الفصل الخامس 5
بقلم صفاء حسني
صحيت بسنت من غيبوبتها، وعيونها مليانة غضب وانكسار، صوتها اتبدّل وبقى مهزوز وهي بتواجه مي:
"أي العبط إللي إنتِ جاية تقوليه دا ليا؟! طبعا لأ.. أنا عمري ما استغليت مشاعر حد عشان مصلحتي. ومكنتش متصورة إنكِ بالحقارة دي. أنا لو كنت عايزة فلوس، كنت زماني عند عمي وجدي، وعشت في عزّهم ورفاهيتهم، لكن أنا اخترت أعيش مع أمي وإخواتي".
اتسعت شفايف مي بابتسامة خبيثة، عينيها فيها لمعة انتصار زائف:
"آه، صح! إنتِ نسيتِ إنكِ صاحبة مبادئ. بس نسيتي إن عندي سر خطير.. سر كلنا عرفناه في الحفلة".
شهقت بسنت بدهشة وقلق:
"سر إيه؟".
اقتربت مي أكتر، ونبرتها مليانة سمّ:
"السر في السي دي إللي أمك مخبياه عنك. عايزة أديكي فكرة بسيطة عنه؟ أمك كانت بنت فقيرة أوي، وجدك كان عايز أبوكي يتجوز طنط سها أم خلود. يعني كان زمانك إنتِ مكان خلود. بس أمك.. أمك لعبت لعبتها، كانت طالبة عند أبوكي في الكلية، وغرقت قلبه. اتجوزها.. ومن ساعتها اتحرم من فلوسه كلها. وموته كمان كان بسببها".
قلب بسنت وقع، دموعها بدأت تسيل وهي تهمس بتحدي باهت:
"لأ.. بابا مات في حادثة عربية".
قهقهت مي بسخرية:
"حادثة إيه يا عبيطة؟ هو كان عندكم عربية أصلاً عشان يعمل حادثة؟! أبوكي كان تعبان، وهي ما بلّغتش جدك. خافت يخسرها ويطلقها. لو كان عرف، كان أخده وسافر يعالجه. شوفتي بطلتك العظيمة عملت إيه؟ حتى عمك ما صدقش إن إخواتك أولاده. إزاي واحد تعبان يجيب أولاد؟".
اتكسرت بسنت، عينيها بتلمع بدموع الانكسار، لكن مي زودت الطين بِلّة وهي تضحك بخبث:
"وبكرة.. أمك نفسها هتشتغل مع سيف. فاكرة ليه رفضت ترجعي الفستان؟ عشان تروح هي. وأكيد هيعرض عليها شغل، وتتجوزه. وإنتِ؟ هتطلعي من المولد بلا حمص".
انهارت بسنت وقالت بصوت مخنوق:
"آه.."
سابت مي الكلام يتغلغل في قلب بسنت زي السكاكين، ومشيت وهي مبتسمة ابتسامة نصر كاذب، لحد ما خرجت من البيت، ولقت شخص مستنيها في عربية فخمة.
---
في الوقت دا، ناهد كانت بتسلّم نتيجة تحاليل خلود وأخوها، وترجّع لشغلها.
النهار خلص وهي مرهقة، ورجعت البيت. البيت كان ساكن بشكل يوجع القلب.
رنة التليفون الأرضي كسرت الصمت.
ردّت ناهد، صوتها هادي:
"ألو.. مين معايا؟".
جالها صوت رجولي وهادئ:
"أنا أستاذ سيف.. إللي قابلت حضرتك امبارح".
شدت ناهد نفسها وقالت باستغراب:
"حضرتك صاحب الفستان؟".
ابتسم سيف وهو يشرح:
"آه. وحصل كمان لخبطة في سي دي يخصك وسي دي لينا في الحفلة. محتاج أقابلك نبدلهم".
ناهد بسرعة:
"أنا كنت ناوية أعدي بكرة على الشركة أرجع الفستان".
"ممكن الساعة تسعة الصبح؟"
"لو تسمح.. نخليها اتنين الظهر بعد ما أخلص شغلي".
"تمام. بس رجاءً، السي دي ما يقعش في إيد حد".
"متقلقش، هو في شنطتي من وقتها. أنا آسفة جدًا، يمكن ابني بدّلهم بالغلط".
"أنا اللي آسف. هو وقع مني وأنا بشغل الدي جي، وابنك جه بالصدفة وحصل اللخبطة".
"خلاص.. بكرة بإذن الله هكون في الميعاد".
