رواية غزالة فى صحراء الذئاب الفصـل الثالث والعشرون 23 والرابع والعشرون 24 بقلم رحمه سيد

         

رواية غزالة فى صحراء الذئاب

 الفصـل الثالث والعشرون 23 والرابع والعشرون 24

بقلم رحمه سيد

لحظـات مـرت وهو لا يستـوعب ما يحـدث، يـد العـون الممدودة من سمـر تلك حقيقيـة .. ام مجرد وسيلة لتجذبه نحوهـا في لمح البصـر ؟! 

ولا يملـك حريـة الأختيـار بالطبـع .. 

حدق بها ببلاهـة فاغرًا شفتاه :

_ نعم !!! 

وكأنه استوعـب ضـرورة الإسراع في تلك اللحظـات فـنهـض مسرعًا وهو ممسك بيـد شمس التي سألت بتوجس :

_ هنخرج أزاي بـس 

سـارت سمر امامهـم بسرعة الي حدًا ما وهي تهمـس بجدية لم تتكلفها :

_ أنا اتصرفت مع الحرس، يلا هطلعكم من الناحية التانية عشان محدش يشوفكم 

مسـاعدة !!!!! 

شيئ كان يفعله هو دومًا .. 

ولكن ماذا إن كان الان يُقـدم له !؟؟ 

ومن شخـص لم يتكن يتوقع المساعدة منه ابدًا !!! 

تعجـب فعليًا، والسؤال الوحيـد الذي يرتكـز في سمـاء صدمتـه الحالية 

" ماذا حدث لها لتفعل ذلك ؟! " 

خـرجـوا بالفعل ليجـدوا الممر فارغ !! 

ساروا مسرعيـن للخارج راكضيـن، تتبعهم سمر التي اخرجت بعض الأموال من جيبهـا لتعطيهـا لمالك مرددة بسرعة :

_ خدوا أركبوا أي مواصلة من ادام شوية، أنتم مش بعيد اوي عن المعادي 

اومـأ مالك ليشدد على يد شمـس ثم استدار وكاد يسيـر إلا أن سمر فجأة جذبتـه من ياقه قميصـه لتقتنص قبلة قصيرة من شفتـاه قبل أن تبتعد قليلاً لتقول هامسة :

_ هتوحشني أوي يا مالك 

وعينـا " شمس " الرماديـة التي لمعت ببريـق " الغيـرة " فضحتهـا بالفعل !!!؟ 

وحالـة غريبة .. تكـره لتغـار ؟!! 

حالة بقوانـين وقواعـد جديدة اساسهـا أنها تكـره .. 

واخرهـا أنها تغـار عليها وتحتـرق رويدًا رويدًا من مجـرد اقتراب حارق من أنثي تجاهه !! 

وتلقائيًا ضغطت بيدهـا على يد مالك ليستدرك مالك نفسـه لسمر :

_ سمر أنتِ آآ .. 

قاطعتـه سمـر وهي تشير لهم مسرعة :

_ مفيش وقت يلا بسرعة امشـوا ممكن يرجعوا بسرعة 

سحـب شمس راكضـين .. 

شمس التي كانت كل خلايـاه ملغمة بالقلق، قلق حقيقي لا تعرف من أين وأين !؟ 

ودقاتهـا التي لم تهدء للحظـة .. 

وصمتها هذا الذي كان أصعب من الصراخ والحدة ... 

وبعد ركض طويل وصلوا إلى الطريق العام، ظل مالك يلهث، ورغم عقله المشتت من كل شيئ إلا انه سألها : 

_ شمس أنتِ كويسة ؟ 

لا تعـرف لهذا السؤال جـواب .. هي مشتتـة .. تحترق .. تتأكل داخليًا .. ولكنها بخير تمامًا !!! 

اومأت وهي تهمس له :

_ ايوة أنا كويسة 

بعد قليل كانت سيارة كبيرة تقترب منهم اشار له مالك ليقف ثم سأله بنزق :

_ اية واقف ادام العربية لية 

اسرع مالك بالاجابة :

_ عايزين نوصل المعادي ضروري يا ريس 

وزع الرجل نظراته بين مالك وشمس التي تشبثت بقميصه بخوف ليومأ موافقًا :

_ ماشي أركبوا 

ركـب مالك اولاً ثم امسك بيد شمس ليعاونهـا على الطلـوع، لتلتصق به تمامًا خشيةً من نظرات ذاك الرجـل .. 

