
رواية اخر نفس الفصل التاسع9والعاشر10 بقلم رشا روميه قوت القلوب
•• نصف العمى ••
زيد ...
أأنتِ عقاب لي أم إنتِ حظي الطيب، ياليت كل الظروف عُكست لتبقي لي وحدي، لم إجتمعت كل الأسباب لنفترق حتى قبل أن نقترب، غنية فريدة من نوعك تحبين صديقي، يا ليتك فتاة عادية ... يا ليتك لي ...
رشا روميه قوت القلوب
تنهد "زيد" بتحسر ومازال يطالع حسنائه وهى تزيل كل تلك الشوائب عن وجهها الجميل ...
كلما أزالت الألوان المختلطة من وجهها زادت نوراً وإشراقاً أكثر ...
لمح "هادي" يدنو منه بملامح ممزوجة بالتقزز ليسأله "زيد" بفضول ...
_ مالك ... العفاريت طالعه في وشك ليه ...؟!!!
ألقى "هادي" بجسده إلى جوار "زيد" متذمراً ...
_ شوف لي حل أخلص من اللازقة دي ... أنا مقدرش أكمل حياتي مع واحدة زيها ...
إعتدل "زيد" بدون فهم ليتسائل بإستنكار عما يلمح له "هادى" ...
_ قصدك مين ...؟؟! ... "ياسمين" ....؟؟!!
_ هو فيه غيرها ... !!!!
أثار كامل إنتباهه ليسأله بتلهف شديد ...
_ وضح كلامك .... عايز تسيبها ليه ... إنت مجنون ... ؟؟؟
_ ده أنا أبقى مجنون لو كملت ... دي بقت مشوهة يا عم ... فاهم يعني إيه ... مشـــــــــــوهة ...!!!!
تحركت شفاة "زيد" بإشمئزاز من صديقه سطحي التفكير وأراد لو يلكمه لكمة تجعله يفيق من عنجهيته وأنانيته، كاد أن ينفجر به غضباً لمجرد التفكير بها بتلك الصورة ثم سرعان ما تمالك نفسه متفكراً في الأمر أن تلك هي فرصته للتقرب من "ياسمين" فكيف يضيعيها ....
_ ماشى ... سيبها... بس رأيي خليك صريح وواجهها بكلامك دة ... ملهاش لازمة اللف والدوران ....
تقوست شفاة "هادي" للأسفل وهو يلوح بكفيه رافضاً ...
_ لالالالالاااااااا .... أنا حخلع من سكات ... بلا مواجهة بلا وجع قلب ... خليني كدة في الخفيف خفيف ...
حرك "زيد" رأسه يميناً ويساراً بضيق من تصرفات صديقه يرفض تماماً إسلوبه وطريقته ....
رفع "هادي" حاجباه مشيراً تجاه الأمام قائلاً ...
_ الظاهر صاحبك لقى له حتة طرية تطري على قلبه ...
نظر "زيد" بنفس إتجاه إشارة "هادي" ليجد "عامر" وقد جلس إلى جوار "يارا" تعلو وجهه إبتسامه هيام، وكأن طيور الحب تحلق فوق رأسيهما ليلوح بيده بغير إهتمام وهو ينهض من جلسته ...
_ بس بس ... خليك في حالك ...
يارا وعامر ...
إنتهز "عامر" فرصة إنشغال الجميع بوقتهم المستقطع ليتجه نحو "يارا" والتي كانت بإنتظاره أيضاً دون الإفصاح عن ذلك ...
_ تعبتي ...؟!!
_ لا عادي .... وإنت تعبت ...؟!!
_ لا أبداً .... أقعد معاكي ولا حضايقك ...؟؟؟
_ لا خالص ... إتفضل ...
لم تكن تعلم بأن تلك الرحلة ستكون باباً جديداً بحياتها وأن تقابل شاب گ"عامر" يهتم بها ويتودد إليها بكل فرصة سانحة ...
