رواية رقم 17 الجزء الثاني
الفصل الاول 1
بقلم اسماعيل موسي
لم يكن الصباح مختلفًا،الشمس نفسها، الضوء نفسه،لكن الحياة داخل الشقة بدت كأنها شيء جديد لم يتعلم أحد التعامل معه، فبدر رجل يحمل سؤالًا لا يجرؤ على نطقة
استيقظ مبكرًا جدًا،لم يغمض عينيه فعلًا، بل كان يتقلّب فوق السرير مثل من ينتظر حكمًا لا يعرف كيف سيُعلن.
وجهه متورّم قليلًا من البكاء، وعضلات رقبته مشدودة كأن يده تقبض على الهواء طوال الليل، كان ينظر إلى راما، وهي تُحضّر حقيبة المدرسة، نظرات أب توقف الزمن داخله.
كل شيء فيها كان طبيعيًا،لكن صوته هو، داخله، لم يعد طبيعيًا،الجملة التي قالها الكيان —"راما ليست ابنتك… هي ابنتي،كانت تلتف حول قلبه مثل حبل بارد.
لم يصدقها لكنّه سمعها،وهناك فرق مرعب بين الأمرين.
لم يعد قادرًا على النظر لابنته دون أن يلمس رقبته لا إراديًا، كأنه يتحسس مكانًا ضربه فيه القدر.
كان يراقبها وهي تمشي وتضحك وتسأل، وتغلق باب غرفتها وتطلب منه مصروفًا.
وبين كل حركة وأخرى، عادت الجملة نفسها، مرارًا، كأغنية لئيمة لا يستطيع إيقافها،حتى حين تكلّمت معه:
"بابا؟ انت تعبان؟"
ظل ينظر إليها نصف ثانية أطول مما يجب.
ثم أجاب بابتسامة مصطنعة،"لا يا راما… بابا بس ما نامش كويس،لكن عينيه قالتا شيئًا آخر تمامًا.
كان يشعر أن علاقته بابنته — بحد ذاتها — أصبحت ساحة اختبار،وأن كل لحظة قادمة معه ستكون مشروطة بأن يتحقق،أو لا يتحقق ____ما قاله الكيان.
صفحة الكاتب على الفيس بوك باسم اسماعيل موسى تابعها ليصلك كل جديد
أما حنان فقد كانت جسد عاد ولكن روحه لم تلحق به بعد
حنان بعد الجلسة لم تعد حنان تمامًا،كانت تتكلم ببطء شديد.
وتتحرك كأنها تخاف أن يلمس الهواء جلدها،كانت تنصت أكثر مما تتحدث، كأن هناك ترددًا في صوت الأشياء من حولها.
وفي كل مرة تغمض فيها عينيها — ولو لرمشة سريعة — تشعر بشيء يقف على حدود الذاكرة.
لم تكن تتذكر شيئًا واضحًا، لكنها كانت تشعر أن شيئًا ما حدث بجسدها دون إذنها.
احساس شديد بالقذارة، الخوف، التعدّي،ليس جنسيًا.
بل إحساس أن روحًا أخرى كانت تشغل مساحة أكبر منها داخل جسد واحد.
كلما حاول بدر أن يحتضنها — كانت تتوقف نصف ثانية قبل أن تبادله الحضن.
وكأنها تتحقق أولًا:
هل هذا حضن آمن… أم يوجد ظل يشاهده؟
أصبحت تصحو ليلًا فجأة، تضع يدها على حلقها، كأنها تتأكد أنها تتنفس وحدها، ولا يوجد جسد غريب جوارها ولم تعد تحب الجلوس وحدها في أي غرفة، ولا تتحمل صوت حركة مفاجئة خلف ظهرها.
كانت تبحث عن الضوء، لكن بثمن كبير:
أصبحت تخاف الظلام لدرجة مبالغ فيها، حتى أن المصابيح كلها في الشقة بدأت تُترك مفتوحة ليلًا.
لكن لحظتها الأقسى لم تكن خوفًا،بل شعور بالخجل المرير كلما نظرت في عين بدر، كانت لا تعرف ماذا حدث، ولا تعرف ماذا قالته بصوته،ولا تعرف ماذا فعلت دون وعي.
وهذا الجهل — أكثر من كل شيء — كان يمزقها.
الطفلة التي رأت لحظة لا ينبغي لطفل أن يراها
راما لم تكن في الغرفة، لكنها كانت على باب الشقة، ورأت أمها ممسكة بسكين على رقبة أبيها،ورأت الشيخ يدخل بعنف.
وسمعت الصراخ.
ورأت ظلًا يتحرك عبر باب غرفتها رغم أنها أغلقته.
