رواية غزالة فى صحراء الذئاب
الفصـل الثامن والاربعون 48 والاخير
بقلم رحمه سيد
بـدت له الصدمة التاليـة أقرب ما يمكـن من تلك الزاويـة، دقاتـه تتـرقب مفاجأة أخرى صادمـة تجعلها تضطرب كعادتـه، وعقـله يثبـت خيوطًا من الثبـات حول دورة تلك الدقـات، فتثبتها ولو قليلاً ..
و راح يحـث الطبيـب على الإسـراع في النطق، فمـا عاد يتحمل ذاك التلاعـب الذي مـزق أوتـار روحه حرفيًا :
-قول يا دكتور مالها أمي ؟ حصل لها إية يا دكتور ؟؟
تنهـد الطبيب بقـوة هادئـة، قبل أن يـُهدئـه :
-أهدى يا أستاذ مالك عشان تفهمـني
هنـا لم تتحمـل زينـة التي أكلهـا التوتر وأنتهـى، فـ صاحـت فيه شبه منفعلة :
-لو سمحت يا دكتور تقولنا اللي حصل ومن غير مقدمـات
إهتيـاج نفسـي وتـوتـر ... مقدمـات تسـد خانـة الصدمـة مؤقتًا، وتنسحـب رويدًا رويدًا لتتـرك سيل الصدمات يخرج من بين شفتـا هذا الطبيب على هيئة حروف مسمومـة :
-والدتـك حالتها النفسية أزدادت سوءً من ساعة ما جت هنا، مابقتش بتتكلم مع حد، أو حتى بترد على حد، أحيانًا بس بتهذي في الكـلام زي " انت كداب .. ربنا ينتقم منك.. مش هتأذي ولادي " وما شبه ذلك
صمـت برهه يستشـف الصدمـة التي كانـت مرسومـة على وجه مالك !!!
امـا زينـة فكـانت الصدمة تدغدغ أعماقهـا، ولكن ليس بنفس تأثيرهـا على مالك ..
هي الصدمة أصبحت جزءً منها في أغلب الحالات !!
حتى أصبحت اوتـارهـا لا تجـدي أنغامًا متوقعـة عليها مرة اخرى ... بل تصـدر أصواتًا مكتومـة !
أستفـاقت من صدمـتها على صـوت " مالك " الواهـن وهو يستأذن الطبيب :
-طب أنا ممكن أشوفها عادي، صح ؟
اومـأ الطبيب مؤكدًا في بعضًا من الحمـاس وهو يشرح له :
-أيوة، وكمان أنا متوقـع إن ده هيجي بنتيجة إيجابية عليها جدًا
اومـأت زيـنة مؤيـدة :
-طيب كويس جدًا، يلا نشوفهـا بقـا
نهضـوا جميعًا متجهيـن لتلك الغرفـة التي لطالما كـانت سجنًا لـتلك المسكينـة ...
حتى وصلـوا فـ دلف الطبيب اولاً، مشيرًا لهم أن ينتظروا قليلاً ..
دلـف ليجـدها كعادتهـا تجلس أمام تلك الشـرفة، عينـاها السـوداء تائهـه بين ملكـوت العالم الخارجـي الأسـود .. تائهه بين شبـاك ظلمـاته التي زجتها نحو حبسًا إجباريًا كهـذا !!!
وما يهـون عليها هو تلك الذكريـات القليلة التي تحـوم بين طيـات ذاكرتهـا،
ضجـة وأصواتًا عاليـة تُعشش بين جحورهـا لتذكرهـا بما مضى ...
الماضـي الذي كلمـا تذكرتـه وبخاصةً الأيـام التي كانت بينهم كنسمـات الهواء الضائعـة !!!
تجعل ضجيج الألم يعـاود التشقق بين روحهـا المُنكسـرة حرفيًا ..
بقيـت تنظـر للطبيب باستخفاف وكأنها تخبـره بنظراتها أن يتراحع عما أتى له، أن يُسلم لواقـع أنها اصبحت مثلها مثل الجماد .. ذات مشاعر محترقـة !!
تقـدم اكثر منها ثم جلس لجوارهـا يُنظم تلك الكلمات التي من المفنرض ان تخترق عزلتها المميتة ..
ليبـدء كلماته بقولـه الهادئ :
-ازيـك يا مدام رشا ؟ عاملة اية دلوقتي ؟
نـال منها نظـرة ساخطة، ألا يـرى حالها ؟! ألا يرى الإنكسار ينحدر على ملامحها التي كانت ذات يوم مشرقـة ..
ربما بل بالتأكيد يرى نتائـج خطط "شيطان الأنـس " الخبيثة على ذبـلان روحها التي كانت ذات يوم مرحة !!!
بينما تابـع هو حديثه الذي بدأ ينحدر نحو الجدية :
-أنا جاي اقول لحضرتك حاجة يمكن تفرحك .. جدًا
وأخيرًا تبدلت نظراتها للاهتمام ولو قليلاً .. فتشجـع هو وهو يشعر بها تفتح له باب مستنقعها المظلم بنظرتها تلك ، وقال :
-ولاد حضرتك تقريبا اسمهم مالك و زينة .. جايين عشان يشوفوكِ
بالرغم من تهـلل أساريرها .. بالرغم من إنفراج تلك القسمات المتقلصة .. إلا أنها شعـرت بغصة مؤلمة تخص كرامتها .. الان فقط تذكروها ؟!
الان شعروا بعامود منزلهم الذي كاد ينكسر تمامًا من كثرة تحمله !!!
وهمسـت بشرود لم تعي أنها تحدثت :
-ياااه لسة فاكريني، كتر خيرهم والله
تغاضى عن اعتراضها، و راح يردف بنصـر لاخراجها عن حالة الصمت تلك التي كادت تقتلها حية :
-على فكرة هما مشتاقين لك جدًا وكانوا عاوزين يدخلوا لك بس انا قولت لهم استنوا ادخل افاجئها بنفسي
بقيت صامتـة تحت تأثير الصراع النفسي الذي تشعر به حاليًا ... فراشات السعادة تُهلل داخلها للقاء ولديها الحبيبن .. وذراعا شيطانها يجذبانها نحو حافة الغضب الحارق !!!
