رواية ظلال متقابلة الفصل التاسع 9 بقلم خضراء القحطاني

             

رواية ظلال متقابلة

الفصل التاسع 9

بقلم خضراء القحطاني


كانت أصوات الأجهزة في غرفة العناية المركزة تُحدث نغمةً ثابتة، كأنها تحاول أن تُبقي الحياة معلّقة بخيطٍ رفيع.

جلس صالح اليوسف بجوار سرير ابنته، يحدّق في وجهها الشاحب بأنفاسٍ متقطعة.

لم يرها بهذا الضعف من قبل.

ابنته التي كانت تتحدى العالم بابتسامتها، صارت الآن ساكنة كأنها غ*ادرت الحياة وهي ما زالت على قيدها.

مدّ يده المرتجفة، ووضعها على كفها الباردة:ليلى بنتي، أنا آسف.

يمكن قصّرت معاكي، ويمكن ظل*متك لما صدّقت غيرك بس والله ما كنتش عارف إن الغياب بيوج*ع كده.

قومي يا ليلى، عشان سامي محتاجك، وأنا كمان محتاجك.

دمعت عيناه وهو يضم كفها إلى جبينه،وصوت الأجهزة وحده كان يملأ الصمت كأنها تردّ على بكائه بنبضٍ متعب.

خارج الغرفة، كان إياد يقف مذهولًا.

منذ أن تلقّى اتصال الطفل لم يتوقف قلبه عن الارتجاف.

لم يكن مستعدًا لهذا المشهد، ولم يتخيل أن يراها بين الأجهزة والضمادات.

دخل بخطواتٍ بطيئة، وصوته يتهدّج وهو يقول:ليلى سامعاني؟ أنا جيت قومي بقى، مش هسيبك تروحي مني تاني.

اقترب منها، لامس شعرها برفق، وشعر أن العالم كله ينهار في لحظة واحدة.

كان الندم يلتهمه بصمت،كيف تركها وحدها؟

كيف سمح للظنون أن تفصل بينهما؟

لكنها لم تُجِب.

لم تفتح عينيها.

كانت ملامحها ساكنة، كأنها في عالمٍ آخر لا يسمع الندم ولا الدموع.

وفي الممر، جلس سامر على الكرسي، شارداً، لا يرى سوى وجه الطفل الصغير الذي يجلس مقابله.

كان سامي يضم دميته، عيونه منتفخة من البكاء، ينظر إلى الأرض ولا يصدر منه صوت.

اقترب منه سامر ببطء، جلس على ركبتيه أمامه وقال بصوتٍ منخفض:اسمك إيه يا بطل؟

ردّ الطفل بصوتٍ مبحوح:سامي.

ابتسم سامر رغم دموعه، وكأن القدر يسخر منه:سامي؟ زيي وأنا صغير كنت بلعب بدميتي كده.

سكت لحظة، ثم تابع بصوتٍ يرتجف:عارف مامتك هتقوم إن شاء الله.

بس لازم تبقى قوي، عشان هي بتحبك قوي، ومش عايزة تشوفك بتعيط.

نظر إليه الطفل بدموعٍ لامعة وقال:بس أنا خايف ماما نايمة ومش بترد.

لم يحتمل سامر أكثر.

مدّ ذراعيه واحتضنه بقوة،ضمّه إلى صدره كما لو كان يحاول أن يُصلح في تلك اللحظة كل ما انك*سر بداخله.

وانف*جر في بكاءٍ لم يعرفه من قبل بكاء الرجل الذي ظن أنه فوق الض*عف،لكنّ طفلًا صغيرًا ذكّره بأنه لا يزال إنسانًا.

جلس الاثنان صامتين، والدموع تبلل كتف الصغير.

وفي الزاوية البعيدة، وقف صالح يراقبهما من خلف الزجاج،رأى ابنه الذي طالما اتهمه بالق*سوة،يبكي بين ذراعي حفيده دون أن يعلم أحدهما الآخر من يكون.

همس بصوتٍ متهدّج وهو يمسح دموعه:يمكن دي البداية يا سامر يمكن ربنا بيوريك الطريق اللي لازم تمشيه من جديد.

مرّت ثلاثة أسابيع، والمستشفى لم تعرف للسكينة طريقًا.

كل يوم، يدخل الطبيب المناوب إلى غرفة ليلى، يفحص العلامات الحيوية، ثم يخرج بنفس النظرة المكررة:حالِتها مستقرة لكنها ما زالت لا تستجيب.

كانت الكلمة الأخيرة تط*عن قلوبهم جميعًا في الصميم.

فكلمة مستقرة صارت مثل سك*ين باردة، لا تق*تل لكنها تمنع الحياة من المضي.

في الصباح، كان صالح اليوسف يجلس أمام النافذة الزجاجية لغرفة ابنته.

مظهره تغيّر شعره اشتعل شيبًا، ووجهه فقد تلك الصلابة التي عُرف بها.

لم يعد رجل الأعمال الجبّار، بل أب مك*سور يحرس أنفاس ابنته.

كلما نظر إليها تذكّر آخر حديث بينهما، حين قالت له بصوتٍ متعب:بابا أنا مش عايزة غير تكون راضي عني.

فلم يردّ.

وقتها كان الكبرياء حاجزًا، أما الآن فقد صار عبئًا يق*تله كل يوم.

أما إياد فكان يعيش في صراعٍ لا يهدأ.

يأتي يوميًا، يترك وردة بيضاء على طاولتها، يجلس بجانبها يحدثها كأنها تسمع:ليلى، النهارده الجو شبه يوم ما شفتك أول مرة… فاكرة؟

كنتِ بتزعقي في واحد خبط عربيتك ورفضتي تمشي غير لما يعتذر.

