رواية ظلال متقابلة الفصل الخامس 5 بقلم خضراء القحطاني

               

رواية ظلال متقابلة

الفصل الخامس 5

بقلم خضراء القحطاني


الوح*شة أكل*ت قلبه الصغير، فحاول أن يتذكر آخر لحظة قبل كل هذا:كان خارج من المدرسة ويلعب ، ثم صوت فرامل، ثم ص*راخ، ثم ظ*لام.

وبعدها لا شيء سوى هذا المكان البارد.

سمع صوتًا خلف الباب خطوات ثقيلة تقترب، وصوت رجل غليظ يقول:ما تص*رخش يا صغير، محدش هيسمعك هنا.

فتح الباب، ودخل رجل ضخم يرتدي معطفًا أسود، بوجه خالٍ من التعبير.

اقترب منه، وضع طبقًا فيه قطعة خبز وزجاجة ماء، وقال دون أن ينظر إليه:كل، هتحتاج طاقة.

رفع سامي عينيه بخ*وف، وصوتُه يرتجف:فين ماما؟ عايز ماما!

توقف الرجل للحظة، ثم قال ببرود:هتشوفها قريب لما الكبار يخلصوا شغلهم.

وأغلق الباب بع*نف، تاركًا سامي يرتجف من الخ*وف.

جلس الصغير يحدق في الضوء المتسلل من الفتحة، الدموع تتلألأ في عينيه،

ثم بدأ يهمس كما تعود أن يفعل حين يخاف:ماما قالت لي لو ضعت، أقول الدعاء اللي علمتني هو.

رفع رأسه للسماء التي لا يراها وقال بصوتٍ خافت اللهم احفظني بعينك التي لا تنام.

صمته انك*سر بصوت خطوات أخرى، هذه المرة مختلفة  أخف، مترددة.

ثم صوت أنثوي خافت يقول من خلف الباب:سامي؟

تسارعت أنفاسه، اقترب من الباب وقال بلهفة:مين؟ ماما؟

فتح الباب ببطء، وظهرت فتاة شابة بملامح متوترة، شعرها البني مربوط للخلف، تحمل مصباحًا صغيرًا بيدها.

قالت بسرعة:اسمي نادين، أنا هنا أساعدك. بس لازم ما تتكلمش بصوت عالي.

حدق فيها بخوف ودهشة:انتي تعرفي ماما؟

هزت رأسها بتردد:مش بالضبط بس أعرف اللي خ*طفوك  وأنا مش هسيبك هنا، بس لازم أستنى الوقت المناسب.

اقتربت منه، وأخرجت من جيبها قطعة حلوى صغيرة، وضعتها في يده.

ابتسم رغم دموعه وقال بصوتٍ صغير:دي زي اللي ماما بتجيبها لي.

ضحكت نادين بخفوت، وقالت:يبقى لما تخرج من هنا، قول لمامتك إن نادين ساعدتك، ماشي؟

قبل أن تردف بكلمة أخرى، سُمِع صوت رجل يقترب، فارتبكت، وأغلقت الباب بسرعة وهمست:اصبر شوية، أنا هارجعلك بالليل.

ابتعدت خطاها، وبقي سامي وحده من جديد، يحتضن قطعة الحلوى كأنها العالم كله.

في مكانٍ آخر من نفس الميناء،

كان رجل يجلس في مكتب قديم مضاء بمصباح واحد، يتفحص صورًا على الحاسوب.

كانت الصور لليلى وهي تغادر المستشفى، ومعها إياد.

ابتسم بخبث وقال بصوتٍ هادئ:لو عرف صالح اليوسف إن بنته رجعت للحياة هيكون عندنا ورقة ضغط لا تقدر بثمن.

ثم أدار الشاشة ليُظهر صورة الطفل سامي، وقال:والولد ده مفتاح اللعبة كلها.

كانت الرياح تعصف بالميناء، تحمل معها رائحة البحر الممزوجة بالصدأ والوقود.

تغطي السماء غيوم سوداء ثقيلة، والليل بدا كأنه يتآمر على كل شيء.