فنـادى الطبيب بصوته العالي :
-اتفضل خش يا استاذ مالك .. أنسة زينة
ودلفوا سويًا بهدوء تام يقوده الاشتياق لها .. وياللهول من صدمتهم التالية !!
وما أصعب من أن يروا والدتهم الحبيبة ذبلت حرفيًا !!!
خطوط من الهالات السوداء تحيط بوجهها الذي كان مشرق - مسبقًا - خطوط لوهلة شعر مالك أنها تعترف على جمال بوضعه لها !
أقترب منها مسرعًا يحتضنها بكل ذرة حنان تجرعها مسبقًا فبعث بها لها عن طريق لمساته الرقيقة ... وكادت دموعه تخون امره وتنجرف أسفل رمشيه فظل يهمس بخفوت مرددًا :
-وحشتيني اوي يا امي
ورغمًا عنها بكت !! سمحت لتلك الدموع الملتهبة أثر البُعد أن تأخذ منحناها على تقاسيم وجهها الذابلة فتعطيها مظهر اكثر شفقة !!
شدد من قبضتها على ظهره تخبـره بصوت واهن بشدة :
-وأنت أكتر يا حبيب امك .. وحشتني اووي يابني
وابتعد مالك بعد دقائق لتحتضنها زينة على الفور بلهفة حقيقية .. فيما ظلت الاخرى تردد :
-مش هاخليه يأذيكوا ابدا يا حبايبي
نظـر مالك للطبيب يسأله بجدية مناسبة :
- هاخدها البيت عادي .. صح يا دكتور ؟
اومـأ الطبيب ومن ثم اجابـه :
-اه مفيش مشكلة بس روح لدكتور القلب اللي كان متابعها عشان حالة القلب كانت متدهورة اخر فترة
اومـأ مالك بقلق يسألـه :
-هو فين ؟
اشـار له وقال :
-هتلاقيه في الطرقة دي الاوضة اللي ع الشمـال...
وبعد فتـرة انتهوا واستعدت رشا للرحيل بشعادة لم تفرض مقاليدها على حياتها البائسة منذ فترة ...سار معهم مالك وهو يتذكر كلام ذاك الطبيب الاخر :
-قلب والدتك كان ضعيف من الاساس والضغط النفسي ده اضعفه بزيادة ولو الضغط زاد ممكن تتعرض لسكتة قلبية بعيد الشر، فـ ياريت ماتتعرضش لأي ضغط ويستحسن لو اخدتوا الممرضة معاكم فترة لحد ما نطمن ع استقرار الحالة
وتلقائيًا احتل الحنق اجزاءه من والده الراحل .. واصبح فعليًا لا يدري أيدعو له ام عليه ؟!!!!
*****************
وصلت شمس الى منزلها السابق .. وتتلاطم امواج الذكريات داخلها، بجوار تلك المشاعر المختلطة .. الحـزن الهدوء والقلق من رد فعل لا تتوقعـه !!
"لكل فعل رد فعل" وبالطبـع لكل هجـر وابتعاد غاضب .. حنق لا يُوصف تجاهها !!
طرقـت باب المنزل بهدوء متردد .. حتى تلك اللحظة تخشى فـوران غضب والدتها فربمـا تحبسها معها !!؟
ربما تظل تضربها حتى تتسبب بمـوت طفلها التي لم يرى الدنيا بعد !!!
وساويس ووساويس من ذاك الشيطان يدعوها للفـرار .. يدُس المخاوف بعقلها كدعوة صريحة للتقدم نحو الهرب مرة اخرى !!
ولكنها تمسكت بكل طرفًا للثبـات وهي تزيد طرقاتها وبعد ثواني فتحت لها كريمة بوجه واجم سرعان ما تبدل للسعادة المُهللة التي توزعت على ملامحها فور وقوع نظراتها على أبنتها المهاجرة !!!
ولم تترد وهي تقترب لتحتضنها بكل ما لها من قوة .. تملأ رئتيها برائحتها الطيبة .. وتهمس بصورة هيستيرية :
-يااه يا شمس .. هونت عليكِ يا بنت بطني هونت عليكِ تبعدي عني ده كله ؟ هونت عليكِ متسأليش عني حتى !!
رمقتـها شمس بنظرة ذات معنى وهي تبادلها الهمس :
- وانا كنت هونت عليكِ يا امي تجوزيني لـ واحد زي يحيى ومن غير تردد حتى ؟!!! هونت عليكِ تقولي عني هايتجوزك يستر عليكِ ؟!!!! لية من امتى وانا جايبة لك العار ؟!!!!
بالطبع لم تـرد كريمة بل اطرقت رأسها خزيًا من فعلتها الشنيعة وتصرفاتها الغسر مقبولة بالمرة في قاموس اي ام !!
فقـالت بصوت اجش تخبرها بما توقعته شمس الى حدًا ما :
- أنا عرفت غلطي يا بنتي، بُعدك عن حضني كواني وعرفني الغلط اللي كنت برتكبه في حق نفسي قبل حقك
ظهرت شبح ابتسامة على وجههـا، لترد بنفس النبرة :
-وأنا عرفت قسوة رد فعلي يا امي
فاحتضنتها مرة اخرى وقد انهمرت دموعها كشلالات لن تهدئ !!