كان حديثهم عام للغاية لكنهم كانوا سعداء بذلك القرب الجديد لتولد تلك الشرر بينهم وبداية إعجاب من الطرفين لم يكن ليحسبا له حساب ...
زينة ...
إتجهت لـ"هادي" بعد تحرك "زيد" تحدثه عن عملها هي و"ياسمين" معه لكنه كان متعب للغاية ولم يلبث الحوار معهم سوى دقائق قليلة ...
ياسمين ...
حاولت إلقاء نظرة خاطفة على جرحها المتألم حين باغتها "زيد" بصوته الرجولي ...
_ كنت فاكر إن الكهف دايماً ضلمة بس غريبة أنا شايف نور جامد أوي ...
ضيقت "ياسمين" عيناها بعدم فهم متسائلة عن هذا الطريق المضئ الذي يشير إليه "زيد" ...
_ فين ...؟! فين النور ده ... خلاص حنخرج ...؟!
علت عيناه تلك النظرة الهائمة التي سحبت "ياسمين" ببحورها دون عودة ...
_ النور قدامي أهو .... مش في أى حتة تانية ... إنتي النور إللي حينور لي طريقي ...
أشار بوجهه تجاهها لتتيبس بمحلها وقد إرتفعت دقات قلبها بقوة، أيغازلها ...؟!! أهكذا يكون الغزل ... ياله من إحساس رائع لكن من الشخص الخطأ مرة أخرى ....
رشا روميه قوت القلوب
إبتلعت ريقها بإضطراب لتتهرب من مشاعر "زيد" التي فاضت حولها، لقد أحبت ذلك الغزل ولو مؤقتاً، لكنها لا يجب عليها فعل ذلك لتنفعل تنهره بقوة عن قربه المفاجئ ...
_ "زيد" ... لو سمحت ... إعرف حدودك ...
تدارك "زيد" نفسه ليبقى مشاعره لنفسه قبل أن يتنحنح معتذراً ...
_ إحم ... آسف ... أنا بس كنت جاي أقولك شكلك كدة أحلى بكتير من المكياج واللبس الضيق إللي كل الناس مبتنزلش عينها عنك بسببه ....
جميلة ... طبيعية ... محتشمة ... هكذا أحبت وهكذا أثنى عليها بخلاف "هادي" الذي لم يعجبه الأمر، إطراء أحبته لكن طبعها الثائر جعلها ترفض ذلك منه لتهتف بحدة وتهكم بذات الوقت ...
_ ولو ... خليك في حالك يا أخ ...
_ أخ ...!!!
قالها "زيد" بتفاجئ ثم إبتسم بخفة عائداً إلى بقية الشباب ...
بينما تجمعت الفتيات لإخراج فراشهم للمبيت فقد كاد اليوم أن ينتهي أيضاً وهم مازالوا لا يدركون الليل من النهار ...
❈-❈-❈ــ
في المساء ...
بيت ياسمين ....
ترى من يرضى بنصف العمى ... ألهذه الدرجة نرضى ...
جلست "سعاد" وعلى ملامحها إرتسمت علامات للرضا والراحه حين إرتضت بنصف العمى وقد وصلت بإتصالات "مندور" المتواصلة بمكان رحلة "ياسمين" ...
شعرت بالراحة لمجرد معرفة إلى أين ذهبت تحديداً حتى مع عدم معرفتها بأي شئ عنها وعن وضعها وأحوالها لكن يكفيها علمت أين ذهبت بالتحديد ...
إرتخى "مندور" بغرور وخيلاء لما توصل إليه كمن ظفر بعراكه مع الأسد ليجلس متفاخراً قائلاً ...
_ إطمنتي يا ستي ... أهي طلعت رحلة تبع شركة معروفة ومشرف كمان ... نتصل بقى بالمشرف نطمن عليها ويبقى كله تمام ...
_ مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه يا "مندور" ...
_ عشان تعرفي بس إنك متقدريش تستغني عني ...
بإبتسامة جانبية وارتها كثيراً ثم أجابت كاذبة لما تشعر به ...