في أحد المخازن القديمة، جلست نادين خلف صناديق خشبية متهالكة، تحتضن سامي الذي يرتجف من البرد والخ*وف.

قالت له بصوتٍ خافت وهي تضع يدها على فمه:هشش ما تخافش يا حبيبي، محدش هي*أذيك طول ما أنا هنا.

رفع سامي عينيه الممتلئتين بالدموع وسأل بصوتٍ مرتجف:هو اللي برّا هيض؟ربنا؟

ابتسمت نادين رغم الرع*ب في عينيها:لأ يا صغير، دول مش لينا دول بيحاولوا يمنعوا الوحش من ياخدك.

في تلك اللحظة، دوّى صوت محركات سياراتٍ كثيرة تقترب، أضواء كاشفة تخترق الظلام، وصوت مكبّر من بعيد:قوات الأمن! المكان محاصر، استسلموا فورًا!

ارتبكت نادين، ضغطت على كتف سامي وقالت بخفوت:اسمعني كويس يا سامي، لما أقولك اجري، تجري على الضوء من غير ما تبص وراك، ماشي؟

هز رأسه بخوف، ودموعه تلمع تحت ضوء المصباح الصغير.

على الجهة الأخرى من الميناء، توقفت سيارة إياد فجأة بعد أن تلقى إشارة التتبع الأخيرة لهاتف نادين.

كانت ليلى بجانبه، متوترة، عيناها تبحثان عن أي أثر.

قالت بقلق:إياد، أنا حاسة إن سامي هنا قلبي مش مطمن.

أخرج إياد سلاحه وهو ينظر نحو المباني المظلمة:الإشارة جايه من المخزن رقم ٤ بس فيه حركة مش طبيعية حوالين المكان، شكلها عملية كبيرة.

لم ينتظر أكثر، اندفع مع ليلى بين الحاويات المعدنية، حتى سمعا صوت إط*لاق ن*ارٍ مفاجئ يهز المكان.

اختبآ خلف سيارة مقلوبة، تبادلا نظرة خاط*فة، فقال إياد بحدة:خليكي ورايا، ما تتحركيش إلا لما أقول.

لكن ليلى لم تستطع الانتظار حين سمعت صوت طفل يصرخ من بعيد صوت سامي  لم تتمالك نفسها، واندفعت تركض نحو المخزن، تص*رخ:سامي! سامي حبيبي!

ص*رخ إياد خلفها:ليلى! ارجعي!

لكن الرص*اص بدأ يتطاير في كل اتجاه، وصوت البحر صار أعلى من العاصفة نفسها.

في الداخل، كانت نادين تمسك بسامي وتحاول الزحف خلف الصناديق، الرص*اص يخترق الجدران المعدنية من حولهم.

ص*رخت فيه:اجري دلوقتي يا سامي! اجري!

ركض الطفل نحو الباب الخلفي كما طلبت، لكن عتمة الميناء ابتلعته.

نادين حاولت اللحاق به، لكن انف*جارًا قريبًا أسقطها أرضًا، وج*رح في كتفها بدأ ين*زف.

وبينما كانت تحاول النهوض، رأت رجلاً يرتدي معطفًا رماديًا يتجه نحوها بخطواتٍ بطيئة.

ابتسم بخبث وقال:مش قلتلك ما تتدخليش؟ الولد مش ليكي.

رفعت نادين سكي*نًا صغيرًا من الأرض، وصاحت وهي تتراجع:هيم*وت على جسدي!

لكن قبل أن يقترب منها، دوّى صوت طل*قةٍ واحدةٍ حاسمة سقط الرجل أرضًا، وخلفه وقف إياد والس*لاح ما زال في يده، ودخ*ان الط*لقة يخرج من فوهته.

اقترب منها بسرعة، أمسك بكتفها وقال بحدة:فين الولد؟

أشارت بيدٍ مرتجفة نحو الخارج:هرب راح ناحية الرصيف!

