الفصل الخامس 5
بقلم خضراء القحطاني
كريمة، قريبة والد إسراء، ست في الـ 34 من عمرها من برّه شكلها عادي جدًا، ملامحها هادية لكن ورا الهدوء ده في جبل من التض*حيات متجوزة من راجل اسمه محروس، راجل أناني وبخ*يل، والأدهى من كده إنه متجوز عليها و هو طول الوقت بيتعامل كإنه سيد البيت، لكن الحقيقة إن اللي شايلة البيت كله على كتافها هي كريمة.
بتصحى من الفجر، تحضر الفطار للعيال الثلاثة: حسام 14 سنة لسانه طويل ودايمًا بيشوف أبوه المثل الأعلى، منى 11 سنة متأثرة بكلام أبوها وبتظن إن أمها ضعيفة، وآسر 7 سنين أطيبهم وأقرب لقلبها لكنه متقلب بسبب الجو المشحون في البيت.
الأولاد فاكرين إن أبوهم هو اللي بيصرف عليهم، وبيتعاملوا مع أمهم بجفاء وق*سوة ساعات، يج*رحوها بكلمة أو يتجاهلوا مجهودها بس الحقيقة إن كريمة بتشتغل في الخفاء بتخيط هدوم للناس، وتساعد جارتها في محل صغير علشان توفر المصاريف فلوس محروس بالكاد يلمسها البيت، هو بخ*يل على عياله لكن مش بخيل على نفسه ولا على مراته التانية.
في الليل، بعد ما الكل ينام، تقعد كريمة في المطبخ لوحدها تخيط على ماكينة قديمة إيديها مليانة وخ*ز الإبر، عينيها بتوجعها من التعب، لكن قلبها مليان صبر ساعات تبكي وهي لوحدها، بس أول ما تسمع حركة من حد، تمسح دموعها بسرعة وترجع لشخصيتها القوية اللي متعودة عليها.
اللي يميز كريمة إنها برغم كل الظ*لم، لسه بتحافظ على كبرياءها عمرها ما راحت تشتكي، ولا طلبت من حد يعينها كريمة عندها إيمان إن بكرة هيكون أحسن، وإن أولادها يوم ما يعرفوا الحقيقة هيقدّروا تضحياتها.
كانت كريمة واقفة في السوبر ماركت، إيدها ماسكة ورقة صغيرة مكتوب فيها احتياجات العيال للمدرسة كل ما تمد إيدها على حاجة، تحسب بعقلها:دي غالية دي مش ضرورية دلوقتي لحد ما الفلوس خلصت منها بسرعة وما قدرتش تجيب غير شنطة واحدة.
وقفت قدام الكاشير، وهي بتحاول ترسم ابتسامة صغيرة وتخبّي كس*رتها لكن أول ما خرجوا من السوبر ماركت، حسام وقف قدامها بغضب:إيه ده يا ماما! شنطة واحدة؟! إنتي مش قادرة تجيبلنا حتى حاجتنا؟!
منى وقفت جنبه، عينيها فيها غضب وس*خرية:آه ما هو بابا هو اللي بيصرف علينا، إنتي مالك*ش لازم*ة وإحنا أصلاً بنحب مرات بابا أكتر منك.
الكلمات نزلت على قلب كريمة زي الس*كاكين حاولت تمسك نفسها، لكن دموعها غلبتها ونزلت على خدودها وهي شايلة الشنطة بإيد مرتعشة.
حسام ومنى اتبادلوا نظرات اس*تهزاء ومشيوا قدامها بسرعة، سايبنها وراهم.
بس آسر، الصغير، وقف مكانه وبص على أمه ودموعها حس قلبه الصغير يتقبض، مد إيده الصغيرة مسك طرف جلابيتها وقال بصوت واطي:ماما ما تعيطيش، أنا بحبك.
كريمة نزلت على ركبها قدامه، حضنته بقوة وهي بتبكي أكتر آسر مسح دموعها بإيده البريئة، بس برضه مش قادر يغير اللي حصل.
وفي الآخر، رجعت كريمة البيت محمّلة بالك*سرة والوج*ع مش من قلة الفلوس، لكن من ج*حود ولادها اللي لسه مش فاهمين مين اللي بيشيل تعبهم الحقيقي.
رجعت كريمة البيت وهي لسه متأثرة بكلام ولادها، قعدت على الكنبة في الصالة، عينها لسه حمرا من البكا جارتها أم هناء خبطت الباب ودخلت كالعادة ومعاها شوية خضار أول ما شافتها وقفت قدامها، قالت بلهجة فيها حنية:مالك يا كريمة؟ وشك مخطوف كده ليه؟
كريمة حاولت تخبّي دموعها بمنديل قديم:مفيش بس الدنيا ضاغطة شوية.
