
رواية عاشق قهر النساء بقلم صباح عبد الله فتحي
رواية عاشق قهر النساء الفصل الثامن والعشرون28 بقلم صباح عبد الله فتحي
أحيانًا يخبرنا العقل بأشياء غير حقيقية ليمنحنا شعورًا زائفًا بالأمان، ونرى بأعيننا أمورًا كاذبة نظنها الحقيقة. بينما يرى القلب ما لا تراه العين ولا يفهمه العقل، لكننا كبشر غالبًا نتجاهل الحقيقة ونلهث خلف الأكاذيب. هكذا كانت لين، تعيش صراعًا داخليًا بين عقلها وقلبها. عقلها يحاول تصديق الأوهام التي تراها بعينيها، وقلبها يصرخ رافضًا الفوضى التي تدور من حولها. فكلما رأت زين، بحثت عن ليل داخل أوهام تطارده، وعقلها المريض يظن أن زين هو ليل، الشاب الحنون الذي أحبّته في الماضي. لكنه خذلها وطعنها بخنجر الخيبة، ولم يتحمل عقله الصدمة فهرب من واقعه المظلم. وما زال قلبها يبحث عن شعلة أمل تُنير الظلام الذي تغرق فيه.
كانت مستلقية على الفراش، تحدّق في سقف الغرفة الذي لو رأته مرة أخرى فلن تتذكر تفاصيله. شدّ انتباهها يدٌ وُضعت برفق على كتفها، لتسحبها من دوّامة مظلمة لا نهاية لها. وصوتًا غليظ تردّد في السكون المحيط بها.:«لين آنسة لين، حضرتك سامعاني؟»
أبعدت نظرها عن السقف، ونظرت إلى الممرضة الشابة التي تقف بجوار الفراش، وكانت في عمرها تقريبًا. وما إن رأتْها حتى أطلقت زفرة ارتياح، ووضعت يدها على صدرها، فقد ظنّت أنها ميتة. خرج صوتها مضطربًا:«الحمد لله… خوّفتيني عليكي.»
أنهت جملتها بابتسامة دافئة، ثم تابعت:«المهم، أنا جهّزت لحضرتك الحمّام علشان تاخدي شاور علي سريع كده.»
سحبت كرسيًا متحركًا لتقرّبه من الفراش، ثم اقتربت منها ومدّت يديها لمساعدتها على الحركة، وهي تقول برفق: «يلا يا حبيبتي، شدّي حيلك معايا.»
حاولت لين النهوض بمساعدتها، واستندت عليها لتجلس على الكرسي، لكن دون قصد انزلقت من يدها وسقطت أرضًا، فاصطدم رأسها بالكرسي. صرخت الممرضة بفزع، وانحنت عليها لتحملها من الأرض: «يا لهوي! ليييين؟»
بينما كانت لين في عالمٍ آخر… تضغط على رأسها بكلتا يديها بسبب الصداع الذي أحاط برأسها، وعقلها يعيد شريط حياتها كاملًا. توقّف الشريط عند للقطة سوداء ألتي تسببت في تغيّر حياتها وقلبتها رأسًا على عقب.
(ذكريات لين – قبل ستة أشهر تقريبًا)
في إحدى العمارات التي لا تزال معزولة، لم يسكنها أحد بعد، ولم ينتهِ العمال من تجهيزها حتي، ولم يُفتح بابها لأستقبال السكان. كانت لين منكمشة في الظلام داخل غرفة بإحدى الشقق في الطابق الثاني عشر. كان جسدها يرتجف، ليس بسبب البرد، فالجو كان شديد الحرارة، بل بسبب الخوف والرعب مما رأته.
