رواية ضي الفصل السابع7بقلم داليا السيد


رواية ضي الفصل السابع7بقلم داليا السيد
بابا
لا يمكنها أن تنسى تلك البهجة التي رأتها بعيون كريم عندما رأى سليم يقف بانتظاره بل ولم تفهم تصرفه وهو يندفع له وكأنه يعرفه منذ سنوات طويله كما لم تستوعب تصرف سليم نفسه وهو يستجيب للطفل ويحتضنه وكأنه ابنه حقا وظلت جامدة مكانها وهو يقول 
"مرحبا سليم، كنت أعلم أنك ستأتي لرؤيتي"
ابتسم وهو يداعب شعر الطفل وقال "ومن أين عرفت ذلك؟"
ابتسم له الطفل وقال "نانا بثينة أخبرتني بانك ستأتي بيوم ما وتكون معي دائما"
نظر لها وهي تتراجع من كلمات طفلها ونظرت لسليم هي الأخرى بينما التفت الطفل لها وما زال سليم يحمله وقال "ماما هل يمكنني طلب شيء من سليم؟"
نهرته بنظراتها وقالت "ألا يكفي أنك تناديه باسمه ترغب أيضا بطلب شيء"
تحدث سليم "بعد إذن ماما أنا أرغب بسماع طلبك وافقي ماما"
كلمة ماما منه كانت غريبة على أذنها جعلتها تثبت على وجهه وهو يومأ لها برأسه فهزت رأسها فعاد الطفل له وقال "أصحابي دائما يخبروني أني بلا أب لذا أنا ضعيف ولا أستطيع مواجهتهم فهل تقبل أن أقدمك لهم على أنك بابا"
صدمها الأمر بقوة وهتفت مع هتاف جولي التي وصلت بذات الوقت "كريم" "هل جننت؟"
نظرت لجولي بغضب بينما التفت هو لجولي بتحذير وعاد لكريم وقال "بالطبع، أين أصحابك"
تحرك ولكنها هتفت "سليم توقف"
اسمه اختلف بلا ألقاب منها لكنه لن يتوقف الآن والطفل يشير له للأطفال بالمكان المخصص للأطفال بعمره فقال له "أخبرهم أني والدك ووصلت من السفر وسآخذك لترى كل مكان ترغب برؤيته"
تهلل وجه الطفل وانفلت من ذراع سليم لأصحابه وهتف "هل رأيتم؟ ألم أخبركم أن والدي سيأتي يوما ليأخذني مثلكم؟"
التفت الأولاد الصغار واندهش من أن أطفال بعمرهم يتنمرون على كريم فابتسم وكريم يمسك يده ويقول "هذا هو والدي وهو أتى ليأخذني للتنزه وتناول البيتزا والحلويات التي أحبها كلها أليس كذلك بابا؟ "
الكلمة مست جزء كبير داخله وكأنها أعادت له شيء كان مفقود من سنوات، وكأنه كان يتألم وشفي فجأة أو يشعر بالبرد والآن الدفء يسري بجسده، راحة غريبة بسبب كلمة ليست له ولكنها الآن تلتصق به بسبب براءة طفل هو تعلق به بلا سبب
هز رأسه وابتسامته تعود لشفاهه وهو يجيب "بالطبع حبيبي ولو شئت أحضرنا لأصحابك حلويات هم أيضا"
نظر الطفل له وهتف "هل يمكننا ذلك حقا؟"
هز رأسه بالإيجاب فجذبه الطفل لمكان جانبي من الجاردن وهتف "هنا تباع الحلويات بابا، أحضر لهم الكثير منها حتى يدركون أني لست فقير كما يدعون"
حدق به وهو يسير معه وسأله "ألا تمنحك ماما كل ما تريد؟"
هز رأسه وقال "وأكثر ولكن هنا يظنون أن من لا أب له لا يملك شيء"
اندهش من تفكير الأطفال بهذا الشكل بذلك العمر والأكثر دهشة مدى سعادة كريم بوجود سليم وتصرفاته معه ومع أصحابه وهي لم تعلق عندما وقفت تشاهد كل شيء فقط جولي قالت بغضب 
