رواية اخر نفس الفصل الحادي عشر11 والثاني عشر12 بقلم رشا روميه قوت القلوب

رواية اخر نفس بقلم رشا روميه قوت القلوب
رواية اخر نفس الفصل الحادي عشر11 والثاني عشر12 بقلم رشا روميه قوت القلوب
•• أنت السبب ••
الكهف ...
بعد مرور وقت طويل على هذا الإضطراب الذي زلزل كيانهم أصبحوا أمام حقيقة واقعة واحدة، أنهم سيقضون بقية أيامهم هنا ...

نفوسهم المهترئة جعلتهم متحجرين للتفكير تماماً، كلٌ يفكر بنهايته فحسب حتى إنتبهوا لـ"زيد" كالعادة فكان أقواهم تحملاً وجلداً ورضا بقضاء الله ...
_ يا جماعة إحنا مفيش قدامنا إلا الإنتظار ... يمكن حد يساعدنا ونطلع من هنا ... عشان كدة لازم نشوف معانا أكل ومياه تكفينا قد إيه ويبقى إستخدامنا فيهم قليل جداً عشان نقدر نستحمل ..

كان "هادي" أول المعقبين على حديث "زيد" حين هتف بإنفعال ويأس بالغ نابع من نفسه الضعيفة ...
_ إحنا كدة كدة ميتين يا "زيد" .... حتفرق إيه مُتنا بعد يوم ولا ثلاث أيام .... 

_ لازم يكون عندنا أمل .... حد عارف إيه إللي ممكن يحصل ....

لوح "هادي" بكفه متمللاً من "زيد" وحالميته، غير مقتنع بحديثه بالمرة، فما يقوم به "زيد" الآن ما هو إلا حلاوة روح كما يقولون لكن الواقع يثبت أن تلك هي نهايتهم ...
رشا روميه قوت القلوب 
لم يعر "زيد" إنتباه ليأس "هادي" ليحث المرتحلون معه بالبحث بحقائبهم عن بقية الطعام والماء ليكفي للجميع أطول فترة ممكنة ...

                       
❈-❈-❈ــ

بيت هادي ...
آخر المطاف بين الأهالي جميعاً هو بيت "هادي" ، ذلك الشاب الثري الذي يختلف وضعه عن بقية أقرانه، فهو له عمل مستقل يدر عليه الكثير من المال يخصه وحده لا لأهله ولا لشريك يقاسمه أرباحه ...

توقف الجميع أمام بيته الفخم للغاية والذي بُني على أحدث طراز له أمكانيات تكنولوجية وتصميم فريد بتعجب يزيد عن الإندهاش، فمن أين إستطاع تكوين هذا المال لعمل ذلك، وهل مجال الإعلان مربح لتلك الدرجة ...

لكن الإنبهار لم يدم طويلاً فبعد زيارة بيت "يارا" لم يعد الثراء والفخامة مقياس، فربما أهله كأهل "يارا" لم يكترثوا ولم يهتموا بل جاء هذا الحادث كصدمة تفيقهم مما هم فيه ويشعرون بقيمة إبنتهم ...

لكن ما حدث كان على النقيض تماماً فبيت "هادي" لم يكن به سوى والدته وبعض الخادمات فعلى ما يبدو أنه وحيد ليس له إخوة ولا أخوات ...

كانت والدته سيدة رقيقة هادئة من ذوات الطبقة المخملية الأرستقراطية ...

لم تكد "سعاد" تُعرفها بنفسها وسبب مجيئها إلى هنا حتى إنهارت قوى والدة "هادي" تماماً حتى أنه قد أغشى عليها من الصدمة ....
رشا روميه قوت القلوب 
رد فعل قوي لم تكن لتتخيله "سعاد" فيبدو أن تلك السيدة تتأثر بسهولة للغاية  ....

