على المنصورة،
شاور لها السواق
وركبت بسرعة.
طول الطريق، رحمة كانت عايشة في ذكريات الليلة اللي قضتها مع طاهر… لمسته، حضنه، كل حاجة. كل ما فكرت فيها، دموعها نزلت أكتر. قلبها كان مثقل، ومش قادرة تسامحه.
---
في القصر، طاهر مش قادر يتحمل الغياب ده. اتجه ناحية المكان اللي اعتادوا يقابلوا بعض فيه، وناوي يصرخ فيها: "كفاية بعد! لازم تسمعي وتقبلي تسمعيني!" دق الباب كذا مرة، لحد ما فتحت حنين، وهي واقفة بتحاول تتوب عن كل اللي حصل.
في الصبح، حد خبط على الباب بقوة. طاهر صرخ: "هي أختك؟ خليت في عقل صبح أو ظهر؟ نادِ عليها، عايز أكلمها!"
حنين هزّت راسها وقالت: "حاضر." وأضافت: "أكيد صحيت من صداعك على الصبح."
دخلت تشوف رحمة، ملقتهاش في أي حتة، راحت عند مامتها بردوا مش موجوده لكن خدت بالها من حاجة على السرير. كانت ورقة صغيرة، جنبها خاتم طاهر والعقد اللي اتفقوا عليه مع بعض. لحظة صمت مليانة شعور بالحنين والندم… كل حاجة كانت بتفكرها بالحب اللي حاولت تنكره، وبالوعد اللي اتفقوا عليه، وباللحظة اللي قلبها كان عايزها تكون أقوى من أي ألم.
---صرخت حنين بوجع:
"رحمة! رحمة!"
قامت نوال مفزوعة من صوت بنتها، وفي نفس اللحظة اندفع طاهر داخل الأوضة وهو قلبه واقع، متخيّل إن رحمة غابت عن الوعي تاني. لكن الصدمة خنقته لما شاف حنين ماسكة الخاتم والعقد والرسالة.
مد إيده بخوف، أخد الرسالة من حنين وهو عينيه مش قادرة تستوعب. بدأ يقرا والكلمات بتتهز قدامه، كل حرف كان بيخنقه أكتر من اللي قبله.
صوته خرج مكسور، كأنه بيحاول يقنع نفسه:
"رحمة بتهزر... أكيد بتعمل فيّا مقلب. رحمة راحت فين؟ ليه تسيبني؟ ليه تخرجنى من حياتها كده؟"
وقف وسط الأوضة تايه، عينيه مليانة ذهول ووجع:
"أنا عارف... عارف إني غلط... بس كنت عايز أربطها بيا لآخر لحظة. كنت فاكر إن الحب ممكن يكون أقوى من أي كذبة أو أي ماضي... ليه ما ادتنيش فرصة؟"
وبص على الخاتم والعقد اللي كانوا شاهدين على عهدهما، حسّ إنهم بقوا دلوقتي دليل خيانة أمل هو اللي بناه بإيده.
اندفع من غير تفكير، خرج من القصر يجري في الشوارع كالمجنون، بيسأل أي حد يشوفه:
"شفتوا بنت... اسمها رحمة... خرجت من هنا؟!"
عينيه كانت بتلمع بالدموع، وصوته بيتكسر بين كل كلمة.
وفي نفس الوقت، راحت نوال عند فريدة مرعوبة، قلبها بيخبط:
"رحمة سابتنا... أكيد سمعتني... يا مصيبتي يا فريدة!"
مسكتها فريدة من كتفها وهي بتحاول تهديها:
"استهدي بالله يا نوال، يمكن راحت مشوار وترجع."
لكن نوال كانت متأكدة، عينيها بتلمع بالخوف:
"لأ... المرة دي مش راجعة بسهولة."