قفلت ناهد الخط، ودخلت أوضة أولادها. بصّت على التوأم وهما نايمين بريء زي الملايكة، وبعدين دخلت عند بسنت. غطّتها، ومسحت على شعرها بحنان، وهمست بدعاء من قلب أم موجوعة:
"يارب ديم الصحة عليها وأشوفها عروسة قدامي".
راحت على أوضتها، ونامت بعد يوم طويل.
---
تاني يوم، الدنيا مشيت كالعادة: شغل، الحضانة، دروس. لحد ما خلصت شغلها، وراحت الشركة.
هناك، كان الجو متوتر.
صوت سيف عالي:
"مالك يا محمود؟ عفاريت الدنيا زاعقة فوق دماغك؟! عايز تفضّ الشركة؟ خلاص نجيب محاسبين نثق فيهم".
محمود بان عليه العصبية والغيرة:
"محاسبين يبلعوني، صح؟!".
شد سيف نفسه وقال بعصبية:
"إنت زودتها أوي يا محمود. أنا مش هركز مع عبطك ولا الصور المفبركة اللي صدقتها بسرعة".
صرخ محمود، وملامحه مشتعلة:
"هي اعترفت إنها على علاقة بيك! وأولادها أولادك.. إنت مش أنا!".
......
---
✦ من أجل أبنائي تزوجتك ✦
صفاء حسني الطيب
الفصل الخامس
دخل سيف وهو متعصّب، ملامحه مشدودة وصوته مليان سخرية:
سيف وهو بيضحك باستهزاء:
ـ "بجد إنت وصلت لمرحلة من الجنان؟! أولادي أنا إزاي؟! أنا كنت عايش مع مراتي وبنتي في تركيا، ورجعت بعد موتهم، وساعتها مراتك كانت لسة حامل في خلود، وحازم كان عنده أربع سنين... أعقل يا محمود!"
محمود وقف يتنفس بسرعة، عينيه بتلمع بغضب وحيرة، كأنه بيبدأ يستوعب كلام سيف، لكن قبل ما يرد، السكرتيرة دخلت بخطوات مترددة:
ـ "مدام ناهد في الانتظار بره يا فندم".
سيف استغرب:
ـ "مين مدام ناهد دي؟".
محمود ضحك بتهكم وهو بيرمي كلامه ببرود:
ـ "طبعًا من كتر الستات اللي معاك مش هتعرف دي من دي".
سيف شدّ ملامحه:
ـ "إنت زودتها أوي".
السكرتيرة وضّحت:
ـ "هي بتقول من شركة منصورك للحسابات".
سيف ابتسم بخفة:
ـ "جات في وقتها... أكيد المحاسبة الشاطرة اللي بعتوها لينا، خليها تتفضل، وهاتي كل الأوراق".
دخلت ناهد بخطوات واثقة، لكن جواها قلبها بيرتعش:
ـ "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
سيف رد بسرعة:
ـ "وعليكم السلام، حضرتك... إحنا محتاجين نفصل الحسابات بين شركة محمودكو وشركة سيفيك. لو أمكن على السريع شوفي الأوراق وشوفي المطلوب".
ناهد حاولت تقاطعه، صوتها كان هادي بس متردد:
ـ "أنا جاية عشان..."
لكن السكرتيرة دخلت في اللحظة دي ومعاها الملفات:
ـ "اتفضل يا فندم، كل الملفات".
سيف أمرها:
ـ "حطيها قدام المدام، ومحدش يزعجها لحد ما تخلص".
ناهد حاولت تشرح:
ـ "حضرتك أنا كنت..."
سيف قاطعها بجدية:
ـ "وعد، هتاخدي كل الفلوس اللي إنتِ عايزاها، وكمان لو شغلك عجبني هتشتغلي هنا مديرة حسابات بـ 19 ألف في الشهر، مع المكافآت. قلتي إيه؟".
انبهرت ناهد، عينيها وسعت:
ـ "حاضر يا فندم".
وبالفعل طلبت نسكافيه وبدأت تشتغل. قعدت أكتر من 4 ساعات تغوص وسط الأرقام والملفات، ملامحها متوترة، عرق خفيف بيظهر على جبينها، لكن إصرارها واضح. خلصت وطبعِت كل حاجة وفصلت كل ملف عن التاني.
طلعت من المكتب وقالت للسكرتيرة بثقة:
ـ "أنا خلصت، نادي على الأستاذ سيف".
وبعد شوية دخل سيف، لقى الملفات قدامه مرتبة بشكل يشرح القلب.
ناهد مدّت إيدها:
ـ "اتفضل حضرتك، دي ملفات محمودكو، ودي ملفات سيفيك، وده الفستان والسي دي".