كنتِ قوية، دايمًا قوية بس المرة دي أنا اللي هشيل الوج*ع عنك.

قومي، علشان أنا مش عارف أعيش من غيرك.

ثم يضع يده على يدها ويصمت،وكأنّه يحاول أن يُقنع النبض بالعودة من خلال قلبه هو.

في الخارج، كانت نادين تزور الطفل سامي في كل يوم تقريبًا.

تحاول أن تشغله عن الحزن، لكن عيونه الواسعة لم تعد كما كانت.

يجلس بجانب باب غرفة أمه، يمسك بدميته الصغيرة،

وحين تقترب نادين وتسأله:وحشتك ماما؟

يهز رأسه ويبكي بصوتٍ خافت:ماما مش بتسمعني، كل يوم أناديها ومبتردش.

كان المشهد يق*تل سامر في صمت.

منذ ذلك اليوم لم يغادر المستشفى.

يقضي الليالي في الممر، لا يأكل إلا القليل، ولا ينام إلا على الكراسي الباردة.

يحاول أن يفعل أي شيء ليشعر أنه يُكفّر عن ذن*به،

فيساعد الممرضين، يشتري الطعام للعاملين، أو يسهر مع الطفل ليطمئنه.

لكن الليل، حين يسكن كل شيء،يجد نفسه جالسًا أمام باب الغرفة، يهمس بم*رارة:أنا السبب يا ليلى كنت عايز أدمر*ك، بس دم*رت نفسي معاك.

كل كلمة قلتها كانت طع*نة في قلبي أنا.

وذات ليلة،دخل الطبيب ليطمئن على الأجهزة، وبعد دقائق من الفحص قال بهدوءٍ وهو ينظر إلى صالح:بدأت مؤشرات الدماغ تتحسّن، في أمل إنها تفتح عينيها قريب.

سقطت الكلمة على الجميع كالماء على الجمر.

الكل بكى بصمت نادين، إياد، صالح، وحتى سامر الذي أغلق وجهه بيديه وهو يتمتم:يارب، لو هتسامحني في حاجة خَلّيها تقوم.

في تلك الليلة، جلس إياد بجانبها كالعادة، وأمسك بيدها وقال:لو سامعاني، غمضي عينك مرتين.

لكنها لم تتحرك.

اقترب أكثر، وضع جبهته على يدها ودموعه تنهمر بصمت.

وفي الممر،كان سامر يراقب المشهد من بعيد، وشعر لأول مرة أن الغفران م*ؤلم مثل الذن*ب نفسه.

الليل كان ساكنًا في غرفة العناية المركزة،

ضوء خافت ينساب من خلف الستائر، وصوت الأجهزة لا يزال يطرق الصمت برتابةٍ مملة.

ليلى كانت هناك بين الوعي واللاوعي،تحاول أن تلتقط خيطًا واحدًا من بين آلاف الأصوات التي تدور حولها.

صوت بعيد ثم وجه صغير يبكي ويقول:ماما، قومي بقى ماما متسبينيش.

دمعة ساخنة سقطت على يدها،ومن قلب السكون،تحركت أصابعها لأول مرة منذ أسابيع.

كانت نادين تجلس بجوار السرير،وحين لمحت تلك الحركة، شهقت بصوتٍ خافت وصرخت:دكتور! دكتور! بتحركت إيدها!

ركض الطبيب والممرضات،وبينما الأجهزة تُصدر أصواتًا متسارعة،فتحت ليلى عينيها ببطءٍ شديد، كأنها تخشى الضوء أو تخاف من الواقع.

الضباب تلاشى ببطء،وأول وجه رأته كان إياد، عيناه غارقتان في الدموع، وصوته متهدّج وهو يقول:ليلى سامعاني؟ دي أنا، إياد.

لم تستطع الرد،لكن دموعها انهمرت بصمت، وارتجفت شفتاها كأنها تهمّ بكلمة لم تكتمل.

دخل صالح اليوسف الغرفة بخطواتٍ مترددة،وحين رآها تفتح عينيها، وضع يده على فمه يكتم شهقة البكاء،اقترب ببطءٍ وقال بصوتٍ يختنق بالدموع:الحمد لله الحمد لله يا بنتي، رجعتي لي.

رفعت يدها المرتجفة بصعوبة، حاولت أن تلمس وجهه،

فأمسك بها بقوة وقال:ما تخ*افيش كل حاجة هتبقى بخير، أنا مش هسيبك تاني.

وفي زاوية الغرفة،كان سامي يركض نحوها، صراخ فرحٍ يسبق خطواته الصغيرة:ماما! ماما فاقت!

احتضنها بكل قوته،فضمّته بذراعٍ مرتجفة، دموعها تختلط بشعره وهي تهمس بصوتٍ مبحوح:حبيبي يا سامي كنت فين؟ ماما هنا.

كان المشهد أبسط من كل الكلمات وأعظم من أي وصف.

الطفل في حضن أمه، والأب يبكي من الفرح، والرجل الذي أحبّها يصلي في صمتٍ أن تكون البداية الجديدة لها.

في الخارج،وقف سامر ينظر من خلف الزجاج،رآها تبتسم لأول مرة منذ زمن، والدموع انهمرت على وجهه دون أن يقوى على كبحها.

تمتم بصوتٍ واهن:الحمد لله إنك بخير يا ليلى يمكن ربنا لسه سايبلي فرصة أصلح اللي عملته.

ثم ابتعد ببطء،وعيناه لا تزال معلقتين بوجهها،كأنه يخاف أن تغيب من جديد إن أغلق عينيه لحظة.

                   الفصل العاشر من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>