ركض إياد في الاتجاه الذي أشارت إليه، تتبعه ليلى التي بالكاد تلتقط أنفاسها.

صوت الرص*اص ما زال مستمرًا، والبحر يضرب الصخور بعنف.

عند الرصيف، كان سامي يحاول الاختباء خلف قارب صغير مقلوب.

اقتربت منه ليلى بخطواتٍ مرتجفة، عيناها تجوب المكان بخوف، ثم ص*رخت بصوتٍ مبحوح:سامي!

التفت الطفل، وبمجرد أن رأى وجهها، ركض نحوها واحتضنها بقوة.

انهارت ليلى على ركبتيها، تمسك به كأنها لن تتركه أبدًا.

الحمد لله الحمد لله.

لكن فرحتها لم تدم طويلًا.

من خلفهم، جاء صوت خطواتٍ أخرى بطيئة، ثابتة ثم سمعوا صوتًا مألوفًا يقول:وأخيرًا اتقابلنا يا ليلى.

رفعت عينيها ببطء، ورأت رجلاً في الخمسين من عمره، بملامح صارمة وعينين تشبهان عينيها تمامًا.

قال إياد بصدمة وهو يوجه سلاحه نحوه:إنت مين؟

ابتسم الرجل بثقة:أنا صالح اليوسف والدها.

تجمد الزمن حولهم، وصوت البحر صار كأنه يختفي في الخلفية.

ليلى شهقت، وصوتها بالكاد خرج:أبي؟!

في صباح اليوم التالي، كانت رائحة القهوة تعبق في قصر اليوسف الهادئ.

لكن الصمت لم يكن سلامًا كان ثقيلًا، متوتّرًا، كأن شيئًا انك*سر ولن يُصلَح أبدًا.

جلس سامر اليوسف خلف مكتبه الفخم، عينيه تحدقان في صورة والده على الجدار، ملامحه متجهمة، عقله يغلي بالأفكار.

كانت الأخبار في كل المواقع تتحدث عن حادث الميناء وظهور ابنة رجل الأعمال صالح اليوسف المجهولة.

ضغط على أسنانه وقال بحدة:غلطتك يا أبي، هتدمر اللي بنيناه كله.

دخلت عليه رنا، سكرتيرته الخاصة، تحمل ملفات الشركة.

لاحظت تجهمه وسألته بحذر:في حاجة نعملها بخصوص الأخبار المنتشرة؟

أجابها دون رفع نظره:سيبِ الصحافة تكتب اللي عايزة بس أنا اللي هكتب النهاية.

جلس للحظة صامتًا، ثم أضاف بنبرةٍ أكثر برودًا:عايز أتعرف على كل تحركاتها هي وابنها، والرجل اللي معاها.

اسمه إياد، صح؟

أومأت رنا بتوتر:أيوه، ضابط شرطة.

ابتسم سامر بسخرية:جميل يبقى هنلعب اللعبة على مستواه.

في تلك الأثناء، كانت ليلى تحاول أن تبدأ من جديد.

استأجرت شقة صغيرة في أطراف المدينة، تحيط بها الأشجار وصوت العصافير، كأنها تهرب من ضوضاء العالم.

كانت تقف عند النافذة، تراقب سامي وهو يرسم بحرًا وسماءً زرقاء.

ابتسمت بخفة وقالت:لسه بتحب البحر رغم كل حاجة حصلت؟

رد الطفل بابتسامة بريئة:عشان فيه بابا الكبير.

تجمدت للحظة، ثم جلست بجانبه وسألته برقة:بابا الكبير؟ مين هو يا سامي؟

أجابها ببساطة:اللي شُفتِيه عند البحر، اللي شبهك.

انقبض قلبها لا تدري إن كانت تشعر بالحنين أو الخوف.

في نفس اللحظة، كان سامر يقف في مكتب والده، يواجهه للمرة الأولى بعد الحادث.

قال بصوتٍ متوتر:مش كفاية إنك خبّيت عنها كل حاجة؟ دلوقتي عايزها تدخل حياتنا وتاخد نصيبها كمان؟

تنهد صالح، وقال بهدوءٍ متعب:اللي حصل خلاص، ومش كل حاجة تتقاس بالفلوس يا سامر.