سيف بص لها بدهشة:
ـ "هو حضرتك مامة بسنت؟".
ناهد ابتسمت بخجل:
ـ "آه يا فندم، بس متقلقش، أنا خريجة تجارة إنجليزي، وعندي خبرة كويسة في الحسابات، وكل حاجة بقت تمام".
سيف قلب في الملفات وعينيه بتلمع:
ـ "بجد... إمتياز. تعالي معايا".
دخل بيها مكتب تاني، وطلّع شيك وأسطوانة.
ناهد استغربت:
ـ "إيه ده؟".
سيف سلّمها:
ـ "شيك بخمس آلاف جنيه مقابل مجهودك، ودي الأسطوانة".
ناهد رفعت راسها بعناد:
ـ "حضرتك كنت وعدتني لو شغلي عجبك هستلم مديرة الحسابات. صح ولا كان كلام؟".
سيف ابتسم بإعجاب:
ـ "لأ طبعًا مش كلام... بس إنتِ مش قلتِ إنكِ بتشتغلي؟".
ناهد اتنهدت:
ـ "آه، في شركة منصورك... محاسبة صغيرة وراتبي قليل. عرضك أغراني، بصراحة. المهم... اتفضل السي دي بتاعك، وفكر في الموضوع. اعرض شغلي على أي محاسب كبير، صدقني مش هتلاقي فرق".
سيف نظر ليها بإعجاب حقيقي:
ـ "أنا بحب الإنسانة الطموحة اللي واثقة في نفسها... إن شاء الله الشغل ليكي من أول الشهر".
وهكذا بدأت ناهد رحلتها الجديدة، شغل من ٨ الصبح لـ ٨ بالليل.
لكن في البيت، الوضع ما كانش بنفس البريق. بسنت فضلت صامتة، بتراقب أمها من بعيد، قلبها مليان غضب وحيرة. كل ما تبص على الشيك والأسطوانة تحس بشرخ عميق جواها. لقاؤها مع مي غيّر تفكيرها تمامًا.
وفي يوم من الأيام، ناهد منعتها من إنها تذاكر مع خلود بعد ما عرفت إن خلود مريضة سكر.
بسنت صرخت:
ـ "إنتِ ليه رافضة أذاكر معاها؟!".
ناهد حاولت تسيطر على الموقف:
ـ "ومين هيقعد مع إخواتك؟".
بسنت بصوت عالي وعيونها مليانة دموع غضب:
ـ "أنا مش خدامة! روحي هاتي لهم خدامة. إنتِ بقيتي تقبضي كويس دلوقتي وتلبسي شيك وتشتري تليفون، وطالما حملهم تقيل عليكي أوي كده، اتّمسكتي بيهم ليه؟!".
ناهد حست بكلمة "خدامة" زي السكينة:
ـ "بنت، عيب كده!".
بسنت اتحدتها:
ـ "في الآخر عيب كده... مش بسببهم عمي وجدي حرموني من ميراث أبويا، وبقينا عايشين زي الأموات!".
ناهد اتكسرت، بس صوتها خرج قوي:
ـ "إنتِ شايفة كده؟ شايفة إن كان الأفضل أموت إخواتك عشان إنتِ تاخدي فلوس أبوكي؟ الفلوس اللي هو رفضها من الأساس!".
بسنت ضربت الكلمة الأخيرة وهي واقفة قدامها بجرأة:
ـ "رفضها عشان يتجوزك بدل ما يتجوز مامت خلود... ما أنا عرفت كل حاجة يا أم عظيمة!".
---
ممدوح بصّ لحسام بنظرة كلها عتاب وقالله وهو متضايق:
ـ بتسألني مضايق ليه؟! مش إنت السبب؟! كان لازم تطلب تصحيح للبنت وتلفت نظر الإدارة ليها! أهوه دلوقتي رافضين البنت تكمل، خايفين لو كملت تبقى معيدة، وهي بتتكلم بالطريقة دي.
هزّ حسام راسه وهو متفاجئ:
ـ بنت مين؟ قصدك ناهد؟
ممدوح:
ـ أيوه... ما إنت فاكرها. إنت اللي لازم تسافر لها وتطلب منها تنقل لتجارة عادي أو تسيب أسئلة أو متلتزمش، أي حاجة تقلل من أعمال السنة بتاعتها... أنا مقدرتش أطلب منها كده، البنت متفوقة ومجتهدة، صعب أقولها أضيّعي تعليمك ومستقبلك عشان نُطقك! هو مفيش دكاترة بيتكلموا كده في كل المجالات؟!