"خطة جيدة منك، لكن خطة دنيئة لأنكِ تستغلين براءة طفل"
لفت وجهها لها بحدة ورأت نظرات الحقد بعيونها وتلجم لسانها من الصدمة، خطة؟ أي خطة؟ هي مثلها تماما، مصدومة مما يحدث لكن من سيصدقها
صوت كريم أوقف كل شيء "ماما هل رأيتِ ما فعله بابا؟"
انحت عليه وقالت "أبيه سليم كريم"
لم يتراجع وهو يقول "بابا وهو لا يعترض، أين سنذهب بابا؟"
لم ينظر سليم لها وهو يقول "المكان الذي تختاره"
وتحرك ليرى جولي خلفه وواجهته عيونها وهي تقول "نسيت تقديمي لأبنك الجميل"
رحلت ابتسامته وربما كلماتها صعقته وجعلته يعود للواقع ولكن هو له الحرية باختيار ما يريد وسيطوع كل شيء حسب ما يرغب فقال "كريم، طفل ضي وكما ترين يتعلق بقشة ولن نفقده بسببها"
وتحرك وهو يقول "كريم هذه جولي مديرة أعمالي"
الغضب لم يترك جولي وكريم لم يمنحها أي كلمات وهو يرى جولي تدخل بجوار سليم ووالدته بالخلف وهو بجوارها وضي تقول "كيف كان يومك حبيبي؟"
التفت لها وحكى يومه كما اعتاد لكنه أكمل "الأفضل هو حضور بابا"
عادت له وقالت بجدية "هو ليس بابا كريم ماذا أصابك؟"
نظر لها وقال "نانا بثينة طلبت مني أن أفعل ذلك"
أغمضت عيونها ولفت وجهها للزجاج وقالت بهدوء غريب ليس هو ما بداخلها وصوتها لا يصل للأمام "كريم نانا بثينة رحلت للسماء"
قال بنفس النبرة "هي تزورني كل ليلة بعد ذهابك وتبقى معي حتى أنام"
هو بالفعل أخبرها ذلك من قبل لكنها ظنت أنها تخاريف لكن كلماته وتصرفاته تحيرها فقالت "تأتي أين كريم؟"
كاد يجيب لكنه وقف وهتف "هنا بابا، نعم هنا هذا هو المكان الذي رأيته بالصور"
تجولت بعيونها بالمكان ورأته مكان مخصص لكل شيء، كيدز اريا، مطاعم، محلات، ملاهي، سينما، كل شيء واندهشت أن الطفل يعرف المكان فقالت "من أين عرفته كريم؟"
هتف بسعادة "شادي أخبرني اسمه، والده يأتي به هنا كل اجازة"
التفتت جولي لسليم وقالت "هذه هي ما تسميه نزهة، مكان للأطفال!؟"
هز رأسه وقال "أخبرتك أني قادم لأجله وأنتِ من أصر على المشاركة"
ونزل كما فعلت ضي تتبع ابنها الذي كانت الإثارة تأخذه ورأته يتحرك لسليم ويمسك يده ويشير للأماكن هنا وهناك وتولاها الصمت وهي لا تفهم ماذا أصابها؟ كانت تتبعهم وكأنها تابع مطيع لسيده وجولي تكاد تنفجر بوجوه الجميع
تركها بالكيدز اريا مع كريم ورأته يتحرك بعيدا مع جولي، لم تسأل ولم تعترض هي حياته ويكفي ما فعله لابنها حتى الآن
مضى وقت ليس قليل وهي جلست تعبث بهاتفها أمام كريم الذي لم ينتهي من اللعب عندما سمعت سليم يقول "ألم ينتهي؟"
رفعت وجهها له وهو يجلس بجوارها وهو يتابع الطفل فأكمل "يبدو طبيعيا الحادث لم يؤثر على ساقه"
كانت تسمعه لكن لا تعرف ماذا تقول ولا تفهم ما الذي يدور حولها؟ نظر لها وانتبه للعلامات الواضحة على وجهها فقال "ماذا بكِ؟"
ابتلعت ريقها وقالت "ظننتك رحلت مع.."