تنحنح الرجل ثم سأله بخشونـة :

_ اي خدمـة 

نظر له مالك بابتسامة صفـراء ثم قال :

_ متشكرين 

وأخـرج الأموال من جيبـه ليعطيـه، فأخذهم الرجل بصمت .. 

وبعد دقائـق عاد يقـول بمغازلة لشمس :

_ عينك دي ولا لينزز يا أنسة ؟ 

نظـرت له شمس فاغرةً فاهها، لتهمس بعدها ببلاهـة :

_ لينزز !!!!! .. أسمه لينسـز 

بينمـا كان الغضب يسيطـر على مالك كليًا، ولاحـت في عيناه نظرة جعلت شمس تصمت تمامًا عن الحماقة التي كانت تتفوه بها ..  

ليقول بعدها للرجـل بحدة :

_ دي مراتي يا ريس، وياريت تبص ادامك أحسن من عينيها عشان مانعملش حادثة في ليلتك اللي مش فايته 

نظر له الرجل بضيق ثم غمغم : 

_ منا باصص اهو، مكنش سؤال، أنا ملاحظتش انها مدام لانها مش باين عليها من حلاوتهـا 

كتمـت شمس سعادتهـا بصعوبة من تلك الغيرة التي ظهرت دون مقدمـات .. 

نعم كلاهمـا يغير على الأخـر .. 

ولكن غيرة غير معترف بها في قانون حياتهم - العنيـدة - .. 

بعد ما يقـرب من ساعة وصلـوا للشارع الرئيسي، فنزلوا مسرعيـن .. 

وقبل أن يسيـر مالك أستـدار ليوليه لكمـة قوية نبعت فجأة من غيظه الذي حاول كتمه حتى يصلوا .. 

ثم زمجـر فيه حادًا :

_ دي عشان تفتكر إنك لازم دايمًا ماتبص لحاجة مش بتاعتك 

ثم سـار هو وشمس التي لم تختفي الابتسامة من ثغرهـا بخطى سريعة .. 

تناقضًا للحالة التي كانت تجتاحها بلا منازع منذ قليل !!!!! 


                          *********


نظـر " مراد " لــحسام بتدقيق للحظات متفحصًا قسمات وجهه قبل أن يزفـر وهو يهتف بضيق :

_ ما أنت عارف يا حسام إني بعمل كدة عشان أشوف رد فعلها مش اكتر 

وكانت نظرة حسام بلا معنى .. غامضة وكأنها طلاسم يصعب فكها .. 

فأردف بصوته الأجـش :

_ عشان شاكك إنها ممكن تكون لسة بتحبني مش كدة ؟ 

هـز الأخـر رأسه نافيًا وراح يبرر بهدوء :

_ عشان أعرف هي تستحـق مشاعري اللي أنا حاسس بيها ولا لا، عشان أعرف هي زي ليلى فــ الأخلاص والوفاء ولا زيها فـ الشكل وبس !! 

تـأفف حسام ثم سأله بشكل مفاجئ :

_ وأفرض حنت للقديـم، وأهو بالمرة ترجع لأمها بدال ما انت مهددهـا ؟ 

وشعـر أن صوت ضـربات قلبه العالية قد تكون مسموعة لحسـام !! 

صوتها القلق الذي يرفض هذا الأحتمال رفضًا باتًا .. 

ليست مشكلته أنها اعطى لعقله فرصة واستجاب لنداءه الغبي !!! 

هي له ومعه .. وستظل هكذا لطالما كان على قيد الحياة ...

نظـر لحسام بحدة واضحة قبل أن يستطرد بنبرة تماثل نظرة عيناه السوداء في الحدة :

_ أنت عايز أية يا حسام ؟ 

رفـع حسام كتفيه ثم اجابه ببراءة :

_ صدقني أنا مش عاوز حاجة، أنا هنا مجرد نفسك اللي بتتكلم بصوت عالي، بتناقش معاك فـ كل الجوانب، مش سايبك تشوف جانب أنت عايزه وجانب تاني بعدت عنه النور !! 

نظـر مراد امامـه بشـرود .. 

كلام حسام صحيح مليون بالمائـة !!

ولكن .. ما باليـد حيلة .... 

هو سقـط في تلك الفجوة بين القلب والعقل ليس إلا !! 