علمت من الخادمة التي أسرعت لتفيق سيدتها أن السيدة "ألفت" والدة "هادي" لا تتحمل الضغوط والمؤثرات الصادمة إطلاقاً كما أن ولدها "هادي" هو وحيدها مدللها ولا تتحمل أن يمسه الهواء فكانت تلك الحادثة صادمة لها للغاية ...

شعرت "سعاد" كم أن هناك أُناس مرفهة، حتى أنها لا تستطيع تخيل مدى رفاهية حياتهم بخلاف المال، فإن الرفاهية إسلوب حياة فكم من أصحاب المال لا يستطيعون الترفية عن أنفسهم مطلقاً بل أن هناك من يتخذ من الدنيا بوابة للراحة بكل السبل ...

حقاً لقد قابلت اليوم كل الفئات وحيواتهم المختلفة، فمنهم الكادح المتعب ومنهم الفقير الذي لا يهتم ومنهم الذى يتشبث بطرف الدنيا ليمر اليوم وينتظر الغد ومنهم المترف والغير مكترث، ومنهم المنعم الذى لا يتحمل الصدمات فيقع بأول إختبار ...

                        
❈-❈-❈ــ

الكهف ...
تجمعت الفتيات حول بعضهن البعض بينما تجمع الشباب بالجانب الآخر ولم يكن عليهم سوى الإنتظار، لا يدركون ماذا ينتظرون لكنهم مجبرين على ذلك ...

كان الأمر بالبداية إستسلام للواقع المرير حتى بدأ تفكيرهم يتبدل وإلقاء اللوم على الأخرين فيما حدث تهرباً من أن يكونوا هم السبب لما آل إليه الحال ...

تفاجئ الجميع بعد فترة طويلة ساد الصمت بها بـ"هادي" يصرخ إنفعالاً ويخرج عن صمته وصبره بإنهيار شديد، حين نهض من جلسته بقوة متجهاً نحو "ياسمين" قائلاً بحدة ...
_ إنتي السبب .... إنتي السبب ... جبتي لنا النحس بسلسلتك دي .... إنتي السبب ....

نظرات لوم علت أعين البعض مصدقين لما تفوه به "هادي" فيما حاول آخرون تهدئته وأن ما يفعله لن ينفع بشئ الآن ...

حتى تطور الأمر وأخرج "هادي" سلاحاً نارياً صغيراً من جيبه يوجهه نحو "ياسمين" وقد إتقدت عيناه بشرر قائلاً من بين أسنانه ...
_ لازم نخلص منك ... ده الحل الوحيد عشان نطلع من هنا ... إنتي النحس إللي وقعنا في المصيبة دي .... 

إتسعت عينا "ياسمين" بهلع وهي ترى "هادي" يشهر مسدسه تجاهها يود التخلص منها وقتلها ....

لتصرخ بقوة ...
_ لااااااااااااااااااااااااااا

للحظات تجمدت بها بموضعها لم تدري ماذا تفعل شُلت كل أفكارها وتحركاتها، هي لم تقصد أن ينالهم سوء حظها لكن الصدفة هي من جمعتهم بها وحدث ما حدث ...

لحظات فارقة بين إنفعال "هادي" وإطلاق النار لكن لم تصيب تلك الطلقة النارية "ياسمين" مطلقاً على الرغم من أنها سمعت دوىّ إطلاق النار جيداً، بل كاد يخترق صوتها القوى آذانهم جميعاً ...

فوجئوا بـ"زيد" يلقى بنفسه حائلاً بين "هادي" و "ياسمين" المذهولة ليصاب بجرح سطحي بكتفه، فلحسن حظه أن الرصاصة لم تخترق جسده بل مرت حارقة بحافة ذراعه لينهمر منها الدماء دون إختراق الجسد ...

أمسك "زيد" بكتفه المصاب بكفه القوي محاولاً كتم أنفاسه وتحمل هذا الألم العظيم، لم يكن كما كان يُرىَ تلك المشاهد بالأفلام بل كان مؤلماً للغاية ....

