رواية غزالة في صحراء الذئاب
الفصـل السادس عشر 16 السابع عشر 17
بقلم رحمه سيد
صمتت دقائـق تحاول إستيعاب ما قاله له، لا لا .. دقائق لا تكفي لأستيعاب تلاعبـه بهـا !! .. يضعها امام مالك كطُعـم وقتما شاء ويزيحها بكل برود كهامش وايضًا وقتما شاء !! أى عـدل هذا ؟! ، ولكن لا يهـم، ما يهمهـا ويعمي عينيها عن كل هذا، هي الأموال التى تسحرها ولو قليلة !!!!
ردد مرة أخرى وكأنها لم تسمعه :
_ عايزك تدخلي حياة مالك تانى
فسألتـه هي ببلاهـة متوقعـة :
_ لية ؟
رفـع حاجبه الأيسر يسألها هو الاخر :
_ لية أية ؟
تنهـدت بنفاذ صبـر :
_ لية عاوزنى أدخل حياته تانى !!؟
مـط شفتيه مجيبًا بجدية وحدة غير محببة على قلبها :
_ متهيألي شيئ لا يعنيكِ
إنفعلـت وهي تردد مقتضبة :
_ لأ يعنيني، ويعنيني جدًا كمان، أنا مش تحت أمرك
قهقـه بسخرية أغاظتها بحق :
_ مين اللي بيقول كدة !! سمر ؟؟
ضغطـت على فكيها والغيظ يزيد من إحتلاله وسيطرته عليها :
_ مالها سمر يا جمال بيه
غمـز لها بطـرف عيناها متابعًا بخبث :
_ فلـة .. بس في السرير بس
صرخـت فيه بحـدة :
_ كفاية تجريح لو سمحت
وإن لم يكـن له مصلحة معهـا لكان أراهـا " التجريـح " بحق، ولكن .. ليتوارى عنه قليلاً ويقتنص ذلك الوقت فيما أراده .. !
اومـأ موافقــًا ثم تابع بصوت هادئ بعض الشيئ :
_ تمام
عادت بظهرها للخلف وهي تسألـه بنبرة يفهم مغزاها جيدًا :
_ ممكن أعرف انا هستفاد أية ؟
رد مسرعًا :
_ هتستفادى كتير
سألته دون تردد :
_ أية بالظبط
سألها متأففًا بحنق :
_ عايزة كام يا سمـر وتخلصينى ؟
لمعـت عينيها بجشـع مألـوف عنها :
_ امممم .. ممكن نقول ٥٠ ألف جنية ؟
جحـظت عيناه غير مصدقًا :
_ نعممم، خمسين عفريت لما يركبوكِ
هـزت رأسها نافية وبدت وكأنها تنهـر طفل صغير علي تسرعه :
_ اية يا جمال بيه، مستخسر ٥٠ بس ف سمورة حبيبتك من كومة الفلوس اللي تحت ايدك ده غير الملايين اللي هتكسبهم من ورة مالك !!
سألها بتوجس :
_ أنتِ عرفتِ منين انى هكسب من وراه ؟
رفعت كتفيها مكملة بدهاء يشوبه اللامبالاة :
_ اصل اكيد مابتعملش كدة من الباب للطاق، اكيد ليك مصلحة كبييرة كمان
اومـأ بنفاذ صبر :
_ ماشي اما نشوف اخرتها معاكِ
ابتسامة شيطانية احتلت ثغرهـا المنفرج لتقول بحماس :
_ إذا كان كدة موافقـة
بادلها نفس الابتسامة مرددًا :
_ نتفق بقا ... !!!
********
ويحـاول تهـدأت نفسه وقلبه الذى ثـار غاضبًا من تكرار تلك الذكرى امامه وكأنها شريط سينيمائي، والأهم من ذاك الأتهـام الشنيع !!! .. أيمكـن لشخص أن يقتـل روحـه ؟! بالتأكيد لا، هى كانت روحه، كانت الهواء الذى يتنفسـه ولكـن .. !!
نقطـة ومن بداية السطـر، هو كان يعشقها، هذا ما يرتكز بين جنبـات عقله فقط !
وكأنه استوعب ما قالته لتوه فصـرخ فيها :
_ لا انا معملتـش كدة
قالت بقوة لم تعرف من أين جلبتها :
_ كداب، امال اية الكلام المكتوب ده !!
هـز رأسه نافيًا بسرعة :
_ انا مقدرش اعمل فيها كدة اصلاً، دى كانت روحـي
لم تعرف لمـا شعرت بنغـزة مؤلمة في منتصف قلبهـا !!! .. ولما تشعر بالألم من الأساس ؟! هي تكرهه فقط ..