رد سامر بعصبية:سهلة تقول كده لأنك مش اللي تعب، مش اللي شال الشركة من الصفر لما الكل سابك!

تيجي دلوقتي واحدة ما نعرفش عنها حاجة تاخد مكاننا؟

وقف صالح، نظر إليه نظرة طويلة وقال:هي مش واحدة غريبة دي دمّك.

ضحك سامر بمرارة، اقترب خطوة وقال بحدة:دمّ*ي؟ يمكن بس مش من نفس الطريق اللي أنا جاي منه.

أنا تربيت على النظام، هي تربت على الشارع!

الفرق بينا مش في الاسم يا أبي، في العالم اللي عايشينه.

لم يرد صالح، فقط جلس على الكرسي، متعبًا، كأنه يحمل أثقال السنين.

أما سامر فتابع بنبرةٍ منخفضةٍ مليئة بالتصميم:بس ما تقلقش أنا مش هسيبها تدمّر اللي فضِل من العيلة.

في المساء، جلس سامر في سيارته أمام بناية صغيرة في أطراف المدينة، ينظر عبر الزجاج إلى الضوء المنبعث من شرفةٍ في الطابق الثالث.

هناك كانت ليلى تُطعم سامي العشاء، والضحك الخافت يملأ المكان.

مد يده إلى الهاتف، وأجرى اتصالًا.

قال بصوتٍ بارد:ابدأوا التنفيذ بس بهدوء.

ما عايزش دوشة، ولا أذيّة مباشرة.

عايزها تحس إن كل حاجة حواليها بتقفل عليها، من غير ما تفهم ليه.

أنهى المكالمة، وظل ينظر إلى الشرفة، حيث الأم والابن يضحكان،

ثم همس لنفسه:هتندمي إنك رجعتي، يا ليلى.

وفي الصباح التالي، استيقظت ليلى على صوت جارتها تطرق الباب بعنف.

ليلى! افتحي بسرعة!

فتحت الباب بارتباك، لتجد المرأة تمسك جريدة بين يديها، وجهها شاحب.

ناولت الجريدة لليلى، والصفحة الأولى تحمل عنوانًا كبيرًا:ابنة صالح اليوسف المجهولة ماضيها الغامض وعلاقتها برجل شرطة!

تجمدت مكانها، قلبها خفق بعن*ف، بينما الكلمات تنغرز في صدرها كالس*كاكين.

همست لنفسها بصوتٍ مرتعش:هو بدأ الحرب سامر.

كانت رائحة الملح لا تزال عالقة في شعرها، والبرد ينهش أطرافها وهي مستلقية على السرير الأبيض في المستشفى ج*رح صغير على ذراعها، وضمادة على كتفها، لكن الأل*م الحقيقي لم يكن في الجسد بل في قلبها.

فتحت نادين عينيها ببطء، لتجد إياد واقفًا بجانب النافذة، يراقبها بصمت لم تكن تعلم هل يشكّ بها أم يشفق عليها.

قال بهدوء:الحمد لله على سلامتك.

ابتسمت ابتسامة واهية:لو كانت السلامة تُشترى، لدفعت عمري ثمنها.

جلس على الكرسي المقابل، نظر إليها مطولًا قبل أن يسأل بصوت خافت:ليه كنتِ هناك يا نادين؟ ليه خاط*رْتِ بحياتك علشان سامي؟

أطرقت رأسها، ويديها ترتجفان وهي تعبث بخيط الغطاء:لأن سامي مش مجرد طفل بالنسبة لي.

رفع حاجبه باستغراب:يعني إيه؟

زفرت تنهيدة ثقيلة كأنها تفرغ سراً دفينًا منذ سنوات:قبل ما أتعرف على ليلى، كنت أشتغل في حضانة صغيرة. سامي كان يجي مع والده كريم أحيانًا وكنت أشوف في عينيه نفس النظرة اللي كانت في عينيّ وأنا صغيرة الخوف.