جلس "زيد" ببطء متحاملاً على نفسه هذا الألم ليلتف البعض حول "هادي" يقاومونه ويسحبون هذا السلاح الناري من يده حتى لا يصيب أحد آخر وسط ذهوله من قدرته على الضغط على الزناد لأول مرة بحياته ...

بينما أفاقت "ياسمين" من ذهولها لتسرع نحو "زيد" الذي كاد يفقد حياته بدلاً منها تطمئن على جرحه ونزفه للدماء ...

وقفت بقية الفتيات في إرتعاب مما حدث للتو فلم يتوقع أحد أن يصل إنهيارهم لهذا الحد ...

دنت "ياسمين" من "زيد" وقد زاغت عيناها حول الجرح بتهدج أنفاس شديد ...
_ إنت كويس ....؟!!

ثبتت عيناه على فراشته الملهوفه تكاد نظراته تصرخ "أحبك" لو فقط رفعت عيناها تجاه عيناه العاشقتان، أتسأل عنه وتقلق عليه، أهذا حقيقه الآن ...؟!!!

ياليته أُطلق عليه النار من قبل ليرى لهفتها وقربها منه لتلك الدرجة، كم هي جميلة .. رقيقة عن قرب ... بالفعل تستحق أن يخسر حياته كلها فداء لها ...
رشا روميه قوت القلوب 
إبتلع ريقه بإضطراب وإرتجف جسده بقوة حين رفعت أناملها الرقيقة نحو جرحه الغائر، إحتراق جسده لا يساوي رجفة مثل تلك التي شعر بها بلمسه منها ...

صمت "زيد" عن الرد جعل "ياسمين" ترفع وجهها تجاهه متسائله بتلهف ...
_ "زيد" ... إنت كويس ....؟!!

تهدجت أنفاسه وعلت ضربات قلبه بقوة وهو يومئ بالإيجاب مردفاً بهمس لم تستطع "ياسمين" تمييز ما يقول ...
_ كويس أوي ... كفاية إنك جنبي ....

مالت "ياسمين" بوجهها للأمام قليلاً وهي تضيق من عينيها بإستفهام ...
_بتقول إيه ...؟!!

إبتلع ريقه بقوة مردفاً ..
_ كويس ... متقلقيش ....

دارت بعينيها تجاه "هادي" الذي حاوطه بقية زملائهم يقيدون حركته حتى لا يقوم بتصرف أهوج مرة أخرى لتصرخ به بحدة ...
_ إنت مجنون .... كنت حتموته ....

ضم "هادي" شفتيه بحركة عصبية وهو يصرخ بها ...
_ إنتي السبب ... إنتي السبب ....

هنا صرخ بهم "زيد" ومازال يضغط على جرحه الغائر ...
_ ما تفوق بقى وبلاش شرك بالله بأفكاركم دي، سلسلة إيه وحظ إيه !!!!! .... هي "ياسمين" السبب في إيه ... ؟؟! ما تفكر شوية ... ومش إنت بس ... لأ .... كلنا لازم نفكر ونعيد حساباتنا ... ربنا عمل فينا كدة ليه .... أكيد فيه حاجات غلط عملناها وهي السبب في إللي إحنا فيه ... مش "ياسمين" ولا سلسلتها هي السبب ...

صمت الجميع لوهلة أيمكن ذلك ...؟؟! أهم هنا بإختبار لما فعلوه وكان سبباً بنهاية حياتهم بتلك الطريقة ...

بالطبع كانت الإجابات المتهربة أسرع من الإعتراف بالحقيقة لتتعالى الكلمات برفض ما يتفوه به "زيد" ...
_ إنت بتقول إيه ....؟!؟

_ لأ طبعاً... إحنا معملناش حاجة ...

_ أيوة أكيد ... حنعمل إيه يعني يكون عقابنا فيه الموت ...

_ إنت بتخرف ... كل ده عشان بتدافع عنها ...

تعددت العبارات الناكرة لذلك ليرفع "زيد" كتفه بلا إكتراث قائلاً ...
_ زى ما تشوفوا ... عموماً إحنا حنروح من بعض فين ... أدينا قاعدين لحد ما شوية الأكسجين إللي في الكهف يخلصوا ونفسنا يتقطع ونموت كلنا ... 