رفعت الدفتـر في وجهه ملوحه بحنق :
_ أنت اللي كاتب أو ايً كان مين اللي كاتب ده
أطـرق رأسه وهو يردد بخـزى :
_ انا اللي كاتب الكلام ده
نظـرت للدفتر بنظرة غير مفهومة وقرأت ما هو مـدون بصوت عالي أخترق اذنيه كسهام حادة :
_ أنا أسف يا حبيبتي، أسف يا ليلاي .. الأسف لن يكفيكِ عمرى، قتلتك .. قتلتك وقتلت روحى وقلبي معك، نعم انا قتلتك حبيبتي ... أسف !!
نظـرت له لتجـده ينظر على الأرض كالطفل الذى أقترف خطأ شنيع في حق والده، فسألته ناهرة :
_ قتلتها لييية ؟
بدء يستوعـب موقف الضعف الذى انحـدر فيه ليحاول الخروج سريعًا :
_ أنتِ ملكيش دعوة اصلاً
سألته بدهشـة :
_ ازاى يعنى
رفع كتفيه مجيبًا ببرود :
_ زى السكـر ف الشاى
صرخت فيه بحدة :
_ وانا مش هسكت على فكرة
نظـر في عينيها مباشـرةً واستطـرد :
_ متقدريش تعملى حاجة
هـزت رأسها نافية بأصرار نبـع من مبادئها التى تربت عليها منذ الصغر :
_ لأ اقدر، واقدر اعمل كتير
نظـر في عينيهـا مباشـرة، لتنطلق لغة العيـون وقرأت هي بين سطـور عيناه البنية ما عجـز عن نطقـه :
_ بعمل ليكِ عمل خير، وأنـتِ بتتهمينى بحاجة أنا مش قدها
_ أنا مش مصدقة إنك تقدر تعمل كدة، بالرغم من كل اللي عملتهولى إلا إن البراءة اللي جواك مش ممكن تطاوعك
_ صدقينى
_ عينى بتجبرنى أكذبك !!
_ أسف
_ مش ليا .. للغلبانة اللي اتقلت !!
قطـع صوت الهاتـف لغتهم الصامتـة، ليخـرج الهاتف من جيبـه ويتربع الضيق علي ملامح وجهه ما إن يرى اسم المتصل
ابتعد وخرج مسرعًا وهو يرد :
_ الووو
_ اية يا برنس عاملين اية
_ تمام .. خير ؟
_ بتعمل اللي وصيتك عليه ولا لا ؟
ألقي نظـرة على " خلود " التى كانت تحاول فهم ما يحدث :
_ اكيد
_ امممم تمام، انا بطمن
_ كتر خيرك
_ انا بعرف الاصول بردو، دى أختى الوحيدة
_ امممم انت هتقولى، ده انا اكتر واحد عارف انت قد اية بتحبهااا
_ طيب .. يلا سلام أنت بقي
_ مع الف سلامـة والقلب داعيلك
اغلـق " مراد " وهو يتنهـد بضيق، ضيق إعتراه منذ مقابلته لأخيها ..
فلاش باك ..
كـان " مراد " يقـف في احدى المناطق تحديدًا امام النيـل، ينتعش بالهواء الطلق وهو يتذكـر مقابلته لـ خلود لأول مرة، حتى فاجئته قبضة صغيرة تهـزه ليجد طفل صغير يمد يده بظرف وهو يقول :
_ عمو .. في عمو ادانى الورقة دى وقالى اديهالك
اومـأ وهو يلتقطها من يده متساءلاً باستغراب :
_ هو فين ده ؟
مط شفتيه مجيبًا ببراءة :
_ مشي خلاص
ابتسم الاخر بحنان :
_ شكرًا يا حبيبي
استـدار وذهب ليتركه يفتح الظرف بترقب ليجـد ما لا يتوقعـه ..
" البنـت اللي أسمها خلود اللي انت قابلتها، مع العصابة وكانت بتكذب عليك "
ظـل ينظـر للورقة عدة مرات، يقرأها مرارًا وتكرارًا، وكأنه لم يصدق .. تلك البراءة والخوف لم يكونوا مزيفين ابدًا !!!
بــاك ...
تنهـد بقوة، لا يرغب في تذكر ذاك الأحمق الذى يزج أخته في الجحيم بعصا لا يعرف ما هي، ولكنه .. متأكد من براءتها !!!
********
نهـض من الفـراش بهـدوء، وهي كالعـادة وكأنها لوحًا من الثلـج .. جسـد بدون روح، إستسلمت له لكنها لم تتجاوب معه !!
ظـل ينظـر لها عدة مرات .. ويحاول قراءة سطـور عينيها ليفهم ما تفكـر به، ولكنها كانت كاللغز الغامض يصعب فكـه..