لكن أم هناء ما سكتتش، قعدت جنبها وقالت:إنتي اللي شايلة البيت كله على كتافك، وولادك فاكرين إن أبوهم هو اللي بيصرف؟! ماينفعش كده لازم تحسسيهم إن تعبك له قيمة.
الكلام وق*ع في قلب كريمة زي الص*دمة قعدت طول الليل تفكر: هو أنا ليه بخليهم فوق راسي وهم مش مقدّرين؟
وتاني يوم ابتدت تتغير ولادها حسام ومنى استغربوا أول ما طلبوا مصاريف المدرسة، ردت عليهم ببرود:اطلبوا من أبوكم هو اللي كبيركم.
اتضايقوا جدًا، وابتدوا يضجروا ويعيطوا ويتخ*انقوا معاها، لكن كريمة كانت مصممة إنهم لازم يعرفوا الحقيقة.
الأيام عديت سريعة، ولادها بدأوا يحسوا بالنقص ولما راحوا عند أبوهم يشتكوا، افتكر إنه يلاقي فرصة يق*هر كريمة رجع معاهم للبيت، ومعاه مراته الجديدة، وقعدت دي تتمنظر قدام كريمة، لبس دهبها وبنتها الصغيرة ماسكة إيديها.
قال لها جوزها بسخرية:شوفتِ يا كريمة؟ مرات الراجل هي اللي بتفرّح وتدلّل مش اللي قاعدة تش*تكي طول النهار.
كريمة وقفت قدامهم، عينيها فيها دموع مق*هورة لكن قلبها بيغلي لأول مرة ما انهارتش، ردت عليه بصلابة:أنا لا بشتكي ولا بقلل أنا اللي شايلة بيتك وولادك من غير ما تحس وإنت واللي معاك آخر همي.
البيت كله اتصدم من ردها، حتى ولادها اللي كانوا متعودين يشوفوها ضع*يفة حسام بصلها بذهول لأول مرة، مش عارف يرد.
لكن كريمة دخل أوضة النوم وسابتهم واقفين، وقررت جواها إنها مش هتفضل زي الأول أبدًا.
الأيام عدّت وكريمة ما بقتش زي زمان، بقت ترجع من شغلها تعبانة، تحط الأكل لآسر بس وتقول له:تعال يا حبيبي كل معايا، والباقي ياكلوا لو عايزين حسام ومنى بقوا يضجروا أكتر، كل شوية:إنتي اتغيرتي ليه يا ماما؟! إنتي ما بقاش يهمك غير آسر!
فترد ببرود:أنا طول عمري بهتم بيكم، وعمركم ما حسيتوا دلوقتي خلوني أعيش لنفسي وللي مقدّرني.
بقت تهتم بآسر زيادة عن اللزوم، تحكيله حواديت قبل النوم، تذاكر معاه، تشتري له الحاجات الصغيرة اللي يفرح بيها، والولد بقى متعلق بيها أكتر وأكتر.
في مرة وهي بترتب الهدوم القديمة، حسّت بدوخة غريبة، وقعدت على الكنبة تمسك بطنها في الأول افتكرت إنها مجرد تعب من الشغل، لكن لما راحت تكشف عند الدكتورة، قالت لها:مبروك يا مدام إنتي حامل.
الدنيا لفت بيها، مش عارفة تفرح ولا تخاف رجعت البيت وهي سرحانة، تبص على آسر اللي نايم في حضنها وتفكر:يا ترى اللي جاي هيبقى شبه مين؟ ويا ترى هقدر أربيه لوحدي ولا لأ؟
لكن جواها، حسّت بحاجة جديدة بتتولد مش بس الطفل، لكن كمان قوة بقت تقول لنفسها:مش مهم جوزي ولا مراته ولا حتى ولادي الكبار المهم إني أنا أقف على رجلي.
وبينما هي سرحانة في أفكارها، آسر رفع عينه البريئة لها وقال:ماما إنتي هتسيبيني زي ما حسام ومنى بيسيبوني؟
حضنته بكل قوتها وقالت والدموع في عينيها:لأ يا حبيبي إنتي عمري وإنت الوحيد اللي عمره ما هيسيبني.
سلسبيل بقت حديث المدرسة كلها كل يوم تلاقي هدية جديدة: مرة وردة حمراء محطوطة على طاولتها في الفصل، مرة علبة شوكولاتة مرمية في شنطتها من غير ما تاخد بالها، ومرة ميدالية صغيرة لامعة على شباك شقتها البنات بقوا يتكلموا:يا ترى مين اللي بيبعتلها ده؟
أكيد حد معجب بيها.