وفجـأة تردد في اذنـه قول حسام الجاد :

_ ولا أنت بتقول إنك حابب خلود عشان هي شبه ليلى بس !!!؟ 

واجابـه مراد دون تردد بنفس الجدية والأتـزان .. و بقلب يتحدث على لسان بشـر :

_ يمكن لو كنت سألتني من يومين السؤال ده كنت قولتلك أه كدة او انا كنت مفكر إنه كدة، لكن لأ، أنا حبيت خلود مش ليلى، أنا دلوقتِ شايف خلود، وعايز خلود، أنا لما ساعدتهـا من طغيان اخوهـا كان لأني متعاطف معاها، مش لأنها شبه ليلى، ليلى أنا اتأكدت إنها خلاص ماضي وراح لما عاشرت خلود 

ابتسم حسام تلقائيًا على كلام مراد الذي شعر بكل خيط صدق وحقيقة ينسدل منه، فهتف بنبرة عاديـة :

_ ربنا يقربها منك أكتر لو فيكوا الخيـر لبعض 

اومـأ مراد مرددًا بابتسامة :

_ امييين يارب 

وكانت خلود بالداخل تقف شاردة .. تائهـة بين شـارع الحب ورصيف العقل !!

بين ذاك الرصيف الذي يحاول جذبها مرددًا بتلك الحجة 

" إن طلبتِ المساعدة من حسام ستعودين لأهلك فورًا " !!! 

وشيئ ما يرد عليه بحجـة اخرى - كاذبة - 

" سيجلبنـي إن أراد، هذا حقـه .. هو زوجـي فعليًا امام القانـون " !!! 

افاقـت من شرودهـا على صوت الغلايـة، لتعد كوبان من القهـوة .. 

وخرجـت بهـدوء لتضع امامهم الكـوب بابتسامة صفراء ضغطت على نفسها لتظهرها امامهم .. 

ليقول مراد بابتسامة هادئة :

_ تسلم ايديكِ يا حبيبتي 

 " حبيبتـي " !!!!! 

هل هي حقًا حبيبتـه !؟ 

أم تلك حـروف خرجت بشكل عادي غير المسار الذي وصلها من تلك النبرة ؟! 

ولكن .. هو اعترف لها فعليًا !! 

ما المانع إذاً لتصـدقه ؟؟ 

قطـع شرودها القليل صوت حسام وهو ينهض بهدوء قائلاً :

_ عن اذنكم بقا هتأخر لازم امشي 

اومـأ مراد بهدوء، وبعد السلامات العاديـة كاد يلتفت حسام ليخرج إلا انه سمع صوت خلود التي نادته بهدوء متوتر :

_ حسـام !!!! 


                           *********


وكان " يحيى " الأسم يلتمـع بذهنـه !!! 

عالق بين حبـال افكاره الشيطانيـة التي لم يسلم منها اي شخص .. 

ظل ناظرًا امامـه بشـرود، في البداية كانت مجرد فريسة ممتعة ولكن الان اصبحت اكثر بكثير مما اعتقد .. 

اصبحت فريسة بنكهـة الأنتقـام الموجع !! 

فريسة سيُمتـع بها نفسه اولاً ثم يستمتع بقهـر " اخيهـا "

سيسلب منه سيطرته على شقيقته كما سلب منه سيطرته على " شمـس " !! 

ولكن ماذا إن كانت تلك الفريسة نالت قدرًا كافيًا من الأنتقـام حد الجنون ؟؟! 

قطـع افكاره صوت هاتفـه الذي بدء يرن فزفر وهو يخـرجه من جيبه بهدوء ليجيب :

_ ايووة يا غريب 

_ اية يا يحيى عامل اية ؟

_ تمام كويس

_ سمعت إنك طلبت عنواني واخدته بقالك شوية ولسة ماجتش 

_ اممم لا ده كان عادي 

_ اية طب كان في حاجة ولا اية ؟ 

_ لا كنت عايزك في مصلحة كدة بس غيرتها خلاص 

_ مصلحـة تاني !!!! 

_ لا لا المصلحة دي ملهاش علاقة بشمس خالص 

_ اومال مين ؟ 

_ متقلقش هي حاجة سهلة جدًا، أنا عارف أنك معاك المكنة بتاعتك ف هتساعدنا 

_ وضح اكتر مش فاهم 

_ يعني انت كل اللي هتعمله إنك هتراقب واحدة كدة وهتجبلي كل حاجة عنها 

_ اممممم حلوو 

_ ومع ذلك هاجيلك عشان نظبط كل حاجة _ تمام فـ الانتظار 

_ سلام 

_ مع السلامة 


أغلق وهو يتنهـد تنهيدة طويلة وحارة حملت الكثير في طياتهـا .. 

ليبتسم ابتسامة عادية إتسعت مع مرور اللحظـات لتصبح ضحكة طويلة تتقافز بينها السعادة الحقيقية !! 