ولأول مرة وجـد نفسـه يتنحنح بهدوء لم يعرفه معها ابدًا :
_ شمس ... قومي
لم تنظـر له ولم ترمش حتى، هي ليسـت شمس من الأساس لترد !! هي اصبحت مجرد جزء عاتم ليس له فائدة ابدًا !!!
نادها مرة أخـرى بحروف كانت مخارجها غريبة وهو يقولها :
_ شمـس
واخيرًا نظـرت له لينظر للؤلؤتيهـا الرماديتيـن، اللتان تلمعـان دائمًا ببريق لم يستطع فهمه حتى الان ثم هتفت متساءلة بكلمة واحدة :
_ لية !؟
صمت لدقيقة ورد كأنه لم يفهم :
_ لية أية ؟
بنفس النبرة عادت تسأله :
_ لية بتعمل معايا كدة !!؟
ظـل يقتـرب منها ببطئ، وهي تتراجع للخلف أكثر.. عضت على شفتاها مغمضة العينين وهي تلعن لسانها الذى نطق بشيئ سيقربهم !!!
اصبحت على طرف الفـراش وكأنها قطة مرتعدة تنظر له بعينين مذعورتيـن، دقات قلبها تتقارع كالطبول في الحرب من هذا القـرب .. طل عليها بقامتـه العريضة وهو فوقها، ليطيل النظر في عينيها وهو يهمس :
_ مش عارف .. فيكِ حاجة غريبة شدانى أووى
بادلته الهمس بتوتر لم تستطع خفيه :
_ يعنى اية ؟؟!!
رد بنفس الهمس :
_ انا نفسي مش عارف
سألته والدمـوع ترقرقت في عينيها لتلك الذكرى :
_ ابعد عنى، مش اخدت اللي أنت عايزه ؟
لم يعـرف لما أهتز جبله الشامـخ لتلك الدمـوع !!! ، لما تأثر ولو قليلاً ؟! لما استطاعت دموعها فرض سيطرتها على مقاليد قلبه بمهارة ؟؟!
_ نفسي ابعد
همس بها قبل أن يقتـرب كثيرًا .. حتى سمع أنفاسها الغير منتظمـة، ولم تكـن هى وحدها المتأثرة بذاك القرب !!
ثم قبـل عينيها برقـة وحنان استشفتهمـا فصُعقـت !! .. ثم قبل عينيها الاخرى ...
ثم ابتعد قليلاً يكمل :
_ نفسي ابعد عنك بس مش قادر
نظـرت له وبدت وكأنها لم تستوعب فتابع :
_ أنتِ شدانى اووى، زى اللي عاملى سحر مش قادر ولا عارف أسيطر عليه
مد يـده يتحسس وجهها برقة بالغة لتسير قشعريرة كالكهرباء في جسدهـا .. تحسس وجنتاها وشفتاها الكرزية وهو يستطرد حديثه الذى مازالت لا تستوعبه :
_ أنتِ حلوة اووى اوووى
واخيرًا استطاعت السيطرة على حروفها واخراجها ولو متقطعة :
_ أبــ أبعـد
قالتها وهي مغمضة العينين، وكأنها منعت سحر عينيها عنه فاستفاق لنفسه ونهض مسرعًا لتتنفس هي الصعداء، ولم تشعر إلا بصوتـه وهو يقول بخشونة :
_ قومي حضرى لى الأكل بسرعة
لم تستجيب فصرخ فيها :
_ قولت قوومي
_ رجـع لطبيعته .. الحقير
همست بها وهي تنهـض مسرعـة، لتجـده يحدق بهـا نظرت لنفسها لتتذكر انها لم ترتدى سوى قميص قصير يظهر كل معالم جسدهـا !!! ، زحفت الحمرة لوجنتاها وصدمت وتوترت .. كثير من المشاعر ليقول وهو يستدير ليسيطر على نفسه بصعوبة :
_ بس بس انا طالع، خلصي وف ثوانى ألاقي الأكل جاهـز
ثم خـرج لترتـدى هي ملابسهـا بسرعة مرتبكـة حتى انتهـت فخـرجت متجهه للمطبخ، لتجده يجلس امام التلفاز بهدوء، ظلت تتفحص المطبخ بعينيها ولم تجـد اى شيئ .. زفرت وهي تغمغم :
_ لازم اروح اسأله .. استغفر الله
خرجت لتسأله، وما إن رأها حتى سألها هو :
_ في اية ؟
ابتلعت ريقها بتوجس وسألته :
_ فين الأطباق مفيش حاجة ف المطبخ ؟
اومـأ وهو يشيـر تجاه تلك الغرفـة التى تكرهها :
_ في الاوضة هتلاقي الاطباق فـ كرتونة، وفي اكل في التلاجة
اومأت بسرعة وهي تكاد تركض تجاه الغرفة، وجلس هو يأنب نفسه على تهاونـه معها، يلعن عدم سيطرته على نفسه.. يكره ذاك الشعـور الذى نبع بداخله ولكنه لن يسمح له بالنمو ابدًا !!!