ثم اشارت لها قائلة بفتور :
-طب خشي يلا .. تعالي نفسي اتكلم معاكِ كتير اووي
وبالفعل دلفت شمس بابتسامة لم تزول.. سعادة حقيقية تتوغل خلاياها التي كانت بائسة مترددة قبل وصولها ،
سألتها والدتها بحنان :
- عاملة اية يا قلبي ؟ كنتِ عايشة ازاي ؟
اجابتها شمس دون تردد :
- كنت عايشة مع جوزي يا ماما .. مع مالك
سألتها ببعضًا من التعجب :
-انتِ كنتِ متجوزاه فعلًا ؟؟
اومـأت شمس مؤكدة، وعشق مالك الوردي يتردد بين طيات قلبها قبل عقلها، لتتابـع بعدها :
-اه .. مالك شخصية جميلة اووي يا امي، انا متأكدة انك لما تقعدي معاه هاتحبيه زيي
لم تـدري ما اعترفت به للتـو .. لم تـدري أن قطرات عشقها الأبدي ظهرت بوضوح بين حروفها !!
فسألتها والدتها بذهول :
-إنتِ حبتيه يا شمس ؟ حبتيه بجد !!
إبتلعت ريقها بتوتر، ثم بدأت تشرح لها بخفوت مُحرج :
-الكمال لله وحده طبعا، بس مالك شخصية شبه متكاملة يا امي، حنين وراجل وبيحبني واتغير عشاني كمان، شال قسوته الخارجية وظهر معدنه الحقيقي، وكمان جه سبب تاني يخليني اتمسك بيه اكتر
سألتها هادئة :
-أنا آآ أنا .. حامـل
شهقـت والدتها مصدومة !! ولكن سرعان ما تحولت للفـرح الفطري في موقف كهذا .. إنفجرت ابتسامتها الهادئة لأخرى تعدت مراحل الفرح لسعادة غامرة !
فاحتضنتها بحنان مرددة بصوتها الهادئ :
-مبروووك يا حبيبتي الف الف مبروك
بادلتها شمس الحضن والسعادة ... ومـر الوقت وهم يتحدثوا بشتى الأمور .. كلاً منهم تطمأن على الاخرى بلهفة حقيقية وواضحة ...
وبعد ما يقرب من الثلاث ساعات تنحنحت شمس تستأذن والدتها بجدية :
-بعد اذنك يا ماما انا هامشي
أمسكت والدتها يدها بحركة تلقائية تسألها متوجسة :
-عايزة تبعدي عني تاني يا شمش
هـزت رأسها نفيًا :
-لا لا طبعا بس مالك زمانه رجع البيت وأنا جيت غصب عنه اصلًا
ضيقت والدتها عينيها في بعضًا من الضيق :
-لية هو مش عايزك تشوفيني ولا اية ؟
هـزت رأسها نفيًا مسرعة وراحت تبرر لها :
-لا طبعا ياامي بس هو مش على طبيعته بسبب موت والده، وحاجات كتير حصلت معانا اكيد هاحكيهالك لما نيجي انا وهو بكرة عشان ميزعلش من تأخيري
اومأت والدتها مستسلمة :
-ماشي .. ربنا ما يجيب بينكم زعل ابدا يا قلبي
بادلتها شمس الابتسامة ثم نهضت لتغادر على عقبيها، استعدادًا لدائرة الشجار التي ستنشب بينها وبين مالك بعد قليل !!! ..
***************
" وعندما يظل ما تريده يفـر هاربًا منك .. تظل أنت في نفس سبيبلك .. منتظرًا منه ان ينتهي فيأتيك هو " !!
فتحت" عبير " الباب صدفةً لتقـع عيناها على تلك خلود التي مازالت تجلس بنفس للمظهر الذي تركتها به .. شهقت مصدومة ولم تتخيل أن اصرارها يصل لاعتبـاب الجنون هكذا !!!!
بينما هبت "خلود" واقفة تستعيد رباطة جأشها قبل أن تهمس برقة منكسرة :
-ماما
بينما الاخرى ومن دون تردد أحتضنتها على الفور .. تحقق ما ظلت تتمناه بين قرارة نفسها، تحقق ما ظل مجؤد امنية عالقة بين شباك واقعها القاسى !!!
بينما الاخرى ظلت متشبثه بحنان الذي كان يزداد قطراته مع مرور ثواني اللين بينها وبين والدتها ..
فظلت تهتف باكيـة برجاء حار :
-سامحيني يا امي سامحيني بالله عليكِ بقاا
اشتمت "عبير" ريحق شعرها الفواح، لتقول دون تردد بحنان :
-مسمحاكِ يا روحي مسمحاكِ
عند تلك النقطة ازدادت شهقات خلود التي ظلت تشدد من احتضانها وهي تردد بهذيـان :
-ربنا يخليكِ ليا وميحرمنيش منك ابدا ياااارب
أخذتها والدتها نحو الداخل بهدوء ... جلستا سويًا ليخـرج "تامر" الذي يبدو انه استيقظ لتوه من نومتـه القصيرة !!
وسرعان ما همس ببلاهه :
-اية ده خلود هنا ؟!!!
اومـأت والدته باقتضاب .. هي مازالت تضع خطوطًا سوداء بينها وبينه، خطوطًا صنعها غضبها الحارق من خطأ ابنها الشنيع ..
بينما قال هو بشبه ابتسامة :
-حمدلله على سلامتك يا خوخه
ردت عليه الاخرى بجدية :
-شكؤا الله يسلمك
اقترب منهم .. ينظر لهم بخزي وحزن معًا، أصبح مُحرجًا منهم بدرجة كافبة أن تجعله لا يضع عيناه في مواجهة عيناهم ابدا !!
فهتف بصوته الاجش مستسمحًا اياهم :
-ارجوكم بلاش النظرات دي انا والله العظيم استويت، سامحيني يا امي زي ما سامحتيها، وانتِ يا اختي انا اسف من هنا لبكرة سامحيني
عضت خلود على شفتها السفلية، وما حدث منذ قليل .. جعلها ترد مجبرة بحبور :
-مسمحاك يا تامر ..مهما كان انت شقيقي
فيما تنهدت والدتهم بقوة، كلمة "امي " كسحرًا فطريًا تجبرها على مسامحتهم مهما كانت الاخطاء !!