ليهمـس لنفسه بانتصار :

_ هييييح، حظي حلو أوي، فريستي جت لحد عندي عشان أنتقم، في اية احلى من كدة عشان الواحد يفرح وينبسط ؟! 

ولم يكـن يعلم أن الحـظ يأخذ كما يُعطي !!! 


                             ********


كـانت " كريمـة " تجلس على الأريكة امام الشـرفة كعادتهـا .. 

ولكن تلك المرة ليست كأي مرة، تلك المرة هي تتأكل داخليًا كالصدئ في الحديـد .. منذ ما حـدث وهي لم تكـف عن السب واللعـن فـي " مالك " .. 

اختطـف منها ابنتهـا ولم تستطـع فعل اي شيئ .. 

نعم أختطفها، هي تعرف أبنتها جيدًا، لم تكن معه برضاها ابدًا !! 

والحجة قاهـرة " فهو زوجهـا " 

لا تعـرف كيف حدث هذا الزواج ولا متى تم من الأسـاس .. 

وللحظات كانت ستطالبـه بتلك القسيمـة التي يتحدث عنها .. 

تلك القسيمة التي تعطيها كامل السلطة للسيطرة على غزالتها المسكينـة .. 

ولكنها تتذكر جملته جيدًا 

" لما تطلب البوليس أوعدك إني اوريهالك ادامه " .. 

لم يكن كاذب وإلا لن يتحدث بهذه الثقة !! 

وإن تدخلت الشرطة بالفعل لن يصبح اي شخص خاسر سواهـا .. 

فهي امام القانون 

" امرأة تُبعد زوجة عن زوجهـا " !!!! 

نهضت وهي تهـز رأسها بأصرار :

_ لا منا مش هستسلم وأسيب بنتي كدة تروح مني، لازم اعمل حاجة 

ثم عادت تتساءل بقلة حيلة :

_ بس هعمل اية طب ياربي 

وفجأة صمتت لتنظر امامها بشرود مخيف مرددة :

_ الحقيقة والصراحة مش هيرجعولي بنتي، لكن اكيد في طرق تانية ارجعها بيها 

ومن اكثر معرفة بتلك الطرق الخبيثة وتلك الخيوط المميتة 

بالطبع لم يكن سوى " يحيى " 

الذي ذهبت للاتصال به، لتطلب منه المساعدة الفوريـة !!!!! 


                            *********


منذ دخولهم وهم صامتيـن، لم يتحدث ايً من " مالك " او " شمـس " .. 

وكأن الصمت رُسم لهم اليوم بمهارة .. 

الصمت ..... 

تلك الكلمة التي تحمل الكثير والكثير بين طياتهـا .. 

كلاً منها يدور بداخله شيئ .. 

ولكنه قد يكون شيئ متشابـه بعض الشيئ .. 

 ونظـر لها مالك بجديـة ليفتتح الحديث بغيرته التي اسعدتها فعليًا :

_ عجبك كلام الزفت ده، لأ وكمان بتصححيله كلمته 

رفعـت حاجبها وهي ترد ببراءة لم تدعيها :

_ طب ماهو كان بيقولها غلط !! 

كـز مالك على أسنانـه بغيظ حقيقي ليقول بعدها :

_ يعني كل اللي لفت نظـرك الكلمة دي بس !!!؟؟؟ 

عضـت على شفاهها السفلية وهي تنظـر للأسفل بحـرج .. 

فيما ظل هو محدقًا بها لسبب لم يعترف به حتى الان !! 

لتردف بعدها بصوت بدء يختنق مع التذكار :

_ مش أحسن ما أقعد اعيط كل ما افتكر اللي حصل 

ومن دون قصدًا منها فكت قيـود غضبه وألمـه وحنانه .. وخوفه معًا !

فرغت الطريق لكل تلك المشاعر التي كان يحاول كتمها بكل الطرق .. 

ومن دون مقدمـات جذبهـا لأحضانـه .. 

وكأن ذاك الدفئ الذي عرفه بين احضانها لم يعد إلا ويسيطر عليه !!! 

ظل محتضنهـا بقوة، حتى كادت تتألم ولكنها صمتت فشددت على قبضتها على ظهـره .. 

وكأن ذاك - الحضن - كان كأمتزاج لقلوب وقعت اسيـرة تحت مرض العشق 

ليقول هامسًا بجوار أذنها بشكل اثار قشعرية جسدها :

_ متعرفيش أنا كنت همـوت أزاي من خوفي عليكِ !!!!! 