جاءت وهي تحمل الأطباق الزجاجية وظل هو ينظر لها بغضب هادر، غضب تجهل سببه ولكنه أربكها حتى سقطت الاطباق من يدها وتهشمـت، فشهقت وهي تردد مسرعة :
_ اسفة .. اسفة هألمهم
هبطت تجمعهم ولكن إربكاها كان امر تلقائى من مالك الذى كان يتابعها بعينـاه، فجرحـت اصبعها ونزفت الدماء منه فصرخت هى متأوهه :
_ آآه أيدى !!
نهض مسرعًا ليصبح مقابلاً لها ثم امسـك اصبعها المصاب يتفحصه بهدوء ثم نظر لها ليجدها كالبلهاء لم تستوعب تغيره المفاجئ، فقال لها :
_ مش تاخدى بالك
نظـرت ليدهـا وليده الممسكة بها بذهول حقيقي، كانت كالطفل البرئ وشفتاها الكرزية مزمومتين، ولم يتمالك نفسه فاقترب منها يفاجئهـا بقبلة هدمت ذهولها ليحل محله الصدمة والقلق من القادم .. قبلة رقيقة هادئـة تحولت لقبلات متتالية تأكل شفتاها ... !
واخيرًا استطاعت دفعه قليلاً عنهـا، لينظـر في عينيها مباشرةً ويقول وهو يهمس بأنفاس لاهثـة :
_ أنا أسف !!!!!
ولم تستوعب أن الجبل الشامح يعتذر !!!! و......
**********
حديقـة متوسطـة مجاورة لمنزل كبير " قصـر " .. اللون الأخضر يسيطـر على انحاءهـا بمهارة، مزينـة من الجانبين بنور القمـر الزهي الذى ينعكس على اضواءها، وجلسة في الهواء الطلق على كرسيين خشبيين ومنضدة خشبية تتوسطهم، الجو الهادئ لا يخفف شحنة التوتر التى تملئ المكان ابدًا !!!
رجـلان يرتديـان ملابس مهندمة نظيفـة، احداهما " طـه " والاخـر " معتـز " ..
نظر طه له وهتف بشيئ من الحنق :
_ انا معرفش أنت لية مخلتنيش أبعت رجالة يجيبوا البت
هـز رأسه نافيًا واجابه بخبث :
_ يا باشا .. سويها على نار هادية هو انا اللي هرسيك بردو !؟
تأفف بضيق قبل أن يأمره :
_ قول قصدك على طول يا معتز
أقترب قليلاً وهو يتابع :
_ مش أحنا عايزين الفلاشة يا باشا ؟
اومـأ " طه " مؤكدًا :
_ ده شيئ مفروغ منه !!
ابتسـم معتز ليستطرد بتفكير :
_ طب ما البت مش عارفة اصلاً حاجة عن الفلاشة، مش حمدى قالك ف السجن إن الراجل قاله يقول لبنته شمس على مكان الدفتر، معنى كلامه انه كان مخبى على بنته كل حاجة
حـك طرف ذقنه باصبعه وهتف :
_ طب ما أحنا لو خدنا البـت وساومنا امها ممكن تكون عارفة مكان الفلاشة وتقولنا عليها
هـز الأخر رأسها نافيًا واكمل :
_ ولو الاتنين ميعرفوش ممكن تروح تبلغ البوليس وهياخدوا حذرهم ومش هنستفاد اى حاجة
تنهـد قبل ان يعاود سؤاله الحاد :
_ يعنى اية !!؟
استطرد " معتز " :
_ يعنى كدة كدة يا باشا أنت مراقب ام البت، وحط مراقبة على البيت كمان، ومسيرنا هنعرف الفلاشة فين بس من غير تهـور
تقوس فمه بابتسامة ساخرة وقال :
_ مسيرنا هنعرف اكيد واحنا ببدلة الإعدام
هـز رأسه نافيًا بسرعة واشار لنفسه بغرور فاضح :
_ لأ لأ بعيد الشر، ثق فيا يا باشا
اومَأ الاخر وهو يقول بضيق :
_ اما نشوف اخرتها !!!