كناقوس يدق برأس كل منهم ليلتزموا بعدها الصمت ما بين شعور بالذنب وآخر خائف ينكر أن ما حل بهم بسبب أفعالهم ...

أخذ "عامر" يضمد جرح "زيد" بما يحملونه من بعض الإسعافات الأولية التي يحملونها ليجلس الجميع في الإنتظار مرة أخرى ...

الفصل الثاني عشر 
•• إعترافات ••

إنطلقت سيارات أهالي هؤلاء المرتحلين بطريقها نحو الواحات، تلك وجهة رحلة أبنائهم للبحث عن الحافلة التي كانوا يستقلونها بعدما علموا من الشركة أنه قد فُقد أثر هؤلاء الشباب ولا يعلمون أين هم الآن ...

                                 
❈-❈-❈ــ

حل سكون الليل وتعالت أصوات ساكني الطبيعة بهذا المكان المقفر ...
توقفت السيارات إلى جانب الطريق لأخذ بعض ساعات الراحة وإستكمال الرحلة عندما تشرق الشمس ...

وبين موافق ومعارض رضخ الجميع لنيل بعض الراحة فيا له من سفر مرهق للغاية قاموا به وقام به أبنائهم من قبلهم ...
رشا روميه قوت القلوب 
لبعض الوقت لم يغلب النعاس على بعض العيون لتبقى ساهرة يتسامرون بصوت هامس حتى لا يستيقظ البقية ...

قال "مندور" بجدية تامة ...
_ "سعاد" ... إيه رأيك نرجع وناخد بالنا من بنتنا وسطينا ...؟!!

لم تنتظر "سعاد" الكثير من الوقت فهذا الشعور قد غلبها بالفعل منذ بداية تلك الأزمة، الأمان .. شعرت بالأمان وهو معها شعرت بالسند وقت الشدة ...

إبتسمت "سعاد" بخفة وهي تجيبه ...
_ ماشي يا "مندور" ... ده بس عشان لقيتك مستجدع معايا وإحنا بندور على "ياسمين" ...

إستنكر "مندور" تلك الفكرة الدائمة التي تسيطر على عقل زوجته ...
_ أنا مش وحش أوي كدة يا "سعاد" ... أنا والله بحب "ياسمين" وعايز مصلحتها ... وحتى العريس إللي جاي لها ده .. فعلاً راجل محترم وميتفوتش ...

بنبرة مصدقة له تماماً أجابته "سعاد" بهدوء ...
_ عارفة يا أخويا ... نخلص بس من مصيبتها دي ونطمن عليها ودوغري نعمل إللي إنت شايفه ...

_ إن شاء الله ... وساعتها الفرح يبقى فرحين ....

طأطأت رأسها بخجل ليغمض "مندور" عيناه براحة فكل الأمور سوف تتعدل أخيراً ...

                             
❈-❈-❈ــ

الكهف ...
إتخذ الجميع موضعاً للنوم لكن بعد ما حدث من "هادي" لم يكن نوماً مطمئناً على الإطلاق ...

                           
❈-❈-❈ــ

مع إشراقة الشمس وحلول الصباح إتخذ الأهالي وجهتهم بالبحث عن الحافلة تجاه كهف (الجارة) كما كان مخطط ببرنامج الرحلة ...

الكهف ..
بدأوا في الإستيقاظ واحداً تلو الآخر لكن الصدمة كانت عند نظرهم لآخر زجاجة مياه لديهم فمنذ تلك اللحظة سيعانون العطش وضيق النفس ...

كانت بالفعل الأجواء داخل مغارة الكهف خانق للغاية وبدأ المرتحلون يشعرون بذلك ...