فأومأت بحنو مرددة :
-تعالي يا حبيبي
ثم اشارت لهم لاحتضانها .. واحتضنت كلاهما بحنان وحب حقيقي ... لن يقطعه سوى تعكير انسحب من حياتهم منذ زمن !!!!
**************
وصلت "شمس" الى منزلها، تأخذ نفسًا قويًا تختزنه داخلها .. فلربما تنقطع أنفاسها حزنًا على ذاك الشيطان الذي دلف بين نسمات حياتهم السعيدة ليعكرها بخبثه !!
طرقت الباب وهي متأكدة أن مالك بالداخل والفضب يتهافت امامه وبين ضلوعه مع قلبه المحترق اثر فراق والده المحتوم !!
وبالفعل فتح لها والغضب فقط من كان بين سطور عيناه، جذبها من ذراعها يدخلها وهو يغلق الباب بقوة ...
وسرعان ما انفجر بوجهها يهتف في حنق :
-برضه عملتِ اللي فـ دماغك وروحتي !؟؟
اومأت شمس تجيبه بجدية مناسبة :
-ايوة، انت عارف اني كان لازم اروح لـ ماما
صـرخ بوجهها بنفاذ صبر :
-قولت لك اصبري، قولت لك لا لكن كلامي كله في الارض وبرضه بتمشي ورة عنادك وبتعملي اللي على مزاجك
إبتلعت ريقها بازدراء، لتردف بصوت خافت :
-طب ممكن تهدى شوية عشان نعرف نتكلم
الهدوء !!!!
وهل اصبح يعرف للهدوء معنًا بعد كل تلف الاعصاب هذا ؟!
هل مازال يوجد ولو ظلاً واحدًا للهدوء في حياته التي اصبحت المشاكب تتوغل كل جزءً منها !!!؟
يشعر كما لو انه يتحمل كل ماكان من المفترض ٱني يتحمله من فترة فتراكم فوق كتفيه !!
ولكنه لم يعد يحتمل فعليًا، انهارت سفينة ثباته المزيف التي حاول ان يبعثها لـ روحه الثائرة ...
ورغمًا عنه صرخ بوجهها منفعلاً بصوت عالي وحاد :
-متقوليليش اهدى.. انا هادي .. أنتِ اللي غبية وهاتفضلي طول عمرك كدا
ابتلعت تلك الاهانة على مضض، وما يشفع له هي حالته المرزية تلك،
فكزت على اسنانها تستطرد بهدوء حذر :
مالك .. آآ
ولكنه قاطعتها بزمجرته المزلزلة لكيانها :
-بلا مالك بلا زفت قرفتيني
هنا لم تعد تحتمل .. صراخه وصل اعماقها المتحجرة لتُختم اهانته عليها كأنثى شرقية !!
فبادلته ذاك الصراخ المجنون :
-لا بقا لهنا وكفاية، مش هاسكت لك ابدا
اقترب منها ببطئ مخيف، ليرد بعصبية محتقنة :
-مش هاتسكتِ هاتعملي اية يعني ؟! هه هتعملي اييية !!؟
رغمًا عنها ارتعشت اطرافها خوفًا، فهي مازالت تتذكر مالك القديم .. مُعذبها القاسي متحجر القلب !!!
ولكنها قالت :
-هاعمل كتير ..وابعد ماتقربش تاني
بالفعل كانت تتقزز من رائحتـه لسبب مجهول.. ولكنه بالطبع طفلهم الذي لم يولد بعد، تقلصت امعائها بألم فدفعته بقوة .. فيما دُهش هو وتطاير الغضب من بين جحوره ...
شرارات من الغيظ علقت بلهيب ألمه !!!
فأردف كازًا على اسنانه بحنق :
-مش طايقة قربي .. طب انا بقا هاوريكِ
ونظرته كانت لا توحي بالخير ابدا، وازداد شبح الخوف تكبرًا داخلها وهي تراه يخلع التيشرت الخاص به ونظرة تعرفها جيدا تُدس بألم بين طيات قلبها و... !!!
**************
يتبــع
غزالة في صحراء الذئـاب
الفصل التاسع والأربعون ( الخاتمة ج2 ) :
كـانت تـرتـجف امامـه، يظهـر وحش الماضـي مرة اخرى امامهـا على هيئة ذاك الحبيب، وكأنه يخبرهـا أنه مثل ظلها تمامًا !!! وسيظل هكذا دومًا ..
أختنـاق ... شعـور تمثل لها على هيئـة وشاحًا أسمه " لعبة القدر " يُطبق على صدرهـا بقوة فيمنـع تلك الدقـات التي ما زالت تهفـو بأسمـه من الصعـود !!!
بينمـا هو ... الغضـب كان ستـارًا من صنع ذاك الشيطـان الأهوج ..
يعميـه عن عشقـه .. عن روحـه .. عن من تربعت على عـرش قلبـه !!
أقتـرب منهـا مرة أخرى، ولأول مرة يصبـح أقترابه مؤلم .. حار .. به شيئً من الحساسية بينهم !
عـازل نفسي يـقف بينهم عازمًا عدم التصـدع إلا تحت خضـوع سيطرة النظـرات !!!
إلتـصق بها تمامًا، لم يكـن يقربها ليُعذبهـا، بل كان هو اكثر من يحتـاج القرب .. هو من يحتاج الأحتـواء وخاصةً في هذه اللحظات ...
تلك اللحظات التي مـرت عليه ولم يكاد يفقد محبوبته فقط، بل بالفعل فقـد نفسه المتحكمـة .. وقلبـه العاشق !
بـدأت دموعهـا في الإنهمـار .. تبكِ بحرقة، بين علاقتهم والدمـار نقطة فقط ..
نقطـة صغيرة تكاد تكون معدومة إن تخطاهـا فقد تخطى كل شيئ حلو !!!
وكان وجهه أمام وجههـا تمامًا، لا يـرى دموع ولا يرى همسات .. ولا يرى حتى رجائهـا، كل ما كان يعلق بعقله الصلب هي تلك الهموم المميتة ...