*********
بعد فتـرة .. وصراع من التفكيـر داخله، امواج متلاطمة تتخبـط بداخله، وهو لا يعرف ما يجـب أن يُفعـل، تائـه بين امواج هو من زج نفسه بهـا، تنهـد والضيق يعتريه بشدة .. هو خائف، خائف بحق من شعور ينبت بداخله فيجعله يحلق في سماء هو لا قوى له فيهـا !!!
نظـر لها وهي تتقـدم لتضع الطعام على المنضـدة امامه ..
وهذا الشعـور الذى يسيطر عليه عليه بلا هواده كلما رأهـا يشعر أنه يرغب في إمتلاكهـا، يتمنى أن يسير بشريانها كالدماء بلا منازع !!
ويـا لها من معاناة عندما يحاول كبت جميع مشاعره ..
طُـرق الباب برفق فطُرق معه التوجس في قلب كلاهمـا، نهض مالك وهو يشير لها قائلاً :
_ اهدى مفيش حاجة
اومأت بهمس قلق :
_ طيب
اتجه للخـارج ثم فتـح البـاب ليُصـدم من تواجدها وفي هذا المنزل !!!
نعم أنها " سمـر " ترتدى ملابس خليعـة كعادتها وكأنها تحاول إغراءه !!
وقبل أن يستوعب الصدمة كانت تصيح بابتسامة ماكرة وهي تحتضنه :
_ مااالك.. Miss you so much يا حبيبي !!!!!!
**********
يتبــع
غزالة فى صحراء الذئـاب
الفصل السابـــع عشـر :
صـدمة .. كلمة تجسـد معناها أمامه بكل مراحله منذ قدومها بهيئتها تلك .. واحتضانهـا، وظهـورها المفاجئ الذى سيقلب كل الموازيـن في حياته رأسًا على عقب !!! لتزيـد الصدمة ألونًا صادمة عند حضور شمس وهمسها المصعوق :
_ انا خلصـ !!!!!
والمشهد وهي تحتضنه كان كفيل لمنع الحروف من الخروج من فاههـا ! ..
نظـرت للأرضية بخجل واخراج .. وداخليًا تحترق فعليًا !! .. والسبب مجهول ؟!
ثم تنحنحت :
_ انا آآ
قاطعتهـا سمـر التى ابتعـدت عن مالك لتقف تنظر لها من اعلاها الي امحص قدميها نظرة جعلتها تتبعثر داخليًا من كم الاستحقار الذى لمحته !! والاهم سؤالها المفاجئ :
_ مين دى ؟!
كيف تجيبها وهي اساسًا لم تعتاد تلك الاجابـة " انا زوجته " !!!
زاح عنها مالك الحرج عندما جذب سمر من ذراعها يسألها بحدة :
_ انتِ اللي اية اللي جابك هنا ؟
حاولت ابعاد يده وهي تجيبه بدلع غير محبب :
_ اية يا بيبي منا قولتلك وحشتنى
صرخ فيها بحدة :
_ اخرسي، الشويتين بتوعك دول بقوا حمضانين اوى
عقدت حاجبيها بحزن مصطنع :
_ تؤ تؤ اخص عليك يا مالك، ده انا مراتك بردو
واتـتهم شهقة شمس المفزوعة !!!! وعيناها تسأله ألف سؤال .. زوجته !؟ كـيف !؟ متى ؟! لما تزوجتنى اذًا !!!
نظـر لسمر مرة اخرى ثم قال وهو يجز على أسنانه بغيظ :
_ قصدك طليقتى ويلا غورى من هنا
نظـرت لشمس بتحدى وسألت مرة اخرى ببجاحة :
_ طب مييين دى ؟
إحتـدت عينا مالك وقبل أن يجيبها كانت تلقي سمومها في روح شمس :
_ اه اكيد دى واحدة من اياهم بتروقلك مزاجك صح
جـرح أخـر يُضـاف لقائمة جروحها السوداء، اما يكفيها ألامـه لها لتأتى هى وتزيدها ؟!
نظـرت له بجزع وقالت :
_ لا انا مش كدة ولا عمرى هكون كدة
أمسكهـا مالك من ذراعها بقوة ألمتها ثم قال أمرًا :
_ سمر لمى الدور وغورى أحسن لك
نظرت لشمس بغيظ مكبوت وقالت :
_ مش قبل ما اعرف مين الزبالة دى
كادت شمس تصـرخ بها لتدافـع عن نفسها، إلا أن مالك وكأنه اصر أن يدافع هو عنها هذه المرة فاستطرد بحدة موجهًا حديثه لسمر :
_ دى مش زبالة، الزبالة اللي بيبقوا أمثالك
لم تصـدق أذنيهـا .. كلماتـه رنت عليها كالموسيقي الهادئة التى لم تسمعها من قبل !!!!
