رواية غزالة فى صحراء الذئاب
الفصـل الثالث عشر 13 والرابع عشر 14
بقلم رحمه سيد
ذهـب الجميـع ولم يتبـقي إلا هـو وهـي فقط !! .. وبمجـرد أن أستوعـبت تلك الجملة شُلت جميع اعضاءها عن الحركـة وتسمـرت مكانهـا، بينما أكمـل هو بخبث :
_ أية يا عروستي وقفتـي لية ؟
لم تجيـد الـرد ولم يخـرج صوتها من كثرة إرتعادهـا، إندهمـت القوة وسقطـت الحصـون لتظهـر القطة الخائفة امامه فقط !!
حاولت إخـراج الكلمـات بصعوبة وكأنها تجذبها عنوة :
_ مـ مـمكن تسيبني أمشي !
قهقـه بسخريـة واضحـة، تطـلب الفرار بكـل بلاهـة !! سخريـة قد تكـون معتادة في موقـف كهذا، ولكن من ثم اختفت عندما لمعـت عينـيه السوداء ببريق لامع خبيث وقال :
_ أسيبك تمشي فين، هو أنتِ مش عارفة إن النهاردة الدُخلة ولا أية يا شموستى
شعـرت أنها ستبكِ حتمًا، لن تحتمل أكثر .. فقـدت كل طاقتها ! ولم يعد مجـرد شعور فقد ترقرت الدموع في عينيها الرماديـة وهي تسأله بهدوء حذر :
_ أنت لية بتعمل معايا كدة، حرام عليك !
أعيـن لامعة تشابكت نظراتها، ورجـاء اخترقـه ليحاول هـزه، ولكن .. قابله بسد متيـن قوى وازداد قوة من جروحه وألامه ،فرد عليها ببرود ثلجي :
_ أنتِ مابتزهقيش من السؤال ده، قولت لك أنتِ عجبانى، ثم إنك تحمدى ربنا إني اتجوزتـك اصلاً
صرخـت فيه بنفاذ صبر :
_ لأ لأ، هحمد ربنا على نقمة ازاى !!
جـن جنونـه هنا، هي المذنبـة وهي التى تتجبر، تتقمص الدوريـن بمهارة !! ولكن لا .. لن يسمـح لها أن تحلق فوق سماؤوه بكل غرور !
وأقتـرب منها حد الخطـورة، الخطورة التى تشعـر بها من اقترابـه، والتى تسبب الفرار للدماء من وجهها الأبيض، وتهديد ضربات قلبها بالتوقف !!
فغمغمت متلعثمة :
_ أبـعـ أبعـد شوية
هـز رأسه نافيًا ليتردد صوتها شبه الباكِ :
_ حرام عليك، أنا هتدمر بسببك
لم يعيرها أدني اهتمام وهو يقترب منها حد الإلتصاق وهمس :
_ هشششش اسكتِ
_ أنت ظالم .. ظالم وهتندم صدقنى
قالتها ببكاء ودموع أبت الحبسة في جوفيها
ليتابع هو بخشونـة وحدة :
_ مش ظالم، أنتِ اللي كدابة وممثلة بارعة
نظـرت له بهدوء لتقَول بجمود :
_ هتنـدم
فـرد ببرود مقابل :
_ بحب النـدم جداً يا حبيبتى
ولم يجد سوى صمت، صمت إكتسبته من وقحاته، وعجزهـا أمامه !!
فقال هو بخبث :
_ ايوة كدة اسكتِ، شوفتى السكوت حلو ازاى، خلى الكلام لشوية كدة، هعوز اسمع صوتك جداً
بالرغـم من خوفها وإرتعادها، زحفت الحمرة تلقائيًا لوجنتاها !
