رواية خيوط الماضي الفصل الثاني2بقلم سوسو احمد


رواية خيوط الماضي الفصل الثاني2بقلم سوسو احمد

(حب لايمحي) 
✦ الفصل الثاني: بقايا الذاكرة الموجعه وصوت حياه من الماضي ✦ 

كانت "سارة" تجلس في غرفتها تلك الليلة، وحدها كعادتها، والظلام يملأ المكان إلا من ضوءٍ خافتٍ يتسلّل من المصباح بجوار سريرها.
على الطاولة أمامها، صندوقٌ خشبيٌّ صغير، احتفظت فيه بكل ما يربطها بالماضي — صورٌ قديمة، مذكّرات، رسالة بخطٍّ أنيق لم تجرؤ يومًا على تمزيقها.

فتحت الصندوق بيدٍ مرتجفة، كأنها تفتح جرحًا لم يلتئم، وسحبت الرسالة ببطء.
كان بخطّ "رضوان"، واضحًا، مطمئنًا، يحمل من الدفء ما يعيدها إلى زمنٍ كانت فيه الحياة أجمل.

قرأت بصوتٍ خافتٍ يرتجف مع كل سطر:

> "إلى سارة...
لم أعرف يومًا أن لقاءنا الأول سيغيّر مجرى حياتي، ولم أدرك أن عينيك ستصيران لي وطنًا أهرب إليه من صخب العالم.
كنتِ الحلم الذي جاء بلا موعد، والبداية التي لم أتصوّر لها نهاية...
وإن فرّقتنا الظروف، فاعلمي أني أحببتك بصدقٍ لا يشيخ."

أغلقت الرسالة ووضعتها على صدرها، أغمضت عينيها، ودمعةٌ ساخنةٌ تسللت على وجنتيها.
كم مرة حاولت أن تمضي قدمًا؟ كم مرة أقنعت نفسها أن الماضي انتهى؟
لكنها كانت في كل مرة تكتشف أن القلب لا ينسى، وأن بعض الوجوه لا تغادر الذاكرة مهما طال الغياب.

في تلك اللحظة، طرق الباب صوتٌ صغير:
– "ماما، انت نايمة؟"
التفتت فابتسمت بصعوبة.
– "لأ يا مالك، كنت بس براجع شغل."
دخل الطفل الصغير بخطواتٍ مترددة، اقترب منها، وضع رأسه على كتفها:
– "بابا بيزعلك تاني؟"

صُعقت للحظة من سؤاله، لكنها احتضنته بحنانٍ كي تُخفي ألمها.
– "لأ يا حبيبي، مفيش حاجة، روح نام وأنا جاية بعد شوية."

خرج الطفل، وبقيت هي وحدها مع صدى السؤال الذي طعنها في أعماقها.
نعم… زوجها تغيّر كثيرًا، لم يعد بينهما ودّ ولا دفء، وكل يومٍ يمرّ كان يزيد المسافة بين قلبيهما.

رفعت رأسها نحو المرآة، فرأت وجهًا متعبًا يحمل آثار سنواتٍ من الحنين والخذلان.
تمتمت بصوتٍ مبحوح:
– "رضوان… ليه رجعت الذكرى دلوقتي؟ ليه كل حاجة فيك لسه عايشة جوايا؟"

أغلقت الصندوق، لكنها كانت تعلم أن لا صندوق في العالم قادرٌ على احتواء ما في قلبها.
فالماضي لا يُدفن، بل يعيش فينا، يزورنا في ليالينا الهادئة، ويذكّرنا بأن الحب الأول… لا يموت.

> "ليس كل الفقد غيابًا، فبعض الغائبين يعيشون فينا أكثر من الحاضرين."

 في صباح اليوم التالي، خرجت "سارة" إلى العمل وهي تحاول أن تضع ابتسامة على وجهها، لكن كل خطوة كانت كأنها تمشي على جمرٍ بارد، يذكّرها بكل لحظةٍ مرت معها ورضوان.