استمعت إلى خطواته تقترب في الظلام. حدّقت برعب في اللاشيء، ورفعت يديها المرتجفتين لتجمع ثيابها الممزقة تستر بباقيها كتفيها العارية، ودموعها تنهمر بلا توقف وأزدادت رعشت شفاهها. كانت ترغب في الصراخ، لكن حتى صوتها خذلها وهرب منها. وحين رأته يقف أمامها، ازداد خوفها، وبدأت تزحف على كفيها متراجعة إلى الخلف. عاد صوتها أخيرًا إلى حنجرتها، فصرخت بأعلى ما تملك من قوة: «ابعد عني! ابعد عني! ما تقربش! إنت عاوز إيه مني تاني يا حيوان؟ مش خلاص أخدت اللي إنت عايزه؟ عايز إيه تاني؟»
قهقه زين بعد ما قالته يسخر منها ومن خوفها وهو يقترب منها، وجلس القرفصاء أمامها، وغرست ابتسامة ماكرة على شفتيه وهو يهتف قائلاً: «إنتِ أكتر واحدة عارفة أنا عايز إيه… أنا مش عايزك يوم ولا اتنين، أنا عايزك العمر كله.»
بينما كانت تتراجع لتبتعد عنه حتي التصق ظهرها بالجدار خلفها حين لم تجد مكانًا تهرب إليه، من ذلك الشخص الذي أمامها، ذلك الذي أصبحت تكرهه وتتقزز منه. كانت أنفاسه تخنقها مع كل حرف ينطقه وكل زفرة يخرجها، حين أستمعت ما قاله نظرة له نظرات غاضب ودون تردد بصقت في وجهه وهي تصرخ: «ده يكون في أحلامك والموت أرحم لي من إني أعيش مع إنسان رخيص زيك.»
رفع يده ومسح أثر بصقتها، وما زال محافظًا على برود أعصابه، بل ازدادت ابتسامته وهو يقف ويرفع يداه لينزع ثيابه قائلاً: «خلاص، مش مهم. إنتِ كده كده ما بقيتش تنفعي لحد غيري. اتجوزنا أو لا، إنتِ خلاص بتاعتي أنا وبس.»
اتسعت عيناها برعب، وتراجعت أكثر، والتصقت بالجدار، ولو كانت تستطيع لشقّته واختبأت بداخله. خرج صوتها مرتجفًا: «إنت… إنت هتعمل إيه؟ بتخلع هدومك ليه؟»
اقترب منها، وفي كل خطوة يخطوها نحوها كان كأنه يذبحة بسكين باردة، رد علي سؤالها ببرود قاتل: «بما إنك سألتي… يبقى الجواب وصلك.»
(الحاضر)
انتزعها من ذكرياتها السوداء دخوله مهرولًا على صوت صرخة الفتاة التي علت، محدثة فزعًا في المكان.. اقترب منها ليحملها حين رآها واقعة على الأرض، والممرضة تحاول مساعدتها على النهوض.. حدقت به بذهول، وأنفاسها تتصارع مع كل خطوة يخطوها نحوها، وهو يقول بفزع حقيقي: لين حبيبتي، حصل لك حاجة؟
—-----
بينما خارج المبني، كانت تقترب سيارة بحذر شديد، مصابيحها تشق الظلام المحيط بها من كل جانب.. بداخلها كان ليل يتلفت حوله بتوجس، محاولًا قدر الإمكان ألا يصدر أي صوت قد يلفت الانتباه… أما ساهر فكان شاردًا، غارقًا في التفكير في مصيره القادم؛ فحياته بأكملها لم تكن سوى كذبة عاشها طويلًا.. انتُزع من دوّامته حين شعر بيد ليل تربت برفق على كتفه، وهو يقول بصوت هادئ يحمل ثقل الحقيقة: ساهر، أنا عارف إنك مصدوم، واللي عرفته صعب على أي حد، بس للأسف دي الحقيقة وإحنا ما نقدرش نغيرها. العلاقات مش بالدم يا ساهر… شيري وشيرهان أخواتك، وأنا على الأقل اعتبرني صاحبك. وصدقني، عشق لما يعرف الحقيقة مش هيسيبك، وأنا كمان مش هسيبك مهما حصل، إنت أخويا حبيبي…
التفت له ساهر، وعيناه تغلغلت بالدموع، وقال بصوت متهدج: تصدق؟ أنا عمري ما اعتبرتك أخويا غير دلوقتي يا ليل.