انفاسـهم اللاهثـة دوى صوتهـا بوضـوح، لفحـت أنفاسـه بشرتهـا البيضـاء، ليرتعـش جسدهـا برعب، لم تهتـز له شعرة لحالتها المرتعدة، لجسدها الذى ينتفـض من قربـه، بل اقترب اكثر حتى حاوطهـا وإلتصقـت هى بالحائـط، تحاول جمـع شتـات انفاسها المبعثـرة بسبب هجومه المفاجئ، وجهها أصفـر من كثرة هروب الدماء من وجهها هلعًا، فتعمـدت الحروف تحديهـا ولم تخرج من بين شفتاها المنتكزتين، ليخرج صوتـه متجبرًا جامدًا :
_ عايزة تروحى منى فين يا شمس
نظـرت للأرض، تجز على أسنـانها لتمنـع دموعها من الهطول بصعوبـة، همست بصوت يكاد يسمع :
_ ارجوك سيبنى امشي، ارجوك يا استاذ مالك
ما يزيـده رجفة صوتها إلا نشـوة، همـس هادئًا بالرغم من امواجـه المتقلبة بداخله :
_ لأ، مش هاتمشي غير بمزاجى
صمت برهه ليتـابع بتهديد مزقها من الداخل بقسوة :
_ أو لما اخد منك الي انا عايـزه
دفعته بقبضتها الصغيرة، لم يهتـز للحظة، بل هى من إرتعشـت كالكهرباء التى سارت في جسدهـا، فجأة إحتقـن وجهه كجمرة من النار، وامسكها يهزهـا ويصيح فيها هادرًا :
_ عملتى معاهم كلهم كدة، اشمعنا انا !!؟
لم تجيبـه وإنما كان صمتهـا وسكونـها إجابـة كافية لتثير جنونـه اكثر، اجابة اكدت دون قصد كل ما علم به، وحطمت بريق الأمل المتبقـي، لم يلحظ الدموع الساكنة في لؤلؤتيها، ابتعد عنها مسافة قليلة، وفك أزرار قميصه وهو ينظر لها نظرة دبت جميع معانى الرعـب في اوصالها، لتشعر وكأنها حقًا الان ما هى إلا غزالة في صحراء الذئـاب ..
*********
وما بيـن التوتـر والقـلق والحزن .. والغضب، كانت تبحث بين أرجـاء المنزل عن شمس التى أختفـت فجأة !!
يأست من تواجدهـا فصرخـت بحدة :
_ شمس !
تأففت وهي تمسـح على شعرها الأسود بقوة متابعة :
_ هتكون راحت فين بس ياربي ؟
ظلت تبحث هنا وهناك وهي تتابع مزمجرة :
_ يووه، إما وريتك لما تجيلي مابقاش انا
وجلست على الأريكـة بهمدان منتظـرة قدومها الذى يبدو انه سيطول ويطول كثيراً ...
فجأة صدح صوت هاتفها معلنًا عن إتصـال، نهضـت هي بخفة متجهة له، ثم التقطته واجابت بهدوء :
_ الووو السلام عليكم
_ وعليكم السلام، مدام كريمة زوجة الاستاذ صابر معايا ؟
_ ايوة اتفضل مين حضرتك
_ احنا من السجن وكنت حابب أبلغك بشيئ اتمنى تتقبليه بهدوء
_ اتفضل يا حضرت قلقتنى
_ زوج حضرتك توفي أمبارح !
سقط الهاتف وصرخة مدوية خرجـت منها يتبعها ركضها لترتدى ملابسها متجهة للسجن ودموعها لم تتوقف عن الهطول !
*******
كـان يجلس على الأريكـة الوتيرة من أسفله، يدب بقدمـه على الأرضيـة بقوة، لا ينظر لوالدته التى تشـع نظراتها غضبًا جمًا، او لوم لتفريطه بشقيقته الوحيدة !!
لا يهمه، كل ما يهمه أنه لا يبالي لهذه الشقيقة ابدًا !!
وكأن ذاكرتـه قد ذكرته بما مضي لتعطيه المبرر لما يفعله بشقيقته ..
فلاش بـاك
كان يجـلس في أحدى الكافيهات الراقيـة، ملابسـه مهندمـة وملامحه مضطربة بعض الشيئ، يجلس على الكرسي الخشبي وينظر بالساعة كل ثانية ليرى لماذا تأخرت ؟!
وظهرت امامه بعد دقائق، بهيئتهـا الخليعة التى كان يحاول هو تغييرها، مساحيق تجميلها المبالغ فيها !! وملابسة الضيقـة !؟
اشياء حاول التغاضـي عنها، ووضع غشاوة امام عينـه .. الحب !
جلست على الكرسي المقابل له بغرورها المعتـاد، ليسارع هو بسؤالها متلهفًا :
_ اتأخرتِ كدة لية يا حبيبتى ؟
تأففت قبل أن تجيبـه ببسمه يملؤوها الحب الزائـف :
_ يادوب عرفت أخلع من بابا بصعوبة
ضيق ما بين حاجبيه وهو يسألهت بضيق يعتريـه :
_ هو انتِ محتاجة صعوبة عشان تشوفِ خطيبك ؟
وببراعـة تمثلـت في تكويـن بعض الدمـوع الزائفـة، نظـرت له وزجـت الحزن في نظراتها والذى يقع هو أثيـره، لتقول بصوت متهـدج :
_ انا جاية النهاردة عشان أقولك حاجة مهمة وامشي
سألها مستفسراً بنفاذ صبر :
_ حاجة أية دى يا صافي ؟
وامتثـال لأوامرها افتـرش الألم على قسماتها وهي تخبـره بنبرة متهدجـة وتمثيل تفوقت فيه :
_ أحنا مش هينفع نكمل مع بعض يا مازن
صرخ فيها دون تردد :
_ أنتِ مجنونة !!