هذه الأشياء لا يمكنها نسيانها
في الصباح التالي، كانت صامتة بصورة غير معتادة
لعبتها المفضلة تركتها على الأرض،لم تفتح التلفاز،ولم تطلب فطارها المعتاد،اقتربت من بدر قائلة بصوت منخفض:
"بابا… ماما اتوجعت؟ حد ضايقها؟"هنا… انهار شيء صغير داخل الأب اسماعيل موسى
راح يربّت على كتفها وهو يقول مبتسمًا:
"لا يا حبيبتي… ماما بس كانت تعبانة شوية."
لكن راما كانت أذكى من أن تصدق،عندما نظرت نحو غرفة أمها، رأت الستائر تتحرك من الهواء الذي لم يكن يتحرك أصلًا.
عقل الطفل لا يملك تفسيرًا، لكنه يملك خيالًا… وهذا أخطر.
بدأت تخاف النوم وحدهاتوقظ بدر مرتين كل ليلة لتسأله:
"هو اللي كان في أوضة ماما… راح خلاص؟"
وكان بدر يجيب بثبات:"راح… مش هييجي تاني."
لكن صدره كان يقول شيئًا آخرأشد قسوة وأشد صدقًا:
وماذا لو عاد؟
وماذا لو لم تكن راما… ابنته؟
&&&_
والشقة في تلك الليلة لم تتعافَ بسرعة.
الجدران تحمل صدى الحركة التي لم يستطع بدر تفسيرها.
المصباح المكسور لم يجرؤ أحد على استبداله في اليوم التالي.
والستائر كانت تُغلق وحدها من وقت لآخر وكأن الهواء داخل المكان لم يتعلم القانون البشري بعد.
حتى صوت المطبخ — ارتطام ملعقة، سقوط كوب، باب دولاب يتحرك — كان يُشعر بدر أن هناك شيئًا لم يرحل بالكامل،كأن الشقة نفسها أصبحت مثل صدر بدر:
سكتت ظاهريًا…
لكنها تخفي أنينًا لا يسمعه إلا من عاش الليلة
الشيخ صقر قال مش لازم تغير الشقة، الكيان الشرير رحل ومش هيرجع تانى، وان الكيان لما يرتبط بشخص مش صعب عليه يعثر علية فى اى مكان، اما لو كان تغير الشقة هيساعد مراتك تستعيد ثقتها ونفسيتها تتحسن مفيش مانع ،انا كمان بعد الأحداث إلى مرت بيا كنت محتاج اغير الشقة، الذكريات السيئه بتلاحقنى فى كل ركن ومكان، ورغم ان حنان مراتى مطلبتش منى نسيب الشقة إلى انى كنت بشوف فى عنيها رغبه بالهرب من الشقه.
بعد الحادثه بيومين كلمت الشيخ صقر اكتر من مره ومردش علية، كنت عايز اعرفه انى قررت انقل من الشقه لشقة تانيه
بس للأسف مفيش اى رد.
السمسار إلى كلمته عرضلى اكتر من شقه، اخدت حنان وراما بنتى اتفرجنا عليهم، حنان مكنتش مهتمه بنوعية الشقه اكتر من هروبها من شقتنا القديمة لدرجة انها وافقت على كل الشقق إلى اتفرجنا عليها.
راما وافقت على شقه كانت مسكونه قبلنا لأنه لقيت فيها غرفة اطفال واسعه وجميله والوانها عجبتها ،وفى النهاية اخترتنا الشقه إلى عجبت راما ونقلنا فيها كل الحجات بتاعتنا
بس حنان قررت انها تتخلص من كل ملابسها الداخليه، سبتها هناك وطلبت منى احرقها.
الشيخ صقر غادر الشقة بخطوات متثاقلة، ليس لأنه متعب جسديًا، لكن لأن ذاكرةً ثقيلة تجلس على كتفه.
المشي في الشارع لم يعيد ترتيب المشاعر، أضواء المحلات، صوت موتوسيكل توصيل ، شخطة كعب حذاء على رصيف رطب كلها أمور عادية تبدو له الآن كمنظر خلفي لشيءٍ أكبر كان يلمس عمامته بيده بين الحين والآخر كفعل اعتاد عليه — ليس ليتأكد من وضعها، بل ليفحص وجوده في جسد يتعب من الذكرى.
المشاهد التي تعصف بعقله لا تأتي دفعة واحدة؛ تأتي كسلسلة نقاط صغيرة تربط بينها لقطات،صوت الباب يُطرق في الشقة أُعيد إليه بصورةٍ تشبه نغمة قديمة،رائحة البخور الخفيف في الممر أرجعته إلى غرفة صغيرة في معهدٍ قديم؛ طاقة المكان مختلفة، أكثر احتقانًا لكنها واقعية جدًا: خشب مُبلى، صفائح ورقية عليها آيات مكتوبة باليد، ومروحة سقف لا تعمل جيدًا، هذه التفاصيل تعطي ذاكرته ثقة أنها ليست هلوسة — كانت حدثًا واقعياً حدث بالفعل.