أجابه ليل بهدوء وحبًا صادق: بس أنا طول عمري مش شايفك غير أخويا الكبير يا ساهر، حتى من قبل ما أعرف إنك ابن أمي…
تغيرت ملامح ساهر، وتبدلت مشاعره من حزن إلى غضب، ليهتف بحنق: أنا ما عنديش مشكلة أكون أخو عشق… بس مستحيل أقبل الست اللي هي أمك وأعتبرها أمي.
ربت ليل على كتفه محاولًا التماسك، وقال: عارف إن العلاقة بينكم خربانة، بس الحقيقة مهما حصل ما بتتغيرش… المهم دلوقتي نعمل إيه؟
ظل ساهر صامتًا لثوانٍ، قبل أن يشيح ببصره نحو مبنى المزرعة الذي يبتعد عنهما قرابة خمسة عشر مترًا، وقال: إنت متأكد إننا هنلاقيها هنا؟
أجابه ليل بإصرار يختلط بشيء من الحزن: أيوه، متأكد… بس اللي مش متأكد منه إنها ممكن تسامحني.
نظر إليه ساهر باستغراب وقال: هو إيه اللي بينك وبينها؟ مش فاهم؟
—--------
أمام مدخل معمل التحليل الطبّي الشرعي، كان يقف عشق بسيارته خارج المبنى، ينتظر خروج جورج بالتقرير الذي سيغيّر مجرى كل ما يحدث حوله. كانت عيناه شاردتين تحدّقان في تلك القلادة الفضية، التي لم تكن سوى مفتاح صغير لصندوق لا يزال سرًا مجهولًا…
خرج جورج من المبنى، وقد غطّت ملامحه علامات اليأس والحيرة بالكامل، وهو يقترب نحوه حاملًا في يده ملفًا ورقيًا. وقف على مقربة منه، وأطلق زفرة حانقة قبل أن يخرج صوته متجلجلًا: للأسف، شكّك في محلّه يا فندم… الجثة فعلًا مش لسامح، والنتيجة سلبية.
زفر عشق بحنق، وكأنه كان ينتظر سماع ما يدور في عقله، وخرج صوته غاضبًا: موته المرّة دي هيكون على إيدي…
صمت فجأة، وهو ينظر إلى القلادة، وعقد حاجبيه باستغراب:
بس لو سامح لسه حي… مين اللي مدفون؟ والمفتاح ده لإيه بالظبط؟
نظر جورج إلى القلادة في يد عشق، وخرج صوته يائسًا:
الحكاية دي كل شوية بتتعقّد أكتر، وشكلها مالهاش لا نهاية ولا حل.
زفر عشق بضيق هو الآخر قائلًا: يمكن كده، بس أهم حاجة دلوقتي عندي أعرف فين شوق…
صمت جورج يفكر لثوانٍ، قبل أن يخرج صوته فجأة:أستاذ عشق، مش حضرتك من يومين مدي الآنسة شوق ساعة ماركة (Apple Watch Ultra)؟ النوع ده من الساعات بيكون فيه جهاز تتبّع… لو الآنسة خرجت وهي لابسة الساعة دي، ممكن نوصل لها بكل سهولة.
وضع عشق يديه على رأسه وهو يقول: أنا إزاي راحت عن بالي حاجة زي دي؟
أسرع ليصعد إلى السيارة وهو يكمل حديثه: اركَب، تعالى… أنا موصّل الساعة بالعربية. بس يارب تكون الغبية دي لابساها.