لم تجيبـه وامتثلت الصمت الذى هو السلاح الاقوى لتثير جنونه، فعاد يسألها بحدة وهو يهزها :
_ يعنى أية مش هينفع نكمل مع بعض، انتِ عارفة إن فرحنا بعد 4 أيام ؟!
هـزت رأسهـا موافقة وهي تقول بصوت أشبه للبكاء :
_ عارفة والله عارفة، بس غصب عنى
صرخ فيها بجدية حادة :
_ هو أية ده اللي غصب عنك
رفعـت كتفيها تقول ببرود داخلى :
_ يعنى أنا بأعمل كدة مش بمزاجى، أنا مجبرة
نظـر لها بتدقيق وقال متساءلاً :
_ مين اللي أجبرك ؟
صمتت فصرخ فيها مرة اخرى :
_ ردى عليا مين اللي أجبرك ؟
هـزت رأسها نافية لتردف :
_ مش هقدر أصدمك فــ اقرب الناس ليك
ازداد صراخه وإلتفتت الناس له وهو يقول :
_ انطقي ميييين ؟
ردت عليه بصراخ مماثـل امتزج بالخبث الذى لم يلحظه :
_ اختك .. اختك خلود
سألها بسكون غريب :
_ ازاى اختى ؟
اجابت مغمغمة بضيق وحزن مصطنع :
_ اختك هددتنـي، لو مابعدتش عنك هتدخل بابا السجن !!!
سألها دون تعبير :
_ لية أختى تهددك ؟
_ لأنها مش بتحبنى وبتكرهنى جداً لسبب أنا مش عرفاه !
نهوض يتبعـه خطوات سريعة جدًا باتجـاه الخارج تصحبه مناداتها له، ولكن لم تجد جواباً فارتسمت الابتسامة الخبيثة على ثغرها اللعين وهي تيقـن نتيجة ما فعلته وخططت له !!
باك
مسـح على رأسـه بقوة حتى كاد يختلع جذوره، كل قسمه وتوعده لها يتردد بأذنه يوميًا، سينتقم .. سينتقم ممن فرقت بينع وبين حبيبته !! أو سينتقم وفقًا للصورة التى رسمتها تلك الحيه بمهارة ..
تقدمـت منه والدته وهي تقول بسخط أمومي :
_ لا أنا مش هستنى اكتر من كدة، يلا نبلغ تانى الاربعة وعشرين ساعة مروا خلاص
هـز رأسه نافيًا وهو يخبرها للمرة التى لا يتذكر عددها :
_ يا أمي هى هترجع لوحدها صدقينى وكدة هيبقي اسمنا قدمنا بلاغ كاذب !!
زمجـرت فيه غاضبة :
_ أنت مجنون، بنتى مختفية بقالها يوم كامل وعايزنى أقعد زيك كدة !!؟
لم يستطـع الرد عليها حيث دوى صوت الهاتف فهرعت إليه مسرعة ترد بلهفة :
_ الووو
اتاها صوت " خلود " المرهق :
_ ماما أنا خلود
_ خلود حبيبتى يا بنتى انتِ كويسة ؟
_ انا كويسة
_ انتِ فين يا حبيبة ماما
_ انا عايزة اقولكم ماتبلغوش بوليس، انا كويسة ومع جوزى
_ نعمممم، جوزك مين يابنتى انتِ اتجننتى
_ انا اتجوزت واحد زميلى بحبه يا ماما
_ أنتِ مجنووونة صح
_ مع السلامة يا امى
واغلقـت الهاتـف تحـت أنظـار أخيها المهللة صوب والدته .. ونظرات مراد المنتظرة صوت خلود التى صرخت فيه بجزع :
_ إرتحت كدة ؟
اومـأ مجيبًا ببساطة غير لائقة :
_ طبعًا يا خوخـه
كادت تبكِ وهي تقول بنبرات متشنجة :
_ حرام عليك أنت مش بنى ادم اكيد
هـز رأسه نافيًا يقول بصوت قاتم :
_ هتعرفى بعدين إني بنى ادم، وبنى ادم جدًا كمان
لم تفهم مغزى عبارته الغير مباشر، لم تكـن فوضوغ يسمح لها بالسؤال من الأساس، فقد تشوشت الصورة امامها، وترنجت قبل أن تسقط مغشيةً عليها بين يديه الصلبتين التى استقبلتها بسرعة، ظل يتمعن قسماتها بنظرات يصعب تفسيرها، ليمسح على شعرها الناعم وهو يقول بخفوت :
_ أنا أسف يا حبيبتى
********
ولو كـان الإدمـان شخصًا لقتلته بالطبـع، وعبارتـه يتردد صداها في خلدهـا، ولكن ألمها يحثها على الموافقة السريعة، غير عابئة بما ستجنيه لاحقــًا !!