_ "مندور" ... الكلام ده قطعناه من زمان وخلاص ...
شعر "مندور" ببريق أمل جديد ليهتف مستغلاً تلك الفرصة ...
_ إللي إتقطع يوصل وترجع الميه لمجاريها ...
_ إحنا في إيه ولا في إيه ...!!!
_ ده هو ده إللي إيه وإيه وإيه ...
ليكمل "مندور" إستغلال فرصته جيداً وأخذ يحايل زوجته لربما ترضى لتعيد أسرته مرة أخرى، بينما لم تكن "سعاد" متشبثة تماماً برفضها لقربه ...
❈-❈-❈ــ
قُضيت ليلة أخرى ولم يتغير شئ وأهل الصباح بينما الظلام مازال حالك بداخل الكهف ...
بدأت رحلة البحث عن مخرج مرة أخرى لكنها لم تستمر طويلاً حين تفاجئت المجموعة بنهاية هذا السرداب بطريق مسدود تماماً ....
وقفت المجموعة بصمت للحظات ما بين مشتت ومصدوم وفاقد للأمل ...
تطلعوا فيما حولهم بيأس لتبدأ أنظارهم وهمساتهم التي تحولت لصراخ منفعل تجاه "زيد" كما لو كان هو فقط المسئول عما يحدث لهم ...
_ حنعمل إيه دلوقتي ... الطريق طلع مسدود ...!!!!
_ ما تقول ياااا ... قائد مش إنت إللي خليتنا نمشي ...!!!!!
_ يعني إيه ... مفيش مخرج ....!!!!
كانوا يلتمسون منه حلاً لما آلت إليه الأمور، لكنه صمت تماماً وهو يتطلع بوجوههم اليائسة تتشبث بآخر أمل لهم بوجود حل عنده ...
لكن اليأس أصابه أيضاً لتتهاوى قوته قائلاً بصوت خافت إستطاع الجميع سماعه بوضوح بهذا المكان الصامت ...
_ للأسف ... مش عارف ... ده آخر الطريق ... معنديش حل يا جماعة ...
رشا روميه قوت القلوب
لكن قبل إنهيارهم قالت "يارا" ...
_ طب ما ممكن نرجع يمكن حد يكون وصل لحاجة ...
أومئ الجميع بالموافقة لتبدأ رحلة الرجوع لمدخل الكهف فربما تكون وصلت مجموعة اخرى لمخرج من الكهف ...
❈-❈-❈ــ
بيت ياسمين ....
حملت حقيبة يدها وهي تخرج مسرعة ومازالت تسند الهاتف إلى أذنها قائلة ...
_ أنا نزلت خلاص يا "مندور" .... أستنى ... !!! أستنى إيه بس ... دة إنت بتقول إن المشرف نفسه محدش عارف يوصل له ... والمعلومات عنهم واقفة ومش عارفين هم فين بالضبط ... ماشي ماشي ... أنا جاية لك في السكة على طول أهو ...
أغلقت باب الشقة من خلفها متجهة لمقابلة "مندور" للذهاب لشركة الرحلات فبعد محاولات عدة للوصول لمشرف الرحلة لم يتمكنوا من الوصول إليه فهاتفه أيضاً مغلق ولم يجدا سبيلاً سوى الذهاب لمقر الشركة نفسها للإستفسار عن الأمر ومعرفة أين هم تحديداً ...
❈-❈-❈ــ
الكهف ...
أكملت "ياسمين" طريقها ومازال الألم يدب بجسدها لكن فضولها لم يمنعها من الإقتراب بخطوات تجاه "زينة" الصامتة منذ الأمس لتتسائل بتعجب ...
_ مالك يا "زينة" ... ساكتة أوي من إمبارح مش عوايدك ...؟!!
تنفست "زينة" بضيق وهي تردف بغموض ...
_ مفيش ...