أبعد وجهه وأكمل "صديقتي؟"
هزت رأسها وكأنه ينظر لها فقال "ليس هذا ما وعدته به" ولف وجهه لها وقال "ما مفهومك عن الصداقة التي تلقيها بوجهي بكل لحظة؟"
لم لا يتوقف عن وضعها بمكان لا تستطيع الفرار منه؟ تورد وجهها وهي لا تدري ما الإجابة الصائبة ولكنها قالت "الدول الأجنبية تمنح الصداقة بين الرجل والمرأة معاني مختلفة تماما عما تعنيه هنا"
عاد لكريم ولوح له بيده وقال "هذا يعني أن لكِ أصدقاء هنا وتعرفين معنى الكلمة؟"
نفت بلا تفكير "هل رأيتني أفعل؟"
عاد لها بنظره وقال "أنا لم أراك سوى ساعات معدودة"
التصقت بعيونه الفاتنة وقالت "هو أنت من اختار"
مال تجاها وقال "ليس اختيار، هو واقع، أنا هناك وأنت هنا"
معه كل الحق فيما يقول فقالت "وذنب من هو؟"
الصمت اخترقهم لحظة حتى قال "لا أحد"
"أنا جائع" كلمات كريم أعادتهم له وهو يقف أمامهم فتولى هو الزمام وقال "بيتزا سي فود؟"
هز كريم رأسه فنهض كلاهم معه وأشار له للأماكن وكريم سعيد وهي تبتسم لسعادة ابنها حتى وصلوا المطعم والضحكات من تصرفات كريم كانت شريكهم حتى انتهوا وتحركوا للسينما وما أن انطفأ النور حتى تحرك لها ونام بين ذراعيها فقالت بهمس
"هل نذهب؟"
أجاب بنفس الهمس "سيطالب بالملاهي عندما يستيقظ لنبقى ألا يعجبك الفيلم؟"
ضحكت برقة وقالت "بلى فهي أول مرة لي"
لف وجهه لها وبريق عيونها الغريب بالظلام لمس شيء داخله جعله يوقف ما كاد يقوله بل نساه وهو يحاول فهم ما الذي يثيره بريق عيونها داخله؟ ذلك البريق رآه من قبل وكأنه يعرفه
أبعد وجهه لحظة وكأنه يحاول استرجاع شريط ذكرياته ليعرف أين ومتى رآه حتى سمع ضحكتها فالتفت لها وهي مندمجة بالفيلم وظل يتأمل ملامح وجهها الجميل، فمها الصغير يبتسم برقة، بشرتها التي لمسها واستمتع بنعومتها ونقائها، أنفها الرقيق، وجنتيها المتألقتان وعيونها، كل الجاذبية بتلك العيون، التفتت له فجأة لتضبطه يراقب ملامحها فتوقفت الضحكة على شفتيها وتورد وجهها وبلا شعور أبعدت خصلة صغيرة خلف أذنها وهي تخفض رموشها على عيونها ثم رفعتهم لتراه ما زال يحدق بها حتى همس
"لديك أجمل عيون رأيتها بحياتي"
القلب يدق، ينبض بنبض لم تعرفه، بهجة تغزو كل كيانها، الرجال غازلتها كثيرا لكن نظرة باردة منها كانت الرد لكن هو، هو منحها الحياة فجأة فهي لم تشعر بأنها على قيد الحياة سوى الآن، حرة بلا أي قيود من الزمن الذي ترفضه، بلا أحزان ولا دموع، روح انتفضت داخلها لفتاة صغيرة لم تعرف معنى الطفولة، سرقت منها البراءة قبل الأوان والآن تلك العيون الزرقاء كالسماء تشرق أيامها
فزعت عندما أضيئت الأنوار فجأة فانتبه هو واعتدل والجميع ينصرف فقال "استراحة، تململ كريم وهو يفتح عيونه ويهمس "ماما أين سليم؟"
ابتسم سليم وقال "هنا يا رجل، هل ترغب باستكمال الفيلم؟"
