الفصل الرابع والعشرون 24 والاخير
بقلم خضراء القحطاني
سامي مسك إيده وركب الإسعاف وعينيه متعلقة بوجه مروان اللي ما بيتحركش.
الباب اتقفل وصوت الإسعاف ملأ الليل.
الشرطة بتقبض على سامي ومروان في المستشفى ما بين الحياة والم*وت وسامي مرع*وب، حضنه ملفوف في بطانية وعمال يسأل:فين ماما؟عايز ماما!
ونور بعيد عربية إياد داخلة مكان الح*ادث بسرعة رهيبة.
كانت ليلى واقفة في طرقة المستشفى، إيديها بت*ترعش ووشها الأبيض بقى أزرق من الخ*وف أول ما شافت عربية الإسعاف وهي داخلة، جريت عليها بجنون.
مروان!! سامي!!
خرج المسعف بسرعة وهو شايل مروان على النقالة، د*م على جبينه وصدره بيرتفع وينزل بصعوبة.
سامي كان ماسك إيد خاله بيعيّط لدرجة صوته اتك*سر.
ليلى بصوت مخ*نوق:يا نهار أسود أخويا أخويا كده ليه؟!
سامي وهو متعلق بيها:هو اللي حوش عني خالو وقع يا ليلى وقع علشاني.
حضنته وهي بتنه*ار:حبيبي معلش خلاص انت بخير.
لكن عينها كانت على مروان قلبها كان بينه*ار.
إياد ظهر وهو بيجري، وشه مجهد، وعيونه حمرة من السهر والبحث.
أول ما شاف ليلى وسامي اتنفس بس أول ما شاف مروان اتجمد.
دا مروان؟! اللي اتص*اب؟!
ليلى ببكاء:آه كان بيدافع عن سامي واللي خط*فه كان سامي.
اتسعت عين إياد بص*دمة وغضب:أخوكم؟!!
دخل الأطباء بمروان غرفة العمليات.
وسامي وقف على الباب، رافض يتحرك، دموعه على خدوده.
إياد متسبنيش أنا كنت ماسك إيده وخالو وقع.
إياد نزل لمستواه وحضنه جامد:ما تعملش في نفسك كده دي مش غلطتك مروان كانت نيته يحميك، وإنت كنت شُجاع.
لكن الصغير كان بيهز رأسه وبيقول:لو ما كنتش صحيت من النوم ما كانش هيجراله كده.
انهارت ليلى على الأرض، وفضلت تعيط بصوت مكتوم.
إياد رفعها وهو بيحض*نها من كتافها:أخوكي بطل ومش هيسيبنا.
ظهر ضابط التحقيق مرتبك وهو ماسك ورق.
بص لإياد وقال:الخبر اللي عندي مهم سامي اعترف بكل حاجة بكل العمليات اللي عملها وبمحاولته خط*ف سامي وبالهجوم على أخوه.
ليلى كانت بتسمع وهي مش مصدقة:ليه ليه يعمل كده؟ ده أخويا؟
الضابط بحزن:قال إنه شايل ضغ*ينة عليكم وإنه شايف إن ليلى سبب خ*راب حياته من زمان.
سامي بص ليلى بخ*وف:هيقولوا إن سامي الش*رير هياخدوه فين؟
الضابط رد بهدوء:هيتحاكم بس إنت، يا سامي، شجاع ومحدش هيمسك تاني.
عدّى وقت طويل ساعات من الانتظار، دعاء، خ*وف.
وأخيرًا خرج الدكتور :مروان فاق بس ضعيف جدًا ممكن يشوف حد واحد.
ليلى وقفت بسرعة، لكن سامي كان سابقها بخطوة.
أنا أنا اللي عايز أشوفه هو أنقذني.
دخل سامي الغرفة شاف مروان نايم، وجهه شاحب بس ابتسامته الضعيفة ظهرت أول ما الصغير دخل.
يا بطل.
سامي جري عليه وهو بيبكي:ما تعملش كده تاني أنا خ*فت عليك ما تسبنيش إنت خالو طيب مش زي الش*رير.
مروان ضحك بخفة رغم الأل*م:أنا عمري ما هسيبك.
ليلى دخلت ووقفت عند رجليه، دموعها بتنزل من غير ما تحس:يا مروان كده؟! تخضني كده؟
مروان بص لها بنظرة مرهقة:كان لازم سامي ده مش طفل ده روحي يا ليلى.
