الفصل الثالث 3 والاخير
بقلم محمود الأمين
_ لقينا عطية مقتول، كان مشنوق في السقف.
= حضرتك بتقول إيه؟.. عطية اتقتل؟
_ آه، إحنا هنبدأ نستهبل بقى؟ آه، عطية اتقتل وإنت المتهم الرئيسي في قتله.
= لا يا باشا، قتل إيه؟ أنا ما قتلتش حد!.. وربنا أنا ما جيت جنبه.. أنا طلعت من المشرحة بعد ما شوفت الجثة ورحت على طول عشان أبلغ.
_ ما أنا نسيت أقولك، إحنا لقينا على الأرض تليفون عطية، ولما فتحته ودورت فيه لقيت فيه رسالة منك على الواتساب بتهدد فيها عطية بالقتل، وده دليل إدانة واضح.
= كان مجرد كلام في لحظة عصبية والله، أنا لما شوفت الجثة كنت هتجنن، عشان أنا شوفت الراجل كان داخل قدامي من باب المشرحة وكان سليم، فلما لقيت جثته في التلاجة استغربت وقلت أكيد عطية هو اللي قتله عشان هو كان بيتخانق معاه.
_ استنتاج جميل، وبعد كده هددت عطية بالقتل وروّحتله على البيت وخلصت عليه، وعملت التمثيلية التافهة دي عشان توهّمنا إنك مصدوم في قتله.
= والله يا فندم اللي إنت بتقوله ده غلط، أنا ما قتلتش حد.
_ هيبان، إحنا هنعمل التحريات بتاعتنا وهنحقق وهنشوف هل إنت مظلوم ولا لأ.. لكن دلوقتي مضطر للأسف أدخلك الحجز.
****
كنت جاي عشان أبلغ على اللي شوفته، لقيت نفسي لابس جريمة قتل ما عملتهاش، ومش عارف أعمل إيه عشان يصدقني.. فضلت قاعد في الحجز لحد ما لقيت العسكري داخل عليا واتكلم وقال:
تعالى، سيادة المقدم عاوزك.
قومت واتحركت معاه على مكتب المقدم، وأول ما وصلت لقيت بابا قدامي كان قاعد على الكرسي، جريت عليه وحضنته وأنا بعيّط، وقلتله:
_ أنا ما قتلتش حد يا بابا، إنت أكيد عارف إني مظلوم، عارف إني ما أقدرش أعمل كده.
= أكيد يبني، بس الظابط بيقول إنه فيه أدلة كتير اوي ضدك، بس ما تقلقش، أنا هجيبلك محامي كويس إن شاء الله يطلعك منها.
_ إن شاء الله يا بابا، بس أنا خايف ألبس الجريمة دي، وأنا والله ما قتلت حد.
= ما تقلقش، خير بإذن الله.
...
مشي بابا ورجعت الحجز من تاني، دماغي مشلولة كنت مش عارف افكر، لكن أنا متأكد إن الدكتور عمر ليه علاقة بالموضوع ده.
في اليوم ده نمت وأنا مش حاسس بنفسي، وصحيت الصبح لقيت المقدم عاوزني من تاني، وقفت قدامه واتكلم وقال:
_ ها يا نوح، لسه مصمم على أقوالك؟
= والله يا فندم ما قتلته، هي المشرحة دي بيحصل فيها بس حاجات غريبة، وأنا أعصابي تعبانة.
_ حاجات غريبة إزاي يعني؟
= يعني مثلًا يا فندم، أنا سمعت حوار داير بين اتنين مش موجودين أصلًا، وكان فيه سكينة غرقانة دم على الأرض.
_ أنا مش فاهم منك حاجة.
= أنا نفسي ما كنتش فاهم يا فندم، لحد ما بابا قالي إن فيه واحد كان زمان شغال في المشرحة اسمه عبد العاطي ومات على إيد واحد كان عايز جثة أبوه من غير ما تتشرح، وطبعًا عبد العاطي رفض فالراجل ده قتله.
_ استنى استنى.. الشخص اللي إنت بتتكلم عليه ده اسمه عبد العاطي إيه؟
= ما أعرفش والله يا فندم، بس والدي يعرفه.
*****
لما سمعت الاسم اللي قاله، لساني اتشل، عشان عبد العاطي اللي بيحكي عليه نوح ده مختفي من زمان، وأهله جم وعملوا محضر تغيّب، لكن هو كان اختفى وماحدش عرف راح فين.