واخيرًا إستطاعـت هي تحريـك شفتيهـا التي كادت تتجمـد أثـر هجومـه، وبارتعاشـه همسـت :
-مالك .. وحيـاة أبننا ماتعملش كدة، مش بالغصب، بالله عليك مش بالغصب
جملتهـا تلك كانت كـ صفعة بالنسبة له .. صفعة أفاقتـه وإنتشلته من حالة اللاوعي التي كانت تتلبسـه !!
ظل يحدجهـا بنظـرات مصدومة .. مذبهلة، أهو من كان سيفعل ذلك بمحبوبتـه ؟!
هو سمـح للخوف أن يتوغلهـا بعدما كان وعده لها بالأمـان يرتكز في مقدمة علاقتهم ...
وبدلاً من أن يهجم عليها كما توقعـت، أحتضنهـا .. أحتضنها بقـوة وكأنـه يُذكرها بحنان الذي كاد يذهب أدراج الريـاح !!
ورغم ذلك تشبثت هي بـه وراحت تبكِ بحرقـة ..
وما أصعب بكاؤوها الذي كان يُمزقـه حرفيًا، ظل يـربت على ظهرها بنعومـة تناقض حالة الهيـاج التي كانت تحتـل أطرافـه، ويردد بإنفعال حاني :
-أنا أسف، أسف يا شمسي .. أسف سامحيني
ظـلت عالقـة بين شبـاك أحضانه التي إرتخـت، وبعد ثواني عاد لها ذاك التقزز المريـر.. فأبعدتـه برفـق وامعائها تزداد في التقـلص، فيما رمقها هو بنظرات ذات مغزى، ثم اردف :
-تاني ؟!
هـزت رأسهـا نفيًا، وبـررت مسرعة :
-والله غصب عني، معدتي وجعاني اوي وخصوصا لما تقـرب مني
شيئً ما من الألـم شـق منتصف صـدره من ذاك الأعتـراف المُهيـن له ..
ذاك الأعتراف الذي لم تكلف نفسها بأن تزيـن حروفـه ولو قليلاً !!
فكـاد يبتعـد، ولكن تحمالت على نفسـها وهي تقـترب منه مرة أخـرى، تقلصت أبتسامتها المصطنعة وهي تخبـره :
-صدقني مش بمزاجي، أكيد أبنك هو السـبب
بادلهـا الابتسامـة الحنونـة، وآآهٍ من ذلك الحنـان الذي يتدفق منها دون إنتهـاء !!
مازالت تخشـى حزنـه ؟!
مازالت تخشى عبسـه البسيـط وهي مُرغمة !!
وهو .. هو جعلهـا تعيش لحظـات تُعد تحت خانة - أسوء اللحظـات -
لحظـات مسروقـة من " النكد " الذي أفتقدوه منذ فتـرة ليست بقصيرة ..
أحتضنهـا مرة أخرى، وكأنه يثبت لشيطانه أنها معه وله .. للأبـد،
وظل يهمس تلقائيًا والآمـر قلبه هذه المرة :
-أسف يا شمسي، إنسي .. وسامحي زي ما بتعملي دايماً
اومـأت دون تـردد، ثم قـالت :
-يمكن اللي خلاني أسامح المرة دي هي الظروف اللي أنا متأكدة إنها هي اللي خلتك تعمل كدة
مـد يـده يتحـسس وجنتاهـا بعشق خالص، وكأنه يـسـأل يـده الخشنة التي تناقض بشرتها الرقيقة الناعمة .. من أي شيئ خُلقت تلك ؟!
فـ والله لولا خشيتـه من الله .. لكان زعم بأنها ملاكًا على الأرض !!
إستفـاق على صوتهـا المُحـرج نوعًا ما :
-طيب إلبس التيشرت يلا
أنتقـل لـ خبثـه مرة اخرى ولو لدقائق، دقائق ينتشلهـا من بين طيات تلك الهموم التي لم ولن تتركـه ..
فأصبـح يستطرد بخبث تعرفه هي جيدًا :
-وألبسه لية لما أنا ممكن أقلعه تاني ؟ هو انا فاضي ولا إية !؟
ضحكـت بنعومـة أذابتـه حرفيًا، هي تعشقـه .. تعشق خبثـه ذاك .. تعشق عبوسـه .. حتى غضبه الأهـوج تعشقـه ..
كل ذرة بها تتهاتف بأسمـه، مالك ... وبالفعل هو مالك، مالك قلبهـا الذي لم ولن يدخله غيـره .. ابدًا !!
فبادلها الابتسامـة قبل أن يـهتف :
-تؤ تؤ .. إنتِ كدة هاتزيدي من تهوري على فكرة، والله على ما اقول شهيد
إزدادت ضحكاتها الرنانـة التي صدحت بين أرجاء المنـزل، فأستندت على كتفـه تهمس بهيـام :
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي
وبغتةً .. فاجئهـا بحملـه لها، ظلت تهـز قدماها في الهواء وهي تعترض بخفوت مُدلل :
-لا لا لا ماتفقناش على كدة، سيبني يا مالك صدقني هارجـع من البرفان ده
هـز رأسه نافيًا والأصرار حليفـه :
-مليش دعوة، أنا حذرتك وإنتِ ماسمعتيش الكلام، وقد اعـذر من ذرذر
فتحت فاهها وكـادت تعتـرض ولكنـه وبحركة مباغتة إبتلـع حروفها بين شفتيـه، يلتهـم شفتاها باحتيـاج ..
وبعد ثواني كان يضعها على الفـراش برقة معهودة منه، نظر لوجههـا الخجول يملي عينيه منه، ويحفظ قسماتـه المرسومة بأبـداع، فرفـع ذقنها بيده يقول :
-اللي هايمنعني عنك بس الواد ده
ثم هبـط لبطنهـا يخبط عليها برقـة وهو يستطرد بسخطف :
-يلا يا حبيب بابا ماتطولش جوة عايزين نفكر في اللي بعدك أحنا ماعندناش وقت
فأنطلقت ضحكات شمس على عبثـه الذي أصبـح يُحلى حياتها، وأصبحت هي تتمنى ألا يـنتهي بمرور الأيام بموجاتها المتقلبـة .. ابدًا ...