ألحت عليها "ياسمين" بالسؤال فهي ليست من طبعها الصمت بتلك الصورة، كما شعرت بضيقها من خلال ردها المقتضب ...
_ مالك بجد ... إيه إللي مزعلك ... ؟!!
تفكرت "زينة" لبعض الوقت قبل أن تجيب تساؤل "ياسمين" بصوت ضعيف ...
_ مخنوقة من صاحبتك دي الصراحة ... حساها سهونة كدة مش مرتاحه لها خالص ...
أجابتها "ياسمين" بنفي قاطع ..
_ حرام عليكي ... دي طيبة وغلبانة ...
إشرأبت "زينة" برأسها قليلاً قبل أن تلقي شكوكها بقلب "ياسمين" أيضاً ...
_ دي غلبانة دي ...!!!! طب خدي بالك بقى أحسن شكلها بترسم على تقيل ...
أنهت عبارتها وهي تضرب كتف "ياسمين" بخفة قبل أن تستكمل محذرة "ياسمين" من "يارا" ....
_ دي وقعت "عامر" في يوم ... وشايفاها كمان بتحاول تقرب من "هادي" الصبح ..
إتسعت عينا "ياسمين" العسليتان بإندهاش لتعيد بصرها تجاه "يارا" ثم تنظر تجاه "هادي" كما لو تود أن تتأكد من حديث "زينة" ...
بذات الوقت وقفت "يارا" برفقة "هادي" لتلاحظها "ياسمين" والتي شعرت بمدى سذاجتها ومدى خبث "يارا" وشرها، أيعقل أن تكون بمثل تلك الوضاعة، أيعقل أن تكون أعطتها حجماً أكبر من حجمها وإهتمام لا تستحقه مُدعيّة صفة الطيبة والضعف ...
إلتفت نحو "زينة" وقد امتلأت عيناها بتساؤلات عدة حين هتفت ...
_ معقول ده ...!!!! ممكن تكون بالخبث ده ...؟؟!! معقول ضحكت عليا وخدعتني بمظهر البريئة الغلبانة ...!!!!
_ شوفتي بقى ... المثل بيقولك إيه ... حرص ولا تخون .... وأنا من يوم ما شفتها مش مرتاحة لها ...
_ الظاهر عندك حق ....
الفصل العاشر
•• سنعود للبداية ••
شركة الرحلات ...
بعصبية شديدة وقف "مندور" يصارخ بصوته الغليظ بدون فهم ...
_ يعني إيه ولا عارف الأتوبيس وصل فين ولا المشرف بلغ إيه اللي حصل .... ده إهمال ...
أجابه الموظف بقلق شديد لردة فعله العنيفة ...
_ والله يا فندم بنحاول ... إحنا شركة كبيرة مش أي حاجة يعني ....
_ حالاً تدلني على وسيلة نطمن بيها على ولادنا ....
_ تمام يا فندم ... إرتاح إنت بس والمدام وكل حاجة حتبقى تمام جداً ...
شعر "مندور" أن هذا الموظف يغفله تماماً وعليه تكوين جبهة قوية لجعله يبحث يإهتمام ودقة حتى يطمئن على إبنته الوحيدة ...
رشا روميه قوت القلوب
لهذا لم يجد سوى حل واحد أضطر إليه، حل يُمَّكِنهُ من صنع وسيلة ضغط قوية تجعل الشركة تسرع بالبحث عنهم فلقد توجس قلقاً بأن إبنته في خطر ...
لم يكن هذا الحل سوى سرقة بيان يحمل أرقام وعنوانين بقية أفراد الرحلة ليصطحب "سعاد" معه ماراً بكل عنوان يخبرهم بأن هناك مصيبة قد وقعت لأبنائهم وإتجهوا بالفعل لأول بيت، بيت أهل "عامر" ....
❈-❈-❈ــ
بيت أهل عامر ....
طرقا "سعاد" و "مندور" بيت أهل "عامر" ليقابلهما "عمرو" أخيه الأكبر ....
_ أيوة خير ... ؟!!