إياد دخل بعدهم، وقف عند السرير ومد إيده:أنا مُقصر معاك يا مروان بس اللي عملته ده عمره ما يتنسى.
مروان مسك إيده وقال:المهم ان الولد سليم حافظوا عليه ده نوركم كلكم.
إياد بص لسامي وقال:وإنت هتتعلم السباحة تاني لما خالك يقوم بالسلامة.
سامي ضحك من وسط الدموع:بس ما يقعش تاني.
بعد أيام المحكمة اتملت، والجو كان تقيل.
ليلى وقفت وهي ماسكة إيد سامي، وصوتها ثابت:أنا مش جاية أنتق*م أنا جاية أقول إن اللي حصل ده ك*سر في العيلة لكن مش هي*دمرنا.
سامي اتدخل الحرس بيجرّه، وجهه كان مك*سور، غض*به اختفى بص لمروان اللي كان على كرسي متحرك، وقال بصوت ضعيف:أنا آسف يا مروان أنا كنت تايه.
مروان رد بهدوء:إحنا عيلة بس اللي عملته ما يتصلحش والعدالة لازم تاخد مجراها.
القاضي أعلن حكمه سامي مسك إيد ليلى وبص لها:إحنا بقى عندنا خالو واحد صح؟
ليلى بصت له بحنان:إحنا عندنا اتنين مروان وإياد.
وسامي ضحك ببراءة:وكمان عندي ماما ليلى.
إياد حض*نهم هما الاتنين، وقال بصوت واثق:خلاص ده بيتنا من النهارده ومحدش هيقربلكم تاني.
مرّت الشهور وتحوّل كل الأل*م اللي عاشوه لسِتر ورحمة وخيط جديد بيجمع العيلة من غير خوف.
مروان قعد فترة طويلة في العلاج الطبيعي.
بس يوم عن يوم كان بيقوم خطوة صغيرة، بعدها خطوة أكبر.
وفي يوم دخل عليهم المستشفى بابتسامة واسعة:أنا رجعت واشتقتلكوا.
سامي جري عليه:خالو! هتعلّمني السباحة تاني؟
مروان ضحك:هعلّمك بس من غير وقعة المرادي!
ضحكوا كلهم، وكان في ضحكة ليلى لأول مرة من شهور ضحكة شبه القديمة، الدافية، الهادية.
مع الوقت بدأت ك*وابيس ليلى تقل، بقت تنام بهدوء، وسامي رجع يحضنها من غير ما يسأل بخ*وف:هتروحي فين؟
لأنها بقت موجودة مستقرة محميّة.
إياد كان عامل البيت واحة أمان.
كل يوم يقرب ليلى جنبه أكتر، وكل خطوة كانت بترجعها للحياة.
وفي يوم، وهي واقفة في البلكونة، قالها:ليلى أنا عايز البيت يكبر ونفرح من جديد.
بصّت له باستغراب:نكبر؟
مسك إيدها وحطها على قلبه:نفسي يبقى عند سامي أخت وتبقي بنتنا إحنا الاتنين.
عدّى كم شهر وفي صباح هادي ليلى خرجت من الحمّام، ماسكة اختبار الحمل عينيها بتلمع.
سامي كان أول واحد يشوفها:ماما؟ انتي بتعيّطي ليه؟
قعدت على ركبتيها قدامه:علشان ربنا هيجبلك أخت ان شاء الله يا سامي.
فتح سامي بُقه وصرخ بفرحة:أخت!! بجد؟!
جرى على إياد اللي كان داخل من الباب:إياد!! هنجيب بيبي!!
إياد وقف مذهول، وبعدين حض*ن ليلى بقوة:الحمد لله الحمد لله يا ليلى.
العيلة كلها اجتمعت.
زوجه سامر، جابت لليلى هدية صغيرة للبيبي.
سامر، رغم ج*روحه النفسية اللي اتداوت، كان بيضحك من قلبه:سامي خلاص مش وحيد أخيرًا.
مروان مسك يد ليلى وحض*نها بخفة:فرحتلك من قلبي ربنا عوّضك.
وجي اليوم المنتظر.
كانت ليلة مطر خفيف، والدنيا هادية.
خرج الطبيب بابتسامة:مبروك جتلكم بنت زي القمر.
سامي قاعد بره على الكرسي، قام يرقص ويدور:بنت!! بنت!! عندي أخت!!