***********
وصـلت " خلـود " إلى منزلهـا مرة اخـرى، لأول مرة بدأت تشعـر أن ذلك الجبل فوق كاهليها إنـزاح .. إنزاح وقد عفى عنها !!
تشعـر أنها حُـرة غير مُقيـدة بذاك القيد الذي يُدعى الأختنـاق !!!
نعم الأختنـاق بالبُعد ولو كان إجباري ..
إتجهـت الى غرفتهم على الفـور، لا ينقصهـا لقـاء ولا شعـور بالغيـرة ..
هي ترغب في الشعور بالكمال ولو لمرة في حياتهـا، مرة واحـدة تتمتـع براحـة البـال التي كانت دومًا بالنسبة لها طيفًا لا تستطيـع مسـه !!
وجـدت مراد مازال يغفـو بارتيـاح، قسمات وجهه رائقـة ليست مُعكـرة ..
ملامـحه أصبحت تنم عن الصفـاء النفسـي .. عن الأشـواك التي كانت تغـوص روحـه فلملمها على الفور واخيرًا ..
أقتربت منه تمسـد على شعره بحنان لم تتكلفـه.. وتزين وجههـا أبتسامـة صافيـة حانيـة لا تُقدر مقدار حبها له ولو لدرجة !!
شعـرت به يتململ في نومتـه، فكادت تبتعد إلا أنـه أمسك ذراعهـا يسحبهـا له برقـة ...
ليهمـس أمام شفتيهـا بحالمية :
-هتهربي فين بعد ما عملتِ جريمتك
شهقـت مصدومـة وقد إتسعت حدقتاها باصطنـاع بارع، ولكنها قررت مجاراته وهي تـرد بدلال يُذيبه دون جهدًا منها :
-إية ده جريمة أية ؟ أنا مأعرفش حاجة عن الجريمة دي يا باشـا
ضيـق عينيه السـوداء وهو يخبرها :
-إنتِ ازاي تتأمليني وأنا نايم كدة ؟ مراتي لو شافتك هتقطعك
إنطلقـت ضحكاتها الرنانـة في مـرح، فيما تابـع هو بتحذير خبيث :
-قومي يابت احنا كدة هنتمسك اداب يخربيتك
ثم سرعان ما قيد خصرهـا النحيف بذراعيـه المفتولتيـن .. كانا قيد حبـه وإفتتانـه بها !
ليستطـرد بعدها بنبرة مشاغبـة لم تهطل على أذنيها منذ فترة :
-وانا بصراحة معنديش مانـع
أبتعـدت عنـه و تلك الابتسامـة وكأنها حُفـرت على ثغرهـا بثمار عشقهم الأبدي، ثم رمقتـه بنظـرة ذات مغـزى بجوار قولهـا الهادئ :
-تؤ تؤ .. الأول هتعمل اللي مفروض يتعمـل
نالت منه أبتسامـة مؤيـدة على ما قالتـه، ثم نهـض مغمغمًا بتأكيد :
-شور يا بيبي، بس بعدها مش هتفلتي مني، العمر بيجري وعايز أفرح بعيل ليـا
رغمًا عنها شعـرت بالجفاف في حلقهـا عند تلك السيـرة ..
تعلم أنها لم تتزوج منذ فترة كبيرة، وتعلم أن الصبر مفتاح الفـرج ..
ولكن ما ذنبهـا إن كان قلبها يتـوق لتلك الكلمة - أمي - التي تُشبـع غزيرتها الحنونة !!!!
ما ذنبهـا إن كان القلق دائمًا يكن في ذيل حروف ذاك الموضوع تحديدًا ..
إنتشلها من شرودهـا صـوت مراد وهو يقول بخشونـة :
-روحي قولي لـ ليلى تجهـز نفسها، هنطلع على المأذون الأول
اومـأت موافقـة ومازال الشرود يفرد أزداله على عقلهـا، فنهضت متجهة للخارج تاركة اياه يغتسل ليبدل ملابسـه سريعاً ..
فيمـا تنحنحت هي قبل أن تبـدأ حديثهـا مع ليلى التي كانت تجلس بشـرود كعادتهـا، فهتفت بهدوء :
-ليلى .. بتعملي إية ؟
أجابتـها بأبتسامـة صفـراء :
-ولا حاجة، قاعدة زي كل يـوم
ضيقت " خلود " عينيها في خبـث، ثم سألتهـا بنبـرة ماكرة خالت على " ليلى " :
-اممم، بتتأملي صورة ... آآ
و حكـت رأسهـا بطرف إصبعها كعلامة على التفكير الوهمـي، ثم أكملت :
-أسمه حمدي تقريبًا مش كدة ؟
زحفـت الحمـرة كشبحًا يتلبس وجههـا الأبيض، فنظـرت أرضًا تـردد متلعثمة بحـرج :
-آآ هو آآ يعني عـ عشان صديق .. صديقي الوحيد وآآ وقريب مني بس
إتسعـت إبتسامـة " خلود " وفي قرارة نفسهـا أيقـنت أن " ليلى " تعشق حمـدي ليس تحبه فقط ..
" العشق والخجل " شعوران مترافقـان، إينما وُجد واحدًا منه وُجد الاخر مرافقًا له رحلة العشق تلك !!
عادت للواقـع تردف بصوت جـاد دال على جدية الأمر :
-طب قومي إلبسي بقا عشان هنروح مشوار كدة
سألتهـا دون تردد :
-مشوار إية ؟
تأففت بملل مصطنـع، و راحت تهتف مداعبة :
-مفاااجأة ياستي، قومي يلا مفيش وقت، وأنا هدخل برضه ألبس
اومـأت ليلى موافقـة على مـضض ..