استدعيت والد نوح عشان أسأله عن صحة كلام ابنه، لكن الغريبة إن الراجل أنكر إنه قال كده لابنه، وقال إن كل اللي يعرفه عن عبد العاطي إنه اختفى مرة واحدة وماحدش عارف راح فين.
نوح لما عرف إن أبوه أنكر كلامه كان هيتجنن.. وطلب إنه يتواجه بيه، لكن أبوه رفض.
للأسف أبوه لبّسه، وبالنسبالي نوح هو اللي قتل عطية، وبيحاول يقول أي كلام عشان يهرب من التهمة.
عملت التحريات وبدأنا نشوف إذا كان فيه كاميرات قريبة من بيت عطية، وفعلا لقينا كاميرات في كذا مكان بدأنا نفرغها، والمفاجأة إن الشخص الوحيد اللي زار عطية في نفس يوم الجريمة هو الدكتور عمر.. دكتور التشريح.
وفي نفس الوقت وصل تقرير الطب الشرعي اللي بالمناسبة كان الدكتور عمر هو المشرف عليه، وكان مكتوب فيه إن عطية انتحر.
طبعًا التقرير مع تفريغ الكاميرات كان مضحك جدًا بالنسبالي، وعشان كده استدعينا الدكتور عمر.
_ حضرتك اللي كاتب التقرير ده؟
= أيوه أنا.
_ طيب معلش يعني.. عطية ده شغال معاك من زمان، إيه اللي يخليه ينتحر؟ يعني ممكن يكون كان تعبان أو مكتئب الفترة اللي فاتت مثلًا؟ كان مش مركز في الشغل؟
= لا خالص، الراجل كان بيشوف شغله على أكمل وجه، وأنا علاقتي بأي حد شغال في المشرحة شغل وبس.. شغال بقاله يوم شغال بقاله سنة، العلاقة شغل وبس.
_ تمام.. معنى كلامك إن العلاقة ما بينكم بتكون داخل المشرحة وبس؟
= أكيد يا فندم.
_ طيب ممكن تبص على الشاشة دي كده وتفهمني ده إيه؟
...
الدكتور عمر بص على الشاشة وبدأت ملامحه تتغير، بص في الأرض وحس إنه خلاص وقع، والكلام اللي بيقوله عكس الحقيقة.
فاتكلمت أنا:
_ ممكن تفسير؟
= أنا عرفت إنه تعبان، وروّحت عشان أطمن عليه.
_ هو مش العلاقة شغل وبس يا دكتور؟ ده غير كده إن مافيش غيرك اللي دخل عنده يوم الجريمة.. يعني حضرتك دلوقتي المتهم الرئيسي والوحيد في الجريمة، ومن الأفضل تعترف بدل اللف والدوران ده.
= حضرتك عندك حق.. بس عطية هو السبب، هو اللي خلاني أعمل فيه كده. أيوه أنا اللي قتلت عطية، بس قتلته عشان كان هيفضحني.
لما الراجل جه عشان ياخد جثة أبوه ومش عايزها تتشرح، وقتها اتخانق مع عطية، وأنا كنت وقتها جوه التلاجة وخرجت على الصوت. ولما عرفت الحوار، رفضت عشان أنا كنت شرّحت الجثة فعلًا، وخدت منها اللي أنا عاوزه.
_ لا معلش.. يعني إيه خدت منها اللي إنت عاوزه؟
= أي جثة بتيجي عندنا، أنا باخد منها أعضاء وببيعها لناس من بره البلد. وطبعا لو الولد ده عرف اللي حصل في أبوه كانت هتبقى كارثة، وعشان كده أخدت الولد معايا التلاجة جوه وقتلته. وعطية دخل عليا لقاني بخنقه، كان متنّح ومش مصدق، بس قبل ما يعمل أي حاجة كان السر الإلهي طلِع والولد مات.
...
بعد ما خلص كلامه، أمرت بحبسه أربع أيام على ذمة التحقيق، وخرجت نوح اللي طلع فعلا بريء وما عملش أي حاجة. ومشي نوح من القسم.
*****
ظهر الحق والحمد لله، وعرفت اعتراف الدكتور عمر. ما كنتش متفاجئ عشان أنا عارف إن الراجل ده كان ماشي مشي بطّال، بس اللي كان هيجنني هو كلام بابا.
وعشان كده أول ما رجعت البيت، أمي جريت عليا وحضنتني، بس أنا كنت ساكت، بصّيت على بابا وقبل ما يتكلم قلتله:
_ ليه يا بابا؟.. ليه أنكرت قدام الظابط؟
= ما كانش ينفع أتكلم يبني، ده موضوع عدى عليه سنين كتير.