نظـرت له تحاول إستيعاب ما تفوه به للتـو وسألته :
_ أنت مجنون !؟
ضحك باستخفاف ورد له نفس السؤال :
_ أنتِ اللى مجنونة ؟
نظـرت له باستفهام فتابع بحدة تجلت في نبراته :
_ أيوة تبقي انتِ اللي مجنونة لما تفكرى إنى ممكن أسيب حق أختى
سألته مرة اخرى والألم يزاد سيطرة عليهت رويدًا رويدًا :
_ طب وأنا مالى ؟
مط شفتيـه ليقول بنبرة متشفيـة :
_ للأسف أنتِ أخته، ومش هعرف أنتقم منه غير عن طريقك
هدرت فيه بغضب تراكم لديها :
_ أختك هى اللى مجنونة لما تنتحر عشان واحد ايً كان هو مين ؟!
كاد يهـوى بكفه على وجنتاها بغضب، ولكنه تمالك نفسه وهو يزمجرها حادًا :
_ أخرسي، هي أمنت لواحد خسيس واطى فكرت أنه بيحبها
أمسكـت رأسها بقوة وهي تترجـاه مرة اخرى بألم حقيقي :
_ طب أرجوك أدينى اى حاجة دلوقتِ ونبقي نتكلم بعدين
هــز رأسه نافيًا يتابع ببرود :
_ تؤ تؤ، أنا عرضت عليكِ عرض والظاهر إنك بترفضيه
همست مرة اخـرى بنفاذ صبر :
_ انا مش قادرة !
اجابها بهمس مماثل جاف :
_ أقبلى عرضي
هزت رأسها نافية واستطردت :
_ مقدرش
اجابها بنفس الرد وهو يرفع كتفيه :
_ وأنا كمان ماقدرش
ولم تعد ترى امامها سـوى الألم والادمـام يجذابها نحو حافة الدمـار .. !
وتنجذب هي بلا إرادة، لتصرخ فيه بحدة :
_ موافقة موافقة هات
تقـوس فمه بشبح ابتسامة هاتفًا بخبث :
_ كدة تعجبينى يا حلوة !!
********
واحيانًا كثير يتعجـب الشخص من نفسه حد الاندهـاش عندما يجد نفسه يسير بمسار غير طبيعى نسبةً له، عندما يجد أن الفعل مناسب ولكن رد الفعل ما هو غير مناسب تمامًا !!
هـب منتصبًا من الفـراش يرتـدى بنطاله وهو ينظر له بحدقتين متسعتيـن، تشعان نظرات غير مصدقة ترجو التكذيب منها، بينما هى تعد في عالم أخـر، عالم تحلق هي فين بحريتها تنعم بهدوء من نوع اخر لم تحظى به منذ دلوفه لحياتها، نظراتها مصوبة نحو اللاشيئ، ووجهها شاحب شحوب الموتى، وكأنه اخذ روحها وليس عذريتها فقط !!
أقتـرب منها صارخًا فيها بجنون :
_ ازااااى طب ازااااى ؟
نظـرت له نظرة لم يستطـع تفسيرها، نظرة مغلفة بالألاف من الأغلفة واولهم التماسك، ليسألها بأكثر توضيح مشيرًا للبقعة الحمراء اعلى الفراش :
_ أزاى كنتِ آآ .. كنتِ عذراء
لم تـرد عليه وإنما ظلت كما هي على وضعها، وكأنها أقسمت ألا يخرج صوتها امامه ثانيةً إلا في حالة واحدة !!