بدأ الإنهيار ببكاء إحدى الفتيات التي لم تعد تتحمل وتشعر بإقتراب الموت منهم، أخذت تهتف بإنفعال ويأس شديد ...
_ مفيش نقطة مياة ... ونفسي مخنوق ... خلاص كدة ... حموووت ... أنا دايخة أوي مش قادرة أستحمل .... حموووووت .... حموووووت ... أنا مش عايزة أموووت ... أنا لسه صغيرة ... عايزة أعيش ... 

كان أسرع رد لها هو رد "يارا" ...
_ إهدي شوية ... كل واحد فينا له نصيب وعمر ... ربنا قادر يخرجنا من محنتنا دي ...

رفعت الفتاة وجهها للأعلى وقد أغرورقت عيناها بالدموع تدعو بتضرع ...
_ يااااااارب ..... يا رب طلعني من هنا ومش حقول لماما ( لأ ) أبداً ... أنا عارفة إني كنت بعاملها وحش ودايماً بعارضها ... بس فهمت الدرس بجد ... يا رب أطلع بس من هنا وأسمع كل كلامها ....

كان إعتراف تلك الفتاة هو بوابة العبور بالنسبة للبقية ظناً منهم أن بإعترافهم بأخطائهم سيسامحهم الله ويعفو عنهم ويخرجهم من الكهف ...

بدأت سلسلة من الإعترافات بذنوب وأسباب ظنوا أنها هي السبب فيما وقعوا فيه، كانت كلها تتأرجح ما بين عدم الإنصياع لأهلهم أو فعل أمر يندمون عليه لكن كله كان في الإطار الذى يقوم به الناس عادة ليس به ما يسبب أزمة مثل تلك التي وقعوا بها، لكن إحساسهم بإقتراف جرم كبير جعلهم يشعرون بالذنب بما إقترفوه ...

لكن بقي هؤلاء الستة لم ينبسوا ببنت شفة بل ظلوا يتابعون الإعترافات وطلب الغفران من الله على مرأى ومسمع منهم ...

                              
❈-❈-❈ــ

بالطريق ...
توقفت السيارات أمام الحافلة المتوقفة بيمين الطريق وقد دون عليها بخطوط إعلانية مميزة إسم شركة الرحلات التي إستقلها أولادهم ...

دب الأمل بقلوبهم فقط وصلوا إليهم أخيراً ليترجل الجميع مهرولين بقلق وتلهف تجاه الحافلة ...
رشا روميه قوت القلوب 
كمن بدأ السباق للتو حاول الجميع الوصول أولاً للحافلة لرؤية أولادهم والإطمئنان عليهم ...

وقفت والدة "يارا" ووالدها وقد إمتلأت قلوبهم بإحساس متفاقم بالذنب لإهمال إبنتهم الوحيدة طوال كل تلك السنوات دون الإهتمام إليها ومعرفة ما يحدث معها طوال الوقت، أيمكن أن يكون ما حدث لها مؤشر لهم ليشعروا بقيمة إبنتهم الغالية وخوفهم من فقدانها ....

نادت والدة "يارا" بصوتها الناعم لكنها جاهدت أن يخرج قوياً حتى يستمع إليها من بداخل الحافلة ...
_ يا ااااا .... يااااا أسطى ... يا عم ... فيه حد هنا .....؟!!!

تلاحقت النداءات منهم حتى ظهر أحدهم من نافذة الحافلة وقد ظهر عليه التوجس فمن سيأتي إليه بهذا المكان المقفر ...
_ أيوة مين ....؟؟!

_ إنت سواق الباص ده ...؟!!

_ أيوة ... عايزين إيه ...؟؟؟

_ فين الشباب إللي كانوا في الرحلة ... وفين المشرف ...؟؟!

بوجه ممتعض تماماً كمن أُقلق راحته أجابهم على عجل ليكمل نومته مرة أخرى ...
_ نزلوا أديلهم كام يوم يكملوا الرحلة في الكهف مشي ... وأنا بستناهم هنا منين ما يرجعوا ...

_ كهف ... كهف إيه ...؟!!

_ أهو كهف كدة جوة في الواحة ... 