                          **********


يتبـع

غزالة في صحراء الذئاب 


الفصل الرابــع والعشـرون : 


دقات قلبها لا يُعلى عليها في هذه اللحظـات، عقل يتهمـه بالكذب وقلـب يتهمـه بالتأخير للأعتـراف .. 

وإن كان إعتـراف غير كامـل حتى الان !! 

ويطـوف بين جنبـات قلبـها الذي اصبحت تتراقـص دقاته تزامنًا مع نبرة صوتـه الهامسة الرومانسيـة .. 

حاولـت التملص من ذاك - الحضن - الذي طال عن وقتـه، والذي تخشي هي أن يتطـور لأمور هي غير مُهيئـة لها نهائيًا وخاصة معه .. هو الذي مفترض أنها تكرهه.. 

لتجده يشدد من احتضانهـا، إبتعـد عنها بعد دقائـق، لتجـده ينظـر في عيناهـا برومانسية لم تعهدها منه، فحاولت النطق ولو متلعثمة :

_ مالك لو سمحـت 

نظـر في عينيها الرماديـة التي أصبح يعشقها دون أن يلحـظ، نظـرات أذابت جليدها الذي حاولت بناءه بينهمـا، فإبتلعت ريقهـا بازدراء وفجأة شعـرت بملمس أصابعه الخشنـة وهو يتحسس شفتاهـا الورديـة بحالميـة مرددًا بخبث :

_ هو أنا أسمي حلوو كدة ولا عشان منك أنتِ 

 ومشاعـر تعصـف بكيانهـا، مشاعر لأول مرة تغمرهـا، لأول مرة لا تجـد رد فعل مناسب لما يحـدث ... !! 

حركـات وكلمـات غير معهودة، وكأنه قاصد إرتباكها حرفيًا !؟ 

حاولت أن تبتعد عنه وهي تنظر للأرض - هاربـة - من تلك النظرات التي تؤثر عليها بشكل مُقلق .. 

لتسمعـه يقول بهدوء :

_ عايزة تروحـي فين ؟!

لم تـرد عليه ، وبعد ثواني اخيرًا ألهمـها القدر فرصة لتـرد بارتباك :

_ عايـزة آآ عايزة أغير هدومـي 

أبتسـم بخبث لا يجـد، ليقول بنبرة ذات مغزى :

_ أنا بقول كدة بردو، يلا نغير هدومنـا 

إتسعـت حدقتـا عيناها وهي تردد ببلاهة :

_ نعم !!!! 

رفـع حاجبه الأيسـر وهو يقـول بعدم فهم مصطنع :

_ الله !! مش أنتِ عايزة تغيري هدومك 

نظـرت له بجديـة واجابت :

_ قولت أنا عايزة أغير هدومي، مش احنا وهدومنـا !!!! 

ضيق عيناه وهو يقول باندهاش مصطنع :

_ اووه بجد !؟ 

كـزت على أسنانها بغيظ وقالت :

_ أيوة بجـد 

ومن دون مقدمـات احتضنها مرة اخرى، ولكن هذه المرة بشكل اذابها حرفيًا !!! 

كانت رأسها بجـوار قلبه، تسمـع دقاته التي ازدادت والتي يتجاهلها مالك .. 

ترتبك هي أكثر مع كل دقـة !!! 

وأين تلك الجديـة ؟! 

ذهبت أدراج الريـاح، بمجرد فعل مفاجئ منه يفقدها سيطرتها على نفسها !!! 

وبعد ثواني سمعته يقول بنبرة سقطت بغرابة على اذنيهـا :

_ أنتِ مكانك .. هنا وبس 

تلك الحروف وتلك النبرة لم تكن خبيثة .. لم تكن راغبـة .. ولم تكن غير مفهومة ... 

بل كانت تملكيـة مُشددة !!! 

اخيرًا استطاعت لملمة شتات نفسها المبعثـرة لتدفعه بقبضتيها مرددة بغضب غير مفهوم :

_ أبعد عنـي 

نظراتـها كانت كفيلـة بأن تفيقـه من تلك الغيبوبـة .. 

من تلك المشاعـر التي أقسم ألا يجعلها تجتاحه مرة أخرى .. 