—--------
دخلت كوثر مهرولة إلى منزل زوجها الراحل نادر، وهي تنادي بلهفة وشوق على طفلها المفقود، الذي ظل ثلاثين عامًا أمامها ولم تره…
كيف عميت عيناها عنه؟ كيف جعلها الظلام الذي أُحيطت به لا تُبصر ولا ترى، بعدما تحجّر قلبها وغفل عن الرحمة؟
ماذا كان سيحدث لو رأفت بذلك الطفل الذي فقد أمه كما كان يظن؟ هل كان قلبها سيتركها تبحث عنه وهو أمامها: ساهــر… ساهر… ساهر حبيبي، إنت فين؟ أنا أمك… أنا أمك يا روحي… ساهر…
أسرعت نحو الدرج لتصعد إلى غرفته، لكن أوقفها صوت الخادمة من خلفها وهي تهتف: الدكتور ساهر مش موجود يا هانم.
وقفت عند بداية الدرج، واستدارت لتنظر إلى الخادمة باستغراب، ورفعت معصمها تنظر إلى ساعة يدها: مش موجود إزاي؟ مش ده معاد رجوعه من المستشفى؟
أجابتها الخادمة بهدوء: لا يا هانم الدكتور ساهر بيرجع من المستشفى الساعة 12 بس هو ما نزلش المستشفى النهارده… خرج هو وليل بيه من الصبح، ورجعوا الساعة أربعة العصر، وطلعوا تاني ما رجعوش لحد دلوقتي.
عقدت حاجبيها باستغراب أكبر، وتمتمت لنفسها: غريبة… من إمتى ساهر وليل بيفضلوا مع بعض أو بيخرجوا سوا؟
رفعت بصرها إلى الخادمة قائلة: طيب ما تعرفيش راحوا فين؟ أو سمعتي حاجة بينهم وكده؟
صمتت الخادمة لثوانٍ تفكر، قبل أن يخرج صوتها مترددًا:
أيوه… بس مش فاكرة قوي. سمعتهم كانوا بيدوّروا على واحدة اسمها لين، وقبل ما يخرجوا سمعت أستاذ ليل بيقول إنه خلاص عرف مكانها، وطلعوا من وقتها وما رجعوش.
اتسعت عينا كوثر بخوف وذهول وهي تتمتم: عرفوا مكانها إزاي؟
ثم اتسعتا برعب أكبر وهي تهتف: زين… أنا لازم أعمل حاجة.
هرولت بهلع لتغادر المنزل، وقلبها يدعو الله أن لا يقتل أولادها بعضهم بسبب الحقد والكراهية التي زرعتها بينهم منذ الصغر…
—----–
في سيارة عشق، كان يقود بعصبية وملامحه غاضبة، بينما جلس جورج على المقعد المجاور له، ينظر حوله باستغراب، وخرج صوته متجلجلًا:«هو مش ده طريق القصر برضه، ولا أنا غلطان؟»
أجابه بحنق:«وحضرتك شايف إيه؟»
ضرب عجلة القيادة بغضب وهو يصيح ويلعن تلك الحمقاء التي تعذّب قلبه:«غبية… غبية… هوصلّك إزاي دلوقتي؟»
صمت جورج لحظة، ثم قال:«أظن لو عرفنا مكان سامح، هنعرف مكان الآنسة شوق»
نظر له بصمت، وشردت نظراته في ملامحه ثواني قبل أن يقول:» طيب اسمع… هقولك إيه؟…………»
اتسعت عينا جورج بدهشة وهو يقول:«بس يا فندم، ده خطر جدًا… مش بس عليك، على الآنسة كمان».
صاح عشق بنبرة بحدّة حاسمة:«إنت نفّذ اللي بقولك عليه من سكات.»
—--------
ذبلت في الأفق ستائر ليلة مظلمة، وأشرق فجر يوم جديد… وما زالت شوق كما هي، معزولة في غرفة مظلمة باردة، مقيّدة على المقعد الصغير، محاطة بالصمت والظلام. غافية وهي مطأطئة رأسها، وملامحها يائسة مرهقة…انفتح باب الغرفة، ليخطو سامح إلى الداخل حاملًا في يده وجبة الإفطار أليها. ربت على رأسها برفق ليوقظها دون أن يفزعها.