اعتدل على ساقيها وهي تستعيد نفسها وتنظم أنفاسها وتركت الطفل لسليم وهو يقول "لا، ماذا عن الملاهي؟"
هز رأسه وقال "ضي هل نذهب؟"
انتبهت له وقالت "نعم بالتأكيد"
حاولت رفض الركوب معهم للخوف الذي كان يتملكها ولكنه أصر وكريم أيضا وعندما صرخت من الخوف أمسك يدها وهي تغلق عيونها بشدة من الخوف ولكن يدها تشبثت بيده بشدة جعلته ينظر لها ولكنها لم تراه وعيونها مغلقة وشعرها يتناثر حولها وبدت أجمل وأجمل ولا يعرف ما الذي يحدث له، لماذا تأخذه لتلك الدرجة؟
هتفت بخوف "أوقفها، أرجوك"
ضحك وقال "ليس قبل أن تنتهي"
هتفت "لن أتحمل"
عاد يضحك وكريم يضحك ويقول "ماما خائفة"
قالت بصعوبة "أنا لا أحبها"
سألها بدعابة "وماذا تحبين؟"
لم ترد بل كريم من أجاب "غزل البنات الكبير، هي تحبه جدا"
لم تهتم بكلمات طفلها بل بما هي فيه ومخاوفها التي تواجها الآن ولم تدري بأن يدها كانت تقبض على يده بقوة وهو ما زال يضحك على مخاوفها 
نزلت وامتنعت عن اللعب بأي لعبة أخرى ولكنه لم يترك كريم بل جعله يلعب بكل ما طلب وهي جلست بعيدا حتى تفاجأت بهرم غزل البنات الملون من خلفها فالتفتت لتراه يمد يده به لها وهو يقول 
"كريم قال أنك تحبينه"
تورد وجهها وهي تواجه عيونه التي تستقبل نظراتها بابتسامة هادئة ولم تعرف ماذا تعني تلك الدقات بقلبها والتي تخبرها أن هناك أمور لا تفهمها تلف حولها وتأخذها وتضيع بها 
رفعت يدها لتأخذها منه ولمست أصابعه دون قصد فارتجف جسدها من الحرارة التي انتقلت لها وجذبت الحلوى منه وهي تقول بخجل "شكرا"
هز رأسه وهي تتناول غزل البنات الكبير وضحكت عندما التصق بوجهها فقال "تبدين كالأطفال"
قالت بسعادة "من أكثر الأشياء التي لا أمل منها ولا أشبع، ماما كانت تحضرها لي كل يوم وهي عائدة من العمل وعندما كبرت أصبحت أشتريها لنفسي"
جلس بجوارها وقال وهو يدخن سيجارة "والدتك توفت مبكرا"
قالت بلا تفكير بالذكريات الحزينة "ست سنوات، كانت مريضة من قبلها و، ماتت"
كادت تقول أن ما حدث سبب ضرر للأم مما جعل الموت هو النتيجة، شردت بالحلوى ثم قالت "وأنت؟ مدام بثينة قالت أن والدتك ماتت وأنت صغير"
نفخ الدخان وقال "يوم مولدي، جدتي هي من تولى كل أموري ووالدي بالطبع لكن هو كان لديه الكثير ليشغله عني أما أنا فجدتي منحتني كل شيء"
انتهت من الحلوى وقالت "ولكنك تعمل بالخارج وتركتها؟"
ظل صامتا لحظة والدخان يتصاعد حوله وكأنه يحمل معه الذكريات فقال "كان العمل هناك غير ثابت، عدة أسابيع هناك والباقي كله هنا حتى ست سنوات ماضية عندما قررت ألا أعود"
سالته "لماذا؟"
لف وجهه لها ورأي نظرة حنان لم يراها سوى بعيون بثينة واشتاق لها بالفعل ولكن لم يعد يمكنه رؤيتها وإعادتها من الموت، أبعد وجهه وقال "موت والدي جعلني أكره التواجد هنا وانفصلت بالعمل واستقريت هناك"