في المكتب، كانت تحاول التركيز في الأوراق والتقارير، لكن ذهنها كان يسبح في بحر الذكريات.
فجأة، دخل الزائر الذي لم تتوقع رؤيته أبدًا:

"رضوان يوسف المحمدي".

تجمّدت، لم تكن تعرف كيف تتصرف. نظراتهما اصطدمت، وكانت النظرة مليئة بكل ما لم يُقال: الحنين، الألم، الاشتياق… وربما الأمل.

اقترب بخطوات هادئة، وابتسم ابتسامة نصف رسمية، نصف حنين:
– صباح الخير، سارة… لم أتوقع أن أراكِ هنا.

ارتجفت شفتاها، وأجابت بصوتٍ منخفض:
– صباح الخير… لا أنا كمان ما توقعت…

جلس بالقرب منها، كان الحديث رسميًا لكنه مشحون بالإحساس، وكل كلمة منهما كانت كأنها تحرّك خيطًا دقيقًا في قلب كل واحدٍ منهما.
سألها عن أحوالها، عن حياتها بعد كل هذه السنوات، وكانت هي ترد بأدبٍ وحذر، تحاول أن تتحكم في مشاعرها أمامه.

لكن قلبها لم يقدر على الصمت بعد الآن، فأثناء مرور لحظة قصيرة من الصمت، همست لنفسها:

> "كم تمنيت أن يكون هذا اللقاء بعيدًا عن كل ما يقيدنا… بعيدًا عن الماضي، بعيدًا عن كل ما يجعلنا نتردد."

وبينما كانا يتحدثان، أدركا كلاهما أن الخيط الذي ربط قلبيهما منذ المراهقة لم ينقطع بعد، وأن القدر لم يترك لهما سوى فرصة جديدة ليعيد الحسابات.

في تلك اللحظة، لم تكن "سارة" تعرف إن كان هذا اللقاء بداية شفاء قلبها أم بداية عاصفة جديدة، لكنها كانت على يقينٍ واحد:

> "رضوان لا يزال حيًا في قلبي… أكثر من أي وقت مضى."

جلس "رضوان" لحظةً يراقب "سارة"، كأنه يحاول قراءة كل ما تخفيه عيناها من مشاعر.
كانت تبدو هادئة على السطح، لكن قلبها كان يضطرب كأنه يعود إلى كل تلك اللحظات القديمة، عندما كان كل شيء بينهما صامتًا ومليئًا بالانتظار.

قال بخفة، وكأن الكلمات تتسلل بين الحنين والخوف:
– "ما زلتِ تحتفظين بكل شيء… حتى برسائلي القديمة؟"

ابتسمت ابتسامة حزينة، ولم تنفذ إلا كلماتٍ قليلة:
– "كل شيء… كل شيء يذكّرني بك."

ساد صمتٌ قصير، لكن الصمت كان ممتلئًا بما لم يُقل.
كانا يعرفان أن الزمن فصل بين حياتيهما، وأن كل واحدٍ منهما عاش تجربته، لكن شيءً بدا وكأنه لم يكتمل، شيءٌ ما كان ينتظر فرصة للتجدد.

– "سارة…" بدأ هو بصوت منخفض، "هل… هل يمكن أن نتحدث بعيدًا عن كل شيء؟ بعيدًا عن الحاضر… فقط نتذكر الماضي؟"

أغمضت عينيها للحظة، ثم هزّت رأسها موافقة، وكأن قلبها قال لها: نعم، حتى لو كان هذا مجرد لقاء عابر، فهي بحاجة لأن تسمع صوته، لتشعر بأنه لا يزال جزءًا من حياتها.

تحركت داخليًا شعلة من الأمل، لكنها أيضًا شعرت بخوف عميق:

> "هل هذا اللقاء سيعيد فتح الجراح، أم سيمنحني فرصة لأغلقها إلى الأبد؟"

في تلك اللحظة، كان واضحًا أنه لا عودة عن المشاعر، ولا مجال لإنكار الحقيقة.
الماضي لم يمت، بل كان ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر، ليذكّرهما بأن الحب الأول… قد يكون الأخير أيضًا.
                     الفصل الثالث من هنا
تعليقات



<>