فتحت عينيها المتورمتين، ورفعت رأسها لتراه واقفًا أمامها، ويده على رأسها. كشرّت بحنق وتقزّز وهي تدير وجهها عنه بحركة غاضبة. برقت عيناه بحزن قائلًا:« بقى كده يا شوق؟ هتفضلي زعلانة كتير من بابا؟»
نظرت له بتقزّز قائلة:«بابا؟!… إنت هتكدب الكذبة وتصدقها؟»
صمت لحظة وهو ينظر إليها، ولوّحت في عينيه نظرة حزينة يائسة، ثم خرج صوته حزينًا:« لو ما كنتيش عرفتي الحقيقة، كنتي هتقولي كده؟»
ذبُلت عيناها وتبدّلت ملامحها للحزن وهي تقول:« كان مستحيل أصدق إنك بالقذارة دي… كنت هفضل طول حياتي عايشة في كذبة.»
استدار بغضب ليعطيها ظهره وهو يقول بحزن ممزوج بالغضب:«إنتي مش فاهمة حاجة يا شوق… عارف إني غلطان، والغلط ده هفضل ندمان عليه طول حياتي، بس كنت مجبور… كنت خايف.»
ثم نظر لها بحزن:«علشان كده كان لازم أضحي… كان لازم أتنازل.»
انهمرت دموعها وخرج صوتها حزينًا:«تقوم تقتل ماما؟ تقتل نور حبيبتك بإيدك؟»
صمت لحظة، وارتبكت ملامحه، وسقطت دمعة من عينيه، ثم خرج صوته نادمًا حزينًا:«ما كانش قصدي أقتلها… أرجوكي افهميني، وما تزودهاش عليّ. إنتي وخواتك عارفين أنا كنت بحب أمكم قد إيه؟»
هتفت بهدوء مريب قائلة:«لو أنا مش فاهمة، اتفضل فاهمني؟»
نظر إليها، وعاد عقله إلى ذكرى مؤلمة لن ينساها طيلة حياته. أغمض عينيه لتنهمر دموعه إلى ذكريات لا يطيق البوح بها، لكنه الأن مجبرًا الآن على سردها:«أنا هحكيلك كل حاجة… الفيديو اللي شوفتيه ده مش الحقيقة للأسف، لقطة من زاوية غلط.»
تحرك ووضع الطعام على طاولة مجاورة، ثم سحب مقعدًا وجلس أمامها، وأطلق زفرة خانقة قبل أن يقول:«أنا هحكيلك كل حاجة… من حقك تعرفي كل حاجة. بس الحقيقة الوحيدة اللي مستحيل تتغير إن مهما حصل، إنتي ولين ونيلي بناتي، ومستحيل أتخلى عنكم. إنتي فاهمة؟»
ابتسمت بسخرية وهي ترمقه بحنقٍ وتقزّز… بينما أغلق عينيه، متذوقًا ألم جرحٍ لا يلتئم، نزيفه لا يتوقف مهما داواه، وتدفقت الذكريات بداخله كأنها حدثت بالأمس…
(ذكريات سامح / ما قبل ستة أشهر تقريبًا)
في ذلك اليوم الذي غيّر كل شيء، كان يقف سامح والقلق يغطي ملامحه، وهو يحاول الاتصال بإحدى بناته، شوق أو نيلي، اللتين غادرتا المنزل للبحث عن شقيقتهما لين المفقودة منذ ثلاثة أيام. وزوجته نور واقفة تبكي بحرقة وخوف على بناتها. وأثناء ما هم في عز خوفهم وقلقهم، اندفع عشق ورجاله ليُحدثوا حالة من الفزع والهلع.
اتسعت عينا سامح بدهشة عندما رآه يندفع إلى منزله، واضعًا يده في جيبه، رافعًا رأسه بشموخ، ونظراته حادة كالسيف. تبادلت نور النظرات مع سامح، وعقدت حاجبيها باستغراب عندما سمعت صوت عشق الساخر يقول:«كنت فاكر إني مش هقدر أعرف مكانك، مش كده؟»
التفتت نور إلى زوجها، الذي قال بنبرة لا تخلو من الخوف والقلق:«اللي إنت عايزه مستحيل تاخده يا عشق، واتفضل من غير مطرود.»