بتلهف أم ضجت وهي تبحث عن إبنتها الضائعة هتفت "سعاد" بإنفعال وتسرع ...
_ إنت أخو "عامر" ... ؟!! ... إلحق أخوك ...!!!
بإنتباه شديد وقلق إعترى قلبه على الفور أجابها "عمرو" ...
_ إيه ....!!!! "عامر" أخويا .... جرى له إيه ...؟!!!
كانت أم "عمرو" أسرع من كلاهما لتقف من خلف "عمرو" صارخة بفزع ....
_ إبني .. !!! ماله إبني .... جرى له إيه .... إنطقي ....!!!!
بقلب مثيل لها هتفت "سعاد" بتلك المرأة الفزعة على ولدها تؤازرها وتطلب مساعدتها أيضاً بذات الوقت ...
_ إبنك وبنتي طلعوا رحلة سوا ... والظاهر كدة الأتوبيس بتاعهم حصل له حاجة في حتة مقطوعة .... والشركة مش راضية تساعدنا ..
بضربات خفيفة فوق قلبها أخذت "أم عمرو" تضرب صدرها وهي تلوم نفسها بشدة ناظرة نحو ولدها الكبير ...
_ "عامر" حيروح مني يا "عمرو" .... أنا السبب ... يا ريتني ما ضغطت عليه .... يا ريته ما ساب البيت وهرب ... أنا السبب ... أنا السبب ... قول له يرجع .... قوله يرجع و والله ما حقف قصاده تاني ....
لم يكن هذا هو الوقت المناسب لإلقاء اللوم عليها لكنها كانت فرصة سانحة لتأكيد ما تتفوه به ....
_ بجد ... يعنى يوم ما يرجع مش حتضغطي عليه تاني أبداً .....
أومأت بالإيجاب وقد إهتز قلبها تخوفاً على ولدها ....
_ توبت والله توبت ... بس يرجع بالسلامة .... بس يرجع بالسلامة ....
تجمع "عمرو" ووالديه بصحبة "سعاد" وزوجها متجهين نحو بيت آخر لإبلاغ أهلهم وتكوين تلك الجبهة القوية للبحث عن أبنائهم ....
❈-❈-❈ــ
الكهف ....
بعد قليل من السير بتلك الدهاليز عادت المجموعة لنقطة البداية، أول الكهف ومشهد الصخرة الكبيرة العالقة والتي تغلق تماماً دون أي منفس للخروج منه أو حتى تجديد هذا الهواء المعبأ بداخله ...
رشا روميه قوت القلوب
وضع الجميع حقائبه وإفترشوا الأرض في إنتظار عودة بقية المجموعات ربما يأتيهم أحدهم بخبر يعلن إطلاق سراحهم من هذا الكهف، سجنهم الغير مقصود ...
بدأت بقية المجموعات في العودة كما عادوا محملين بإحباط يائس دون خبر بأمل جديد ....
لم تتبقى سوى مجموعة واحدة أطالت كثيراً في العودة وتعلقت الآمال بعودتهم أكثر فأكثر ...
❈-❈-❈ــ
بيت زيد ...
لطمت خديها وهى تشهق بقوة لتعلوا صراخاتها كمن فقدت ولدها بتلك اللحظة عندما أخبرتها "سعاد" بما حدث ...
_ إبني ... إبني راح ... ده هو سندي وراجلي بعد ما أبوه مات وسبنا ... "زيد" راح .... رااااح ....
حاوطت "سعاد" "أم زيد" من كتفيها بذراعيها تطمئنها وتحاول بث بها بعض القوة التي تفتقرها هي شخصياً ...
_ بالراحة حبيبتي ... خلي عندك أمل في ربنا ... كلنا هنا عندنا أمل إننا نلاقيهم وإن شاء الله ميكونش حصل لهم حاجة ... إدعيله بس ربنا يحفظه ...
_ ربنا يحفظك يا إبني من كل سوء ... ويسدد خطاك دايماً ولا يوريني فيك شر أبداً ...