ظلت صامتة حتى لف وجهه لها وقال "أين عرفتِ زوجك السابق؟ هل هي قصة حب أم زواج تقليدي أم ماذا؟"
تجهم وجهها كالعادة عند التطرق لذلك الأمر وأبعدت وجهها عنه ولا تعرف ماذا تخبره فلو أخبرته الحقيقة سيلقيها خارج حياته ككل رجل مصري ولو كذبت لن ترتاح بعد اليوم فلم تجد رد سوى الصمت ولكنه لا يرحمها وهو يقول 
"لماذا ترفضين التحدث عنه؟"
التفتت له ولمعت دموع بعيونها وقالت "لأن بتذكره هو وبكل ما يخصه أتألم، أنا لم أعرفه قبل تلك الليلة، كانت ليلة واحدة وبعدها اختفى ولم أراه مرة أخرى ولا أعرف لماذا كل ذلك حدث لي من الأساس؟ ماتت ماما بعدها بعدة أيام وشعرت بجبال تنهال على رأسي وخوف لا حدود له من مواجهة الدنيا وحدي وقد كنت بالسابعة عشر، عشت أيام وشهور بحالة نفسية سيئة حتى عرفت بالحمل فزادت الهموم والعمل والدراسة أمر قاتل والحمل زاد الأمور سوء ولكن رحمة الله كانت كبيرة فقد منحني رجل طيب جدا هو من أخذني للشقة التي عشت بها وأهل وجيران رائعين أحببتهم جدا تولوا أموري كابنتهم ومن بعدي كريم حتى عرفت جدتك وتعرف الباقي"
ظل يلف بنظراته على وجهها وقال "عانيتِ الكثير"
ابتسمت وقالت "ولكن وجود كريم كان هدية الله لي"
اندفع كريم لها وقال "انتهيت هل سألعب لعبة أخرى؟"
قالت بجدية "لا حبيبي هذا يكفي، اقترب موعد نومك ولابد أن نعود"
لم يعترض وبدا عليه التعب فنهضت وهو اطفأ السيجارة وتبعها وعادوا للسيارة ونام كريم على ساقيها فقالت "اين ذهبت جولي؟"
قال باهتمام بالزحام "اختارت العودة للبيت فطلبت لها سيارة أجرة"
لم تنظر له وقالت "متى ستعود روما؟"
لم ينظر لها وهو يقول "لم أحدد بعد، ما زلت أرغب بإجراء بعض الأمور قبل العودة"
لا تعرف لماذا لديها فضول تجاه جولي فقالت "أظن أن جولي سيكون لها رأي آخر"
لف وجهه لها والتقى بنظراتها الزائغة فابتسم وقال "وأنا سأكون راضيا باختيارها أليس كذلك؟"
هزت أكتافها بلا رد فعاد للطريق ولكنها لم تصمت وقالت "هي تحبك وتغار عليك؟"
هو يعلم ذلك جيدا فقال "أعلم، هي لا تتوقف عن قول ذلك"
شعرت بانقباضه داخلها أخفتها ولم تلمح حتى لها وقالت "وأنت لا تهتم؟"
نفخ ولا يعرف هل من قيود حب جولي التي تلفها حول رقبته وتحاول إلزامه بها لمجرد أن والدها شريكه أم هذا الزحام الخانق أم تلك المرأة التي تجلس بجواره وتثير به مشاعر غريبة لا يفهمها؟
أجاب ولم يدرك تأثير كلماته عليها "أهتم ضي، أهتم بدليل أنها هنا معي وأحاول ألا أجعلها تتألم"
ولكنك تؤلمني أنا؟ صوت صرخ داخلها ولا تعلم من أين أتى لأنها فعلا تألمت لتلك الكلمات التي تؤكد ظنونها، هو أيضا يحبها ويخاف على مشاعرها 
حاولت ألا تبدي انفعالاتها وأحزانها وقالت "لماذا لم تتزوجها إذن؟"