ليبتعد عنها مسافة واضحة وهو يقول بنفس جمـوده المعتاد :

_ أنا مكنتش اقصد اللي قولته 

إرتسـم على فاهها ابتسامـة ساخـرة وهي تقول :

_ أكيـد ده كان جزء من اللي انت بتعمله من ساعة ماشوفتني وعشان ابقى مستسلمة ليك بأرادتي وتثبت لنفسك إن مفيش حد يقدر يقف ادامك ولا يقدر يرفض مالك بجلالة قدره 

ظـل ينظـر لها مطولاً ثم هتف بوجه واجم :

_ اعتبري زي ما تعتبري، أنا مش مضطر أبرر لحـد ابدًا 

ظلت تنظـر له بسخريـة، بينما هو .. 

كان يلوم نفسه وبشـدة ، هو تزوجهـا ليجعلها تستسلم له بأرادتهـا .. ولأنها مجـرد " عاهـرة " !!!! 

الان يغـار و... 

لا لا هو لا يغـار من الأساس، سيعود لقناع الجمود والقسوة الذي تلبسهم وهو يعطيها ظهره قائلاً :

_ جهزي نفسك عشان هنسيب الشقة دي فورًا 

سألهـا وهي قاطبة جبينهـا :

_ لية 

اجابها دون أن ينظـر لها :

_ مش من حقك أشرحلك أي حاجة 

هـزت رأسها نافية وقد لمعت عيناها بدمـوع الحزن على " والدهـا الراحل" ووالدتها التي ابتعدت عنها .. وربما للأبعـد .. ولكن بقيت تلك الدموع متحجـرة كصخرة لن تذوب لتقول بقوة :

_ لا، انا مش هبعـد عن المكان ده، على الاقل ابقى قريبة من امي واعرف اتطمن عليها 

نظـر لها بحدة مرة اخرى ومن ثم زمجـر فيها منفعلاً :

_ بلاش غباء، هما اكيد هيرجعوا هنا تاني عشان يجيبونـا مش هيسيبونا بسهولة كدة

ظلت تهـز رأسها بأصرار مرددة:

_ لا، روح أنت وانا هنزل لأمي، انت كدة كدة اساسًا حققت اللي اتجوزتني عشانه  !!!!


                            ********


توقـفت دقـات القلوب مع ذاك النـداء وانقطعـت انفاس " مراد " وهو يرى خلود تقتـرب ببطئ من حسـام لتقول بعدها بجديـة :

_ نورتنـا .. أبقى كررهـا اديك عرفت العنوان 

اومـأ ومازال الذهول صاحبه ليرد بحروف لم تتخط شفتاه :

_ أكيد إن شاء الله 

 بادلته الابتسامة الصفراء المتوتـرة، ليلقي التحية ثم يغادر بكل هـدوء ... 

وبعد دقائق كانت تجـلس بجـوار مراد على الأريكــة، تتنهـد بهدوء يشبه هدوء ما قبل العاصفة .. 

لتنظـر له قائلة بفتـور :

_ هو ممكن اسألك على حاجة ؟ 

عقد حاجبيه متساءلاً :

_ حاجة أية ؟

دون أن تنظـر له ردت مغمغمة بما اشبه الضيق :

_ عايزاك تحكي لي عن ليلى 

ظـل ينظـر لها بعدم فهم .. 

عله يفهم تلك الرغبة - الخفية - للحديث عن زوجتـه الراحلة، والتي مازالت تعتقد هي أنه يحمل لها شيئً ما .. 

ليسألها بهدوء حذر :

_ لية ؟ 

رفعت كتفيهـا لتقول بلامبالاة مصطنعة :

_ عايزة اعرف عنها مش اكتر 

اومأ وهو ينظر لها بريبة :

_ امممم يمكن 

نظـر امامه وظهرت شبح ابتسامة حانية وهو يبدء السرد :

_ ليلى اساسًا ملهاش أخـوات، حاجة كدة فريدة من نوعهـا، طيبة أوى وتجذبك ليها بسرعة، اتعرفت عليها صدفة بردو، وحبيتهـا، لحد ما جه يوم اضطريت إني اخسرهـا 

اقتربت منه بهدوء تسأله بفضول برغم الضيق الذي بدء يفرض سيطرته على كيانها كليًا عند ذكر حبه لها لتقول :

_ اية اللي حصل احكي لي ؟ 

هـز رأسه نافيًا وهو يتابع بألم :

_ مش حابب افتكر اليوم ده، حابب افتكر الذكريات الحلوة بس 

كـزت على أسنانهـا بغيظ، يقـص عليها درجات ومدى عشقه لزوجته الراحلة، وما يثير السخرية .. 

هي من طلبت منه ذلك، هي من طلبت أن يبدء العزف على اوتار تخنقها رويدًا رويدًا وبلا سبب معتـرف .. 