بينما نظـرت له سمر بحدة ثم قالت بتهديد واضح :
_ صدقنى هتندم يا مالك
اومـأ وهو يرد ببرود ثلجي :
_ سمعت الكلمة دى كتيير، بس هندم فعلاً لو سمحتلك تبقي ف حياتى
أبعدت يده ثم اتجهت للخارج وهي تغمغم غاضبة من هزيمتها .. ولكن الحالية :
_ مش هستسلم بسهولة كدة يا حبيبي .. باى باى يا ملوكى
زفـر بضيـق وهو يمسح على شعره الأسود هامسًا :
_ داهية تاخد المعفن
وما إن نظر لشمس التى لم يسمـع صوتها حتى الان حتى وجدهـا تتقـدم منه هادئـة ومن ثم هتفت :
_ انا عايزة أتطلق يا مالك !!!
*********
ركـض ليجـدهـا مُـلقـاه على الأرض فاقدة الوعي، لم يعرف كيف ركض صوبها ليحملها مسرعًا ودقاته تتعالي بقلق، وضعها على الأريكة في الصالون ثم ظل يدور حول نفسه بحيرة مرددًا :
_ اعمل اييية اعمل اييية
خبط رأسه بطرف إصبعه متأففًا :
_ صح هفوقها هفوقها
ركض باتجـاه المطبـخ ثم جلب زجاجة من الميـاة، يجهل سبب خوفـه وقلقـه !!!؟
خـوف من فقدانهـا بشكـل عام وينحدر هو في جوف مظلم !!؟ أم خـوف من نوع اخر ؟؟
لا لا هو فقط خوف لفقدانها في منزله ..
هز رأسه وكأنه يقنع نفسه بتلك الاجابة، ثم اقتـرب منها و رش قطـرات من المياة على وجهها الأبيض الذى شحب مؤخرًا ..
وبدءت هى تستعيـد وعيها تدريجيًا، تحاول فتح جفنيها بتثاقل ولكن كأن عيناها لا ترغب بذاك النور الذى يهدمها !!!
وما إن رأته حتى حاولت النهوض مفزوعة وهي تسأله :
_ أنت عملت اية ؟
عاد لقناعه البارد عندما وجدها بخيـر، فهتف بهدوء مستفز :
_ عملت اية يعنى يا زينتى، ما أنتِ كنتِ ادامى لو عايز اعمل كنتِ حسيتى
نظـرت له من اعلاه الى اسفل قدميه نظرة ود لو يخلعها من عينيها ... وهمست :
_ هتفضل طول عمرك حقير
بادلها الهمس ببرود :
_ ومنك نتعلم يا حبيبتى
حاولـت النهـوض وهي تقول :
_ انا همشي
ولكن ترنجت مكانها وسقطت مرة اخرى على الأريكـة ليتابع هو بجدية :
_ اهدى انا هطلب الدكتور
هـزت رأسها نافية وهي تستطرد بألم سيطر على قسمات وجهها بأريحية :
_ لا لا انا كويسة، ماما هتلاحظ غيابي
وكانه لم يستمع لها نهض واخرج هاتفـه من جيبـه ثم اتصل بالطبيب المعرفة الذى يلجأ له في هذه الحالات الطارئـة :
_ الووو دكتور
_ ايوة يا استاذ زياد ازيك
_ بخيـر، حضرتك فاضي تيجي البيت عندى معلش
_ خير مين تعبان
_ لا دى آآ يعنى واحدة قريبتى تعبانة شوية قولنا نتطمـن
_ تمام ان شاء الله نص ساعة وتلاقينى عندك
_ في انتظارك شكراً
_ الشكر لله مع السلامة
_ سلام
أغلق الهاتف وهو ينظـر لها ليجدها تتنهـد اكثر من مـرة بالثانية !!
هو يعذرها .. بالرغم مما يفعله بها يعذرها فهى تتخطي كل المراحل التى حاولت شقيقته تخطيها مسبقًا ... !!
جلسـا النصف ساعة كلاً منهم ينظر للأخر كل دقيقة .. كل منهم تموج افكاره بضعف، زينـة تحاول تخيل صورة شقيقها عندما يعلم .. وهو يصارع الشعوران بداخله، شعور يؤنبه على ظلمه لتلك الفتـاة، وشعـور يزيده نشوة ورغبة في الانتقـام .. مضت النصف ساعة سريعًا وبالفعل سمعوا طرقات على الباب فنهض هو بهدوء يهندم ملابسـه ثم اتجه للباب وفتحه ليرحب بالطبيب الذى يعادل عمر والده :
_ اهلاً يا دكتور هاشم اتفضل
اومأ الطبيب بابتسامة هادئـة، وجدوا زينـة جالسة بهـدوء لينظر لزياد متساءلاً :
_ خير اية المشكلة ؟
تنحنح زياد بجدية :
_ كانت واقفة عادى وفجأة اغمي عليها
اومأ الطبيب ثم اقترب ليفحصها وبعد دقائق انتهى لينظـر لزياد بابتسامة هادئة :
_ مفيش حاجة تقلق
سأله زياد مستفهمًا :
_ الاغماء كان بسبب اية يا دكتور ؟
هز رأسه ثم نظر لزينة مكملاً :
_ أنا شاكك إن المدام حامل، هنعمل تحاليل ونتأكد !!!!!!