وقف عشق أمامه قائلًا بجمود:«اللي سرقته زمان لازم يرجع لأصله يا سامح، ودار ما دخلك شر. وإنت مش سارق لعبة، إنت سارق أختي…»
اتسعت عينا نور بدهشة وهي تنظر إلى زوجها قائلة:«هو بيتكلم عن إيه يا سامح؟ مش فاهمة…»
ابتلع سامح ريقه بخوف، ولم يقدر على الرد. فنظر له عشق بصمت لثوانٍ قبل أن يقول بسخرية:«هي المدام ما تعرفش إن شوق مش بنتها ولا إيه؟»
اتسعت عينا نور بصدمة وذهول وهي تتمتم:«إنت بتخرف؟ بتقول إيه؟ شوق مين اللي مش بنتي؟»
هرولت إلى زوجها، الذي كاد يخشى عليه من شدة الخوف، ووقفت أمامه وهي تصرخ في وجهه، وعقلها رافض تصديق ما سمعته:«إنت ساكت ليه؟ شوق مش بنتي إزاي؟ انطق قول حاجة!»
رمقها سامح بحزن، ولم يقدر على قول شيء. فتراجعت للخلف وهي ترمقه بعين متسعة قائلة:«أنا بنتي اللي ماتت في الحريق…»
أجابها عشق بهدوء مريب قائلًا:«بالظبط كده، وجوزك المحترم بدل ما يعرفك الحقيقة، راح سرق أختي شوق، وكتبها على أسمائكم، وخدها وهرب علشان ما قدرش أوصل لها.»
صرخ سامح في وجهه بغضب، وهو يشير له نحو الباب ليغادر:«إنت غبي ومش فاهم حاجة، وشوق مش أختك. اتفضل اطلع من بيتي من غير مطرود.»
نظر له عشق ببرود مريب وهو يقول بنبرة حادة مهددًا:
«تمام، أنا هطلع دلوقتي، بس أكيد هرجع تاني، واللي ليا مش هسيبه.»
أنهى عشق حديثه وتوجّه ليغادر، وإن تحرك حتى استمع إلى صوت نور تصرخ غاضبة على زوجها:«معقولة 25 سنة وإنت معيشني في كذبة؟»
أجابها بهدوء مريب:«على الأقل خليتك 25 سنة مبسوطة يا نور، وياريت تعتبري نفسك ما عرفتيش حاجة علشان ما تخربيش بيتك بإيدك.»
هتفت غاضبة:«بيت إيه يا سامح؟ البيت اللي بيتعمر على الكذب مصيره يتخرب. كان ذنبها إيه تتاخد حتة لحمة من حضن أمها؟ واشمعنا هي بالذات يا سامح؟ ده اللي أنا عاوزة أعرفه… اشمعنا بنت الجوكر يا سامح؟»
أجابها بهدوء محاولًا التحكم في أعصابه:«نور، لو سمحتي، مش وقت الكلام ده… هنتكلم وهفهمك كل حاجة، بس مش وقته.»
صاحت بغضب أكثر:«هتفهمني ولا هتضحك عليّ بكذبة جديدة؟ بس خلاص، لحد هنا وكفاية. أنا زهقت وتعبت من كتر القرف ده. أنا هطلع وهقول لعشق كل اللي أعرفه، وهقول له إنه مش ابن قاسم، وهقول له مين هو أبوه الحقيقي، واللي يحصل يحصل بقى.»
وبالفعل تحركت لكي تغادر، فأسرع سامح وأمسكها من ذراعها محاولًا منعها، وهي تقاومه لكي تلحق بعشق. صرخ سامح بغضب قائلًا:«أقسم بالله لو فتحتي بوقك بكلمة لأكون قاتلك، إنتِ فاهمة؟»
صرخت غاضبة وهي ترمقه بتحدٍ:«أعلى ما في خيلك اركبه، ما بقاش يهمني. وعشق من حقه يعرف كل حاجة، وكمان شوق من حقها تعرف مين أهلها وتختار تكمل معانا ولا مع أهلها، وده أقل حاجة ممكن تعملها علشان تكفّر عن جريمتك في حقها.»
