
وقف بابا يستقبل العريس وأهله بابتسامة:
- أهلًا أهلًا دكتور نبيل.
قالها بابا وهو بيسلم على الدكتور نبيل بحرارة، وماما بتسلم على والدة تامر، وبنظرة سريعة بصيت ناحية «تامر»، هو صحيح بيستفزني لكنه محترم.
طول القعده كان بيختلس النظر ليا، وكنت باصه في السماء لكن واخده بالي من النظرات الخاطفة دي...
مش عارفه ليه لما بسرح ببص لفوق، الناس بتبص قدامها أو تحت رجليها إنما أنا ببص لفوق وكأن الأفكار طايره وأنا بتفرج عليها!
ولما وصل الأكل، كنت محرجه وأنا باكل وبحاول مبصش ناحية «تامر»...
وبعد الأمل، بصيت لبابا لما قال:
- تحبوا تشربوا اي؟ قهوه؟ مانجا؟ ليمون؟
كلهم اتفقوا على قهوه.
والدة تامر سألتني أشرب اي؟ وفي نفس الوقت بابا سأل تامر، فنطقنا احنا الاتنين في نفس اللحظة:
- ليمون.
ارتبكت واتحرجت.
وبعد ما طلبوا المشروبات، قال الدكتور نبيل:
- تامر ابني خريج معهد فني صحي عنده ٢٥ سنه وبيدير المعمل بتاعي... تامر هادي ومنظم ومؤدب ومش عشان هو ابني... لكن والله هو فعلًا انسان مؤدب وأنا مربيه يشيل مسؤوليه من صغره.
وقالت والدة تامر بعد ما طبطبت على كتفه وعيونها بتشع حب وصدق:
- أنا ربيت ابني عشان لما يتجوز مراته تدعيلي.
وماما وبابا طبعًا مدحوا فيا كتير...
واتكلم العيلتين في كل حاجه، وكأني وافقت على «تامر» استنيت أنهم يسيبونا نقعد لوحدنا لكن محصلش كده.
وانتهت القعده من غير ما اتكلم أنا وتامر... اللي ما زال شخص غامض بالنسبالي ولا زال بيستفزني!
ومشينا على وعد باللقاء مره تانيه في بيتنا.
ــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد أيام في بيت جدتي
كنت قاعده معاها لكن سرحانه، في الأيام اللي فاتت كل حاجه اترتبت ومش عارفه ازاي، رغم إني لسه بفكر وموافقتش على تامر... وحاسه قلبي مش مرتاح، يمكن لأني بشوف فيه فراس وعصبيته وغباءه!
قالت جدتي:
- بقالك كم يوم مش بتروحي الشغل ولا بتخرجي من البيت؟
- ما هو... أنا قولت أفكر مع نفسي شويه من غير ما أخرج ويبقى تامر قدامي في الشغل؟
- بس الأفضل تروحي الشغل وتقييمه وتشوفي تصرفاته؟
- أنا محتاره والله يا تيته؟ وقلقانه! خطوه صعبه جدًا... شايفه ماما وبابا متحمسين لكن أنا جوايا خوف غير طبيعي.
- توكلي على الله يابنتي، أبوكي طالما معجب بيه وشايفه مناسب، غمضي وامشي وراه، بس صلي استخاره الأول.
قلت:
- هو تامر هيجي النهارده، أنا طلبت أقعد معاه مره كمان وربنا يسهل بقا.
سكتنا شويه وقالت جدتي:
- عايزه شوية نصايح؟
- ياريت يا تيته.
ابتسمت جدتي وميلت ناحيتي وهي بتقول:
- بصي يا قلب تيته، إحنا جايين الدنيا دي نعبد ربنا، وكل حاجه بنعملها طاعه لله يعني الدراسه والنوم والأكل والشرب والجواز، مع إننا محتاجين الحاجات دي بس لو عملناها طاعة لله هتبقى حياتنا كلها بناخد عليها ثواب... يعني قبل ما تعملي أي خطوة جددي نيتك واجعليها لله أولًا.
ابتسمت وكملت:
- أنا دايمًا أقول لأبوكي: أهم حاجة النية...