وفجأة شعرت بيداه الخشنة تمسك بيدهـا بطريقة - حميمية - جعلتها ترتعش قليلاً من تلك اللمسات المفاجئة .. 

ومن ثم بدء يحرك يده بحركة دائرية على يدهـا وهو يهمس بحب صادق شعرت بمدى صدقه يخترق اذنيها :

_ بس دلوقتِ مفيش غير واحدة بس هي اللي في قلبي 

فتحت عينـاه ليظهر ذاك البريق الذي أسعده وهي تسأله :

_ مين دي ان شاء الله !!! 

اقتـرب منها حد الالتصـاق، اقتـراب جعل دقاتها تبطئ ... 

وأنفاسهـا تتضطرب لتكاد تنعدم من ذاك الأقتراب - الخطـر - والحمرة تزحف تلقائيًا لوجهها الذي حاولت اخفاؤوه .. 

ليقول ووجهه امام وجهها تمامًا :

_ أنتِ 

همس بها وهو يتحسس وجنتاها ليشعر بسخونتهمـا .. 

ولم يستطع كبح رغبته في أن يتلمسهم بشفتـاه، واقترب يفعلها ليربكها اكثر .. 

يربكهـا ؟؟! 

وهل مازالت في مرحلة الأرتبـاك !! 

هي اصبحت في مرحلة ابعد من ذلك بكثرة .. 

مرحلة هي نفسها لا تعرف نفسها بها !!! 

وحاولت ابعاده وهي تقول متلعثمة :

_ طـ طب ممكن تــ تبعد شوية ؟ 

بعـد !!! 

هو اصبح لا يعرف للبعد معنى بعد ذاك القـرب .. لا يعترف به من الأساس .. 

واقترب اكثر ليلتهم شفتاهـا في قبلة دامية .. صكت ملكيته على شفتاها ليقول بعدها بأنفاس لاهثـة :

_ أنا بحبك .. أنا عايـزك !! 


                           *********


كانـت زينـة حبيسـة غرفتهـا حرفيًا، لا تخرج منها منذ اخر مرة .. 

واحيانًا تشعر بالمـوت على اعتاب بابها من شدة الألم .. 

وكلما كانت تكاد تستسلم حتى عادت مرة اخرى لتقنع نفسها بواجب الصبر والأحتمال ... 

وإن لم يكن من اجل شخصهـا، سيبقى من اجل طابع كبرياؤوها الذي تلطخ بالذل مؤخرًا !!! 

وبكل مرة تشعر أن الألم يزداد ليحاربهـا حرفيًا !!! 

ستمـوت، وإن كان ؟! 

تموت بكبرياؤوها افضل من الموت قهرًا امام ذاك الأحمق - زياد - ... 

ولكن الان وصلت لأقصى درجات الاحتمال، تود الصراخ ولكن من هنـا ليسمعهـا ويساعدهـا ؟! 

والدتهـا التي لا تراها إلا - صدفة - 

اما والدها واخيها الذي لا تعرف عنهم ولو أين هما بالأساس ؟!!!! 

نهضـت وقد نفذ ذاك الصبـر، لتمسك بهاتفهـا تتصل بـزياد .. 

ليرد عليها بعد ثواني بصوته الأجش :

_ زينتي وحشتيني 

اجابته على مضض :

_ زياد انا مش قادرة هموت 

اجابها مشاكسًا :

_ كنت عارف إنك هترجعيلي تاني 

صرخت فيه بنفاذ صبر :

_ انا عايزة اي حاجة ارجوك هموت 

سألها متوجسًا :

_ انتِ فين ؟ 

لتجيبه بسرعة دون تفكير :

_ انا ف البيت وجيالك حالاً في شقتك 

ليبادلها نفس السرعة التي خرجت دون تفكير :

_ ماشي مستنيكِ 

أغلقت على الفور وهي ممسكـة برأسها وقد اشتد الألم وتشنجت ملامحهـا .. 

ولكن لفت نظرها شيئ اخر 

لم يشترط ..  لم يطلب .. لم يتمتع بألامهـا !!!؟ 

بل وافق مسرعًا دون أي شيئ ؟؟؟!!! 

وياخوفها من ذاك التسرع !!!!! 


                       ********** 


نظـر لها مالك بحـدة، حدة حقيقية من كلامها الذي كان لا يتوقعه على الأطلاق !!!؟ 

وعلى ما يبدو أن - فعليًا - موت والدها أخرج الشراسة من داخلها لتقف في مواجهته وتطالبه بالأبتعاد !! 