صمتت قليلًا ثم تابعت بصوت مبحوح:لما انفصلوا، ليلى كانت مح*طمة، وسامي بدأ ينعزل أنا حاولت أكون قريبة منه، أساعده بس بعد فترة اكتشفت إن في حد بيراقبهم، بيرسل تهديدات مبهمة. كنت أعرف إن في شيء كبير وراهم، وقررت أراقب الموضوع من بعيد.

اقترب إياد منها أكثر، نظراته فيها مزيج من الشك والاحترام:وانتهى بيكِ الأمر في الميناء؟ ازاي؟

نظرت له بعينين دامعتين:جالي اتصال قالوا إن الولد في خ*طر، وإن لو ما رُحتش، مش هتشوفيه تاني صدّقتهم، وروحت. كنت عايزة أحميه، حتى لو كان فخ.

هزّ رأسه ببطء، وكأنه بدأ يرى الصورة تتضح أمامه لكن قبل أن يتكلم، فتحت باب الغرفة ليلى، وجهها شاحب وعيناها حمراء من البكاء.

تبادلت النظرات مع نادين للحظة طويلة، مزيج من الامتنان والخ*وف والشك.

قالت ليلى بصوت متهدّج:شكراً إنك أنقذتي ابني بس في حاجات لازم تتقال.

أخفضت نادين عينيها، همست:عارفة يا ليلى بس يمكن الحقيقة اللي عندي توصلك للحقيقة اللي بتدوروا عليها.

نظر إياد إليهما معًا، وأدرك أن ما سيُقال بعدها قد يُغيّر كل شيء.

كانت السماء تمطر خفيفًا، كأنها تشاركها الحزن نفسه.

جلست ليلى على الأرض، أمام حقيبة صغيرة لسامي، ترتّب ملابسه بيدين ترتجفان.

كل قميص تضعه كان يحمل ذكرى أول يوم مدرسة، ضحكته حين سقط في الطين، خوفه من الظلام حين كان يختبئ في حضنها.

توقفت فجأة، ورفعت رأسها حين سمعت طرقًا على الباب.

عرفت الصوت قبل أن تسمعه جيدًا.

كريم دخل بخطوات ثابتة، يحمل في عينيه صراعًا بين الرحمة والجمود.

وقف ينظر إليها دون أن يتكلم، حتى قالت بصوت مبحوح:مش كنت تبعت حد يا كريم؟ ليه جيت بنفسك؟ عايز تشوف وج*عي بعينك؟

أخفض نظره للحقيبة، ثم رفعه إليها وقال بهدوء م*ؤلم:أنا مش جاي أؤذي*ك يا ليلى، بس الوضع بقى خ*طر سامي محتاج يعيش في بيئة مستقرة، بعيد عن المشاكل.

ضحكت ضحكة مك*سورة، وكأنها سمعت نكتة سوداء:بيئة مستقرة؟ مع مين؟ مع اللي ما كانش فاكر عيد ميلاده؟ ولا اللي ما يعرفش لون عينيه؟

اقترب خطوة منها، نظر في وجهها طويلًا، كان التعب مرسومًا في كل تفصيلة فيها.

قال بجمود:مش قصدي أج*رّحك، بس خلاص، المحكمة حكمت لي بالحضانة المؤقتة.

تجمدت الكلمات في حلقها، وكأن أحدهم ان*تزع أنفاسها.

يعني هتاخده مني؟ بعد كل اللي عديت بيه؟ بعد اللي شفته لوحدي؟

اقتربت منه تمسك بذراعه كأنها تتشبث بآخر أمل:كريم، ما تخلّيش الولد يعيش الإحساس اللي أنا عشته ما تسيبوش يحس إنه ملوش أمان.

كانت الدموع تنهمر بصمت، وصوته حين ردّ جاء مبحوحًا:أنا آسف يا ليلى.

تقدم نحو الغرفة، حيث كان سامي نائمًا، ورفعه بين ذراعيه برفق.