_ متلمسنييييش
صرخـت بها عندمـا أقتـرب منها يحاول أن يديرها لتنظر نحوه، ولكن فوجئ ببرودة جسدها حد الخطورة، فهمس لها مهدئًا :
_ اهدى .. اهدى
وبصوت مهزوز تابعت دون أن تنظر له :
_ قولتلك سيبنى، قولتلك هتدمرنى
هـز رأسه وهو يزمجر فيها غاضبًا :
_ طب ازاى و انتِ آآ
قاطعته بسخرية مريرة :
_ اية .. انا بنت ليل صح
أفكـار متلاطمة تضاربه، تارة تجعله يشعر بالندم، وتارة لا تصدقها وتمقتها اكثر !!؟
فقال لها بقسوة :
_ أيوة، ف ازاى تبقي عذراء ازاااى
ظل يمسح على شعره وهو يردد تلقائيًا :
_ يعنى انا اول واحد ألمسك ازاااااااى ازااااى حد يفهمنى
بينما هي .. كل ما يتردد بخلدها الان شيئ واحد فقط .. استسلامها المخجل للمساته الحميمية، وبدءت تتذكر ما حدث ..
ولكن اوقفت افكارها بصعوبة وهي تضغط على رأسها صارخة فيه بهيستريا :
_ طلقنى .. طلقنى كفااااية !!!
*********
وعندمـا تتراكـم عليك المصائـب، وتزداد المشاكل، لتحاصرك من كل الاتجهـات، تصبح أنت كالذى يُسحـب منه الهواء تدريجيًا ...
سقطـت الكلمة على مسامعه كالسـوط الذى يتفنن في إيلامـه، دائمًا هو المظلوم .. دائمًا هو المغرور .. دائمًا هو في وضع القـوة، ولكن ماذا إن تبدلـت الأدوار ليصبح هو الظالـم ؟! بالطبع لن يستسلم ..
صاح فيهة بحنق :
_ طلاق !!!
اومـأت وكأن لسانها يردد ما وصل إليه حالها :
_ أيوة طلاق، طلاق لأنى اكتفيت من القهر، طلاق لأنى اتحرمت من أجمل يوم ف عمرى، طلاق لأنى مابكرهش حد قدك دلوقتِ ابدًا
أهو ظالـم لهذه الدرجة ؟! ام هي تتفنن في رسم تلك الصورة له !
فقال بصراخ مماثل لها :
_ لأااا
سألته ببلاهة غير مستوعبة رفضه :
_ لأ أية ؟
مـط شفتيـه يجيب ببرود حاول زجه في نبراته الغاضبة :
_ لأ مش هطلق، لأن مش معنى كدة إنك مظلومة
إتسعـت حدقتـا عيناها بصدمة حقيقية، رغبته في أنها عاهـرة أقوى من اى شيئ الان !!! .. لن يصدق مهما حدث، ومهما ترابطت الدلائل امامه سيفككها بكل برود ملقيًا بها في عرض البحر !!!
خرج صوتها بصعوبة متساءلاً :
_ أنت عايز دليل اية أكتر من كدة ؟
رفــع كتفيـه ليقـول بسخرية :
_ أنتِ عايشة ف عصر أبو جهل ولا أية ؟
نظـرت له مستفهمة بعدم فهم :
_ وضح كلامك ياريت
اومَأ وهو يتابع بغل :
_ يعنى أنتِ مش فاهمة قصدى ؟
هـزت رأسها نافية لتجيب ببراءة :
_ لا والله
للحظة كـان سيصدقها ! سينخـدع في براءتها التى يعتقدها مزيفـة، في بحر عينيها العميق الذى يجذبه يومًا بعد يوم، ليستفيق سريعًا وهو يزمجر فيها :
_ يعنى دلوقتِ بقا في عمليات يا حلوة، ممكن ببساطة تكونِ عملتِ العملية ورجعتى زى ما أنتِ
هـزت رأسها نافيـة وقد بدءت دموعها بالأنهمـار :
_ لأ حرام عليك ماتظلمنيش للدرجة
نظـر لهـا من أعلى إلي أمحص قدميها ليقول بحـدة واضحة :
_ لو عملتى المستحيل عمرى ما هصدق عاهـرة زيـك
أغمـضت عينيها بقوة علها تمنع أذنيهـا من سماع تلك الكلمـة، ولكـن .. جعلتهـا تنـزف من الألـم، من المفتـرض زوجتـه ويشبهها بالعاهـرة !! لا لا يشبهها بل يلقبهـا به وما أسوءه لقـب حروفـه لها عامل في إماتتها ببطـء !!!