في رأسه تترتب الأحداث كما لو أنه يقرأ دفتر ملاحظات قديم. الشيخ ناصر، الرجل الأكبر، كان عمليًا ومتحفظًا، لا يحب الخرافة،عرفه صقر كرجل درس الأصول والطبائع، متعمق في نصوص لا يشاركها إلا القليلين.
لم يكن ناصر مهووسًا بالغرائب، لكنه كان يدرك الحدود: ما يُذكر في الكتب ليس كله قابلًا للتطبيق، وبعض الأشياء تحتاج طرقًا احترازية خاصة.
الختم الذي ظهر في ذاك الدفتر القديم — كما يتذكره صقر الآن — ليس قطعة موسيقية من قصص الأطفال،كان ختمًا معدنيًا صغيرًا، حجمه لا يتجاوز راحة اليد، لكنه مُصنّعًا من مادة أثقل من الفولاذ، سُمكه يعطي إحساسًا ببرودة ممتدة، نقشٌ فوقه يشبه عينًا مُغلقة جزئيًا وحلقات دقيقة حولها،كان موجودًا داخل صندوق خشبي مطعّم، ملفوف بقطعة قماش داكنة، وموضعًا على منضدة صغيرة في زاوية الغرفة.
الشرح الذي سمعه من ناصر كان مباشراً: الختم تقنية قديمة — رمز عملي أكثر من كونه نصًا — وُضِع ليحدّ من تداخل كائنات من طبقات «ما بين» مع العالم البشري. ناصر لم يصفه بأسطورة، بل كأداة: لها شروط، حدود، وسلطة تعمل إذا احُترمت آلياتها. وأضاف بصوت منخفض أن أي تلاعب طائش بالختم قد يُخلّ بتوازن ضبطه: إذا لُمِس بلا بروتوكول أو نُقل إلى مكان غير محمي، فهناك احتمال لانحراف آثاره،هذا كلام تقني أكثر من كونه وعظًا — تحذير مهني.
كيف وقع صقر في ذلك؟ الحكاية لم تكن لحظة بطولية أو خيانة، لكنها لحظة بشرية: شابٌ يريد أن يفعل شيئًا جيدًا.
كانت الضغوط بسيطة — خوف من أن يترك الناس دون حماية، ثقة في قدرة المُعلم، وفضول عملي لمعرفة آلية الختم. في وقفة ضعف، مدَّ صقر إصبعه فقط على حافة المعدن ليتأمل برودته—لمسة قصيرة لم يقصد بها إلا الفحص، لكنه يكفي لبدء سلسلة من تداعيات لاحقة. ناصر صاح فورًا — ليس بتهويلٍ بل بخبرة صارمة — وأمره بسحب يده؛ لكنه كان قد لمس وأحسّ بشيء ينزلق داخله: إحساس بخفة، واهتزازٍ قادم من المعدن، ثم صدى ضحكةٍ قصيرة لم تكن من هنا.
عند وصوله إلى مسكنه، كانت ذاكرته لا تعني له مجرد صورة قديمة، بل خريطة تبين نقاط ضعف عملية: أين وُضع الختم، من عرف بموقعه، وأين فشلوا في بناء طبقات حماية كافية حول استخدامه. المشي في الشارع والتحرك إلى الشقة لم يطفئا الأسئلة، بل جعلها أوضح: كان يشعر بالمسؤولية، وبحاجة إلى مراجعة تقنية — ليست لتبرير الخطيئة، بل لمعرفة ما الذي يجب عمله عمليًا كي لا يتكرر.
وقف أمام باب منزله، وضع يده على المقبض لفترة أطول من المعتاد، ثم دخل. عمق الرتابة في الداخل — الأثاث، الأصوات المنزلية الاعتيادية، رائحة القهوة — وضع حاجزًا عمليًا بينه وبين الذكرى. لكنه يعرف أن الحاجز هش: الختم لم يكن شيئًا يمكن دفنه بالكلام. كان جزءًا من تاريخهم المهني، ومن خطأه الخاص.
قصد الشيخ صقر غرفته الداخليه حيث يوجد صندوق خشبى صغير قديم نقشت عليه آيات قرأنيه للحمايه
تنهد ثم فتح الصندوق، لفافة القماش الخضراء ظهرت
امامه ،عندما فتحها، لم يجد ال