فتح الطفل عينيه نصف فتحة، وهمس:بابا؟ ماما جاية معانا؟

لكن كريم لم يستطع الرد.

بينما ليلى كانت واقفة في مكانها، عاجزة حتى عن الص*راخ، كل ما استطاعت فعله هو النظر إلى الباب وهو يُغلق، ومعه آخر ما تبقّى من قلبها.

سقطت على ركبتيها، والهدوء يملأ المكان، حتى المطر توقف، كأنه حزن معها.

رفعت نظرها إلى السقف، قالت بصوتٍ متكسّر:يا رب لو هو الخير ليهم، خُدني وخليهم يعيشوا.

في تلك الليلة، لم تنم المدينة ولم تعد ليلى هي ليلى.

لم يطرق إياد الباب كان الباب نصف مفتوح، كما لو أن البيت نفسه استسلم للحزن.

دخل بخطوات حذرة، ينادي بصوت خافت:ليلى؟

لم تجبه كانت جالسة على الأرض، نفس المكان الذي غادره كريم قبل ساعات. عيناها حمراوان، ووجهها شاحب، والرسائل غير المرسلة لسامي تملأ الطاولة أمامها.

اقترب منها، جلس على الأرض بجانبها دون أن يتكلم.

لم يكن يعرف ماذا يقول فهو الضابط الذي واجه أصعب القضايا، لكنه الآن عاجز أمام دموع امرأة.

همست بعد صمت طويل:عارف يا إياد لما كانوا بياخدوا ابني، حسّيت إني بتفكك من جواي كل نفس بيتسحب مني وهو بيبعد.

قال بصوت مبحوح:ليلى، اللي حصل ظ*لم، بس لازم تصمدي كريم مش هيقدر يبعد سامي عنك للأبد.

نظرت له، بعينين مثقلتين بالخذلان:الناس بتاخد منك اللي بتحبه، وبيدّعوا إنهم بيحموه منك. هو ده العدل؟

اقترب أكثر، قال بنبرة حانية:اللي زيك ما يتك*سرش يمكن الوج*ع اللي جواكي هو اللي هيخليكي أقوى بس أوعديني ما تستسلميش.

نظرت إليه طويلاً، ودمعة وحيدة انحدرت على خدها.

أنا مش عايزة أكون قوية، إياد أنا بس عايزة ابني.

ترك كلمتها تتردد في صمته، قبل أن يغادر الغرفة بخطوات مثقلة.

في الخارج، أخرج هاتفه واتصل بزميله في القسم:عايز كل حاجة عن سامر اليوسف وديلا فورا اللي حصل لليلى مش صدفة.

في الجهة الأخرى،كان كريم يجلس على طرف السرير في منزل والدته.

سامي نائم بجانبه، وجهه هادئ كأن شيئًا لم يحدث.

مدّ كريم يده ولمس شعره برفق، والدموع بدأت تملأ عينيه.

سمع صوت أمه خلفه تقول بهدوء:عملت اللي لازم يتعمل يا كريم الولد محتاج أبوه.

رد بصوت منخفض:بس خدت منه أمه خدت منه الحضن اللي بيطمنه.

سكتت الأم، فتابع هو:كنت فاكر إني بعمل الصح بس من ساعة ما خرجت من بيتها، مش قادر أتنفس كأني سبت قلبي هناك.

اقتربت منه والدته وربتت على كتفه:أحيانًا الصح بيكون وج*ع، يا ابني.

نظر إليها بعينين غارقتين في الأسى، وقال:بس الوجع ده مش عدل خصوصًا لو سبناه يكبر.

في تلك اللحظة، سمع صوت سامي يتمتم في نومه:ماما ما تسيبينيش.

تجمّد كريم مكانه، أحس أن الكلمة اخت*رقت صدره كخ*نجر،

وأدرك ولو متأخرًا أنه لم ينتزع سامي من أمه فقط بل انتزع نفسه من إنسانيته.

               الفصل السادس من هنا 

لقراءه باقي الفصول من هنا

تعليقات



<>