*********
كـانت تجـلس وحيدة على فراشهـا، منذ خروجها من تلك المستشفي وهي تقيم بالمنزل امتثال لأوامر الطبيب، حتى كادت تشعر انها بالسجن حقـــًا .. !
وما يجعلهـا داخليًا تحـترق هو تجاهل ولديها لها ؟! .. او حتى السؤال منهم !!
وكيف تنتظـر منهم الاهتمام وهي من جعلتهم يعتادوا على التجاهل !!
هى الان تحصد ما جنـته فقط !!!!
وجـدت " جمال " يدلف الي الغرفـة، تنحنحت بضيق وكأن الهواء انقطع من الغرفـة ..
لتجده يقتـرب ليجلس بجوارهـا ويقول بابتسامة باتت تكرهها :
_ ازيك يا ام العيال ؟ عاملة اية ؟
اجابته مقتضبة :
_ كويسة .. خير ؟
رفـع حاجبه الأيسر متابعًا بتهكم :
_ في واحدة تقابل جوزها حبيبها كدة
غمغمت بضيق :
_ قول المصلحة اللي جاى عشانها على طول ياريت
اومـأ مبتسمًا باستفزاز :
_ عندك حق، ندخل مباشـر
اومـأت لتنظر له باهتمـام لتجده يهتف ببجاحة غير مفاجئة عنه :
_ عايزك تكتبي كل حصتك فـ الشركة بأسمى
حدقـت به غير مصدقة .. انتهت كل محاولاتها للصبر مع وصل حد جشعـه لأولاده !!! غلي الدم بعروقها وهي تصرخ فيه بجزع :
_ انت مجنون، انت عارف انى كتبته باسم مالك
رفـع كتفيـه بلامبالاة مجيبًا :
_ عارف، عشان كدة أفضل إنك انتِ اللي تقنعيه، دى مليارات مش لعب عيال
هـزت راسهـا نافيـة بأصرار :
_ ماتنساش انها كانت شركة والدى، يعنى انا حرة التصرف فيها زيي زيك
وحلق في سمـاء الغيظ والكـره، ولم يعد يرى امامه سوى شياطين تزين له تلك الأموال، نهض بغضب ليسألها بتحذير :
_ متأكدة من اللي أنتِ بتقوليه ده !!؟
اومـأت بتأكيد :
_ طبعًا متأكدة
هـز رأسه وهو يتجـه للخارج :
_ تمام، ماترجعيش تقولى إنى ما حذرتكيش بقاا !!!
*********
بمجـرد أن دلـف " مراد " الي الغرفـة حتى فاجئتـه بسؤالهـا الغير متوقع تمامًا بالنسبة لهـا، لا بل تدخلها في حياته من الأساس غير متوقـع، انحرافها لطريق مبتعد عنه هو الشيئ الصحيح .. :
_ كنت بتكلم مين عشان كدة خرجت ؟
ضيق عينيه مجيبًا باستغراب :
_ وانتِ مالك ؟
زفـرت بغضب قبل أن تزمجـر فيه :
_ لا مالي ع فكرة
سألها ببرود وهو يعقد ساعديه مستمتعًا بذاك النقاش :
_ مالك أزاى بقي ؟
نظـرت له بتحدى، وتفوه لسانها بما تجيب به اى زوجه طبيعية تعيش حياتها بكل مراحلها وليس جزءً وجزء :
_ انا مراتك ماتنساش
عضـت على شفتـاها بنـدم حقيقـي، اعتراها الضيق مع انه حقهـا !!
ولكن حق لم يعطيها صاحبه مفتاحه !!!
بينما هو .. لم يعرف يحزن ام يبتسم، يبتسم لما قرأه بين سطور عيناها من .. غيرة نسائية فطرية !!!
ام يحـزن لأنهـا دلفت وفرضت سيطرتها على قلبه .. او بدءت تمسك مقاليد حكم ذاك القلب الذى يقـرع كلما اقترب منها !!