ولو مركبك في صحرا مافيهاش بحر ولا ميّة...
طالما أخلصت النيه فعندك قوة خفية... مهما طال الوقت هتشوف اللحظة الهنية... وحتى لو مافيش أمل، ولا خطوة واحدة مرضيه، اعرف إن... أهم حاجه النية.
ابتسمت وأنا بتأمل ملامح جدتي اللي الزمن مر عليها، وقلت بإعجاب:
- الله عليكي يا تيته وعلى كلامك الجميل! بس اديني نصايح للجواز نفسه.
تنفست جدتي بعمق وقالت:
- لازم تبقي عارفة إن الجواز مش فسحة، ولا نهاية الحكايه زي الأفلام...!الجواز محتاج صبر، ومودة، ورحمة... مش بس حب... الحب لوحده بيتعب لو ماكانش جنبه احترام وستر.
- يعني أوافق على واحد بيحترمني حتى لو مش بحبه؟
- مش قصدي كده... بس الحب اللي بييجي بالعشرة أصدق من الحب اللي بيولع في أول الطريق. الحب بيكبر لما تلاقي اللي قدامك بيخاف على زعلك، وبيقف جنبك في ضعفك، وبيسترك في غلطك.
وفي اللحظة دي دخلت فريدة والقت السلام، كان باين في عينيها الزعل، سألتها جدتي:
- إنتي متخانقه مع محمد يا بت ولا اي؟
هزت فريده رأسها إيجاب وبصتلي بنظرة سريعة وقالت:
- مبروك.
- الله يبارك فيكي.
قلتها وبصيت للأرض، فقالت جدتي وهي بتبص لفريدة:
- إنتي وهو شكل بعض بالظبط... كلكوا يا ولاد ولادي نفس الدماغ...
وبصتلي وكملت بابتسامة:
- ما عدا سلوى.
بصتلي «فريدة» بنظرة سريعة، ورجعت بصت لجدتي وقالت:
- خلاص كل واحد راح لحاله أنا مش مرتاحه... ومكنتش مرتاحه من الأول بس قولت أجرب.
سكتت جدتي شويه، وبصتلي وقالت:
- روحي إنتي جهزي نفسك عشان عريسك، وأنا هتكلم مع فريده شويه.
استأذنت وقمت وأنا جوايا حيرة كبيرة، أوافق على «تامر» وأجرب ولا هيحصلي زي فريده وأسيبه بعد فترة!
«فريده» و«محمد» فرحهم اتحدد بعد شهر! كانوا بيخرجوا ويدخلوا ماسكين ايد بعض، والفرحه في عنيهم... معقوله كل حاجه تنتهي فجأة كده؟!
وبمجرد ما فتحت باب الشقة عشان أخرج، لقيت «محمد» كان بيستعد عشان يرن الجرس، خرجت وسيبت الباب مفتوح، فناداني وقال:
- مبروك يا سلوى.
رديت عليه ومشيت، لكنه التفت حوالبه يتأكد إن مفيش حد ونادى عليا، فوقفت مكاني لكن من غير ما التفت…
قرب مني وقف قدامي، وقال بخفوت:
- فريده قالتلي إن كان عندك مشاعر ناحيتي!
قلبي دق جامد، لكن حاولت أثبت لساني وربنا ألهمني الرد:
- لأ، أنا عمر مشاعري ما اتحركت لحد.
- سلوى أنا نفسي تكوني إنتي زوجتي... لو رفضتي العريس أنا هـ...
قاطعته بسرعه بانفعال:
- إنت بتقول ايه؟ أنا حتى لو رفضت العريس عمري ما هوافق عليك.
وفجأة سمعت صوت من ورايا:
- تصدق بالله طول عمرك واطي ياخي.
وكان صوت «فراس»...
قرب محمد منه ابتسم بسخرية وغمز بعينه وهو بيقول باستفزاز:
- إيه؟ زعلان عشان هي حبتني أنا وإنت لأ؟
فهجم فراس على محمد واتخاتقوا، فهزيت راسي باستنكار، ومشيت بسرعه وسيبتهم واتجمعت العيله على صوتهم العالي...