ابتسم حسام ابتسامة واثقة وقال بهدوء:
ـ خلاص... أنا عندي الحل. إهدا بس يا سلام.
فلاش باك
كان فارس قاعد بيحكي وهو شارد بعينه:
ـ ناهد مش ملكة الكون، بس كانت مختلفة في حياتي أنا وحسام. مختلفة في كل حاجة... أخلاق، جمال طبيعي من غير أي رتوش. عينيها الملونة مش لنسز زي غيرها، والبنات التانية في حياتنا كانوا مجرد برواز... حتى مشاعرهم كانت مزيفة.
ضحكت مي بخبث وقالت:
ـ يعني الأخين وقعوا في حب نفس البنت.
فارس تنهد وقال:
ـ أنا اللي حبيتها بجد. حسام كان بيحاول يهرب من نظرة صاحبه محمود المريض. محمود ابن مدير كبير في الشركة، مش من مستوى سها، ومع ذلك حبها. بس هو ضحك عليها باسم الحب، واستغلها قبل الجواز عشان يضمن إنها تفضل ليه. ولما أبو سها اتفق مع أبونا إنهم يكبروا الشغل ويبقوا نسايب، قرروا إن سها وحسام يتجوزوا... لكن هي طلبت من محمود يمنع صاحبه يتقدم. بس محمود كان جبان وشكّاك. سها اضطرت تلمّح لحسام، وهو اللي رفض الجوازة، ووقف جنبها لحد ما اتجوزت محمود.
مي باستغراب:
ـ بس سمعت إن حازم مش ابن عمو محمود!
فارس حرك راسه بتردد:
ـ دي معرفهاش... حسام مات والسر ده جواه، لكن قبل ما يموت كان قرر يتجوز ناهد بسرعة البرق.--
بسنت، ودموعها محبوسة، بصت لمامتها:
ـ إمتى اعترف بابا بحبك واتجوزك؟ وليه عمي مش بيحبك إنتي وهو؟
تنهدت ناهد وبصت في الفراغ بحزن:
ـ للأسف يا بنتي... عمّك هو كمان وقع في حبي زي ما توقعت. كنت ساذجة، زي الكتاب المفتوح. في يوم لقيت أبوكي جاي عندنا في البلد، وبيطلب إيدي من جدوك. وأبوك ما صدقش نفسه إن بنته جالها عريس دكتور جامعة.
دخل عباس (أبو ناهد) وهو مبتسم بفخر:
ـ نورت البلد يا دكتور، إنت مش دكتور عند بنتي في الجامعة؟ الولد قاللي كده.
ابتسم حسام وقال:
ـ أيوه يا حضرة العمدا... أنا دكتورها.
عباس بابتسامة واسعة:
ـ علي العموم نورت البلد. يا ولد هات الضيافة، وقول للحاجة إن الدكتور بتاع بتي جالها بنفسه.
طلعت الحاجة وهي بتزغرد:
ـ بركة يا حاج! البنت دي من يوميها شاطرة وما عذبتنيش.
حسام في دماغه رجعت كلمات ممدوح عن لهجتها، وقد إزاي الإدارة شايفاها مشكلة. بس وهو في البيت حس إن الحكاية أكبر من لهجة.
الحاجة قالت وهي بتبصله:
ـ البت في الجنينة مستنياك... روح لها لحد ما الأكل يتحضر.
اتحرج حسام، لكنه راح.
كانت ناهد قاعدة في الجنينة، لابسة عباية فلاحي بسيطة وطرحة، بتسقي زرعها. الشمس لمعت على عينيها الملوّنة، وابتسامتها الطاهرة خطفت قلبه من أول نظرة.
لما شافته، ارتبكت وقالت بخوف:
ـ أنا عارفة إنت جيت ليه يا دكتور... جاي تنقلوني من الجامعة، صح؟ عشان نطقي؟ والله أنا مش عايزة أكون دكتورة ولا حاجة... هسحب ورقي وأرتاحكم مني.
قرب منها حسام بخطوة، مسك كتفها بحنان وقال وهو بيبصلها بثبات:
ـ بقولك... تتجوزيني يا ناهد
ناهد وقفت مش مستوعبة، الدموع في عينيها من القهر، ولسه بتكمل كلامها وهي مش واخدة بالها من كلمته. لكن حسام أعادها مرة تانية، وصوته المرة دي كان أقوى وأوضح:
ـ بقولك تتجوزيني؟ لو وافقتي... مفيش حد هيقربلك ولا هينقلك من الجامعة