همست بارتباك :
_ أنا آآ مــ
قاطعهـا بسؤاله الجـاد :
_ من امتى اكتشفتِ انك مراتى
كادت تجيب بحزن :
_ لا أنا بس كـنـ آآ
قاطعها مرة اخـرى بنفاذ صبر :
_ عمرك ما كنتِ ولا هتكونى مراتى فعلاً، دى مجرد ورقة بينا لا راحت ولا جات
اومـأت وهى تبتلع تلك الغصة المريرة في حلقهـا .. هى من تسبب في فك القيود التى بنتها بينهم، لتأخذ المقابل اذًا !!!
رفـع اصبعه في وجههـا بتحذيـر :
_ اوعى تدخلى في حياتى مرة تانية
اومأت وقد ترقرت الدموع في عينيها بلمعة غريبة :
_ أسفة
أولاهـا ظهـره متجهًا للخـارج بخطوات هادئة دون أن يرد عليهـا، ليجـد الباب يطـرق، اقترب منه ليفتح حتى وجدها تأتى خلفه، نظر له بطرف عينيه وقال أمرًا :
_ ادخلى جوة ماتطلعيش غير لما أقولك
اومـأت بهمس قلق :
_ حاضر
دلفت هي فأكمل هو سيـره وفتح الباب، حتى صـدم من ........
*********
كـانـت شمس تجـلس في الصالـون، من المفتـرض أنها تشاهـد التلفـاز، ولكن يبدو أن التلفاز هو من يشاهدها وانقلبت الأية !!!
نظراتها هائمة تحدق بلاشيئ، وقفزت لذاكرتها ما حدث وزاد من تعجبها ..
فلاش بــاك
_ أنا أسف
قالهـا بهمس رقيق، ولكنه سقط على اذنيها كالصاعقة الرعدية التى زلزلتها داخليًا، الكثير من المشاعر المختلطة اجتاحها عند تلك اللحظة !!!
لقد تحقق المستحيل، جبلها الشامخ الذى منذ ان عرفته لا يهتز، اليوم اهتز وليست هزة عادية .. بل لها هي !؟
وكأنها لم تستوعب فقالت ببلاهة :
_ أية !؟؟؟
والأغرب فعليًا تكراره لأسفه :
_ أسف .. أسف
أغمضـت عينيها تحاول السيطرة على رفرفة اجنحتها ثم استطردت :
_ على اية ولا اية
تنهـد وكأن شخصية اخرى هي من تسيطر عليه الان واجاب :
_ على كل حاجة، بس صدقينى فعلاً انا مش عارف اية اللي بيحصلى وانا معاكِ
ونظـر لها نظـرات ادهشتها .. نظرات ممتلئة بالحنـان .. الهدوء .. الأسف .. والاعجاب !!!
ام انها فسرتها خاطئـة ؟؟! اكيد نعم !،
مد يده يتحسس وجهها مرة اخرى برقة وهو يهمس بالأخيرة :
_ تعبتينى معاكِ يا ... شمـسي
لا لا من المؤكـد أنها تحلـم، شعرت وكأنه جوف من الحنان فُتحت ابوابه الان فقط !!
ابتلعت ريقها بتوجس وقالت بما لا يتناسب مع ذلك الموقف :
_ انا خايفة
ضيق ما بين حاجبيه وسألها :
_ من اية ؟
اجابت بلا تردد بطفولة محببة :
_ منك، أنت بتتحـول
ضحـك بقوة على جملتهـا، للحظات شعر أنها طفلته وليست زوجتـه !!،
تحمل من البراءة ما يكفي لأعوام، بينما هي سرحـت في ضحكته الجذابـة، كيف لم تلحظ وسامته تلك من قبل !!!
استفاقت لنفسها على صوته الخبيث :
_ اول مرة ألاحظ انى حلوو كدة
احمرت وجنتاها بخجل، لقد شرح ما عليه حالها، ولكنها تصنعت عدم الفهم وهي تقول :
_ مش فاهمة !!
اجابها وهو يقتـرب من عينيها الرمادية :
_ ده اللي ظاهر في عينيكِ
نظـرت للجهه الأخرى لتهرب من اختراق عينيه ثم نهضت مسرعة تقول بتوتر :
_ الاكل اتحـرق
بــاك
تسللت الأبتسامة لثغرها بمجرد أن تذكرت ما حدث تلقائيًا.. قطع شرودها صوت طرق الباب الذى باتت تكرهه، لتنهض بهدوء متجه له، فتحت فلم تجد اى شخص نظرت يمينًا ويسارًا ثم اتكأت واخذت الظرف الذى لمحته على طرف الباب تتساءل بتعجب :
_ ده اية ده !
اغلقت الباب ثم بدءت تفتحه بهدوء لترى ما به، لتجحظ عينيها بصدمة من هول ما ترى وكأن الصدمة حليفتها فقط !!!!