لف وجهه لها محاولا قراءة ملامحها ومعرفة ما يدور داخلها فقال بحدة "هذا ما ترغبين به؟ أتزوجها؟"
شحب وجهها ولم تفهم ما الخطأ بسؤالها كي يجيب بحدة هكذا أليست كلماته هي ما تعني ذلك؟ قالت دون النظر له "أنا لا أتحدث عن رغباتي بل عنك أنت، أنت المعني بالحوار وأنت المهتم"
هتف بقوة "وأنتِ زوجتي وتتحدثين عن صديقتي بل وترغبين بأن أتزوجها"
زاد شحوب وجهها وارتجف جسدها من غضبه بشعور خوف تجسد بفقدانها للكلمات وهي تقاوم الدموع وقالت "أنت لا تعرف أي شيء عن رغباتي، كان مجرد سؤال فهي كانت معك قبل زواجنا وأنت تحدثت عن اهتمامك بها وبمشاعرها"
هتف "ولكني لم أتزوجها ألا يعني هذا شيء لكِ؟"
انتفضت من صوته مما منحها غضب ضعيف وهي تقول "لماذا تصرخ بي؟ ماذا أعرف عنك حتى تحاسبني على سؤالي؟ أنا لا أعرف ماذا يعني وجود امرأة بحياتك، أنت تخبرني أنها صديقتك وأنك تهتم بها وهي نفس المرأة التي تغضب لوجودي كزوجتك وتتعامل وكأنها تملكك ولها كل الحقوق تجاهك"
ضرب المقود بيده وقال "هي لا تملك أي شيء يخصني لا هي ولا سواها، لا مكان للمرأة بحياتي من الأساس"
سقطت دموعها بلا سبب وقالت "جيد هناك شيء متفق بيننا"
رمقها بنظرة قوية وقال بنفس الغضب "وماذا أعني أنا؟"
لم تنظر له وهي ترد "ما أعنيه أنا لك"
ظل يحدق بها حتى ارتد للطريق وقد كانت على حق، هي ليست طفلة كما يدل شكلها بل امرأة تعرف جيدا كيف تجادل وتحاور وتدخل معركة ولا تتنازل عن الفوز بها وهي تخبره أنهما لا يعنيان شيء بحياة الآخر
وصلوا الفيلا ففتح لها السائق الذي كان بانتظارهم وهي نزلت لتراه يتحرك لها والغضب يلمع بعيونه وبلا أي كلمات رفع كريم من بين ذراعيها وتحرك للداخل وهي تتبعه وما أن دخلوا حتى اصطدمت بجولي تقف بالبهو بانتظارهم والغضب وصل لها هي الأخرى وهي تهتف 
"تبدون كعائلة حقا، ماذا منحتك حتى تحمل ابنها كابنك وتمضي اليوم كله معهم بلا اهتمام بي؟"
مر بجوارها وهو يجيب "الأمر لا يعنيك"
هو نفس الرد تقريبا ومع ذلك هي لا تستسلم وقد تخطاها للسلم وهي تلف وتهتف من خلفه "بل يعنيني سليم، كل ما يخصك يعنيني، هي لا شيء، أنت لن تكون لها هل تسمعني؟ لن تكون لها؟"
تبعته ضي ولكن جولي عادت ووقفت أمامها وملامحها تتحدث عن حالتها الصعبة وهي تقول بصوت جنوني "توقفي عن تمثيل دور البريئة أمامي فأنا لا أصدقك، اسمعي أنا عشت عمري كله لا أحب أي رجل سوى سليم، لم أكون لسواه ولن يكون سوى لي ولو انتظرته عمري كله فابتعدي عنه ولا تفكري لحظة واحدة أنه سيكون لك"
لم يعد من الممكن أن تظل صامتة فقالت "لماذا تخبريني كل ذلك جولي؟ معركتك ليست معي صدقيني"