أنهت حديثها وهي تدفعه بقوة لتتخلص من قبضته، وتحركت غاضبة، وهي لا تفكر في شيء غير أنها تخبر عشق بكل ما تعرفه. بينما كان غضب سامح قد وصل إلى ذروته، ودون تفكير أخرج مسدسًا من جيبه ووجّهه نحوها، وهو يصرخ مهددًا:«لو اتحركتي خطوة كمان، صدقيني هقتلك، وأنا ما بهزرش.»
توقفت لوهلة، والتفتت لتجده رافع السلاح نحوها حقًا. صمتت للحظات، لا تصدق أن ذلك الشخص هو نفسه من أمنت على نفسها معه ثلاثين عامًا من عمرها. فتمتمت بجمود، متجاهلة ما تشعر به من حزن وخيبة:«تمام يا سامح، اتفضل اقتلني دلوقتي، علشان أنا مش هسكت، وهعرف عشق كل حاجة.»
استدارت لتغادر، فصرخ سامح بغضب خانق:«نور! أنا ما بهزرش، صدقيني لو اتحركتي خطوة كمان هقتلك…»
وفجأة تعالى صوت إطلاق رصاص، وتوقفت نور فجأة. نظر سامح إلى السلاح متفاجئًا، وكأن الرصاصة لم يطلقها، لكن اتسعت عيناه بذهول عندما رأى نور تسقط أرضًا غارقة في دمائها. كانت الصدمة كافية لتخرسه لباقي حياته، وكانت كافية أن تجعله ينهي حياته. فرفع المسدس إلى صدره، ودون تفكير أطلق رصاصة على نفسه…
الحاضر
استيقظ سامح من ذكرياته التي ما زالت تتدفق بالألم. نظر إلى شوق، التي كانت دموعها تنهمر بلا توقف، وذبلة عيناها من كثرة ما بكت. رفع كلتا يديه ليمسح دموعه، وخرج صوته مختنقًا بالبكاء: «ده كل اللي حصل… بس اللي أنا متأكد منه إني ما قتلتش أمك يا شوق. أنا بعترف إني هددتها في لحظة غضب، بس مستحيل كنت أفكر أجرحها حتى.»
هتفت بهدوء مريب: «لو إنت ما قتلتهاش… مين اللي قتلها؟»
صمت لثوانٍ، قبل أن يخرج صوته متحشرجًا:«ما عرفش.»
قالت ببرود:«حاسّة إنك بتكدب.»
تأملها لثوانٍ، ثم رفع يده ليمسح دموعها، وقال محاولًا تغيير مجرى الحديث:«لسه زي ما إنتِ… المهم لين هنا، مش نفسك تشوفيها؟»
وفي أثناء ما كان يدور الحديث بين شوق وسامح، كان ليل وساهر يقفان خارج المبنى، بالقرب من النافذة الخلفية للغرفة، يستمعان لكل ما دار بينهما. اتسعت عينا ليل وهو ينظر بصمت إلى ساهر، الذي همس:«مالك بتبص لي كده ليه؟»
أجاب ليل هامسًا بعد تفكير دام ثوانٍ: «لا مفيش… بس هنعمل إيه دلوقتي؟ إحنا جايين ناخد لين، وطلعوا خاطفين شوق كمان.»
عقد ساهر حاجبيه باستغراب:«إنت تعرف البنت دي؟»
أجابه ليل وهو يخرج هاتفه من جيبه:«أيوه، دي بنت خالي قاسم.»
نظر ساهر إلى الهاتف قائلاً:«طيب، هتكلم مين؟»
«هتصل بعشق… هو هيعرف يتصرف في الظروف دي أحسن مني ومنك