في الوقت ده قررت أصلي استخاره مره كمان وأسيب ربنا يدبرها في موضوع تامر، أنا أصلًا كرهت بيتنا بسبب ولاد عمي!
اذكروا الله 🌸
ــــــــــــــــــــ
وبالليل
لبست هدومي واستعديت لمقابلة تامر ، ولكن رن موبايلي برقم فراس، نفخت بضيق وقلت:
- احنا مش هنخلص بقا!
كنت هتجاهل الرنه لكن بدافع الفضول رديت، قال:
- قابليني تحت عند جدتك ضروري يا سلوى، من غير اعتراض لو سمحتي... كلمتين هقولهملك، إن عجبوكي اشتري وإن معجبوكيش يبقا يفتح الله.
وقفل الخط، قعدت على سريري أفكر انزل ولا لأ! وبدافع الفضول برده نزلت...
ــــــــــــــــــ
لقيته قاعد مع جدتي، ألقيت السلام، فقالت جدتي:
- إيه اللي جابك دلوقتي، هو مش الدكتور تامر جاي؟
قال فراس:
- أنا اللي طلبت منها تيجي، عشان أقولها قدامك يا تيته إني بحبها، وكل عصبيتي وغضبي كانت بسبب كده...
وبصلي وقال برجاء:
- أرجوكي يا سلوى ارفضي العريس ده... أنا مش قادر أتخيلك مع حد تاني.
بصيت لجدتي اللي كان باين على وشها إنها مصدومه من كلام فراس، وزعقت:
- تصدق بالله إنت فعلًا مش مؤدب، قوم يله إمشي من هنا... هو ده كلام يتقال؟ حب ايه؟ دي في مقام أختك.
انفعل فراس:
- بحبها يا تيته ومش عايزها تضيع مني.
وقفت وقلت وأنا رافعه ذقني:
- كل حاجه نصيب... آنا آسفه يا فراس إنت زي أخويا... وبابا وافق على تامر وأنا مقدرش أصغره قدام الناس.
قالت جدتي بفخر:
- جدعه يا بت تربيتي.
وطلعت من عند جدتي وأعصابي بتترعش، وأنا ندمانه إني نزلت من الأساس… لكن كنت رافعه راسي لفوق وفخوره بنفسي وبردي اللي ربنا ألهمني بيه.
استغفروا🌸
ـــــــــــــــــــــــــ
وبعد فتره
قعدت مع «تامر» لوحدنا في البلكونة، كان مبتسم وبيبص للسما وكأنه بيديني مجال أبصله براحتي.
المرة دي حسيت ناحيته بحاجه مختلفه، تقبلت ابتسامته اللي كانت بتستفزني، ولأول مره في حياتي أسرح من غير ما أبص لفوق، كنت بصاله وبتخيل حياتي معاه، بتخيل شكل بيتنا وعيالنا اللي نفسي ياخدوا عينه الواسعه ولونها العسلي.
ابتسمت، وفي اللحظه دي نزل عينه من السما وبصلي فاختفت ابتسامتي وبصيت للسما بسرعه وبارتباك.
قال:
- هو إنتي عايزه دهب بكام يا سلوى؟
- إللي بابا يقول عليه.
- باباكي قالي اللي اقدر عليه، إيه رأيك إنتي؟
- يبقا اللي تقدر عليه.
فرك ذقنه وسكت شويه، وبعدين قال:
- طلبتي تقعدي معايا ليه؟ أنا تخيلت إنك عايزه تقوليلي على الدهب!
هزيت راسي بالنفي، وقلت:
- لا أنا كنت عايزه أسألك شوية أسأله.
- طيب مش تقوليلي عشان كنت أذاكر.
قالها بمرح، فابتسمت بحياء وفركت في ايدي، بص تامر على ايدي ورجع بص للسماء وقال:
- اتفضلي اسألي.