_ حتيجي معانا ....؟!!!
لم يكن لديها سوى رد واحد على طلب "سعاد" حينما سحبت غطاء رأسها الكبير وعقصته بقوة حول وجهها وهي تقف مدمعة العينين مثابرة لإنقاذ ولدها الكبير ....
_ إلا جاية معاكي ... ده كلام برضة ... يلا يا ست ...
مروا بعد ذلك بـ"أم زينة" التي لم تهتم مطلقاً بل ولم تبالي لقلقهم الزائد عن الحد قائلة ...
_ وهم صغيرين .... ده الواحد فيهم شحط قد كدة ... إنتوا إللي قلقانين بزيادة شكلكوا مدلعين عيالكم أوي ...
أنهت لقائها بهم بتلك الكلمات الغير مكترثة لتعود لسابق أعمالها دون الإهتمام لما يحدث، حتى لو شعرت بقليل من القلق إلا أنها عادت لمشاغلها اليومية مع بقية أبنائها ...
بعدها مروا ببعض من عائلات مختلفة لبقية المرتحلين بتلك الرحلة كان أغلب ردود أفعالهم القلق، منهم من صاحبهم ومنهم من فضل البحث بطريقته الخاصة حتى وصلا لبيت "يارا" ...
هذا البناء الثري الفخم للغاية حتى أنهم تفاجئوا بروعة بناؤه وبهاء معيشته لكنهم قرروا بالنهاية التقدم نحو أهل البيت اللذين ظنوا أنهم بالداخل في منتهى القلق ...
❈-❈-❈ــ
الكهف ...
مجرد سماعهم لوقع تلك الخطوات جعل قلوبهم تنتفض في إنتظار قدوم تلك المجموعة الأخيرة بخبر سار ...
تحفزوا جميعاً لعودتهم حتى أنهم لم يطيقوا الجلوس لينهضوا من جلستهم بترقب وحماس بالغ ...
إشرأبت الأعناق يستطلعون بأنظارهم هؤلاء الظافرين العائدين من المجهول ليقودوهم نحو الخلاص ...
كيف تعلق آمالك و تتوقع الخلاص من مجهول لا تعرفه ولا تدرك إن كان حقاً يحمل لك صفاء النفس لمساعدتك، ألم تتخيل ولو للحظة أنه ربما يغدر بك أو لا يكون صادقاً في مساعدته لك، أو أنه لا يبالي لمشكلتك حقاً ....
وصلت المجموعة المتبقية وعلى وجهها نفس رد الفعل الذي عادوا به من قبل، لكنهم رغم ذلك كذبوا أنفسهم وما رأوه لتبدأ أسألتهم لهم ومازال الأمل يشتعل بقلوبهم فربما هم مخطئون بما يرونه فوق ملامحهم ...
_ إيه الأخبار يا جماعة ... وصلتوا لحاجة ....؟؟!!
تعلقت عيون الجميع في إنتظار الإجابة عن هذا السؤال لكن الإجابة كانت غير ما كانوا ينتظرون تماماً ...
_ للأسف ... السرداب الطويل أوووى ده نهايته سد ...
تطأطأت رؤوس الجميع فَقد فُقد الأمل نهائياً وبات وضعهم بسجنهم الأبدي هو الحقيقة الباقية، يوم يفكر كل منهم بنفسه فقط، كيف سيعيش وكيف سيقضي البقية من حياته التي عُرف تماماً نهايتها فسوف يبقون هنا حتى (آخر نفس) ...
جلس الجميع يتهاوى فرداً بعد الآخر ما بين تعيس وباكي ومصدوم لكن إلتزم الجميع الصمت ...
صمت إدراك أنها النهاية ...
❈-❈-❈ــ
بيت يارا ...
تلاشت كل تلك الإنبهارات بهذا الصرح العظيم الثري عندما حاولوا الوصول لوالد "يارا" أو والدتها وأخبارهم بالأمر ...