همسـت بحـروف خرجت متمثلة في معانى الألم الحقيقي :
_ أنا عمرى ما كـنت عاهـرة ولا هكـون
ثم صمتت برهه تستجمـع نفسها المبعثرة من هجومه الشنيع :
_ بس أنا واثقـة فـ ربنا، وواثقة أنه هيجبلي حقه، وواثقة إن " لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنـا "
تقـوس فمه بابتسامة ساخـرة بالرغم من إهتزازه ولو لثوانى داخليًا ثم قال :
_ ماشي يا شيخـة شمس
نظرهـا موجه للأرض لا تقـوى على رفعه، فتواجه سهام عينيه الحادة وظلت تردد :
_ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالميـن
إتجـه للخـارج وهو يقول بحدة باتت معتادة منه :
_ أنا طالع، أجي ألاقيكِ قومتى ولميتى الدنيا وحضرتى لى أكل زى الناس
وعندمـا لم يجـد منها رد، أردف بقسوة :
_ وأظـن دى حاجة مش جديدة عليكِ، دى شغلتك اصلاً
ولو كـان للقـلب صوتـــًا لكان خرج صوته من بين ضلوعها صارخًا برجاء :
_ " أرحمنـي معذبي سأتوقف حتمًا من الألم " ...
وصمتت وهي تحتفظ بدموعها في عينيها التى لم تحتمل اكثر فأخرجت الدموع في صورة شهقات متألمة عميقة من داخلها منذ خروجه واخيرًا من تلك الغرفة اللعينة !!!
*********
جـالت نظرات " مراد " على وجه "خلود " المتـورد، يتفحص صفحاته التى كادت تـذبل بشدة من كثـرة ما مـرت به، نفس قسمـات الوجه التى عشقهـا من قـبل، ربما تختـلف قليلاً لكنها تشبهها بحق، نفس الصفـات المكتنزة، ودون ارادةً منه وجـد نفسه يتذكـر زوجتـه الحبيبة امام صورتها المشابهه ..
فلاش بـاك ..
كـان في منـزله ذو أثـاث نظيف ومرموق، نفس المنزل الذى يعيش به الان، ولكن الأخر كانت به أطيـاف سعادة يومًا ما، ولكن الان يملؤوه تيارات مشحونة بالغضب والأنتقـام الكاذب !!
كان يجول الصالون ذهابًا وإيابًا بجـوار زوجته التى كـانت تجـلس على الأريكة تستند بيديها على ركبتيها والقلق يشع من نظراتها وملامحها الهادئـة، نفذ صبرها فقالت منفعلة بعض الشيئ :
_ مراد أهدى خلينا نفكـر
نظر لها يسألها مسرعًا بانفعال حقيقي :
_ نفكر ف أية، احنا خلاص هنروح ضحية
أغمـضت عينيها تحاول تهدأة نفسهـا، تجبر نفسها على السير في السبيل الصحيح، ولكن على غفـوةً منها عاد لسانها يردد نفس اللـوم الذى يُحمله فوق طاقته :
_ قولت لك يا مراد، قولت لك الناس دى مش سهلة ابداً، قولت لك شغلك مش هيجيب لنا غير الوجـع
مسـح على شعـره بقوة حتى كاد يختلعه بين يديه وهو يهتف :
_ وانا قولتلك إن ده شغلى، يعنى حياتى وحق بلدر عليّ إنى أخلصها من أمثال الناس دى عشان ماتدمرهاش اكتر
تنهـدت بقوة تنهيـدة تحمل الكثير وسألته مرة اخرى :
_ طب هما قالوا لك أية بالظبط ؟
جلـس بجـوارها وهو يتابع مغمض العينين :
_ قالولى لو مادتهمش الفلاشة يبقي أقرأ الفاتحة على أرواحنـا !!
إتسعـت حدقتـا عينيها من هذا التصريح الفـج، الذى لم يكن متوقع ابدًا، ولكن لنقل أنه متوقع نسبةً لأناس مثلهم، لكن غير متوقع بالنسبـة لدرع الحماية الوهمى الذى رسمته هي، وهو وظيفة زوجها !!!
رددت دون وعـي :
_ طب ما تديهم الفلاشـة ونخلص نفسنا يا مراد
وكأنه قرر مجارتها في ذاك الجنون :
_ كان نفسـي، لكن للأسف فعلاً الفلاشة مابقتش معايا
صرخت فيه متساءلة بجزع :
_ أمال مع مين يا مراد ؟
اجابـها بصراخ مماثل بل أكثر حدة :
_ مع سيادة اللواء يا ليلي، مع سيادة اللواء
ثم صمت برهه يسترجع ما حدث ليتابع بعمق :
_ يعنى دلوقتِ هيخلصوا علينا على أعتقـاد إنها معايا بالفعل وبكذب عليهم، ولما يعرفوا أنها مع سيادة اللوا هيقتلوه هو كمان !!!