حمحمت بخفوت وطلعت ورقة كنت مطبقاها في ايدي فضحك، تجاهلت ضحكته وسألته:
- إيه أكتر حاجه بتحرص عليها في دينك؟
- أكتر حاجة بحرص عليها في ديني هي إني أكون صادق مع ربنا، مش بس في العبادات الظاهرة، لكن كمان في قلبي ونواياي. بحاول أحافظ على صلاتي في وقتها، وبحب أقرأ قرآن يوميًا، وبركّز دايمًا على إن علاقتي بربنا تكون مستمرة مش موسمية، يعني مش وقت الشدة بس. ومقتنع جدًا إن العبادات مش بالكمية لكن بالكيفية... وكمان بحاول أتعلم دايمًا... يارب أكون جاوبت صح.
قالها بمرح وابتسم، لكني كملت بجدية، بصيت في الورقة وسألته:
-هتعمل ايه لو اختلفنا كتير واتخانقنا؟
جاوب بجدية:
- الاختلاف عادي، بس الأسلوب هو اللي يفرق. خدي بالك، ساعات كلمة واحده تتقال تولّع الدنيا نار، وساعات كلمه تانيه بصوت هادي وبحنان تطفيها، وأنا مقتنع إن الخلافات بتقوي العلاقة... ولازم احنا الاتنين نكون عارفين إن مش كل خلاف أو جدال بيننا لازم نطلع منه كسبانين، ولعلمك أنا هكون فرحان وأنا بخليك تفوزي عليا في أي جدال، ما هو ساعات الخسارة البسيطة بتكسبنا نفسنا...
سكتت شويه وأنا بفكر في كلامه، وببص في الورقة اللي معايا لكن مكونتش شايفه ولا حرف... عجبني رده ودماغه اللي قريبة أوي من دماغي...
- ها إي السؤال اللي بعده؟
قالها تامر، ولكن قبل ما أسأل فتح موبايله وإداهولي وهو بيقول:
- ممكن تشوفي الفيديو ده!
بصيت للشاشه كانت لطفل صغير تقريبًا ١٤ سنه في لقاء مع شيخ وبيحكيله هو ختم القرآن ازاي بمساعدة والديه وإن أخته الكبيرة برده ختمت القرآن...
لما تأملت ملامح الطفل وبصيت لتامر بنظرة سريعة عرفت إنه هو!
في الوقت ده حسيت إن باقي الأسئله اللي جهزتها ملهاش لزمة فطبقت الورقة ورميتها من البلكونه.
فقال بانفعال بسيط:
- ليه كده بترميها، ليه؟
- خلاص بقا... المفروض إنت اللي تسألني بعد الفيديو ده؟
قام تامر بسرعة وبص من البلكونه على مكان الورق، وسألني:
- يعني أنا نجحت ولا إيه؟
بصيت للأرض بحرج، فنادى تامر ماما، وقال:
- فيه حاجه وقعت مني من البلكونه، هنزل أجيبها يا أمي.
ونزل بسرعه، وشوفته من البلكونه وهو بيحط الورقه في جيبه، ولما رجع، كنت مستنيه يديهالي لكنه رفض...
سكتنا فترة، وقال:
- أنا ماكنتش عايز أوريكي الفيديو ولا اقل لك لأن دي حاجه بيني وبين ربنا، لكن صعب عليا خوفك مني...
مردتش عليه، مكونتش عارفه أقوله اي، سألني:
- طيب مش هتسأليني اخترتك ليه؟
هزيت راسي بالنفي وقلت:
- لأ، أعتقد السؤال ملهوش لزمة!
فاجئني بسؤال:
- إنتي ليكي ابن عم اسمه فراس؟
اتوترت شويه، وظهر في نبرة صوتي:
- آآ... أيوه، بـ... بتسأل ليه؟
- عادي مفيش حاجه... بس أحب أعرف علاقتك ايه بولاد عمك الشباب.
بلعت ريقي وقلت:
- هما زي أخواتي وكل حاجه لكن... طبعًا حاطه حدود في التعامل معاهم.
سكتت شويه، وسأل بهدوء:
- يعني فراس كنتي بتتعاملي معاه ازاي؟
استغربت وظهر في نظراتي التوتر، بلعت ريقي بارتباك والأسئلة بتدور في راسي، ليه «تامر» مركز أوي على اسم «فراس»؟ وعرفه منين؟ لدرجة إني حسيت إنه عرف بالحوار بيننا عند جدتي