فقد كان كل منهم بعالم ثانِ لا يهتم سوى بنفسه فقط ...
جلس والدها يستكمل محادثاته التليفونية واحدة تلو الأخرى دون الإهتمام بوجود هؤلاء الغرباء بالبيت فكل ما يهمه هو العمل فقط، هذا العمل الذى يكسبه المديد و المزيد من المال ...
بينما توسطت والدة "يارا" مجموعة من صديقاتها يتناولون أطراف الحديث غير مكترثين إطلاقاً بهؤلاء الواقفين ينتظرون من يلبي طلبهم بالحديث معهم ...
كذلك إخوانها الذكور كان كلٍ شارد بما يهليه بعيداً عن البقية ليظهر هذا البيت بجفاء وبرود شديد منفر للغاية ....
رشا روميه قوت القلوب
وبطبع "أم ياسمين" العنيد إقتربت نحو تلك المنضدة التي تضم والدة "يارا" وصديقاتها لتهتف بها بغضب فلم تعد تحتمل كل تلك اللامبالاة ...
_ إنتي يا مدام .... إحنا بقالنا أكتر من نص ساعة محدش معبرنا ... إنتوا إيه مغيبين ...!!!!
تطلعت بها والدة "يارا" بتقزز وعنجهية لتشير إليها بتعالي شديد وهي تلوح بإصبعها السبابة بوجهها كعلامة للدونية والإحتقار ...
_ إنتي مين إنتي ... وإيه إللي دخلك هنا .....؟!!
نظرت والدة "يارا" حولها باحثة عن أحد الخدم ليخرج تلك المرأة من بيتها قائلة ...
_ تعالوا طلعوا الست دي و إللي معاها دول من هنا .... يلاااااااا ....
لكنها فجأة تلجمت من عبارة ألقتها "أم ياسمين" على مسامعها كالقنبلة ...
_ إنتي أم إنتي ... إنتي تعرفي بنتك فين وجرى لها إيه ... ده أنا حتى لو قلت لك إنها في مصيبة ولا حتى حهتمي ....
جمدت ملامح والدة "يارا" للحظات قبل أن تردف بهمس متخوف ...
_ مالها "يارا" ....!!!!
وكأنها أدركت للتو أن لها إبنة تحبها وتخاف عليها، شعرت بإنتفاضة قلبها تجاهها عندما شعرت أنها في خطر ....
كانت دوماً تتمنى أن تكون إبنتها جميلة فاتنة تخطف الأنظار، لكنها رزقت بفتاة عادية للغاية، لكم شعرت بالحرج من تقديمها لصديقاتها اللاتي يرونها أقل من بناتهم وبنات العائلات الثرية الجميلات، لم تعد تهتم بها كما لو كانت ليست لها وجود، لكنها الآن تشعر بالخوف عليها، تخشى من أن يصيبها سوء ما ...
إبتلعت ريقها المتحجر لتهمس بتساؤل ...
_ "يارا" كويسة .....؟؟!!
شعرت "أم ياسمين" بفوزها بإثارة مشاعر تلك الأم المتبلدة لترفع رأسها بخيلاء وهي تجيبها ...
_ بنتك وأولادنا أخبارهم مقطوعة في الصحراء وتقريباً فيه مصيبة وقعوا فيها ربنا يسترها عليهم ... إحنا جايين نبلغكم ونبقى كلنا مع بعض وندور عليهم ...
نهضت والدة "يارا" فجأة من مقعدها وهي تحاول الإستفسار بإهتمام عن التفاصيل وأرسلت بطلب والدها وأخوانها للبحث جميعاً عن "يارا" مع هؤلاء الناس الباحثين عن أبنائهم أيضاً ...
لم يتبقى لديهم سوى عائلة "هادي" فقط ويكونوا بهذا توصلوا لجميع أهل هؤلاء الشبان وعليهم تكوين جبهة قوية للبحث عن أبنائهم فشركة الرحلات تتهرب منهم حتى لا تقع أي مسؤولية عليهم ...