عادت بظهرهـا للخـلف وهي تردد بحزن :
_ لا إله إلا الله، يااارب أنت العالم بالحال
عاد هو الأخر ليصبح موازتها ثم وضع يده على بطنها مستطردًا بألم حقيقي :
_ أنا مش خايف على نفـسي، أنا خايف عليكِ أنتِ وأبنـنا اللي جاى
اومـأت هي بشبـح أبتسامة منكسـرة وهي تهمـس :
_ عارفة يا حبيبي
بــاك
وكأنهم يعلمـون تلك النقطـة جيدًا، يعلمون كيفية إختراق حصونه لأحراقه فعليًا، وفعلوهـا لم يكن مجـرد تهديـد، قتلـوها وطفله دون أدني رحمـة، ولكن .. بعد رحلة كاملة بشتي أنواع العــذاب الجسدى والنفسي معًا !!!
نظـر لخلود المتسطحة أمامه ليهمس بصوت يكاد يسمع :
_ والظاهـر انهم هما كمان كانوا عارفين يا حبيبتي، عشان كدة كسرونى !!!
********
_ فييييين الصـور ؟
صـرخ بها غـريب الذى كان يسيـر ذهابًا وإيابًا في ذاك المنـزل بجنـون، بعدما قلب المنزل رأسًا على عقـب، جـن جنونـه من عدم رد " بسام " عليه برد مقنع، ام أنه يتعمد إستفزازه واثاره جنونه فيرد عليه بــ :
" امممم مش عارف " .. " تفتكر ممكن تكون راحت فين يا شبـح ؟ " .. " يمكن العفريـت أخدهـا وهـرب " !!!
تتبعهـا ضحكاته المستفـزة، فاقترب منه غريب فجأة يسأله بحدة غير معتادة منه تجاه صديقه الوحيد :
_ بقول فين الصور يا بسام ؟
رفـع كتفيه ليقول بلامبالاة مصطنعة :
_ وأنا أيش عرفنـي ؟
صرخ فيه بجنـون :
_ أنت هتستعبط، محدش يعرف موضوع الصور ده غيرك أنت ويحيى، ويحيى عمره ما يعملها !
نظـر له بلـوم حقيقي مردفًا :
_ يعنى واثـق فــ يحيى ومش واثق ف صاحب عمرك يا غريب !!؟
هـز رأسه نافيًا وقال بنـزق :
_ لأ مش كدة، بس إذا كان يحيى هو اللي مدينى الصور دى، هياخدها من ورايا تانى لية يعنى ؟
تنهـد بسـام وهو يتابع بيأس :
_ ايوة أنا اللي أخدتهم يا غريـب
إتسعـت حدقتـا عينيه، لقد ضاع ما خطط له !؟ .. هُدمـت أحلامه الوردية بفتاته ناصعة البيـاض !! ذهبت هباءً وبسبب من ؟! ذاك الذى يُدعي صديقه !!!
أقترب منه فجأة يمسكه من تلاليب قميصه :
_ ليييية، بتعمل كدة لية ؟
أبعد يده وهو يجيبـه بجدية :
_ عشان أنقذك من المصيبة اللي كنت هتعملها ف نفسك وف بنت بريئة ملهاش ذنب ف اى حاجة
زمجـر فيه بغضب عـارم يكاد يحرق من أمامـه من شدتـه :
_ وأنت مااااالك، هو حد كان أشتكى لك ؟
هـز رأسه نافيًا ليصدح صوته حازمًا :
_ لأ بس لما أشوف صديقي وصاحب عمرى الوحيـد وأخويـا بيعمل حاجة غلط من حق الصحوبية دى عليا إني أنصحه ولو ماستجابش للنصيحة أتصرف عشان ألحقـه قبل ما يـقع !
ضغـط على يـده لتظهـر مفاصلـه من فرط عصبيتـه، وايضًا نفس تلك الصداقة اللعينة تقف حاجـز بينه وبين رغبته في ضربه وتحطيمه لأشـلاء !!!
هنـا دخـل يحيى في نفس اللحظـات ليقـول بابتسامة هادئـة :
_ اية يا شبـاب عاملين أية ؟
اومـأ بسام بهدوء :
_ تمام يا يحيى
نظـر لوجههم بتفحص متساءلاً :
_ مالكـم كدة في أية ؟
هـز باسم رأسه نافيًا بهدوء مفتعـل :
_ مفيش حاجـة يا يحيى
قاطعـه غريب بغضبه اللانهائي :
_ لأ في، الصور بعد ما عملتها ما بقتش معايا وراحت لشمـس
عينـاه فقط كفيلـة بأن توضـح بين سطورها إشعال النيـران الملتهبة بداخله !!
وفجأة دفع غريب بقـوة وهو يصيح فيه حادًا :
_ أزاى راحت لشمس، أنا سايبهم لك أنت !!