لتنهض كلاً منهم لترتـدي ملابسها، إستعدادًا للقـادم !!
***********
-نورتـي المكـان يا ست البنـات
قالهـا " يحيى " لـ "زينة " التي إقتربت منه تجلس على الكرسي أمامـه تفصلهم منضدة صغيرة وقد إنفـرجت ابتسامتـه وبدأت دقاتـه تعـاود ذاك الاضطـراب مرة اخـرى ...
يشعـر بـكيانـه البـارد يُزلزل بمجرد رؤيتهـا، يشعـر بالشـوق المُمـيت يُجمد أطرافه مطالبًا إياه بالاقتـراب ...
صارخًا فيـه لم أعد أحتمل .. يأكله كالصدئ في الحديـد، يؤلمـه دليلاً على عدم تواجد ما يتأكل فيـه ..
إستـرد صحته ولكنـه يشعـر بمرض يُدعى الحب يُطرق بابـه ..
لا يعلم كيف ولا متى حدث .. وحتى لا يرغب في أن يعلـم، كل ما يهمـه هو أن وصل بداية أدرابـه فقط !!
فيمـا أبتسمـت زينـة بهـدوء، لم تكـن كالبقية صافيـة وسعادة .. بل مازالت بعض الشوائـب تُعيق سعادتها !!!
مازالت تشعـر بالرعب كلما تذكرت أنها لم تخبر أخيها، لم تطلب منه السمـاح ..
هي تـحبس نفسها بغرفتها بمجرد أن تشعر بذاك الألم يعاودها .. تدخل في صـراع معه بين الانصياع له او التمـرد عليه ...
أحيانًا تفـوز واحيانًا ينتهي الأمر بفقدان وعيها لتستيقظ تجده قد ذهب ادراج الرياح وكأن مهمته إنتهت !!!
تعلم أنها ستعاني قليلاً .. لا بل كثيرًا حتى تسلخـه نهائيًا من حياتهـا، ولكن ها هو المفتـرض ..
إستفاقت من شرودها على صـوت يحيى يقول مشاكسًا :
-سرحانة في إية يا قمري ؟
ظهرت ابتسامة صفراء على ثغرهـا قبل أن تنفي :
-لا ولا حاجـة
لفـت نظـره تلك الورقـة التي تكورها بين أصابعهـا، فلم يتردد وهو يسألها فضوليًا :
-إية الورقة اللي هتقطعيها دي ؟
إبتلعت ريقها بازدراء .. قد حـان الوقت، دقت ساعة الصراحة وإقتربت النهاية !!
نظـرت له بثبـات ظاهري تلجأ له في تلك الحالات، ثم تشدقت بــ :
-هو ده اللي كنت هأقولك عليه لما أنت إتصلت بيا وطلبت تشوفني عشان تعترف لي باللي انا وانت عرفينه
عقد ما بين حاجبيه في تساؤل متوجس :
-ده إية قلقتيني ؟ في إية يا زينة ؟
تنهـدت تنهيدة طويلة وقوية تحمل بين طياتها الكثير والكثير، ثم مدت له الورقـة يتلقى هو تلك الصدمة بنفسـه ..
وبالفعـل تجمـدت ملامحـه وهو يقـرأ تلك الورقـة، يدقق بتلك الحـروف علها تُظهر مبطنها الحقيقي ... ولكن بلا فائدة !!
نظـر له مبهوتًا في قوله :
-إية ده يا زينة ؟ معناه إية ده ؟؟؟
أجابتـه بكلمة واحـدة ولكنها كانـت كسيفًا قطـع كل احلامه الوردية :
-مُطلقة .. أنا مُطلقة يا يحيى
بقي هادئًا تمامًا بعكس ما توقعـت، يفكر ويفكر وهو يطـرد التسرع من بين أعماقـه، لأول مرة يحاول التقمص في شخصية العاقل الرزين المتحكم في أعصابه التي كادت تتلف ...
وبعد دقائق من الصمت قـال بجدية :
-ممكن أفهم إزاي ؟
اومـأت موافقة بنفس الجديـة ثم بدأت تشـرح له كل شيئ من البدايـة المُنهية .. حتى إنتهـو فمسحت تلك الدمعة التي فـرت هاربة من بين جفونهـا، ثم غمغمت بصوت يكاد يسمـع :
-دلوقتي القرار ليك، تعترف أو ماتعترفش، وأنا راضية بأي حاجة
أغمـض عينيه وراح يقـول في خفوت :
-زي ما إنتِ اعترفتي لي بالحقيقة، أنا كمان لازم اعترفلك بحاجة، وساعتها هنبقى متساويين
صمت برهه ثم بـدأ يقـص عليها كل شيئ، علاقتـه بـ شمس، وحبه الوهمي لها، إمتلاكـه المكروه لها !!!
واخيرًا محاولة الإنتقـام منها،
ضغط على جرحها الذي لم يُشفى بعد من دون قصد .. فلولا وقفة القدر هذه المرة لكانـت تحملت نتيجة أختيار اخيها مرة اخرى !!!!!
انتهـى لينظـر لها مثبتًا نظراته على عينيهـا في شيئ من الهُيـام، ليردد بثبـات جعل قلبها يُرفرف بأجنحة سعادتـه :
-وبرضه عايز أقولك إني بحبك .. بحبك وموافق بكل حاجة، وعايز أقابل أخوكِ واشكره لانه كان السبب اني اعرفك !!!
************
كـانت " ليلى " تسير بجـوار مراد وخلـود شاردة سعيدة ومُهللة .. انتهى كل شيئ وثبتت انها مازالت على قيد الحياة ..
الحريـة !!!!
كلمة قد ظنتهـا بعيدة جدًا عن مستوى الواقـع، ولكنهـا بيوم وليلة أصبحت هي الواقـع في حد ذاتـه ..
لقد نالت حريتها اخيرًا .. أصبحت حُـرة غير مُقيـدة برابط الزواج من شخصًا لا ترغبـه ؟!
