
ليست كل الجرائم تُرتكب بسكين
ولا كل الدماء تُراق في الشوارع.
هناك جرائم صامتة،
تُرتكب داخل البيوت،
تحت مسمّى الحب،
وتُغلف باسم التدليل،
لكنها في الحقيقة… استهتار.
استهتار بالأبوة،
استهتار بالمسؤولية،
واستهتار بطفلٍ كبر
دون أن يتعلم الفرق
بين الحق والباطل،
لأن أحدهم قرر أن المال
كفيلٌ بتصحيح كل شيء.
في بيوتٍ فاخرة،
تُفتح الأبواب بلا مفاتيح،
وتُغلق القلوب بلا ضجيج.
أطفالٌ يكبرون محاطين بكل شيء،
إلا الاحتواء الحقيقي،
وأبناءٌ يتعلمون مبكرًا
أن الخطأ يُغتفر
طالما الاسم ثقيل
والجيب ممتلئ.
وهنا تبدأ الحكاية…
ليس بحادث،
ولا بقسم شرطة،
بل بنظرة أبٍ
ظن أنه حين يعطي بلا حساب
فهو يحمي،
ولم يدرك أنه كان يهدم
أساسًا فوق أساس.
ووسط هذا الاستهتار،
كانت هناك أم…
ترى الخطر بعيني القلب،
وتحاول أن تزرع القيم
في أرضٍ تُجرف كل يوم
بفيضان المال والنفوذ.
كانت تعرف أن النهاية موجعة،
لكن أحدًا لم يُصغِ.
هذه الرواية لا تحكي عن شابٍ ضل الطريق فقط،
بل تحكي عن أبٍ
تعلم متأخرًا
أن التربية لا تُشترى،
وأن الخطأ إذا كُبّر بالسكوت
يعود يومًا ليطلب ثمنه…
غاليًا.
الاستهتار
حكاية عن المال حين يخون،
وعن الحب حين يُفهم خطأ،
وعن درسٍ لا يُكتب بالد*م فقط،
بل بالندم
🩸 الفصل الأول: بذرة الخطأ
لم يكن مهران الألفي أبًا فاسدًا،
ولم يكن شريرًا كما قد يظن البعض…
لكنه كان أبًا مستهترًا،
يخلط بين الحب والتدليل،
وبين التربية وترك الحبل على الغارب.
كان يؤمن أن المال هو الحل لكل شيء،
وأن النفوذ قادر على مسح أي خطأ،
وأن ابنه الوحيد لا يجوز أن يُحاسَب
لأنه ببساطة… ابن مهران الألفي.
في فيلا فاخرة تشبه القصور،
نشأ عمر وسط الخدم والحراس،
لا يسمع كلمة “لا”،
ولا يعرف معنى الحرمان،
كل رغبة تتحول إلى أمر،
وكل خطأ يُدفن تحت سجاد المال.
لكن داخل هذا البيت الكبير
كان هناك صوتٌ ضعيف…
صوت أم.
كاملية…
امرأة رقيقة،
قلبها أكبر من القصر الذي تسكنه.
كانت ترى ما لا يراه الأب،
وتخاف مما يسخر منه الجميع.
كانت تقول لمهران مرارًا:
«إنت بتعلّم عمر إن الدنيا ملكه،
بس بكرة الدنيا هتعلّمه درس قاسي.»
كان يضحك بثقة زائفة:
«سيبيه يعيش… الفلوس بتحميه.»
كبر عمر…
شابًا مهذبًا من الخارج،
لكن بداخله فراغ لا يُملأ.
كان يحب أمه حبًا يشبه التعلّق،
يراها الأمان الوحيد
في بيتٍ تحكمه الأوامر لا المشاعر.
كانت الأم تحاول أن تزرع فيه القيم سرًا:
التواضع…
الرحمة…
الخوف من الله.
وكان الأب يهدم ما تبنيه دون أن يشعر،
حين يعطي المال بلا حساب،
ويغلق عينيه عن أي انحراف صغير
قبل أن يصبح جبلًا.
وفي صباح يومٍ عادي،
رنّ هاتف مهران الألفي.
رنة واحدة…
قصيرة…
لكنها حملت في داخلها
بداية النهاية.
صوت رسمي قال:
«حضرتك والد عمر مهران؟
ابنك متهم في حادث…
ورجل عجوز بين الحياة والموت.»
توقف الزمن للحظة…
لكن مهران لم يرتعب،
لم يبكِ،
لم يسأل عن الرجل المصاب…
بل قال بثبات:
«تمام… أنا جاي.»
لم يكن يعلم أن هذه الخطوة
لن تقوده فقط إلى قسم الشرطة،
بل ستقوده إلى مواجهة
مع تربيته…
مع نفسه…
ومع حقيقة حاول إنكارها سنوات