ولكن أي ابتعاد هذا .. 

هو لن يبتعد عنها ولو حتى بأحلامهـا !!! 

وإن كان السبب مجهول له حتى الان 

ولكن الاصرار على ذلك مازال موجود !! 

وزمجـر في وجهها بغضب :

_ أنتِ قولتي أية ؟ 

رفعت كتفيها لتقول بلامبالاة مصطنعة برغم خوفها من رد فعله :

_ قولت اللي أنت سمعته، عايزاك تديني سراحي يا مالك 

رفع حاجبه وهو يسألها بهدوء ما قبل العاصفة : 

_ ولو قولت لأ ؟ 

هـزت رأسها نافيـة وهي تقول بغلاف بارد اتقنت وضعه :

_ ده مش اختياري، لأنك لو رفضت هرفع قضية 

قطب جبينه بتعجب حقيقي، ليستطرد بسخرية جارحة لم يقصدها :

_ لا والله وده مين اللي هيقف معاكِ، امك اللي خايفة مني ولا ابن خالتك الواطي

وزاد من جرحها الم حقيقي ...

لو كان ابيها معها لمَا كانت معه الان وتطالبه بأطلاق سراحها !!! 

شعرت فعليًا وكأن ظهـرها لم يعد له أمان، ذاك الشعور بالأمان الفطري افتقدته وانتهى الامـر... 

وجسدت عيناها ما تشعر به وفضحتهت كالعادة لتتلقلق الدموع في لؤلؤتيها .. 

كانت تحاول تناسي الأمر حتى لا تنهار امامه، ولكن بالطبع فشلت !!! 

ما شعر به جعله يتراجع بأسف ؛

_ مكنتش أقصد على فكرة 

هزت رأسها وهي تقول بسخرية مختنقة :

_ ولا تقصد، انت عندك حق 

وحاول ان يقاوم تلك الرغبة المميتة في احتضانها .. 

في تخبأتها داخله للأبد وٱن كان الجرح منه ... 

ليعطيها ظهره قائلاً بهدوء :

_ خلصي حاجتك وتعالي قوليلي في الاوضة ...  ! 


                         *********


_ يعني ايييييية، اختفوا راحوا فين ؟ 


قالها جمال بصـراخ وهو ينظـر لسمر التي كانت تجلس امامه على كرسي خشبي بهدوء تام في نفس المصنع المهجور الذي كانوا به، لتلوح له بيدها مغمغمة بلامبالاة :

_ ما خلاص يا جمال بيه التمثيلية خلصت 

بدءت ابتسامته تظهـر على ثغره الاسمر لتتسع رويدًا رويدًا .. 

لتصبح قهقهات عالية تموج بها الفرحة بتحقيق ما أراده .. 

لينظـر لها مشيرًا بغمزة بعينه :

_ بس أنتِ معلمة 

عدلت من وضعية التيشرت الخاص بها لتقول بغرور لا تتصنعه :

_ عيب عليك ده أنا سمـر 

اومـأ وهو يعتـرف بتحية :

_ صح بس انتِ تعبانة مش سمر، اللي يشوفك ساعتها مايشوفكيش دلوقتِ 

نظـرت له بفخـر .. 

لا تصدق أن ما سعت له سيتحقق، نفذت مخططهم ونجح بالفعـل !!! 

اجتازت اول عقبة في ذاك المخطط ؟! 

تنهـدت بارتياح وهي تقول له :

_ بس بجد كنت قلقانة لـ مايسمعش كلامي ومايصدقنيش 

هز رأسه وهو يقـول بجدية :

_ بس اهو صدقك، واكيد صدق إنك اتغيرتِ، مايعرفش إنك متقدريش تعملي كدة ولو بأحلامك وتخونيني

اومأت مؤكدة :

_ طبعًا يا جمال بيه 

بينما سار وهو يقول بتعجب مما اصبح فيه :

_ لحد دلوقتِ مش مصدق ازاي طاوعتك وسيبته يمشي من غير ما امضيه على الورق 

هـزت رأسهـا وهي تشرح له بخبث :

_ يا جمال بيه مالك عمره ما هيسكت لو مضيته وسبتهم، هيعمل المستحيل عشان يرجع كل حاجة ليه، لكن كدة .. العبدة لله هي اللي هتتصرف ومن غير مايعرف اي حاجة، يمكن اللي يعرفه ان القطة بتاعت هي اللي الفلوس ومضيته ع الورق !!!!!                 الفصل الخامس والعشرون من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>