ولم يعد يشعـر سوى بــ غريب يسقط على الكرسي الحديدى من الخلفة والدماء تسيل من رأسه ..
وصرخـة بسام المفزوعة نحوه :
_ أنت مجنووووون !!!!!
*********
يكـاد يطيـر فرحًا بموافقتهـا، سيكمـل إنتقامه الأعمي على أكمـل وجه، وبموافقتها هي شخصيًا !!! ، حقًا لقد كان القدر معه بكل معانيـه ..
بينما هي التى لم تعد تشعر بما حولها بعدما خطفت منه الكيس الصغير الممتلئ بالهيرويـن، تلك المادة البيضاء التى تغيبهـا عن وعيها بالكامـل ..
وإن كانت وافقت تحت تأثيـره البسيط، فبعدما اخذته سيطـر عليها تمامًا ومد فروعه لتلاليب عقلها الاهـوج لتوافق وتسلمه نفسها بكامل ارادتها !!
غمـز لها زياد بطرف عينيه وهو يقـول بخبث :
_ مش يلا بقا اخدتِ الهيروين، عايز المقابل بقا يلا ؟
نظـرت له بعيون ذابلة متساءلة :
_ النهاردة ؟
اومـأ مسرعًا ورد بجدية :
_ أيوة، أحنا اتفقنـا خلاص
تنهـدت وقد بثت في نظراتها الرجاء وهي تتابع :
_ طب ماينفعش نأجل الموضوع ده شويـة ؟
هـز رأسه نافيًا ولمعت عينيه على تلك الغنيمة الشهية وأجابها :
_ لأ مابأجلش حقي خالص
اومـأت وهي تستطـرد باستسلام :
_ طيب
إتسعت أبتسامتـه الشيطانية مرددًا بحماس :
_ كدة تعجبيتى يا " زينتـي "
ثم نهـض بخفـة، ومد يده يسحبها لتقـف وهي معه كالعروس اللعبة يحركها كيفما شاء واينما شاء !!!
وضع يده يحيط كتفيهـا ونظراته تكاد تُخلع لتأكلها اكلاً !!
وإتجـه الي غرفة نومـه، جلس على الفراش الخاص به وهى بجواره تعتبر جثه هامدة، ركـز نظراتـه على شفتيهـا المنتكزتـين، وفي اللحظـة التالية كان يلتهم بنهـم، يتذوق شهدهم بمتعة لا نهائيـة، يثبت لها رغبته المميتة فيهـا ويده تتحسس منحيـات جسدهـا بشهوة عمـت عينيه، وإدمـان عمي عينيهـا عن ذاك المسار الذى تسلكه !!!
********
كـان " مالك " يجلس في الصالـون، على الأريكة الخشبية الصغيـرة، عقله منشغل بالتفكيـر فيها بالرغـم من كل ما يحاول إقنـاع نفسه به، ينظـر على البـاب كل لحظـة علها تخـرج من ذاك القفص الذى حبست نفسها به، أو ربمـا الذى حبسها هو به !!
يتساءل في نفسه
" ماذا إن كان كلامهـا صحيـح ؟! "
يومها سيحـلق في سماء الندم طالبًا عفوها حتى تعفـوا ؟؟!
بالتاكيـد لا، فهذا " مالك السُنـارى " .. الجبل الشامخ الذى لا يهتز مهما حدث !!!
قطـع تفكيـره صوت طرقات على الباب لينهض متساءلاً بحدة وضيق :
_ ميييين !!!؟
وفتـح البـاب ليتفاجئ بوالـده أمامه بهيئته الجامدة وبعد هذه المدة الطويلة التى لم يراه فيها ..
ليهمس دون وعي :
_ اية ده بابا !!!!
اومـأ والده وهو يردد خلفه بسخرية :
_ ايوة بابا، غريبة اوى دى ؟؟!
هـز مالك رأسـه نافيًا ليبرر :
_ لا بس انت اول مرة تيجي لي الشقة دى يعنى !!
أبتسـم والده ابتسامته المعهودة والتى يكرهها مالك لأنها تنـذره بعاصفة قوية مدمرة قادمة ..
فتابع والده جادًا :
_ أصلى جاى لك فـ حاجة مهمة ومفاجأة هتعجبك اوووى
سأله مالك بحاجبين معقدوين وصوت مقتضب :
_ حاجة أية ؟
ليشيـر والده بيده وهو يقول امراً :
_ تعالي
لتتسـع حدقتـا عينا مالك من هـول وصدمة ما يرى أمامـه وكأنه اليوم العالمي للصدمـات الطويلة !!!!!