وتركتها وأكملت طريقها للأعلى وترددت وهي ترى باب غرفة كريم ما زال مفتوح فتحركت للغرفة ودخلت لتراه يقف أمام النافذة ويده بجيوبه وذهنه شارد بما يحدث حوله، جولي تصر على ملاحقتها له وهو لا يعرف كيف يوقفها فقد كان صريح معها بشكل مؤلم ومع ذلك لا تتراجع وتلك المرأة تتسرب له من حيث لا يدري وتكاد تسيطر عليه وعلى تفكيره
اليوم كان مميز بحياته، لعب وضحك وشعر بمشاعر غريبة عليه لم يعرفها منذ سنوات، نساها بغمرة أحداثه السوداء واليوم تتجدد غصبا عنه، ضحكتها ما زالت تتردد بأذنه وعيونها تضحك معها وخصلاتها تلف حولها هنا وهناك وتتوهج كالنار حول وجهها، بسيطة بكل شيء ملابسها، جمالها، حديثها كل شيء بها بسيط وجميل
سمعها تقول "لم أرغب بأن ينتهي اليوم بتلك الطريقة فقد كان يوما رائعا حقا"
ظل مكانه بلا حركة وهو يعترف بذلك أيضا، شعر بها بجواره وهي تنظر لأكتافه العريضة وقالت "أنا فقط أتعامل على أساس أن زواجنا لم يكن زواج حقيقي"
التفت لها وقاطعها "ولكنه حقيقي، مأذون وشهود وتوثيق، ليس الفراش هو ما سيجعله حقيقي من عدمه"
أخفضت عيونها وتورد وجهها وشعرت بخدر بجسدها وهمست "كلانا كان يعرف الغرض منه ولم نعترض بل كان يوافق مصالحنا واعتقاداتنا وإرضاء لجدتك"
اقترب منها وحاول أن يخفض صوته من أجل الطفل النائم بسلام وهو يقول "وهذا يعني أني رجل نساء؟ أتزوج واحدة وأتخذ الأخرى عشيقة؟"
لم تنظر له أيضا وهي تقول "أنا لا أفهمك ولا أفهم علاقتك بها، هي تتحدث عن حبها لك وأنت لا تنكر ذلك وأنا لا يحق لي التدخل بحياتك"
وجد نفسه يتحدث بكلمات لا يعرف من أين أتت وهو يقول "وهل ترغبين بذلك؟ بأن يكون لكِ مكان بحياتي والتدخل بشؤوني أم لا؟"
وأخيرا رفعت عيونها له ليشعر بنبض يسرع بعروقه وانجذاب رجولي نساه يرتفع داخله تجاها وأراد أن يسمع الرد منها وهي لا تعرف ما الذي أصابها أمامه؟ بالصباح لم يكن يعني لها سوى الرجل الذي أنقذها لكن الآن وبعد هذا اليوم الدافئ بوجوده، اهتمامه بابنها كأب وبها كزوجة بدل شيء داخلها، شيء لا تفهمه جعلها تهز رأسها غصبا عنها بالموافقة وهي تقول 
"نعم، لكن ربما.."
اقترب فتوقفت وهو يدفع يده لوجنتها ويلمس نفس البشرة التي تخدر جسده ويرفع وجهها ليثبت عيونها على عيونه وهو يقول "بدون لكن، ما يحدث بيننا جنون ولا أحد منا يدرك كيف يوقفه"
وافقته وهي عالقة بنظراته ولم يتراجع وهو يجذب وجهها له ويده تنغرز بسيل شعرها المتناثر كالحرير ويترك شفتيه تتذوق شفتيها التي انتظرته ولم تعترض وهو يلمس شفاها برقة وتبدأ قبلته، هادئة، رقيقة، ناعمة، وهي المثل تحاول أن تتعلم كيف تمنحه قبلة جديدة عليها
أعجبه طعم القبلة وتلذذ بها واستجاب جسده لها برغبة نساها استيقظت فجأة بسببها ولف ذراعه الأخرى حولها وشعر بيداها تقبض على ذراعه وجسدها يلين تحت قبضته وأنفاسها ترتفع دليل على وجود نفس الرغبة داخلها ولم يفكر بتركها بل عمق قبلته أكثر و..