ذاك الرابـط الذي كان يخنقها أكثر يومًا بعد يوم ..
كانـت تسيـر كـ عصفورًا حرروا أجنحتـه لتـوه !!! الابتسامة لم تزول من ثغرها ابدًا، بينما مراد و خلود يراقبانها بنفس الابتسامة الهادئـة ...
وبعد قليل وصلوا الى المكـان المقصود، دقـوا البـاب ليفتـح لهـم ... حمدي !!
العاشق الولهـان الذي ابتعـد عن معشوقته بما فيه الكفايـة ..
ومن دون مقدمـات احتضـن ليلى بسعادة غطت على كلاهمـا ..
فـ تنحنح مراد بجدية مصطنعة يقول :
-احم احم نحن هنا
ضحكت خلود، فيما ابتعدت ليلى مسرعة وقد طغت الحمرة الخجولة على وجههـا، فأشـار حمدي لهم أن يدلفـوا ..
جلسـوا جميعهـم، فسـارعت ليلى تسألهم :
-ازاي ؟ هربت منهم ؟
رد مراد بصوته الأجـش شارحًا وهو ينظر لخلود :
-في اليوم اللي كنت مع خلود فيه، كان حمدي هو اللي اتصل، بقولي انه هرب وحتى قبل ما الناس دي يتقبض عليهم، فـ أنا وصلته للشقة دي بتاعت واحد معرفـة، وفضل قاعد هنا مستخبي لحد ما عرفته انه اتقبض عليهم، فـ بقى عايش حياته طبيعي وبيشتغل كمان فـ مشروع كدة هنعمله انا وهو، اصلي قررت اني مش هرجع للشرطة تاني ابدا، لان البلد دي مش عايزة حد نضيف يبقى سلطة فيها
عـم الهـدوء بين الجميـع .. هدوء تاام يتنفسه الجميع بين نسمات الهواء كلاً منهم يُسعد بحياته التي اصبحت مُهندمة اخيرًا !!!
قطـع ذاك الصمـت صوت حمدي الذي قال بامتنان لـ مراد :
-أنا مش عارف أقولك اية ؟ بس ربنا يديك على قد نيتـك على كل اللي عملته معايـا
ابتسـم مراد، ومن دون مقدمات بدأ يقص عليه علاقتـه السابقـة بـ ليلى منذ ان عرفهـا ...
فختـم الحديـث بقولـه الهادئ :
-ده قدر .. وانا مأقدرش اعترض على رغبة ربنـا !
**********
تم الحكم على " سعـد " وكل معاونيـه بالمؤبـد مع العمل الشـاق ..
لقد كان الحكم هيـن جدًا نسبـة لقائمة اعمالهم الشيطانيـة !!!
ولكنـه حكمًا كان تقريبًا كـ فرصة لهم من الله ثم القدر ليحاولوا التمسـك بأطراف التوبة ولو قليلاً ...
......
اما زيـاد .. لقـد أطـل الظلام بحلكته المميتة على حياته التي اصبحت بائسة من دون زينـة، مرت تلك الفترة قبل أن بطلقها رسميًا والأمل ينبت بداخله يومًا بعد يوم يزداد أن تعود له زينة وتسامحه ..
ولكن الوقت أثبت له العكس تمامًا !!!
فاستسلم لرغبة قدرًا لا تقبل المعارضـة وطلقهـا رسميًا ...
بعدما عزم ان يكـرث حياته للعمل .. ولـ زياد نفسه فقط .. لا حب ولا عالم وردي سينال منه نظرة او إلتفاته مرة اخرى !!!!!
*************
وبعد مـرور ثماني شهـور ...
-يارب ياااا ربنا تكبر وتبقى قدنـا ..وتيجي تعيش وسطنـا ... وسط الحبايـب، تكبر وتروح المدرسة .. وتصاحب شلة كويسة .. وتشوف عيون أمك وأبوك .. فرحااانة بيـك ...
صـدح صـوت الأغنيـة المصريـة التي تصدح في " سبـوع المولود " تملئ الاجواء بالسعادة والفـرح ... معلنـة عن مرور أسبـوع على ولادة نبتـة العشق " مليكة مالك السُناري "
ابنتهـم الاولى وبالطبـع ليست الاخرى إن شاء الله .. والسعادة خير خـتام ...
الابتسامـة التعبير الوحيد الذي يتلبسه الجميـع ..
شمس تحمل مولودتها الحبيبة بجوار مالك الذي لم يغيرهم الزمن او يزيدهم سوى عشقًا وخاصةً بعد أن زادت " مليكة " عشقهم متانة !!
ودائـرة من حولها تُشكل ثنائيات من تعرفهـم ...
زينـة و يحيى الذين أتـوا من " شهـر العسل " لتوهم .. واخيرًا عرفت زينة معنًا حقيقيًا للسعـادة .. لازالت تشعر بالغصة المؤلمة في روحهـا كلما تذكرت موقف مالك منها عندما علم .. ضربها .. سبهـا .. ولكنه ختم ذلك باحتضانها، وبالطبـع السبب معلوم
' هو من كان سببًا بذلك .. بل هم جميـعًا !! .. تفكك أسرتهم من كان السبب الأساسي '
ولكن تختم فكرهـا بمقولة حازمة
" ولكنها راضية .... "
وعلى الجهـة الاخرى خلـود و مراد متشابكين الأيادي ينتظرا مولودهم الذي أتم شهره الثاني لتـوه ...
وقـد أيقن كلاً من مراد و مالك أن كلاً منهم أنتقم من نفس الشخص على طريقته بعد معرفتهم بالحقيقة !!
...
بجوارهم " ليلى " و " حمدي " عصافير الحب الصغيرة الذين يستعـدا للحبس في قفـص الزواج الأبـدي ....
والسعادة خير ختـام .. السعادة التي كانت خير خلفية لنهايـة حتمية !!!
"تمت بحمدالله "