لكن الغيرة أكلت قلب بعض البنات، خصوصًا شيماء اللي كانت شايفة نفسها الأجمل والأكتر شعبية في يوم وهي ماشية ورا سلسبيل في طرقة المدرسة، قربت منها وقالت بس*خرية:واضح إنك عايشة قصة حب مش فاهمينها إيه بقى، العريس السري؟
سلسبيل حاولت تتجاهل وتكمل طريقها، لكن شيماء مس*كتها من دراعها بقوة بتتمنظري علينا بالهدايا دي يا بت؟! فاكرة نفسك مين؟!
سلسبيل حاولت تهز إيدها وتبعدها:سيبيني في حالي يا شيماء، أنا ماليش ذن*ب.
لكن الغ*ل كان مالي قلب شيماء فجأة ضرب*تها بيدها على وشها، بقوة خلت سلسبيل تق*ع على الأرض قامت بسرعة تحاول تدافع عن نفسها، مدت إيدها تشدها من طرحتها وت*زقها بعيد، لكن شيماء كانت أضخم وأقوى، مسكتها من شعرها وفضلت تهزها بقسوة.
سلسبيل صوتها بدأ يتكسر من البكا والغضب:سيبينييي!
بنات تانية حاولوا يتدخلوا، بس شيماء كانت مولعة ن*ار، عنيها كلها حقد فضلت تعايرها:علشان تعرفي إن مش إنتي بس اللي البنات بتتمنى تكون مكانها!
سلسبيل بكل قوتها رفعت إيدها تدافع عن نفسها، لكنها اتعورت في دراعها ووشها اتخدش، ومع ذلك عينيها فضلت ثابتة، فيها دموع بس كمان فيها كرامة.
في اللحظة دي دخلت مدرسة الفصل فجأة، ووقفت مذهولة قدام المنظر سلسبيل مرمية على الأرض، وشيماء واقفة بتنهج وعينيها كلها غضب.
شيماء لسه واقفة فوق إسراء، بتنهج وعينيها مليانة غل، وسلسبيل مرمية على الأرض بتحاول تفتح عينيها، صوتها واطي وبتشهق من التعب. فجأة، الباب اتفتح بعنف ودخل شاب ضخم، طويل، عريض المنكبين، عينيه حادة كإنها نار.
في لحظة مسك شيماء من دراعها وزقها بعيد بقوة خلتها تت*خبط في الحيطة. صرخت:إنت مين؟!
ما ردش عليها، كان كل تركيزه على سلسبيل نزل على ركبته، شالها من الأرض بسهولة كأنها خفّة ريشة، راسها متدلدلة على كتفه وهي فاقدة الوعي البنات اتجمدوا مكانهم من الرع*ب، محدش فيهم قدر يتحرك.
هو بص لهم بنظرة واحدة كفيلة تسكت أي كلمة، وقال بصوت غليظ:اللي يلمسها تاني، مش هيشوف النور.
خرج بيها من المدرسة والكل بيتفرج، خطواته تقيلة وصوتها بيرن في الطرقة، كأن الزمن واقف.
برّه، عربية سودا فخمة كانت مستنيّة. فتح الباب الخلفي بحرص، حط سلسبيل جوه، وقعد جنبها وهو ماسك راسها بإيده يحاول يثبّتها. العربية اتحركت بسرعة في اتجاه بعيد.
بعد شوية وصلوا لقصر ضخم على أطراف القاهرة، بواباته عالية وحديدها أسود، الحرس واقفين بانتباه أول ما شافوا العربية، فتحوا البوابات فورًا.
دخل الشاب حامل سلسبيل، عدى على الرواق الكبير المليان ثريات وضوء خافت، وطلع بيها للدور التاني. فتح باب أوضة واسعة فيها سرير كبير وستاير تقيلة، مدّدها بالراحة على السرير، وبص عليها لحظة، ملامحه جامدة بس عينه فيها قلق.
في اللحظة دي، ظهر رجل واقف في عتمة الأوضة، قاعد على كرسي جلد، بيلعب بخاتم دهب في صباعه. نبرته باردة وهو بيكلم الشاب:دي مين اللي جبتها يا فارس؟
الشاب الضخم انحنى باحترام:معلش يا سليم بيه لقيتها بتت*ضرب قدام المدرسة، ماقدرتش أسيبها.
سليم الجندي اتكأ لقدام، عينه وقعت على إسراء وهي فاقدة الوعي، والوقت كله وقف للحظة.