تفكر "مندور" قليلاً ليلقي بفكرته التي كانت بالفعل تدور برؤوسهم لكنه أراد أن يستكمل دور الرجل المهتم ذو الأفكار ...
_ يبقى لازم نمشى نروح لهم طالما العربيات مش حتنفع ...

أومأ الجميع بالموافقة ليغلقوا سيارتهم تاركين إياها بالقرب من الحافلة متجهين نحو كهف الجارة بحثاً عن أولادهم ...

                               
❈-❈-❈ــ

داخل الكهف ...
زادت حدة الإختناق قليلاً فقد بدأ الأكسجين يقل بالفعل داخل الكهف وشعورهم بأن تلك هي أنفاسهم الأخيرة جعلهم يشعرون بأن هناك أثقال فوق صدورهم يريدون التخلص منها قبل مفارقة الحياة ...

بدأها "زيد" بإعترافه بعدما إنتهى الجميع من إعترافاته البسيطة قائلاً ...
_ أنا عارف إن طموحي هو سبب عذابي .... كان نفسي أعمل حاجة كبيرة في حياتي بس للأسف كل حاجة بتضيع مني ... حتى الرحلة إللي كنت فاكرها حتفتح لي باب شغل وجالي واحد يعرض عليا الشغل معاه بس أطلع الرحلة دي عشان حقوم بالإرشاد على نفس الطريق ... طمعي في المرتب الكبير عماني ومشيت وراه من غير تفكير وسبت أمي وإخواتي إللي أنا مش عارف حيعملوا إيه من غيري ... الراجل خلف بوعده معايا بس أنا طلعت عشان .... عشان ... عشان أبقى قريب ...

وصل لتلك النقطة ولم يستطع الإعتراف بعشقه لـ"ياسمين" وأنها سبب بقاءه في الرحلة، لكن عيونه قد فضحته تماماً وقد تعلقت عيناه بها ...

فهمت "ياسمين" ضمنياً ما يقصده، ذلك الشعور الذي تتهرب منه بداخلها منذ فترة طويلة لإرتباطها بـ"هادي" الذي كان يَعِدُها بالتقدم رسمياً لوالدتها حين يعودوا من رحلتهم تلك ...

تركت كل تلك الأحاسيس المضطربة جانباً لتهيئ نفسها هي أيضاً للإعتراف فربما ينقذها الله مما وقعت به ...
_ أنا كمان عايزة أعترف بالحقيقة ... الحقيقة أنا بنت عادية جداً ... ولا غنية ولا أي حاجة ... أنا بنت بسيطة من منطقة شعبية ... كنت فاكرة إني حكون أحسن لو إتظاهرت إني غنية و ....

لم تكمل حديثها حينما قاطعها "هادي" غاضباً بحدة ...
_ إيه إيه إيه ....!!!!!! يعني إنتي ضحكتي عليا ...؟!!! بنت فقيرة زيك تعمل عليا أنا الفيلم ده ...؟!! 

تراقص قلب "زيد" فرحاً بمعرفته أن "ياسمين" لا تختلف عن بيئته الفقيرة شيئاً وربما هذا شئ يقربه منها بعدما كانت الفجوات بينهم كبيرة للغاية، لكن ثورة "هادي" أثارت غيظه الشديد فكيف يتعامل معها بهذه الطريقة، وهو يعلم تماماً أنه يرفضها ولا يود إكمال خطبته لها ليقف مدافعاً عن "ياسمين" ....
_ جرى إيه يا "هادي" إنت مش قلت خلاص ... مش عايز تكمل مع "ياسمين" فارقة معاك إيه غنية بقى ولا فقيرة ...!!!!

نظرت نحوه "ياسمين" بذهول حين فغرت فاها بعدم فهم مقصد "زيد" ...
_ مش عايز يكمل معايا ...؟!! هو قال كدة ...؟!!

ثم إتجهت ببصرها تجاه "هادي" قائلة ...
_ إنت قلت مش عايز تكمل معايا 
تعليقات



<>