"كنت أعلم أنك ستخونني معها"
انتفضت بفزع وتراجعت بقوة كادت تسقطها وهي تنزع نفسها من ذراعه وتستوعب ما كان يحدث وأنفاسها تتقطع بينما لف هو وجهه لجولي بغضب وهو يرفع يده لها محذرا 
"الطفل نائم"
وتحرك لها وجذبها من ذراعها بقوة خارجا بينما التصقت هي بالجدار من خلفها وأغمضت عيونها وأقدامها تكاد لا تحملها وهي تسترجع ما حدث بينهم، لمست شفاها بأصابعها وما زالت تشعر بشفاهه عليهم وتتذوق طعمهم، ظلت جامدة مكانها وهي تحفظ تلك اللحظات الرائعة والجديدة بكل ما بها وكم شعرت بالسعادة
هل حقا سيكون لها مكان بحياة رجل مثله؟ هي، ضي، الفتاة التي لم تعرف معنى الراحة منذ ولدت وذاقت من الفقر الأمرين، يكون لها مكان بحياة سليم الدسوقي، الرجل الذي هو حلم لكل فتاة بوسامته وجاذبيته ورجولته وأضف عليهم غناه المعروف، كل هذا سيكون لها؟
هي لم تعرف الأحلام فقط كوابيس لعينة تضربها كل ليلة تعيدها لحقيقتها، فتحت عيونها ودموع تحرقها وتذكرها بالحقيقة التي نستها لوهلة ولا تعرف ماذا ستفعل معها، هي زوجته الآن فهل تترك الماضي حيث هو وتقبل بالواقع كما هو بلا تعقيدات ولا أحزان؟ هل يمكنها التعايش مع كل ذلك وتنال من الحياة ما حرمت منه؟
****
ما أن دفع جولي داخل غرفتها حتى هتف بها "متى ستكفين عن جنونك هذا؟"
واجهته بدموعها وهي تشيح بذراعيها بلا هدف وتهتف "حبي وغيرتي ليسوا جنون"
ابتعد وقال "أنا اكتفيت من كل ذلك جولي"
شعرت بألم بقلبها وهي تقول "لا أفهم، أنت أخبرتني أنه زواج مصلحة وهذا جعلني لا أفقد الأمل لكن ما أراه أمامي مختلف، أنت تريدها"
صمت خاصة بعد تلك القبلة التي فجرت داخله رغبة بدائية لم يعد بإمكانه إنكارها، رغبة لم تتواجد إلا معها هي، يد جولي جذبته ليلتفت لوجهها الملطخ بالكحل المنساب على وجنتيها وهي تنظر له بألم لم يكن يريدها أن تشعر به ولكن فلت الزمام وانشق الألم من بين الصخور التي بناها
قالت بنفس الألم والحزن "لا سليم، أخبرني أن ذلك غير صحيح وأنك تريدني أنا، أنا من أحببتك منذ عرفت معنى الحب، أنا من عشت لك"
هتف بقوة "وهم، كل ذلك وهم أنتِ من اختار أن يعيش به بدليل أنك تزوجت رجل آخر وأنت من يحاول تدمير حياتك بقصة حبك لي، أنتِ لا تحبينني جولي أنت تحبين القصة التي صنعها خيالك وترفضين تصديق الواقع"
تراجعت وهي تحدق به بلا فهم، ابتعد وأكمل "أنا لم أمنحك يوما أي أمل بوجود علاقة بيننا، لم أكذب عليك ولم أخدعك ولم أخونك كما ادعيت"
همست بألم "وهم!؟ لا، أنت لا تصدق ما تقول"
لم ينظر لها وهو يقول "بالعكس أنا أعي كل كلمة أنطق بها ليس الآن فقط بل بكل مرة تتحدثين بها عن حبك لي"
نبرة الانكسار كست صوتها وهي تقول "لأنك لم تعرف الألم الذي أعانيه وشعور الخيانة الذي أشعر به"
التفت لها وقال باستنكار "أي خيانة جولي؟ إنها زوجتي من كنت معها ولا شيء بيني وبينك حتى أعتبر ذلك خيانة لكِ، استيقظي جولي، استيقظي وعودي للواقع أنا لم يعد بإمكاني الصمت على أوهامك أكثر من ذلك"
وتحرك ليذهب ولكنها هتفت "أنت قلت زواج مصلحة"
توقف وهلة ثم قال "وقد انتهت المصلحة وتبقى الزواج ولا توجد موانع لاستمراره"
شحب وجهها حتى بهت نهائيا ورحلت منه الدماء وقالت بوهن شديد "إذن أنا على حق، أنت تريدها"
ظل يواجه نظراتها المتألمة بصمت قاتل لقلبها المتألم حتى قال "أنا أريدك أن تستيقظي من أوهامك كي لا تقتلك"
وتحرك خارجا وأغمضت عيونها بألم وما زالت الدموع تصنع خطوط عميقة على وجنتيها وهي تدرك أن حبها له ليس وهم كما يدعي لكن هو حب بلا أمل لأنه من طرف واحد والآن عليها اتخاذ القرار الصواب 
   
                  الفصل الثامن من هنا

تعليقات



<>