_ وإيه المشكلة؟ وبعدين حضرتك بتقول إن عبد العاطي ده اتقتل، بس الظابط بيقول إنه مختفي.. فبعد إذنك أنا عايز أفهم دلوقتي.
= وهيفيد بإيه؟ لما تفهم يعني هتستفيد إيه؟
_ عندي فضول أعرف.. هو اختفى ولا اتقتل؟ ومين اللي قتله؟ الدكتور عمر ولا مين بالظبط؟ رد عليا يا بابا.. إنت ساكت ليه؟ أنا مش همشي غير لما أفهم.. رد عليا يا بابا أرجوك.
= خلاص.. أنا اللي قتلت عبد العاطي.. ارتحت؟
...
كنت مصدوم من اللي قاله، بلعت ريقي بالعافية وحسيت إني بحلم، لكنه كمل كلامه:
_ الظروف كانت صعبة، تعليمك من ناحية والبيت من ناحية تانية، مصاريف كتير فوق دماغي وما كنتش عارف أتصرف فيها إزاي. ومرتب المشرحة ما كانش مِاكلنا عيش حاف.
في الوقت ده، الدكتور عمر عرض عليا إني أساعده في موضوع الأعضاء البشرية مقابل مبالغ كبيرة. في الأول كنت خايف ورفضت، بس لما عرفت أنا هاخد كام وافقت، كان مبلغ مش قليل هقدر بيه أصرّف عليك وعلى والدتك.
وبدأنا فعلًا ننفذ العمليات، ومع كل مرة كان بيطلعلي فلوس كتير، لحد ما في يوم عبد العاطي اللي كان ماسك وردية النهار رجع المشرحة عشان نسي حاجة. ولما دخل وشاف المنظر كان مصدوم. بدأ يزعق ويعلي صوته، وكان هيفضحنا وهددنا إنه هيبلغ عنّا.
ما حسيتش بنفسي يومها غير وأنا ماسك آلة حادة شبه السكينة بنستخدمها في التشريح وبضربه في بطنه. وقع على الأرض وطلعت روحه قدام عيني ومات. خبّينا جثته تمامًا، والدكتور بوّظ الكاميرا اللي بره ومسح كل التسجيلات اللي تخص عبد العاطي وهو داخل المشرحة. وبلغنا أهله إنه ما جاش الشغل.
ولما ما رجعش، عملوا محضر تغيب، وفي نظر الحكومة هو مختفي بس.
...
خلص كلامه ولقيت الدموع نازلة من عيني زي الشلال، انفجرت فيه:
= معقول؟ معقول إنت أبويا اللي كنت بفتخر بيه دايمًا وسط الناس؟ معقول إنت الراجل اللي رباني على الأخلاق والقيم؟ معقول إنت الراجل اللي كان دايمًا يطلب مني أخاف ربنا وماعملش أي حاجة حرام؟
إنت لا يمكن تكون أبويا.. إنت واحد ما عندوش قلب. حرّمت راجل من عيلته.. راجل مالهوش أي ذنب غير إنه شريف وماكانش راضي بالغلط.
أنا مش عارف أعمل إيه.. أبلّغ عنك وأبقى حبست أبويا؟ ولا أسيبك وضميري يأنبني؟
حتى الاختيار أنا مش قادر عليه.. يا أخي حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
...
سبت البيت وخرجت، ما كنتش عارف أنا رايح فين. أمي فضلت ترن عليا كتير بس كنت رافض أرد عليها.
فكرت أنتحر، فكرت أمشي وأسافر، بس دماغي كانت مشلولة ورافضة تفكر.
لحد ما لقيت رسالة من أمي على الواتساب بتبلغني إن أبويا مات. جريت على البيت بسرعة، كنت بدعي إنها تكون بتكذب عليا عشان أرجع البيت، لكن لما وصلت لقيت الناس متجمعة قدام بيتنا والكل عمال يقولي: شد حيلك.
دخلت الشقة، أخدته في حضني وفضلت أعيّط وأقوله: سامحني.. مهما كان ما كانش ينفع أكلمك كده. عمري ما هنسى اليوم ده.
وبما إن والدي توفى، حكيت للظابط اللي عرفته منه قبل ما يموت، ووعدني إن الدكتور عمر هياخد إعدام.
ورجعت عشت مع أمي، اشتغلت الشغلانة اللي قابلتني في وشي عشان أقدر أصرّف عليها.. وبس خلصت حكايتي.
تمت بحمد الله