دخل إياد لحض*ن ليلى ورفع الصغيرة بين إيديه.
بنت بشرتها بيضا زي أمها، وعيونها واسعة كأنها بتحكي من أول ثانية.
نسميها إيه يا ليلى؟
ليلى بصت لبنتها ابتسمت وقالت:هالة.
إياد قبّل جبينها:أحلى اسم وأحلى بنت.
سامي قرب يبص عليها وقال ببراءة:دي هتبقى أختي وهحميها.
مروان دخل الغرفة على كرسيه المتحرك وهو لسه بيتعافى، أول ما شاف هالة قال:ما شاء الله نور البيت.
ليلى بصت حواليها إخواتها، طفلها الكبير، زوجها، بنتها الجديدة كل اللي اتك*سر اتجمّع من جديد.
ليلى لقت بيت وعيلة وسلام.
وهالة كانت بداية جديدة خيط نور فتح حياة كاملة.
عدّت السنين بسرعة والبيت اللي كان مليان دموع زمان، بقى دلوقتي مليان ضحك ولمة ودفا.
سامي كبر وبقى عنده 13سنة.
ولد مؤدب وذكي، بس أهم حاجة إنه بقى أخ كبير على قد المسؤولية.
كل يوم الصبح، قبل ما يروح المدرسة، كان يصحّي هالة:يالا يا لولو فطارك جاهز.
هالة كانت بتقوم وهي نايمة نصها، ماسكة دبدوبها، وتقول بصوت مبحوح:يااااا سامي خمس دقايق.
بس سامي ما كانش بيزهق.
كان فاكر كل لحظة اتخ*طف فيها بعيد عن مامتهم، وكل خوفه وقتها وعلشان كده بقى أكتر واحد بيخاف على هالة.
هالة عندها 5 سنين.
عيونها واسعة وبريقها ما يطفيش، ضحكتها تسمّع من آخر الشارع.
الكل بيسميها:بهجة البيت.
كانت متعلقة بمروان تعلق غريب تقعد على حجره كل يوم وتقول له:خالو، احكيلي حكاية زمان لما كنت بطل!
مروان يضحك ويقول:أنا؟ دا أنا أكتر واحد جاب المشاكل!
لكن هي ما كانتش بتصدق كانت شايفاه بطلها المفضل.
في يوم جمعة، العيلة كلها متجمعة عند صالح.
سامر بيشوّي فراخ، ومروان بيلعب مع سامي، وإياد واقف بيعدل الترابيزة.
هالة جريت على ليلى:ماما سامي قال إني صغيرة أروح معاه النادي!
سامي رد بسرعة:علشان بتتنططي كتير وهتقعي!
هالة حطّت إيدها على وسطها وقالت:ماهو علشان أنا أختك لازم تاخدني معاك!
ضحكوا كلهم، وإياد قال:خدها يا سامي ده حقها.
سامي لف عينه وقال:ماشي بس هتسمعي الكلام!
هالة رفعت إيديها للسماء:أهوه شوفتوا؟ سامي بيغير!
ليلى ضحكت بصوت عالي ضحكة عمرها ما كانت هترجع لو لا رحمة ربنا وإنقاذ العيلة ليها.
بعد ما الأطفال جريوا يلعبوا، ليلى وقفت جنب إياد في المطبخ:عمرك ما تخيلت حياتنا تبقى بالشكل ده؟
إياد بصّ لها بنظرة حب:بالعكس كنت واثق إنها هتبقى أحلى من كل توقعاتي.
قرب منها ولمس شعرها:أنا وعدتك إني هحميكي وهفضل أوفي بوعدي طول العمر.
ليلى حطّت راسها على صدره، وقالت بهدوء:وأنا أخيرًا مطمّنة.
الأزمات عدّت القلوب اتداوت والبيت اللي اتشققت جدرانه من الخ*وف اتبنى من تاني على حب وراحة.
ومع كل ضحكة من هالة وكل شقاوة من سامي كانت ليلى تحس إن ربنا عوضها عوضًا جميلًا.
لأن بعض النهايات ما هي إلا بدايات لحياة أجمل.
النهاية
سامي اتحاكم واتنفذت العدالة.
سامر اتغير وبقى أخ حقيقي.
مروان اتعافى ورجع أقرب من قبل.
سامي بقى أكثر أمانًا واستقرارًا.
إياد بقى السند والراحة.
